حسمها الأصوليون والشرق الأوسط يدفع الثمن

بسم الله الرحمن الرحيم

6/6/2004

ماحدث للعراق في مارس 2003م من بشاعة وخرق لجميع المواثيق الدولية ، وإن يكن من ناحية عملية مرتبط بإدارة بوش الابن ، ولكن البعد النظري الجيوستراتيجي مخطط له منذ أكثر من عقدين من الزمن ، والذي نستطيع أن نؤكده بأنه منذ عام 1991م والدليل على ذلك ما قاله بوش الأب في نيوزويك العدد 146 : ” كنت أعتقد أن صدام سيلقي حتفه ، مثلما اعتقد كل زعيم عربي ، وأحس كل زعيم في الخليج بأنه سينتهي ، والبريطانيون والفرنسيون وكل شخص ” 0

ونستطيع أن نحلل رأي بوش الأب بعدم المواصلة في التخلص من الرئيس صدام عام 1991م إلى ثلاثة عوامل متوقعة :

أ  – حرب تحرير الكويت عام 1991م كسبت شرعية دولية تحت مظلة مجلس الأمن ضمن المادة 42 وجوب أن يكون التفويض من جانب مجلس الأمن 0 وبما أن الولايات المتحدة حصلت على تفويض شرعي من مجلس الأمن لتحرير الكويت ، وفي نفس الفترة كانت نهاية الحرب الباردة ، وبروز أمريكا كالقطب العالمي الأوحد في العالم ، لذلك يعتقد بأن أمريكا كانت تحترم قرارات مجلس الأمن بشكل كبير ، لأن من خلال ذلك كانت تريد المحافظة على السيطرة العالمية بطريقة قانونية  0
ب – يعتقد أن العامل الثاني هو ثورة الأخوان الشيعة في الجنوب العراقي ، وكانت أمريكا ودول مجلس التعاون الخليجي متخوفين من مطالبة شيعة جنوب العراق الاهتمام مع أخوانهم الشيعة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وذلك سيخلق جيوبوليتيكية جديدة في المنطقة  0

ج – العامل الأخير يعتقد بأن إدارة بوش الأب في عام 1991م اعتقدت حدوث انقلاب داخلي في مؤسسة الحكم العراقية ، علماً بأن هناك تقارير تدعم بأن الولايات المتحدة حاولت أن تدعم هذه النوعية من الانقلابات  0

ولكن ما نستطيع أن نقوله لكم بأنه من شبه المؤكد أن إدارة بوش الأب اعتقدت بأنها ستنتصر في انتخابات عام 1992م ، وهذا سيعطيها الفترة الزمنية الكافية لوضع عدة سيناريوهات لأزمة الشرق الأوسط ، وكانت الإدارة الأمريكية تحاول أن تحافظ على الحلف العراقي معلقاً كمسمار جحا ، وهذا المسمار يعطيها الحق في التدخل في المنطقة متى شاءت  0

ولكن الشيء الذي لم يكن في الحسبان بالنسبة للجمهوريين الأصوليين هو خسارتهم في انتخابات عام 1992م ووصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض في عام 1993م ، واستمرت سيطرتهم على البيت الأبيض إلى عام 2000م 0 وذلك مما جعل الجمهوريون يدخلون في انتخابات 2000م بكل ثقلهم لكي يصلوا إلى البيت الأبيض ، واستخدموا جميع أسلحتهم المشروعة وغير المشروعة ، والدليل على ذلك استطاع الجمهوريون إيصال بوش الابن إلى البيت الأبيض ليس بواسطة الانتخابات الشرعية ، وإنما بواسطة قانون المحكمة ومازال الجدال مستمراً حول مدى دستورية تنصيب بوش الأبن رئيساً على الولايات المتحدة  0

والأمر المفجع بأنه على رأس قائمة الجمهوريون عندما وصولوا إلى البيت الأبيض هو ما قاله كولن باول في مارس 2001م :

1- القدس عاصمة إسرائيل 0
2- العراق سوف تعالج أزمته بأسلوب احتواء وقمع جديدين 0
3- السودان يقسم إلى دولتين في الشمال والجنوب 0

وبعد ذلك صرح المصدر الأمريكي بأن ذلك مجرد فرضيات ، ولا تعتبر قرارات رسمية  راجع آل ثاني ، فهد ، العالم الإسلامي ، ص 119 ، 120  0

وفي منتصف مارس 2003م ظهر للملأ مبدأ بوش الابن الكلاسيكي لإستخدام القوة ، وهو عندما قال للرئيس العراقي : تنازل عن السلطة وأخرج أنت وأبنائك من العراق خلال 48 ساعة وإلا سنخرجك بالقوة  0 ما قاله بوش الابن يبدو ظاهرياً أنذار، ولكنه في الحقيقة قطع خط الرجعة بشكل كلي أمام العراق لمحاولة إيجاد مخرج من الاعتداء الأمريكي المحسوم عليها  0 وهذا بالفعل ما قالته الإدارة العراقية نحن جاهزون للمنازلة ؛ بغض النظر ما هي النتائج الختامية ؟  0

وبدأت الكارثة الإنسانية والطبيعية على العراق بالأهداف الثمانية التي حددها رامسفيليد ، ونحن نسميها الموبقات الثمانية ضد القانون الدولي العام وهي خلع الرئيس العراقي ، وأربع نقاط منها بخصوص الارهاب وأسلحة الدمار الشامل ، ووضع حد للعقوبات المفروضة على العراق ، وتأمين حقول النفط ، ومساعدة إعادة تشكيل الجيش العراقي 0 وهذه المطالب السبعة الأخيرة جميعها أذعن لها العراق وفتح أبوابه على مصراعيها للأمم المتحدة ، وكل من تفوضه للبحث عنها ، ولكنهم فشلوا في إيجاد أي من المحظورات ، أو في مساعدة العراق فيما يمكن إصلاحه  0 وذلك يعود للضغوط المستمرة التي تتعرض لها المنظمة الدولية من قبل الولايات المتحدة لإفشال أي مسمى لإيجاد حل سلمي للأزمة العراقية  0

خلاصة القول بأن ما حدث ويحدث للعراق مقرراً له أن يحدث منذ فترة زمنية طويلة ، وربما أكثر من عقدين عندما اعتدت إسرائيل على المفاعل النووي العراقي  0

ويدعم ذلك ما تقوله النظرية الاستعمارية ، ففي مقالة نشرتها وول ستريت جورنال ، قال لونستون تشرشل حفيد الزعيم البريطاني تشرشل : ” كان جدي ، هو الذي صنع العراق ، وأسس معظم الشرق الأوسط الحديث منذ عام 1921م ، ورسم الحدود الدولية في المنطقة ، ونصب الحكام فيها ” 0 ولم يتبق للحفيد إلا أن يقول أن الشرق الأوسط من أملاك التاج البريطاني ، والولايات المتحدة وريثة المملكة المتحدة في الشرق الأوسط وفي العالم 0 وفي النظرية الاستعمارية هذا يعطي الولايات المتحدة الحق أن تتصرف في الشرق الأوسط كيفما تشاء  0

وعموماً النظرية الاستعمارية ربما تجد من يذعن لها وكله آذاناً صاغية لما تقول في الشرق الأوسط ، وهم قلة طبعاً  0

ولكن لإقناع الشارع المتحرر فكرياً في الغرب لابد من أن يستخدم له سلاح آني وعصري يمثل الخطر الذي يهددهم به المتخلفون في الشرق الأوسط وعالم الجنوب ، وهو ما قاله هنري كيسنجر لمجلة  باري ماتش  : ” الحرب ضد العراق جزء أساسي من مكافحة الارهاب ، وهي المرحلة الثانية من هجوم بدأ في أفغانستان ” 0

وهذا يعطينا النظرية الأصولية لهنري كيسنجر وهو يوضح بأن حصان طرواده الأرهاب ظاهرياً ، ولكن بواطن الأمور تكمن في تغيير خارطة الشرق الأوسط ، وصناعة إسرائيل الكبرى  0

ويدعم رأينا بالنسبة لما يحدث للعراق والشرق الأوسط المفكر الأمريكي مايكل كولينر بايبر في محاضرة ألقاها في مركز زايد ، وقال : ” هذه الخطة تتصل بحلم إسرائيل الكبرى ، الأمر الذي تعمل الإدارة الأمريكية على تشجيعه والترويج له ” 0

وفي الختام ما قامت به الولايات المتحدة في العراق يعتبر انتهاك كامل للقانون الدولي وللتنظيم الدولي بشكل كلي وذلك لأنها لم تستخدم الطرق السلمية لحل النزاع ، والتهديد باستخدام القوة ، وبل استخدامها دون تفويض من مجلس الأمن 0 وكذلك استخدمت الولايات المتحدة الأسلحة المحرمة دولياً كالقنابل العنقودية والانشطارية والقنابل التي تزن أكثر من سبعة أطنان من المتفجرات والقنابل المساحية 0 ومن الانتهاكات الأخرى التي قامت بها الولايات المتحدة للقانون الدولي العام هو التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، وضرب المناطق المدنية ، وتحطيم التراث الحضاري للأمم0

السؤال الذي يطرح نفسه الاعتداء الأمريكي على العراق انهى صلاحية كلٌ من المنظمات التالية : الجامعة العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، وعدم الانحياز ، وعلى رأس القائمة الأمم المتحدة  0

السؤال هو : هل ستعيد الولايات المتحدة صياغة القانون الدولي ؟ والتنظيم الدولي ؟ 0 لأننا كقانونيين أعتقد بأننا لا نستطيع أن نعمل بهذا القانون الوضيع الذي يفتقد للشمولية ، لأنه يترك البعض ويطبق على البعض الآخر  0

وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

حرب تحرير الصفقات

بسم الله الرحمن الرحيم

6/6/2004

الحرب المسماه بحرب تحرير العراق ، نرى أن من أهدافها الرئيسية ، كما ذكرنا كثيراً من خلال وسائل إعلامية ، ومناسبات علمية ، هو التالي :

أ  – أمن إسرائيل ، وإقامة دولة إسرائيل الكبرى 0
ب – تغيير المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط  0
ج – السيطرة الجيواستراتيجية على قلب العالم ، وعلى موارد الطاقة ، وذلك يعطي الولايات المتحدة عنصرين رئيسيين هما :
1- السيطرة على جميع مجالات الحركة في العالم القديم 0
2- السيطرة على معظم موارد الطاقة 0
ونتيجة ذلك سيحافظ على هيمنة الولايات المتحدة الأحادية على العالم بطريقة تلقائية ربما تصل إلى خمسة عقود من الزمان  0
د – تنشيط الاقتصاد الأمريكي وإخراجه من الركود على المدى القصير  0

النقطة الأخيرة هي حجر الزاوية التي يدور حولها هذا الموضوع ، وبالطبع ذلك ليس بغريباً ، فأحد عوامل قيام الحرب العالمية الثانية هو الركود الاقتصادي الأمريكي في عام 1929م ، وتلى ذلك الركود شبه إنهيار للاقتصاد الأمريكي والعالمي  0

وكأن التاريخ يعيد نفسه ، فبعد الحرب الباردة كانت المحاولات الأمريكية لعولمة العالم بطرق سلمية ، أو ربما بطرق تستخدم فيها الجزرة أكثر من العصا  0 ولكن بعد أن فشلت برامج العولمة ما بين 1991م – 1998م ، بدأ العالم الصناعي وخاصةً أمريكا ، تعاني من ركود كبير ، وانعكس ذلك على عدة مؤشرات اقتصادية منها : العجز المزمن في الميزان التجاري ، وانخفاض النمو في الناتج المحلي إلى أقل من 1%، وارتفاع معدل البطالة ، وانعكس ذلك على خسائر فادحة على كبرى الشركات الأمريكية المساهمة ، كما سيوضح لاحقاً  0

إذاً الأزمة الاقتصادية موجودة أصلاً قبل أحداث 11 سبتمبر 2001م ؛ والدليل على ذلك أن الإدارة الأمريكية حاولت تقديم مجموعة من الحلول للخروج من هذه الأزمة، وبالنسبة لنا كشرق أوسطيين ، ربما نتذكر جيداً الهبوط الكبير الذي أصاب أسعار النفط ، وأكثر وضوحاً التأرجح الذي أصاب أسعار النفط صعوداً وهبوطاً ، وأوضحنا ذلك من خلال دراسة نشرت لنا في مجلة المستقبل العربي ، الكيفية التي يستطيع بها الأمريكان التحكم في أسعار النفط ، وذلك لتنشيط العرض والطلب الكلي في الأسواق العالمية ( راجع آل ثاني ، فهد ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 275 ) 0

وبعد فشل استراتيجية الجزرة ، اتجه الأمريكان إلى استراتيجية العصا ، وهنا آراء كثيرة تتهم الإدارة الأمريكية بأنها عندما تريد استخدام استراتيجية العصا ، فسوف تجد بأن معظم شرائح الرأي العام الأمريكي يقف ضد الحرب ، إلا عندما يكون هناك تهديد للأمن القومي الأمريكي 0

إذاً لمحاولة اقناع الرأي العام لأهمية استراتيجية العصا ، لابد من إحداث كارثة محلية ، حتى يضغط الرأي العام الأمريكي على إدارته ، لأستخدام جميع الأساليب القمعية ، من جميع البؤر المارقة في العالم ، والأمثلة على ذلك :

1- الشعب الأمريكي كان يؤثر مبدأ العزلة ، أي عزل أمريكا عن مشاكل العالم القديم ، وبالتالي كان الرأي العام الأمريكي ضد التدخل الأمريكي المباشر في الحرب العالمية الثانية ، ولكن الاستراتيجيين الأمريكان كانوا يرون أنه إذا لم تتدخل أمريكا في هذه الحرب مباشرةً ، وتحدد مسارها ، فلن تصبح أمريكا قوة عالمية ، كما تخطط لها مدارسها الاستراتيجية 0

والمثال هنا لنظرية الكارثة ، كذريعة لكسب الرأي العام الأمريكي ، على تحريض حكومته للدخول في الحرب العالمية الثانية ، هو احداث بيرل هاربر : فالرئيس الأمريكي يعلم أن اليابان على وشك أن تشن هجوماً عسكرياً على الولايات المتحدة ، وذلك من خلال اختراق الشفرة السرية للبرقيات ؛ المرسلة من وزارة الخارجية اليابانية ، إلى السفارة اليابانية في واشنطن  0 بل أن السفير الأمريكي لدى اليابان جوزيف جرو ، توقع أن يكون الهجوم الياباني على بيرل هاربر بالتحديد  0 فيرى بعض المخططين الاستراتيجيين بأن الولايات المتحدة سعت لدفع اليابان إلى مهاجمتها كمبرر لدخول الحرب في الجبهة الأوربية ، وكأداة للتغلب على معارضة الرأي العام الأمريكي لدخول الحرب ( سليم ، ص 461 )0

2- غزوة نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر يقال أن هناك مصادر أمنية أمريكية كثيرة ، كانت على علم بالمخطط لعملية سبتمبر ، وربما سيستغرب البعض ، بأن حتى معظم الأسماء القيادية في غزوة سبتمبر كانت معروفة ، وجميع اتصالاتها كانت مراقبة بدقة ، ولكن حدث ما حدث في 11 سبتمبر 2001م  0

ونود أن نوضح هنا بأن الرأي العام الأمريكي قبل أحداث سبتمبر كان معظمه يقف ضد استخدام القوة ، بل حتى ضد سياسة التسلح الأمريكية  0 ولكن بعد أحداث سبتمبر ، أصبح الرأي العام الأمريكي بنسبة 85% يدعم حكومته بشن حرب ضد الأوغاد المارقين  0

نتائج غض الطرف لحدوث كارثة ، من الصعب على ذهن الإنسان العادي تصديقها ، ولكن من الجهة الأخرى ، عندما تنظر للمصالح الاستراتيجية الكبرى التي تحققها أمريكا على المستوى الكوني ، تجعل الإنسان يدور حول قرنية كبرى ، ومن الممكن حدوثها 0

فياعزيزي القارئ ، أحداث بيرل هاربر اعطت الولايات المتحدة الحق في التدخل في الحرب العالمية الثانية ، بطريقة مباشرة ، وذلك أخرجها من مبدأ العزلة ، وأصبحت بعد ذلك دولة عالمية ، وورثت معظم المستعمرات الأوربية في العالم القديم والحديث 0 أما أحداث سبتمبر فاعطت الولايات المتحدة الشرعية لدك العالم الإسلامي كيفما تشاء، ومتى تشاء ، ويدعمها في ذلك أكثر من 80% من الرأي العام الأمريكي 0

والنتائج المتحققة في غزو أفغانستان استطاعت الجيوبوليتيكا الأمريكية أن تتدخل مكانياً في آسيا الوسطى ، وهذا يعطيها تحقيق ثلاثة عناصر ؛ الأول : السيطرة المباشرة على 15% من احتياطيات النفط في العالم 0 والثاني : ممر استراتيجي للنفط في جنوب شرق آسيا 0 وأخيراً : الاحتواء الكامل للحلم الروسي عندما يستعيد عافيته ويريد التوسع مكانياً مرةً أخرى ، وخاصة بأنه محتوى أيضاً في جنوب وشرق أوربا بواسطة أمريكا  0

إذاً الخسائر التي حدثت لأمريكا من نظريات غض الطرف ، لا تساوي ذرة من تراب في المحيط الهادي مقابل مكاسبها  0 وفي النهاية هذه هي السياسة أقذر طبخة في العالم  0

عموماً حرب تحرير العراق أسبابها ظاهرياً نزع أسلحة الدمار الشامل الغير موجودة في العراق أصلاً ، والذريعة الثانية هي تغيير السلطة في العراق ، وفي الحقيقة لا هذا ولا ذاك ، وإنما حرب العراق مذكورة أسبابها سلفاً ، ومن هذه الأسباب تنشيط الاقتصاد الأمريكي بعد أن شارف على الإنهيار ، والدليل على ذلك الإنهيار الذي أصاب كبريات الشركات الأمريكية في عام 2002م مثل : ازون ، وورلدووت ، وتيكو ، وزيروكس ، وخسائر وول ستريت في شهر يوليو 2002م ، فقد وصلت 7 مليارات دولار ، بسبب الهبوط الحاد في أسعار الأسهم  آل ثاني ، سايكس بيكو ، 2002م  0

ونجد أن حتى الصحافة الأمريكية تتهم الإدارة الأمريكية بأن حرب العراق ، هي حرباً اقتصادية في المقام الأول ، فتقول صحيفة نيويورك تايمز في 16 مارس بأن شركة كلير شانيل كوميونيكا شنز قد مولت مظاهرات مؤيدة للحرب على العراق في كلٌ من ماساشوستس وسان فرانسيسكو وبوسطن ، واشترك فيها آلاف 0 وتعقب الصحيفة قائلةً بأن هذا التمويل لا يعد شيئاً يذكر بالمقارنة مع الأرباح التي ستجنيها الشركة عندما تسند إليها إعادة إعمار الراديو والتليفزيون العراقي  0  الأهرام العربي ، العدد 315 ، ص 50  0

وهنا نوضح بأن أرباح الشركات في إعادة إعمار العراق سوف تكون أرباحاً  فلكية 0 فأرباح الشركات التي ساهمت في إعمار الكويت بعد كارثة أغسطس 1990م ، كانت أكثر من 150% ، فالكلفة النهائية لإعادة إعمار الكويت كانت 60 مليار دولار ، رغم ما تم تدميره كان 23 مليار دولار فقط ، ونالت الولايات المتحدة 53% من إجمالي العقود  الأهرام العربي ، العدد 315 ، ص 48  0

ومن أقوى الأدلة على أن هذه الحرب هي حرب لتوزيع الصفقات ، هو أن معظم متخذي القرار في الإدارة الأمريكية في حرب العراق ، توجد لهم علاقة مع كبريات شركات النفط ، والخدمات الأمريكية ، فمثلاً :

بوش الأب في مجموعة كارلايل ، ومندوبها في أوربا هو جون ميجور رئيس الوزراء السابق في بريطانيا ، وهنا عليكم تلمس ربما أسباب الدعم الشبه الكلي للمعارضة البريطانية  المحافظين ، لرئيس الحكومة البريطانية بلير في شن الحرب على العراق ، علماً بأن نسبة كبرى من حزب بلير  العمال  كانوا يقفون ضد الحرب  ، وهذا يعتبر من العجائب في تاريخ الديمقراطية الأوربية  0

وديك تشيني عمل كمدير لشركة هاليبرتون النفطية العالمية ، ورايس في شركة شيفرون للنفط ، وريتشارد بيرل في شركة جلوبال كروستيدج وكذلك منصب كبير في شركة اتونومي البيرطانية 00 إلخ  الأهرام العربي ، العدد 315 ، ص 38  0

ربما كان من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها النظام العراقي ، هو التفاوض على عقود النفط والصيانة مع الشركات الفرنسية والروسية والصينية في مرحلة التسعينيات ، دون مراعاةً لميزان القوة ، لأن القوى التي ورطت العراق في حرب الخليج الأولى ، وحرب الخليج الثانية كما نعتقد ويعتقد الكثيرون 0 وكذلك ساهمت في هدم البنية التحتية العراقية بشكل كبير في عام 1991م ، علماً بأن تحطيم البنية التحتية العراقية لا يوجد له علاقةً بتحرير الكويت  0 كانت تتوقع هذه القوى أن تعود شركاتها بعد الحرب لتوقيع العقود مع العراق لإصلاح ما هدمته الحرب ، ولكن الآن سبق السيف العذل  0

فلو تركت الولايات المتحدة الأمريكية العراق توقع العقود مع كلاً من : فرنسا وروسيا والصين 00 إلخ 0 فما هو إذاً مصير كبريات الشركات الأمريكية في الخدمات مثل بكتل ، وفلور جروب ، كيلوج براون اندروت ، وبار سونز جروب 00 إلخ 0

من أقوى الملاحظات خلال الحرب هو السعي البريطاني الحثيث لكي تحصل على حصتها من العقود لإعمار العراق قبل أن تنتهي الحرب ، ويدعم هذا السعي حملة سياسية وإعلامية ، ويعود ذلك لأن بريطانيا خرجت خالية الوفاض اقتصادياً في حرب الخليج الأولى ، وبالتالي في هذه الحرب هناك اصرار بريطاني كبير على الحصول على نسبة كبيرة من الكعكة العراقية  0

وفي الختام إذا استطاعت أمريكا تسيطر على العراق فذلك يعطيها السيطرة على 10% من احتياطيات النفط العالمية ونضيف إلى ذلك 45% احتياطيات النفط في دول مجلس التعاون الخليجي ، و 15% في وسط آسيا ، و 10% الاحتياطيات الأمريكية المباشرة ، ومجموع ذلك 80% من الاحتياطيات العالمية من النفط ، وأما 20% من الاحتياطيات النفطية في العالم لابد لها من البحث عن استرضاء أمريكا لكي تجد لها وضع قدم في السوق العالمية ، أي بمعنى آخر الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر بطريقة مباشرة وغير مباشرة على 100% من احتياطيات النفط في العالم ، وهذه الطاقة مساهمتها أكثر من 70% من جملة الطاقة المستخدمة في العالم يومياً 0

وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

حافظوا على الندرة الفكرية في مجتمعاتنا

6/6/2004

الذي أثار هذه الفكرة توقف وإيقاف أو مضايقة بعض الكتّاب القطريين ، إلى أن أدى ذلك إلى ابتعاد بعضهم عن الكتابة 0

وهذا الأمر غريب بالفعل ونحن البلد الذي تنطلق منه قناة الجزيرة التي تحمل شعار الرأي والرأي الآخر  0 والأهم من قناة الجزيرة هو المادة رقم (48) في دستورنا الدائم والتي تنص على حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة ، وفقاً للقانون 0 ودستورنا الدائم أعطانا هامش جيد من الديمقراطية ، والديمقراطية بمعنى آخر هو توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ضمن الحدود التي ينص عليها الدستور 0

والمشاركة الشعبية الفعلية لن تأتي إلا من خلال سلطة رابعة قوية ، ولكي يكون عندنا سلطة رابعة قوية لابد من مشاركة الكتّاب المواطنين ، ومن خلال مشاركة الكتّاب المواطنين سيقدمون للمواطن التحاليل التي تتناول أداء السلطات الثلاث من خلال مقالات يومية أو أسبوعية 0

وكلما زادت الأقلام المواطنة كلما زادت الوجبات الفكرية ويُسهل على المواطن أن يختار ما يناسبه من الأفكار 0

وبالنسبة لنا في دولة قطر فإننا نمثل أصغر دولة عربية من الناحية السكانية ، وذلك يعني بأننا من أصغر دول العالم من ناحية سكانية 0 وذلك يعني بأن الإنسان يمثل بالنسبة لنا عملة نادرة ، وإذا كان الإنسان نفسه يمثل عملة نادة 0 إذاً ماذا تمثل المواهب بالنسبة لنا ؟ 0

وأقول لكم كأستاذ جامعي نعم يمكننا أن نخرج سنوياً العشرات من حملة الدكتوراة ، والماجستير ، والمئات من حملة البكالوريوس في جميع التخصصات الأكاديمية 0 ولكن كم عدد الكتّاب الذين نستطيع أن نخرجهم سنوياً ؟

ونحن نؤكد لكم بأن تخريج الكتّاب صعب جداً أو شبه مستحيل 00 لأن ذلك يعتمد على قدرات شخصية وفنية لا تلقن في القاعات الأكاديمية ، وهذه القدرات مثل: أولاً : الموهبة ، ثانياً : الثقافة ، وثالثاً : التفاعل اليومي مع الأحداث 000 إلخ 0

ويمكن أن نطرح جميعنا سؤالاً ونقول فيه : كم العمر الزمني للصحافة القطرية ؟

وسوف نجيب جميعنا بأن عمرها يزيد بشيء بسيط عن ثلاثة عقود من الزمن0

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كم هم كتّاب المقال اليومي القطريين في الصحافة القطرية ؟

نعتقد بأن الجميع سوف يجيب بأنهم أقل من عدد أصابع الكف الواحدة ، ففي الراية الأستاذ عبد اللّه العمادي ، وفي الشرق الأستاذ جاسم صفر ، وفي الوطن الأستاذ جابر الحرمي  00 إلخ 0

إذاً بالفعل نحن نعاني من مشكلة كتّاب المقال اليومي والأسبوعي من المواطنين القطريين 0 ونعلم كذلك جيداً بأنه من الممكن أن يفضي البعض ويقول نستطيع أن نغطي هذا العجز من خلال استقدام الأخوة العرب لممارسة العمل الصحفي 0 وربما تراودهم هذه الفكرة مثل : استقدام الأساتذة والأطباء والفنيين واللاعبين والأيدي العاملة الأجنبية  0

وتعليقنا على ذلك بأنه بالفعل قد استفدنا بشكل كبير من خلال استقدام الخبرات العربية والأجنبية في التخصصات المختلفة من الخارج  0 ومن هؤلاء الإعلاميين والصحفيين العرب بالفعل استفدنا منهم ، وتعلمنا على أيدي بعضهم ، ومازلنا محتاجين لخبراتهم 0

ولكن نعتقد بأن القضايا الوطنية القُطرية البحتة لا يستطيع أن يثيرها ويناقشها ولا أبناء القُطر أنفسهم لما لها من حساسية عندما يتدخل فيها الضيف  0 وعندما يتدخل الضيف للتحدث عن قضية قُطرية دائماً يلتزم الحياد أو إظهار الوجه الإيجابي من القضية ، وغالباً ما يتجنب الضيف الخوض في قضايا محلية 0

وهذا بالفعل ما سوف نعملهُ نحنُ القطريين لو كتبنا في الصحافة المصرية أو الأردنية أو السورية عن قضية خاصة بهم ، في البداية سنحاول نتجنب الكتابة عن قضاياهم المحلية ، ولو اضطررنا سنلتزم الحياد في المعالجة أو ابراز الوجه الإيجابي من القضية  0 0 0 متبعين في ذلك مبدأ البيت العربي :

ومن لم يجامل في أمورٍ كثيرةٌ  يغرس بانيابٍ ويوطأ بمنسم  0

إذاً قضايانا المحلية لن يستطيع أن يكتب عنها بموضوعية وبدون حساسية إلا الكتّاب القطريين ، وكلما شجعنا الكتّاب القطريين على الكتابة ، كلما زاد عددهم ، وكلما زاد عددهم ، كلما تنوع التحليل الفكري والأيديولوجي لمعالجة قضايانا الوطنية0

وهذا التنوع الفكري يمثل التعددية والرأي والرأي الآخر ، ومن هذه القاعدة تنطلق الديمقراطية التي نطالب بها جميعاً 0 لأن الديمقراطية ليست حبر على ورق ، وإنما مشاركة شعبية تعم فائدتها على الجميع في النهاية  0

ومن المآخذ التي يهضم فيها حق الكتّاب القطريين ونذكر بأنه سبق أن كتب عنها بعض الكتّاب القطريين ونضم رأينا لرأيهم بأنه ، إذا نظم مؤتمر في قطر وما أكثر المؤتمرات التي تنظم في قطر ، لا يتم توجيه دعوات رسمية لهم للمشاركة في المؤتمرات وكأن المؤتمر يعقد في كوكب آخر ، علماً بأنه يعقد بمرمى حجر من أماكن تواجدهم ، ولكن كرامتهم تمنعهم من حضور المؤتمرات الغير مدعوين لها رسمياً  0

ونذكر بأننا كنا في إحدى المؤتمرات العالمية طبعاً خارج قطر ، وكانت تلك الدولة قد دعت مجموعة من كتابها المحليين لحضور المؤتمر ، علماً بأن المؤتمر ذو صبغة أكاديمية أكثر  0 وشرح لنا المنظمين للمؤتمر بأنهم يركزون بشكل كبير على تنويع الهوية الفكرية للمدعوين ، وحكمتهم في ذلك بأن كل شريحة فكرية تمثل رأي قطاع لا يستهان به في المجتمع وتنقل أفكار المؤتمر إلى المجتمع ، ومتطلبات المجتمع إلى المؤتمر0 ونعتقد بأن هذه الرسالة الحقيقية للمؤتمرات ، ولكن هل نحن مطبقين لذلك بالفعل ؟  0

* ملاحظة : ربما يحتج البعض بأن المادة (48) سوف تخضع للتكييف والتفسير القانوني 0 وتعليقنا هو : من واجبات اللجنة التفسيرية للمواد أن تدعم حرية الصحافة والطباعة والنشر ، وتجنب تقييدها ، إلا في الحالات التي تدعمها مواد دستورية صريحة مثل المادة (1) عن الديانة ، والمادة (64) عن الأمير 0
وما يدعم رأيي بالنسبة للمادة (48) هو ما تقوله المادة (146) الأحكام الخاصة بالحقوق والحريات العامة لا يجوز طلب تعديلها إلا في الحدود التي يكون الغرض منها منح مزيد من الحقوق والضمانات لصالح المواطن  0

وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

جيوبوليتيكية الاقتصاد العالمي

بسم الله الرحمن الرحيم

6/6/2004

النظام العالمي الذي يمثله كوكب الأرض بأغلفته الأربعة الصخري والمائي والحيوي والجوي ، لم يترك فيه مجال للصدفة ، وإنما كل بقعة من هذا الكوكب وضعت له الخطة التي تتناسب معه ، وهذه الخطط توضع من خلال اللاعبين الكبار الذين دائماً يبحثون عن دور عالمي في كوكب الأرض ، وهذا الدور أحياناً يكون أحادي القطبية ، وأحياناً أخرى ثنائي القطبية ، وفي بعض المراحل يُصبح متعدد الأقطاب 0

ومن أهم الخطط العالمية التي وضعت لكوكب الأرض ، هي السيناريوهات التي أعتمدتها مدرسة ميونيخ للدراسات الاستراتيجية عام 1920م تقريباً 0 وكانت استراتيجية هذه المدرسة تعتمد على ثلاثة مبادئ رئيسية هي :

1- مبدأ الدولة العملاقة 0
2- مبدأ الجزيرة العالمية 0
3- مبدأ ازدواجية القارات 0

والمبادئ الثلاثة المذكورة قادت مدرسة ميونيخ إلى وضع نظام عالمي جديد آنذاك في صورة مفهوم الأقاليم الكبرى ، على أن يكون مركز هذه الأقاليم بون ، أي كان المطلوب نظاماً أحادي القطبية ، وتوزيع الأقاليم هو كالتالي :
1- امريكا الكبرى : وتضم كل من الأمريكيتين تحت زعامة الولايات المتحدة 0
2- روسيا الكبرى : ويضم معظم الاتحاد السوفيتي عدا شرق سيبيريا ، كما تضم إيران وأفغانستان وشبه القارة الهندية 0
3- أوروأفريقيا : وهذا النظام يصعب تطبيقه الآن ، لأنه يمثل أوروبا ، ومعظم أوروبا الآن تحت مظلة السوق الأوروبية المشتركة ، والعالم العربي وتركيا وضع له سيناريو الشرق أوسطية تحت قيادة إسرائيل 0
4- آسيا الشرقية الكبرى : وهو يمثل ما تبقى من العالم جنوب اليابان ، بما فيه الصين وشرق الاتحاد السوفيتي ودول جنوب شرق آسيا واستراليا ومعظم مناطق المحيط الهادي  رياض ص 91 ، 96  0 وهذا التصور أيضاً من الصعب تطبيقه الآن ، لأن اليابان أصبحت دولة لها وضع أمني وإقتصادي مقنن ، والصين لها أطماع استراتيجية إقليمية بتصورها الاشتراكي ، ودول جنوب شرق آسيا أصبح لهم وضع اقتصادي خاص تحت مظلة اسيان ، واستراليا تحاول أن تمارس نظام إقليمي خاص بها في أوقنانوسيا ، ومعظم مناطق المحيط أصبحت تحت سيطرة الولايات المتحدة 0

إذاً النموذجان اللذان سوف نحاول أن نسلط عليهم الضوء من خلال هذه الدراسة ، هما أمريكا الكبرى ، ومدى ارتباطها بتصور الجزيرة العالمية  العالم القديم  الذي اقترحه هالفورد ماكيندر منذ بداية القرن المنصرم 0 بالإضافة إلى بعض الاسقاطات على ما تبقى من العالم لغرض ربط التصور الاستراتيجي للاقتصاد العالمي 0

التصور الاستراتيجي للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى :

بعد الحرب العالمية الأولى اقتبست الولايات المتحدة تصوراً ووضعه لها السلف ممثلاً برئيسها جيمس مونرو عام 1823م ، ويسمى بمدأ العزلة  المجذوب ، قانون دولي ، ص 165 0 وهذا المبدأ ظاهرياً ، كان يصور بأن الولايات المتحدة ستطبق العزلة وتبتعد عن مشاكل القارة العجوز  أوروبا  ، وسوف يركز الأمريكان مجهودهم في تطوير الولايات المتحدة من خلال توجيه الاستثمارات الضخمة إلى قطاع الأنشطة الأولية والثانوية والبنية التحتية ، وهذا التصور ، أدى إلى نشأة الدولة العملاقة التي نادى بها فريدريك راتزل في القرن التاسع عشر 0 والمرحلة الثانية اتجهت الولايات المتحدة إلى أمريكا الوسطى والجنوبية من خلال سيطرتها على البحر الكاريبي والانتيل والسيطرة التامة على قناة بنما بعد شقها ، ووجهت الاستثمارات الأمريكية إلى جميع القطاعات الأولية والثانوية والخدمية ، وذلك ممثلاً باحتكار الولايات المتحدة المحاصيل النقدية في أمريكا اللاتينية مثل الفواكه ، البن ، الكاكاو ، المطاط ، السكر ، والكولا0 وكذلك سيطرة الولايات المتحدة على الصناعات الإستخراجية مثل البترول في المكسيك وفنزويلا والنحاس في بيرو وتشيلي والقصدير في بوليفيا ، وكذلك وجهت الاستثمارات الأمريكية نحو المناجم والمصانع والسكك الحديدية وشركات الطيران حول أمريكا الجنوبية  رياض ، ص 163 ، 164   0

ومن هذا المنطلق استطاعت الولايات المتحدة أن تحقق مبدأ ازدواجية القارات ، بحيث تكون قارة في الشمال تمتلك القوة العسكرية ، والموارد البشرية المؤهلة ، والتكنولوجيا المتطورة ، ورأس المال الكبير ، والأخرى في الجنوب يوجد فيها الأيدي العاملة والمواد الأولية والسوق الاستهلاكية 0 وفي عام 1930م أصبحت الثنائية واضحة في أمريكا قارة شمالية يوجد فيها تضخم رأسمالي ، وقارة جنوبية تابعة لاستثمارات الشمال 0 وفي هذه المرحلة أصيب رأس المال الأمريكي بالتخمة وأنطلق يبحث عن دور عالمي له 0 وكان ذلك واضحاً قبل الحرب العالمية الثانية من خلال التغلغل الأمريكي في جنوب شرق آسيا وأستراليا والبحث عن المعادن والمحاصيل النقدية في أفريقيا 0 ولكن الدور العالمي الفعلي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية بات واضحاً ، عند بداية الحرب العالمية الثانية ، وشاركت فيها الولايات المتحدة من ضمن دول الحلفاء ضد دول المحور بقيادة المدرسة النازية الألمانية آنذاك 0

وأثناء الحرب العالمية الثانية استطاعت الولايات أن تفاوض الحلفاء وخاصة بريطانيا على وضع إستراتيجية اقتصادية للعالم بقيادة الولايات المتحدة ، وذلك من خلال اتفاقية  بريتون أند ودز  في الولايات المتحدة منذ بداية الأربعينيات من القرن المنصرم ، ومن خلال هذه المفاوضات أدى إلى إنشاء المؤسسات الرئيسية التي يدور في فلكها الاقتصاد العالمي ، وهذه المؤسسات هي :

1- سيادة الدولار كعملة رئيسية عالمية وتمثل مخزن للقيم ، ومقياس للقيم ، ووسيلة للتبادل على أن يتواكب مع متطلبات العصر وقابليته للتجدد 0

2- التصور الذي وضعه الأمريكي هويت في عام 1942م وأدى إلى تأسيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، ومهمته الاقراض طويل الأجل لكي يساهم في تنمية العالم 0

3- التصور الذي وضعه هويت الأمريكي وكينز الإنجليزي وأدى إلى نشأة صندوق النقد الدولي عام 1943م ، وهدفه الرئيسي حفظ التوازن لعملات الدول المشاركة من ضمن الصندوق وذلك من خلال الاقراض قصير الأجل 0

4- بروز الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية ( GATT) عام 1947م ، وفي عام 1995م سميت بمنظمة التجارة العالمية (WTO) ، وأصبح عدد المشاركين فيها الآن أكثر من 138 دولة 0

5- شعوب العالم المغلوب، والحكومات المتخلفة أنشأت ما يسمى بالاونكتاد منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية  عام 1962/1964م دويدار ص 480 ، 515 0

وعندما وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى مرحلة الإنطلاق العالمية نسفت توصيات السلف السابقة المتمثلة بمبدأ العزلة لمونرو ، وأقر الكونجرس مبدأ الرئيس ترومان عام 1947م ، الذي نستخرج من نصه ، إباحة تدخل الولايات المتحدة في جميع شئون الدول ، وتفرض عليها المخططات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وتعتبر نفسها العالم الحر وحامية حمى الديمقراطية  المجذوب ، قانون دولي ، ص 166  0

ونجد التدخل الأمريكي العملاق في أوروبا من خلال قانون الجنرال مارشال عام 1947م ، الذي وقعت اتفاقيته عام 1948م في باريس وعلى ضوئها إنشأ مايسمى المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي  ، ووصل أعضاء هذه المنظمة إلى 18 دولة أوروبية ، ورفض الأتحاد السوفيتي هذا العرض وتبعته دول الديمقراطيات الشعبية كما تسمى آنذاك ، ومن هنا أصبح بروز نظام عالمي جديد يتشكل من كتلتين من حلفاء الأمس ، الأول غربي بقيادة الولايات المتحدة ، والآخر شرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ؛ وهذين التكتلين يمثلان انطلاق الحرب الباردة ، التي انتهت بإنهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990م 0

أما بالنسبة لمسمى المنظمة المذكورة ففي عام 1960م عدل إلى مسمى جديد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية  وأنضم إلى هذه المنظمة أعضاء جدد هم الولايات المتحدة الأمريكية ، كندا ، فنلندا ، اليابان ، استراليا ، ونيوزلندا  المجذوب ، التنظيم ، ص 293 ، 294  0

وعن طريق مشروع مارشال تحققت الانطلاقة الأمريكية الحقيقية ، حيث هزيمة ألمانيا واليابان ، وخروج أوروبا مفلسة مخرّبة مما أعطى الفرصة الذهبية لرأس المال الأمريكي القوي فقام بدور هائل في بناء اقتصاد أوروبا الغربية عامة ، وألمانيا واليابان خاصة 0 وبذلك دخلت الولايات المتحدة شريكاً فعلياً في كثير من المؤسسات الصناعية الأوروبية واليابانية المزدهرة 0 والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة ، أصبحت الوريث الشرعي لمستعمرات الدول المنهارة المذكورة سلفاً في عالم الجنوب ، فكان التغلغل الأمريكي الاقتصادي والأمبريالي في أجزاء كثيرة من أفريقيا وآسيا  رياض ص 23  0

وكان متوازياً مع التصور العالمي للاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية ، استراتيجية إنشاء أحلاف عسكرية ، وكان أهم هذه الأحلاف ، حلف شمال الأطلسي (NATO) ، وبداية انطلاق هذا التصور إلى حيز التطبيق هو عندما أوصى مجلس الشيوخ الأمريكي 11 يونيو 1948م قراراً يحبذ فيه اشتراك الولايات المتحدة في منظمات أمنية جماعية إقليمية 0 وفي 24 أغسطس 1949م دخل حلف الناتو إلى حيز التطبيق بمشاركة دول أوروبا الغربية ، وبعد انتهاء الحرب الباردة ، انضم إلى هذا الحلف بعض دول أوروبا الشرقية على سبيل المثال في مارس 1999م انضم كلاً من : التشييك والمجر وبولندا  آل ثاني ، جريدة الوطن ، العدد 1353 ، 1354 0

وبالإضافة إلى الناتو أنشأت الولايات المتحدة أحلافاً استراتيجية في الشرق الأوسط ممثلة بالحلف المركزي ، وفي جنوب شرق آسيا ، ومن هنا نجد الولايات المتحدة تطبق الاستراتيجية التي وضعها الجيوبوليتيكين الأمريكيين الفرد ماهان 1840 – 1914م ، ونيكولاس سبيكمان 1942  حسين ، جغرافيا سياسية ، ص 400 ، 417  0 ومن خلال هذه الاستراتيجية طبقت سياسة الاحتواء الأمريكية مع الأتحاد السوفيتي أبان الحرب الباردة 0 وخلاصة الاستراتيجية الأمريكية قبل عام 1990م كانت :

1- سياسة الاحتواء والحرب الاقتصادية ضد الاتحاد السوفيتي وحلفائه 0 وانتهت في عام 1990م بانهيار الاتحاد السوفيتي  0

2- سياسة قمع الثورات في مهدها ومن الأمثلة على ذلك ، الحرب الكورية في الخمسينيات ، وتحولت كوريا رسمياً إلى كوريتين في الشمال والجنوب ، وحرب الفيتنام في الستينيات ، وفرض الحصار على كوبا ، ووصل الأمر بالولايات المتحدة إلى حتى التدخل المباشر في تغيير رؤساء الجمهوريات في البحر الكاريبي إذا تطلب الأمر ذلك 0

3- إجادة الولايات المتحدة وبإبداع إلى خلق تحالفات عدم التوازن في الشرق الأوسط، مثل دعم مركز الصهيونية العالمية ممثلاً بإسرائيل ، وفي نفس الوقت تقيم علاقات  مميزة مع ألد أعدائها في المحيط الجغرافي ممثلاً بمصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية وسوريا 0 والنموذج الآخر في غرب آسيا بحيث الولايات المتحدة مع أربعة كتل باستراتيجيات متنوعة مثل : دول مجلس التعاون الخليجي التي يوجد فيها قواعد عسكرية أمريكية ، وإقامة علاقة مميزة مع اليمن في غرب الجزيرة العربية ، والاحتواء لكل من العراق ذو المذهب الأيديولوجي البعثي ، والجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات المذهب الرئيسي الشيعي 0 ونفس الاستراتيجية تتبعها الولايات المتحدة في الشرق الأقصى ما بين تايوان والصين 0

4- الثلاث نقاط أعلاه سهلت على الولايات المتحدة إنشاء دولة عالمية أحادية القطبية، ويوجد لها أساطيل وقواعد عسكرية في جميع المحيطات الأطلسي والهادي والهندي ، بل ويوجد لها تواجد في جميع البحار الداخلية الاستراتيجية، مثل الكاريبي والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وبحر الصين 0
النظام العالمي الجديد بعد الحرب الباردة :

عندما نسقط نظرة مقتضبة على المراحل التي صور بها الجيوبوليتيكيون العالم فسوف نلاحظ التالي :

1- المرحلة الأولى كانت تقوم على أساس مناخي ، أي نشأة الدول حول نويات محددة مثل حضارة بلاد الرافدين ومصر 0

2- المرحلة الثانية تقوم القوى العالمية على أساس قاري ، وهي عملية السيطرة على مناطق القاعدة في العالم القديم ، مثل السيطرة الإسلامية التي تمت على الهلال الخصيب وأواسط آسيا مما أعطى للمسلمين سيطرة عالمية في العالم القديم في العصور الوسطى 0

3- تقوم القوى بعد الثورة الصناعية ، على أساس الحركة ، من خلال الثورة الكبرى التي نشأت في وسائل المواصلات والنقل ، وتم من خلالها اكتشاف رأس الرجاء الصالح ، والأمريكيتين ، واستطاع العالم الصليبي من الوصول إلى عالم المحيط الهادي والمحيط الهندي ، مع تحاشي الاحتكاك مع القوة القارية العالمية في العصور الوسطى ممثلة بالدولة الإسلامية ، ومن هنا تم احتواء الدولة الإسلامية ووضع لها السيناريوهات المناسبة إلى أن تم انهيارها ، ووزعت كفريسة ما بين الدول الاستعمارية 0 وأن استقلت هذه الدول ما بين الخمسينيات والثمانينيات من القرن الماضي ، إلا أن جميعها بقي متأثراً بتبعية اقتصادية ، وتخلف سياسي قاتل 0

4- منذ أواخر القرن التاسع عشر ، وضعت المدارس الجيوبوليتيكة سيناريو القرن الواحد عشرين ، بحيث تقوم القوى العالمية على أساس التكتلات السكانية والاقتصادية ، وأكد على هذا التصور الأستاذ اتوماول أحد أعضاء مدرسة ميونيخ الاستراتيجية عام 1920م يقول : ” أن التغلغل الاقتصادي الكامل له تماماً نفس الآثار المترتبة على الاحتلال العسكري ” آل ثاني ، جغرافيا سياسية ، ص 125 ، 126 0

ومن هذا المنطلق نجد بأن الجيوبوليتيكا وضعت الخطة السياسية لكوكبنا منذ قرن مضى 0 وبعد انتهاء الحرب الباردة عام 1990م سعت الولايات المتحدة لتحويل نظرية القرن الواحد والعشرين ، إلى واقع عملي على الأرض ، وذلك من خلال تفعيل دور عالمي للمؤسسات الاقتصادية والأمنية المذكورة سلفاً 0 وخاصة منظمة الجات التي تعتبر شبه مجمدة منذ نشأتها عام 1947م 0 وفي عام 1993م عقدت الجات مؤتمرها في أورجواي حضرته 117 دولة ، وفي عام 1994م عقد مؤتمر للجات في مراكش حضره 124 دولة  عبد الرسول ، ص 224 ، 225  0 ووصل عدد أعضاء هذه المنظمة الآن إلى ما يزيد على 138 دولة 0

ورغم وجود التصور للدور الكبير الذي يتوقع أن تلعبه منظمة التجارة العالمية ، من خلال النظام التجاري متعدد الأطراف 0 إلا أن السياسة تتدخل ما بين حين وآخر عندما تتعارض مصلحة دولة عظمى مع الاتفاقيات الدولية 0 فمثلاً حماية البيئة من الوقود الحفري ، التي وضعت تحت مسمى الاتفاقيات البيئية المتعددة الأطراف ، حتى يفرق بينها وبين اتفاقيات منظمة التجارة العالمية 0 ونجد اتفاقية البيئة  بروتوكول كيوتو  رغم التصور الأمريكي لها في التسعينيات ، ولكن عندما وجد الأمريكان بأنهم أكثر دولة مستهلكة للوقود الحفري في العالم آثروا عدم التصديق على هذه الاتفاقية إلى الآن أبريل 2001م ،  عبد اللّه ، ص 230  ، رغم غضب حلفاء الأمريكان في أوروبا الغربية 0

أما بالنسبة لأهم النماذج الاستراتيجية للنظام العالمي الجديد بعد عام 1990م ، هو النظام الإقليمي الذي وزع عليه عالم اليوم ، من خلال كتل اقتصادية يكون بينها تعرفة جمركية موحدة ، وأبرز هذه الكتل نافتا ، ومركسور ، والسوق الأوروبية المشتركة ، وآسيان ، ومنظمة الشرق أوسطية وهي في عالمنا المقهور مرجئة إلى أن ترضى إسرائيل على المنطقة 0 ومن خلال هذه الكتل الاقتصادية يتم توحيد العالم ، تحت ما يسمى أهداف منظمة التجارة العالمية :

1- تحرير تجارة السلع الأولية ، وهي تمثل مصدر الرزق الأساسي لدول العالم النامي0
2- تحرير تجارة الخدمات 0
3- الدولة الأولى بالرعاية ، أي أن تكون معاملة العالم متساوية 0
4- ايقاف الدعم عن السلع الأساسية 0
5- تقديم الحماية للسلع الأساسية  آل ثاني ، جيوبوليتيكية العالم ، الراية ، عدد 6765  0

وبالفعل بدأت الثورة الاقتصادية في العالم منذ بداية التسعينيات ، والدليل على ذلك أرتفع معدل التجارة العالمية إلى 60% ، ولكن بدايتها على شكل كتل اقتصادية  نيوزويك 24/4/2001م ، فنجد كتلة نافتا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وعضوية كلاً من المكسيك وكندا ، قفزت التجارة البينية فيها من 43% عام 1990م إلى 54% عام 1999م ، وطبعاً التصور الاستراتيجي الأمريكي يسعى لإنشاء منطقة تجارة حرة للأمريكيتين يغطي منطقة يزيد عدد سكانها على 800 مليون نسمة 0 ولكن المخططين السياسيين والاقتصاديين البرازيليين انتبهوا إلى الانفجار الهولامي الضخم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والذي حسب تطور الأحداث يعكس للعالم مبدأ مونرو للعزلة الذي طبقته الولايات المتحدة على الأمريكيتين في عقد العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنفلت 0 فأنشأ بقيادة البرازيل ما يسمى بمنطقة التجارة الحرة لدول مركسور في بداية التسعينيات والدول الرئيسة التي يتوقع أن تلعب دوراً فيه الأرجنتين والأرغواي والباراغواي ، وقفزت التجارة البينية في هذه الكتلة من 9% عام 1990م إلى 21% عام 1999م 0 وهذه الكتلة أصبحت تشكل عائقاً أمام حلم الولايات المتحدة الأمريكية بتشكيل منطقة تجارة حرة في الأمريكيتين ، ونجد الرئيس البرازيلي وعالم الاجتماع المشهور كارد سو يقول : ” إن منطقة التجارة الحرة في الأمريكيتين خيار ، ولكن مركسور هي قدرنا ” 0  نيوزويك 24/4/2001م  0

ومن هنا نجد بأن مؤتمر كيبك المعقود في كندا 2001 ، تحت مظلة منظمة التجارة العالمية ، واجه نوعين من التحدي الأول هو مخاوف بعض الدول وخاصةً مجموعة مركسور من ضم الـ 34 دولة في الأمريكيتين تحت مظلة اقتصادية واحدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو شبيه بتصور مدرسة ميونيخ 1920م لأمريكا الكبرى ، ولكن إدارته هذه المرة سوف تكون من واشنطن دي سي 0 ثانياً : مخاوف الشعوب الأمريكية ممثلةً بالطلاب وطبقة العمال وهم يمثلون القاعدة السكانية العظمى التي يقوم عليها المجتمع الأمريكي من السحق الاقتصادي ، وبهذه الحالة سوف ينقسم المجتمع الأمريكي إلى طبقتين لا ثالث لهما الطبقة العليا والطبقة المسحوقة وهو نفس تصور حضارات قبل التاريخ السالفة مثل الأغريق ، ولكن في هذه المرة سوف نجد الطبقة العليا تمثل الحكام والنبلاء والبورجوازيين ، والطبقة المسحوقة تمثل الفلاحين والأجانب والرعاة ومعهم الأساتذة أيضاً 0 ومن هنا سوف يقضى على ما يسمى بالطبقة الوسطى التي يفترض أن تكون هي الأساس لبناء أي مجتمع في الألفية الثالثة 0

ولكن لميزة الوعي الثقافي عند الإنسان الأمريكي بدأ ينظم نفسه لكي يتعامل مع الوضع الراهن ، فنجد نقابات العمال وحتى أولياء أمور الطلبة ، بدأوا بتمويل أي مشروع منظم يشكل معارضة للعولمة ، والملاحظة القوية بأن أي مؤتمر يعقد للعولمة تقوم ضده مسيرات شعبية منظمة وتصل إلى العنف أحياناً 0 وأقوى دليل على ذلك هو عندما نظم الكنديون أنفسهم أمنياً لاستقبال قمة كيبك 0 واقتبس الأمريكان من العالم النامي أسلوب الاضاءات التي يعامل بها الإنسان  فوضع الكنديون للمتظاهرين ثلاثة مناطق ، الأولى خضراء وهي لجموع المتظاهرين ، والثانية صفراء يوجد فيها جمع كبير من أعضاء الاتحادات العمالية وأصحاب الرأي ، والثالثة حمراء مجاورة للحائط الأمني ويعتقل كل من يقترب منها  ورغم كل الاحتياطات الأمنية إلا أنه شكلت هذه الحركات الكثير من الاضطرابات أثناء عقد القمة ، وكذلك أثرت على إرادة الزعماء في إتخاذ القرارات الحاسمة 0

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ؟ الحكومات تسعى لايجاد الآلية لتفعيل دور العولمة ، والشعوب رافضة لذلك ، فبالتالي هنا من الممكن أن تنشأ أيديولوجيات سياسية جديدة في الأمريكيتين وتتحول هذه الأيديولوجيات إلى جماعات ضغط وأحزاب سياسية ، وربما يصبح لها دور حتى في الحكم مستقبلاً 0 ومن هنا نجد الشغل الشاغل لمراكز اتخاذ القرار العالمي هو ما هي الآلية المناسبة لامتصاص نقمة الشعوب واقناعهم بأن مشروع العولمة هو من صالحهم ؟ 0

أما بالنسبة لبلقنة التجارة العالمية ، فنجد أن أوروبا يوجد لديها اتفاقيات مع 27 بلداً تحت مسمى التجارة التفضيلية ، وتصل نسبة التجارة البينية ما بين الدول الأوروبية إلى 64% عام 1999م من حجم التجارة الأوروبية 0 وآسيان رغم الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها هذه الكتلة ، إلا أن التجارة البينية في هذه الكتلة قفزت من 20% عام 1990م إلى 22% عام 1999م 0 ولكن الآسياويون مازالوا يبحثون عن سيناريو آسيوي يقزم دور صندوق النقد الدولي الذي يوجه له اللوم بأزمة 1997م الآسيوية ، وتتركز المباحثات الآن فيما بينهم على جمع احتياطياتهم البالغة ترليون دولار لإنشاء صندوق نقد آسيوي على غرار صندوق النقد الدولي في واشنطن 0

ولكن بطاقة اللعب بالأمن الآسيوي أيضاً موجودة في واشنطن دي سي ، فكلما ضغط الآسياويون بتشكيل نظام اقتصادي آسيوي كلما ضغطت عليهم الولايات المتحدة بالبطاقة الأمنية التي سوف نتطرق لها لاحقاً 0

أما بطاقة الضغط الثانية التي من الممكن أن تستخدم ضد آسيان ، هو من خلال تقديم بعض الاغراءات لبعض دول آسيا لكي تشق صف المنظمة ، وأكبر دليل على ذلك سنغافورة شقت صف آسيان وسعت وراء صفقات ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما جعل بعض المتنفذين في القرار الآسيوي بتسمية سنغافورة الولاية الأمريكية الواحدة والخمسون  0 ونجد دولاً مثل استراليا ونيوزيلندا رغم أنه لا يوجد لها تكتل اقتصادي بارز ، ولكن لها دور مؤثر في قرار التجارة العالمية ، وهو من خلال اتفاقيات التجارة التفضيلية التي قفزت من 100 إلى 240 للدولتين المذكورتين 0

سيناريو الحرب الباردة في الألفية الثالثة :

هناك بعض التصورات من خلال التنافس الأمريكي الصيني في الشرق الأقصى وبالتحديد في تايوان وكوريا والممرات المائية المجاورة للصين من ناحية 0 والتنافس الأمريكي الصيني في المحيط الهندي ، والتصور الأمريكي بأن الصين تدعم الدول الخارجة عن استراتيجية أمريكا للعالم مثل كوريا الشمالية وإيران وسوريا والسودان والعراق من ناحية تكنولوجية ، وخاصة تقنية الأسلحة المحرمة دولياً 0 وبالإضافة إلى أن الصين تقوم بكسر الحصار الاقتصادي المفروض على الدول المذكورة 0

هذا جعل بعض المحللين يتوقعون بأن يكون للصين دور عالمي ، وتسحب بساط أحادية القطبية من الولايات المتحدة ، ويصبح العالم ثنائي القطبية ، أي بمعنى آخر نشوء حرب باردة جديدة 0

ولكن هذا الاحتمال مستبعد الآن ، رغم أن الصين تشكل ما يقارب خمس سكان العالم ، ومعدل النمو الاقتصادي مرتفع فيها بشكل كبير يصل إلى 8% ، ويقابله معدل تضخم شبه منعدم 0 ولكن عندما نقارن ما بين الناتج المحلي الصيني والأمريكي، نجد بأن الناتج المحلي الصيني لا يصل حتى إلى 8% من الناتج المحلي الأمريكي ، ونصيب الفرد الصيني من الناتج المحلي لا يصل حتى إلى 12% من نصيب الفرد في الولايات المتحدة 0

ولكن هناك من المحللين من يرى بأن معدل النمو الاقتصادي الكبير في الصين ، من الممكن أن يؤهل الصين لكي تكون قوة اقتصادية منافسة للولايات المتحدة بعد خمسة عشر عاماً ، وأن الأمريكان الآن مركزين على استراتيجيتين لعرقلة التنمية الاقتصادية في الصين الأولى الاستفزاز الإقليمي المستمر في ممر تايوان وفي بحر الصين ، والثانية إحياء برنامج الدرع الدفاعي الأمريكي الذي سوف يضغط على الصينيين لاقتطاع جزء كبير من رؤوس الأموال المستثمرة في التنمية الاقتصادية وتوجيهها إلى صناعة اسلحة استراتيجية لخلق توازن مع الولايات المتحدة ، ولو فعل الصينيون ذلك ، فسوف يحدث لهم إنهيار اقتصادي مثل ما حدث للاتحاد السوفيتي السابق ، وسوف تفشل جميع برامج التنمية الاقتصادية لديهم  0

أما بالنسبة لعدد أفراد القوات المسلحة المطلق وحجم التسليح المطلق ، لم يعد يعطي أي معنى في الوقت الحاضر ، وأقوى دليل على ذلك أكثر من كدس أسلحة استراتيجية هو الاتحاد السوفيتي ولكن ذلك لم يمنعه من الأنهيار 0 ولكن حتى لو قارنا ما بين الأسلحة الاستراتيجية الصينية والأمريكية لوجدنا بأن المقارنة لصالح الولايات المتحدة من حيث برامج التسليح ذات التقنية العالية ، أو كما تسمى الأسلحة الذكية 0 ولكن الأهم من ذلك بأن الولايات المتحدة أصبح لها بعد جيوبوليتيكي عالمي من خلال تحالفاتها الاقتصادية والعسكرية ، وهذا التواجد في كل العالم تقريباً وهو يمثل شبه احتواء للصين ، فمثلاً الولايات المتحدة متواجدة في أوروبا ، والشرق الأوسط ووسط آسيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأقصى 0

وفي نفس الوقت الولايات المتحدة مستثمرة بطريقة أو بأخرى التنافس الاستراتيجي الموجود ما بين الهند والصين في المحيط الهندي ، وما بين الصين وروسيا على أواسط آسيا ، وبالتالي تصور الحرب الباردة ما بين الصين والولايات المتحدة الآن مستبعد أطلاقاً 0

ولكن في هذا المنوال لا نستطيع أن ننفي ، بأن الصين من ناحية إقليمية ممكن أن تخلق توازن للدول الصغيرة لكي يكون لها دور في هامش ضيق جداً لكي تلعب توازن خاص لها ما بين الولايات المتحدة والصين 0 ولكن هذا التوازن الهش مازال سهلاً على الاستراتيجية الأمريكية لاختراقه ، فمثلاً مجرد استقبال اليابان للرئيس التايواني السابق في أبريل 2001م ، أدى ذلك إلى توتر العلاقات ما بين الصين واليابان ، وفي هذه الحالة سوف تجمد أية مفاوضات ما بين دول آسيان والصين ، إلى أن يوجد حل دبلوماسي للنزاع المذكور 0 وهناك بطاقات معلقة كثيرة ضد الصين إقليمياً منها كوريا الشمالية وفيتنام وتايوان ، ونموذج الاقتصاد الاشتراكي الذي تحللت منه معظم الدول التي طبقته ، وأهمها الأتحاد السوفيتي السابق الذي كان يقود التصور لهذه النظرية عالمياً 0 وكذلك مطلوب من الصين تطبيق ملف الديمقراطية بمفهومه الغربي ، وهناك ورقة الضغط على الصين من حيث حقوق الإنسان ، وأخطرها كلها على الصين ملف الصراع الحضاري الصيني للاقليات السلالية والأيديولوجية 0

جيوبوليتيكة النظام الإقليمي الإسلامي :

المسمى المذكور أكثر الأنظمة العالمية هشاشةً رغم أن هذا النظام يمثل ربع العالم من ناحية سكانية ، وأكثر من خمس كوكب الأرض من ناحية مكانية ، ويعتبر قلب العالم من ناحية جيوبوليتيكة ، بحيث من المستحيل وضع أي تصور جيوبوليتيكي عالمي قاري أو بحري أو جوي ، دون تصور مركزي لهذا النظام 0 ويتوزع جغرافياً في هذا النظام جميع المواد الأولية في العالم بكميات تجارية ضخمة ، وعلى رأسها الطاقة الهايدروكاربونية ممثلة بالنفط والغاز الطبيعي ، بحيث يوجد ما يقارب 72% من احتياطيات العالم من النفط ، و 35% من احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي 0   آل ثاني ، جيوبوليتيكية العالم ، الراية ، العدد 6763  0

وتبلغ مجموع دول هذا النظام 56 دولة ، ولكن هذا النظام مخترق بشكل كلي من قِبَلْ الدول الاستعمارية سابقاً ، ومن الأمبريالية العالمية الآن 0

ولكن للعقم السياسي الذي أصاب هذه الأمة بقيت مكبلة ، ولم ينفع معها ولا سيناريو استراتيجي ، وحتى السيناريو الذي ساهم الغرب في وضعه ، وهو إنشاء الجامعة العربية ، وذلك من خلال مطالبة أنطوني أيدن بطريقة مباشرة في البرلمان البريطاني في 29 مايو 1941م بإنشاء منظمة عربية تجتمع تحت رايتها جميع الدول العربية ، ونشأت بالفعل الجامعة العربية ، عام 1945م  آل ثاني ، جغرافيا سياسية ، ص 128 0 وفشلت الجامعة في أول اختبار اقتصادي لها ، وهو من خلال إنشاء السوق العربية المشتركة عام 1965م ، والتي بقيت على ورق إلى الآن ولم يفعل دورها 0

وفي عام 1969م أنشأت منظمة المؤتمر الإسلامي ، وكانت هناك الكثير من التوصيات لقيام تكامل اقتصادي إسلامي 0 ومن هذه التوصيات :

1- التنسيق ما بين الخطط والأهداف الاقتصادية الإسلامية 0
2- توجيه الاستثمارات للبنية التحتية الإسلامية ، وكذلك الأنشطة الاقتصادية الأولية والثانوية 0
3- دعم مجالات البحث لتطوير الأنشطة الاقتصادية الأولية والثانوية والثالثة 0
4- إقامة جهاز لتبادل المعلومات 0
5- سهولة إنتقال العمالة الإسلامية 0
6- إنشاء سوق إسلامية مشتركة  يونس ، ص 143 ، 144  0

وبقي كل مجهود عربي إسلامي مجمد ، إلى أن أنتهت الحرب عام 1990م ، وبدأت عملية السلام العربي الإسرائيلي في مدريد عام 1991م ، وكان من أهم مشاريع عملية السلام هو إحياء الفكرة التي نادى بها أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل آنذاك في ديسمبر 1973م  عندما أخبر حلفائه الأمريكان بأن المنطقة لن تستقر سياسياً إلا من خلال ابتكار كتلة اقتصادية شرق أوسطية ، تكون بالطبع إسرائيل هي اللاعب الرئيسي فيها  0  آل ثاني ، جغرافيا سياسية ، ص 131  0 وبالفعل عقدت أربع مؤتمرات لمشروع الشرق الأوسطية كان أولها في فاس بالمملكة المغربية ، وثانيها في عمان بالمملكة الأردنية الهاشمية ، وثالثها في القاهرة بجمهورية مصر العربية ، ورابعها في الدوحة بدولة قطر عام 1997م 0 ورحمةً من اللّه لهذه الأمة فشل مشروع الشرق الأوسطية ، وسوف نتجنب من خلال هذا التحليل الجانب الحضاري رغم أننا جميعاً نؤمن بهويتنا القومية العربية وديننا الإسلامي الحنيف 0 ولكن لكي نثبت استراتيجياً بأنه لو نجح مشروع الشرق أوسطية ، لنهب عالم الشمال الصناعي جميع الموارد الطبيعية الموجودة في الشرق الأوسط ، والأمثلة على ذلك كثيرة أمامنا ومنها :

أولاً : عندما نراجع أهداف منظمة التجارة العالمية 1995م المذكورة سلفاً ، لوجدناها شبيهة ومعززة لأهداف صندوق النقد الدولي ، التي طالب بتطبيقها في الدول النامية عام 1975م وهي :

1- تحرير التجارة الخارجية ، أي أزالة العوائق أمام الصادرات والواردات 0
2- تحرير سوق الصرف ، وتحرير الأثمان في الداخل ، لكي يسهل على الدول الصناعية ذات القيمة المضافة التهام الدول النامية التي عمودها الفقري الاقتصادي يعتمد على المواد الأولية 0
3- عدم تدخل الدولة في سوق العمل 0
4- التركيز على النشاط الاقتصادي الفردي ، أي تدعيم للنظرية الرأسمالية وفتح الأسواق أمام الشركات الاحتكارية الكبرى 0  دويدار ، ص 501 ، 502 ، 504  0

نحن لا نستطيع أن ننكر بأن هذه البرامج لو طبقت على دولة غنية وصناعية تمر في حالة من التضخم والعجز في الميزان التجاري ، ربما تكون ناجحة أحياناً ، مثلاً المملكة المتحدة في عام 1976م ، عندما أوصاها صندوق النقد الدولي بتخفيض قيمة العملة  الجنيه الاسترليني  كانت هذه الاستراتيجية ناجحة بالنسبة للاقتصاد البريطاني ، لأن بريطانيا تملك ناتج محلي ضخم ، وتخفيض العملة زاد من صادرات السلع البريطانية إلى السوق الدولية ، وذلك ساهم في تعديل الميزان التجاري البريطاني إلى التعادل والفائض أحياناً ، فحلت المشكلة الاقتصادية في المملكة المتحدة 0

ولكن عند تطبيق هذه التوصيات على دولة نامية ذلك سوف يسبب لها انهيار اقتصادي 0 النموذج ماثل أمام معظم المهتمين في هذا المجال في العالم 0 فالمكسيك عندما طبقت عليها سياسة صندوق النقد الدولي عام 1982م وهي دولة مستوردة للسلع المصنعة ، أدى ذلك إلى رفع أسعار السلع المستوردة على المستهلك المحلي ، والدولة لكي تعالج هذه المشكلة لابد لها من الاستدانة من الخارج ، لأنها تعتمد أصلاً في عائداتها من العملة الصعبة على مواردها الطبيعية وعدم وضع قيود لهذه الموارد يؤدي إلى انخفاض قيمتها في السوق الدولية 0 وفي العام المذكور أعلاه توقفت المسكيك عن خدمة الدين الخارجي وذلك مثل انهيار اقتصادي في المكسيك 0 وكان علاج المؤسسات المالية العالمية للمكسيك هو الاقراض أيضاً ، وعلى شكل القرض المرتهن ، أي دخول الشركات الاحتكارية العالمية الكبرى إلى المكسيك وتملكها أسهماً من ثرواتها الطبيعية ، أي أصبحت الموارد الطبيعية المكسيكية ملكاً للدول الصناعية ، وعلى نفس المنوال تسير الأرجنتين الآن التي يبلغ مجموع ديونها 140 بليون دولار 0

الوضع أعلاه يحدث في دول مشاريعها الاقتصادية أفضل بدرجات كبيرة ، من دول العالم الإسلامي ، إذاً ما هو الوضع المتوقع للعالم الإسلامي إذا دخل من ضمن جيوبوليتيكية العولمة ، وخاصةً إذا كانت الديون المترتبة على العالم الإسلامي أكثر من 702 بليون دولار ، ولخدمة فوائدها السنوية تزيد على 80 بليون دولار ، وحجم التجارة البينية بين دولة لا تزيد على 7% ، ونصيبه من التجارة الدولية 3% فقط 0 والأسوأ من ذلك كله بأن المتسلطين على مراكز القوى في العالم الإسلامي مغيبين دور الإنسان تماماً ، ولا يهم إلا مصلحتهم الاقتصادية والوظيفية ، وذلك عكس جميع الكتل المذكورة أعلاه 0 ففي دولة عظمى مثل الولايات المتحدة ، رغم وجود الديمقراطية على النموذج الرئاسي ، والرئيس ذو السلطة المنفردة التي استمدها من الأمة الأمريكية يملك قوة إتخاذ القرار ، ولكننا نجد البيت الأبيض والكونجرس دائماً يراقب مطالب جماعات الضغط الأمريكية فمثلاً :

1- عندما قررت الحكومة الأمريكية اقراض مصر عام 1955م ، قرضاً طويل الأجل لإنشاء السد العالي ، مارست جماعات الضغط الأمريكان على الحكومة الأمريكية ضغوطاً لإثنائهم عن هذا القرار ، لأن نجاح مشروع السد العالي ، سوف يوفر مياه كثيرة ، وذلك سوف يساعد المصريين على زيادة حجم الأراضي المخصصة لإنتاج القطن الطويل التيلة ، وفي هذه الحالة سوف يصبح القطن المصري منافساً شرساً للقطن الأمريكي ، وذلك ينتج عنه كساداً لمنتجو القطن الأمريكان 0 واستجابت الحكومة الأمريكية لهذا الضغط وأوقفت القرض المخصص لمصر 0

2- مصدر الرزق الرئيسي لسكان العالم الإسلامي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هو الثروة الهايدروكاربونية ، وأكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم الولايات المتحدة الأمريكية بحيث تصل حصتها ما يقارب 25% من الاستهلاك العالمي 0 ونجد البورصة الحقيقية لسعر النفط موجودة ولدى جماعة الضغط الأمريكان ، فعندما ينخفض سعر النفط إلى أقل من 10 دولار للبرميل ، يتحرك منتجوا النفط الأمريكان ويطلبون من حكومتهم رفع الأسعار لأن ذلك سوف يؤدي إلى ايقاف حقول الإنتاج الأمريكية التي تصل تكلفة إنتاج البرميل فيها إلى أكثر من 10 دولار أحياناً ، ويقابله تكلفة إنتاج برميل النفط العربي في بعض الحقول إلى أقل من دولار واحد أحياناً 0 وعندما يرتفع سعر النفط في السوق العالمية إلى أكثر من 20 دولار يتحرك المستهلك الأمريكي ويطالب حكومته بالضغط على الدول المنتجة للنفط لتخفيض أسعارها ، لأن أرتفاع أسعار الطاقة ينعكس بصورة غير مباشرة على أرتفاع أسعار السلع الصناعية والخدمية 0

هذا هو وضعنا الآن 0 والسؤال الذي نطرحه على حكوماتنا الشرق أوسطية ، أو الإسلامية ، أو العربية كيفما أرادوا يسمونها ، ما هو السيناريو المعد لهذه الأمة عندهم ، والتي يعاني 677% من أبنائها من فقر مدقع 0 وفي الختام نقول لجميع حكوماتنا الإسلامية بأن جميع الأمم وضعت سيناريوهات لمستقبلها ولرفاهية وإسعاد وحرية شعوبها ، باستثناء المسميات الثلاث المذكورة  ولن يتغير وضعنا الحالي إلا بوضع تصور براغماتي يتعامل مع الإنسان

إلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه تعالى 0

المراجــع

1- آل ثاني ، فهد جريدة الوطن القطرية ، العدد 1353 ، 1354 0
2- آل ثاني ، فهد ، دراسات في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا ، عمان ، دار وائل للنشر، 2000م 0
3- آل ثاني ، فهد ، جيوبوليتيكية العالم الإسلامي ، جريدة الراية القطرية ، العدد ، 67763، 6765 0
4- آل ثاني ، فهد ، استراتيجية التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي ، الدوحة ، دار الشرق ، 2001م 0
5- حسين ، عبد الرزاق ، الجغرافيا السياسية ، بغداد ، مطبعة أسعد ، 1976م 0
6- عبد اللّه ، حسين ، مستقبل النفط العربي ، بيروت ، المركز العربي للدراسات ، نوفمبر 2000م 0
7- دويدار ، محمد ، مبادئ الاقتصاد السياسي ، بيروت ، الدار الجامعية ، 1998م 0
8- رياض ، محمد ، الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا ، بيروت ، دار النهضة العربية ، 1979م 0
9- عبد الرسول ، كوثر ، الجغرافيا الاقتصادية ، بيروت ، دار النهضة العربية ، 1996م 0
10- المجذوب ، محمد ، التنظيم الدولي ، بيروت ، الدار الجامعية 0
11- المجذوب ، محمد ، القانون الدولي العام ، بيروت ، الدار الجامعية 0
12- نيوزويك ، 24/4/2001م 0
13- يونس ، عادل ، العالم الإسلامي اليوم ، القاهرة ، مكتبة ابن سينا ، 1989م 0
14- The Military Balance 1999/2000, The International Institute for Strategic Studies, Oxford, Oxford University Press.

جدلية ارتفاع اسعار النفط

بسم الله الرحمن الرحيم

20/7/2005

في دراسة ستنشر لنا في بداية اغسطس 2005م في مجلة اراء (مركز ابحاث الخليج دبي) عن  اسباب ارتفاع اسعار النفط ، ومن خلال الدراسه قلنا لابد من التطرق الى ثلاثة محاور رئيسيه لكي يسهل علينا تحليل الارتفاع الكبير الذي حدث للسلعه الاستراتيجيه لتوليد الطاقه العالميه ، والمحاور كما هو واضح هي :

أولاً : الاحتياطي النفطي .
ثانياً : التضخم العالمي والأنظمة البيئية .
ثالثاً : دور العملاق الصيني .

الموضوع الأول : الاحتياطي النفطي في العالم :

توجد دراسة قيمة للجيولوجي ديفيز من خلال تطبيق المنحنى الجرسي على التوسع في الاكتشافات النفطية ، ومن صفات المنحنى الجرسي أنه في نهاية المطاف يبلغ الذروة ، ثم سرعان ما يبدأ الانحدار ، وعندما طبق النظرية الإحصائية عام 1989م على امدادات النفط العالمية صعق لرؤيته أن نقطة الذروة لم تعد على بعد عدة عقود كما كان يعتقد ، بل مجرد سنوات قليلة ( في الفترة ما بين عامي 2004م و 2008م) (آل ثاني ، فهد ، المستقبل العربي ، ص 108 ، 109) . الميزة في هذه المعادلة أنها أجريت قبل 15 سنة ، وتوقعت أن امدادات النفط ستصل إلى الذروة في عام 2004  وهذا ما حدث بالفعل فقد وصلت امدادات النفط إلى ما يقارب 90% في أبريل 2004م.

وفي المقابل فإن السيد علي النعيمي وزير البترول السعودي له رأي مغاير عن ما يقوله هذا المنحنى ، فالسيد النعيمي يطمئن الأمريكان قائلاً : إن مخزون السعودي من النفط كان يقدر في السبعينيات بحوالي 88 مليار برميل ، أما الآن فإن المخزون يقدر بحوالي 261 مليار برميل ، وأن السعودية يمكنها أن تزيد الإنتاج بدون صعوبة تذكر من5 , 10 مليون برميل في اليوم إلى 12 و 15 مليون برميل في اليوم بل وتستطيع أن تحافظ على هذا المستوى من الإنتاج لمدة خمسين عاماً ( الشرق الأوسط العدد 9283) .

ولكن الجيولوجي البريطاني كولن كامبل المتخصص في الشؤون النفطية له رأي علمي مختلف بشكل كلي عن ما قاله السيد النعيمي ، فالسيد كامبل يقول في (Daily Star, March 17th 2004) : إن الاحتياطيات النفطية المؤكدة في دول الخليج أقل من الكميات المؤكدة المعلن عنها ، فالاحتياطي السعودي المؤكد 210 مليار برميل وليس ما قيل أعلاه ، والاحتياطي العراقي 90 مليار برميل وليس المعلن الآن 112 مليار برميل من النفط ، والاحتياطي الكويتي 55 مليار برميل وليس 94مليار كما هو معلن ، والاحتياطي الاماراتي 60 مليار برميل وليس 98مليار برميل من النفط كما هو معلن ، ويضيف كامبل قائلاً بأن المستخدم من الطاقة النفطية الآن أكثر من 90% ومع نمو الطلب 2% سنوياً على النفط فإنه في عام 2010م ستكون الأسواق امتصت جميع الامدادات النفطية ، وستكون أسعار النفط تشكل أرقاماً فلكية .

وكذلك بول كروجمان في (Harald Tribune May 15th 2004) : أن الاحتياطي النفطي في العالم 5 , 2 مليون برميل والمتوقع في عام 2004م أن يزيد الطلب على النفط في العالم بمعدل 2 مليون برميل أكثر من عام 2003م . وبالفعل زاد معدل إنتاج النفط في العالم أبريل 2004م بمعدل 2 مليون برميل ( الوطن القطرية العدد 3173) ، وكما ذكرنا أعلاه إذا كانت أقصى طاقة إضافية للامدادات النفطية 5 , 2 مليون برميل كما تؤكد الدراسات العالمية ، فذلك يعني لو حدث فعلاً طلب امدادات نفطية إضافية تعادل 4 مليون برميل فذلك يعني أن الدول النفطية ستنتج أقصى حد لديها من الامدادات النفطية وسيبقى عجزاً في العرض يعادل 5 , 1 مليون برميل من النفط وذلك سيدفع النفط إلى أرقاماً فلكية أو انهيار النظام الاقتصادي العالمي ، أو تغييراً جذرياً في موازين القوى العالمية ربما سيؤدي إلى حرباً عالمية لا سمح الله .

الملاحظ أن تحليل الدراسات العالمية أعلاه يتنافى مع ما يقوله وزراء النفط في كلا من السعودية والكويت والإمارات من خلال محاولة زيادة الامدادات النفطية في الربع الثالث من 2004م ، وذلك كما يبدو لرفع المخزون الاحتياطي الأمريكي من النفط الذي وصل إلى أدنى من 38% (الشرق العدد 5686) وذلك ربما يمثل أحد الأسباب الرئيسية لأرتفاع أسعار النفط ، ولكن المشكلة الحقيقية التي سببت أرتفاعاً في أسعار النفط ، ليس الزيادة في العرض مع ثبات الطلب ، بل هي الزيادة في العرض إلى أن وصلت إلى أقصى حد ممكن في مقابل زيادة في الطلب تفوق زيادة العرض .

وهنا نسجل استغرابنا من الدول النفطية الرئيسية في العالم لماذا تريد تخفيض سعر البرميل من النفط ؟ . أولآ : فسعرالنفط الذي وصل إلى 41 دولار في مايو 2004م ، قيمته الحقيقية تعادل 20 دولار ، إذا ما عدنا 25 سنة للوراء إلى عام 1979م ، وإذا ما قسنا التضخم العالمي ما بين 2 و4 % سنوياً في الفترة 1979م – 2004م ، علماً بأن سعر النفط وصل إلى 40 دولار في عام 1979م والقيمة الفعلية لــ 40 دولار آنذاك 80 دولار اليوم ، إذاً ذلك يعني أنه إذا استمر سعر النفط 40 دولار للبرميل ، فنحن نتقاضى فقط 50% من القيمة الحقيقية لأسعار النفط عندما نقارنها مع أسعار عام 1979م  .

ثانيآ :  يفترض ان نكون حريصين في التعامل مع السوق الدولي سواء في حالة ارتفاع الاسعار اوانخفاضها , وهنا حتى لاننجر وراء العاطفه اوالمصالح الانيه اوبعض التفسيرات السياسيه على اطلاقها (مثل نظرية المؤامره ) .  ولكن يفترض ان نكون واقعيين في عملية تسعير النفط ، ففي عام 2003 – 2004 م كان وزراء اوبك يقولون ان سعر النفط مابين 28 الى 25 دولار هو السعر المقبول للنفط ، وكنا من خلال متابعتنا للتبادل السلعي في العالم نرفض عرض اوبك انذاك ونقول بأن متوسط سعر البرميل في تلك الفتره يفترض ان لايقل عن 35 دولار للبرميل .

وفي عام 2005م ومن خلال مراقبتنا للتبادل السلعي في العالم نجد ان اوبك عدلت متوسط سعرها القديم للنفط ، وتقترح ان متوسط الاسعار 35 دولار للبرميل وهو السعر القديم الذي افترضناه العام الماضي ، ولكن من الناحيه العلميه هذا السعر نرفضه هذا العام !. لان التضخم اصاب جميع السلع في عام 2005 ، ولذلك يفترض ان يكون سعر النفط ان لايقل كمتوسط عن 50 دولار للبرميل , لان لوعرضت اوبك سعر نفطها كما نقترح اعلاه ، فنصيب الدول النفطيه سيرتفع 0,5% من الدخل العالمي . ويعزز تحليلنا هذا بعض المحللين الاقتصاديين في البنك الدولي بحيث يعتقدون وصول سعر النفط الى 100 دولار للبرميل يبقى مقبول عالميآ !.

أما بالنسبة للاحتياطيات التي تقدرها الشركات العالمية ، فآخر دراسات لها تؤكد بأن هذه التقديرات قابلة للتلاعب ، فهناك عدة فضائح حدثت لشركة شل العالمية ، واحداها مشروع ( اورمن لانج ) للغاز بين النرويج وبريطانيا تم بتقديراحتياط الغاز فيه بحدود 400 بليون م3 ، ثم جرت انقاص الاحتياط بنسبة 20% ( الوسط العدد 637 ) .

وكذلك ذكرت (Daily Star March 17th. 2004): بأن شركة شل بالغت في ذكر الاحتياطي العماني بأكثر من 40% ، وكذلك حدثت صدمة أخرى للاحتياطيات النفطية العالمية عندما اثبتت الدراسات الحديثة عدم جدوى الحفر الأفقي في الآبار النفطية القديمة لاستخراج كميات من النفط أكثر من الحفر الرأسي في الآبار النفطية.

وخلاصة القول بأن طريقة حساب الاحتياطيات النفطية يخضع إلى ثلاثة أنواع من المعايير ( الوسط العدد  63( :

الأول : الاحتياطي المثبت : وهو نفط يمكن استخراجه بمعدل 95% ضمن الشروط الاقتصادية الحالية وضمن امكانات التكنولوجيا الموجودة ، والغريب هنا بأن السيد كامبل شكك حتى في الاحتياطيات النفطية المثبتة في العالم ، بحيث قال السيد النعيمي أن الاحتياطي السعودي 261 بليون برميل ، في حين أن كامبل أكد على أن الاحتياطي السعودي لا يزيد على 210 بليون برميل كما ذكر سلفاً .

الثاني : الاحتياطي المرجح : ونسبة استخراجه والحصول عليه تصل إلى50 % .

ثالثاً : الاحتياطي الممكن : ونسبة الحصول عليه تصل إلى 5% .

والنسبتين الأخيرتين الثانية والثالثة نعتقد بأنه من الصعب الاعتماد عليهما في أي تصور استراتيجي للاقتصاد العالمي ، لأنه كمن يشتري السمك في الماء .

الموضوع الثاني : التضخم العالمي والأنظمة البيئة :

مارتن وولف في (Financial Times April 12st. 2004) قال: أن زيادة الطلب على السلع يعتبر أمراً طبيعياً وذلك لأن الاقتصاد العالمي يمر في مرحلة انتعاش فمؤشر نمو الاقتصاد العالمي في أبريل 2004م وصل إلى7, 3 % وكان في سنة 2003 م 6, 2 % فقط . فنمو الناتج المحلي في دول المحيط الهادي الآسيوية قفز من 8 , 3 % عام 2003م إلى3 , 4 % في عام 2004م ، ومن ضمنها الصين والهند التي يصل نمو الناتج المحلي فيها إلى أكثر من 3 , 8 %  ، واليابان 3% ، والولايات المتحدة الأمريكية كان نمو الناتج المحلي فيها عام 2002م 1 , 3 % وقفز في عام 2004م إلى 6 , 4 % ، والاتحاد الأوربي بعد الركود المزمن في معدل النمو ، كان نمو الناتح المحلي في عام 2003م 4 , 0 % قفز إلى    6, 1% عام 2004م .  وهذا النمو انعكس على رفع مستوى الطلب على السلع الإنتاجية والاستهلاكية ، وارتفاع الطلب أدى إلى التضخم في الأسعار ، فمنذ عام 2001م قفزت أسعار السلع بنسبة تصل إلى 59% ، فمثلاً أسعار بعض المواد الخام الصناعية قفزت إلى 73 % ، وسعر الغذاء بشكل عام قفز إلى 6 , 5 % ، وبعضها قفز بأرقام فلكية ففول الصويا قفز سعره خلال الثمانية أشهر الأخيرة إلى ما يقارب من 80% ، وأسعار بعض المعادن خلال الاحدى عشرة شهراً الأخيرة قفزت إلى 50% .

أما بالنسبة للنفط فيعتبر أقل السلع التي شهدت أرتفاعاً في السعر مقارنةً مع السلع الأخرى ، فبرميل النفط كان في ديسمبر 2001م أقل من 20 دولار ، ووصل سعره في مايو 2004م إلى 41 دولار وذلك يمثل أرتفاعاً في سعره بنسبة 100% ، ونحن لا نستغرب هذا الأمر لأنه من الطبيعي أن يرتفع سعر سلعة استراتيجة مثل النفط في ظل الارتفاع في أسعار معظم السلع الاستراتيجية في العالم خلال الثلاث سنوات الأخيرة .  فقد أرتفعت أسعارها بنسبة تصل إلى أكثر من 100% ولم يحتج العالم على ذلك ، في حين أنه عندما ارتفع سعر النفط الذي يوجد أكثر من 70% من احتياطياته في العالم الإسلامي ، قامت أمريكا بأمر الدول النفطية الرئيسية في العالم بإعادة النظر في الأسعار ، ولن نستغرب إذا ما جاء يوماً على العالم الإسلامي يقوم فيه بعمل سعرين لنفطه الأول سعر مخفض لأمريكا ، والثاني سعر حسب العرض والطلب في الأسواق الدولية يباع على باقي دول العالم .

وهنا يفترض اننا ندرك عنصرين اسراتيجيين ، أولآ : بأن التضخم الذي حدث لاسعار النفط يعتبر تضخم عالمي اصاب جميع السلع الاستهلاكيه والخدميه الاخرى ومن ثم انعكس على اسعار النفط ،  ومن اكثر المتأثرين بهذا الارتفاع هم الدول الناميه الغير الصناعيه .

ثانيآ : في عام 2005م لم يعد هناك نقص في الامدادات النفطيه بالنسبه للدول الرئيسيه في استيراد الطاقه في العالم وعلى رأسهم الولايات المتحده الامريكيه ،  وانما المشكله الحقيقيه للمستهلك في امريكا هي اللوبيات القويه لحماية البيئه !.

فالمنظمات البيئيه الامريكيه وقفت ضد انشاء مصافي جديده للبترول مما ادى الى وجود عجز كبير في الطاقه التكريريه في امريكا تصل الى 10% من حاجة السوق الامريكي اليوميه ، والذي يتم تعويضه عن طريق استيراد المنتجات النفطيه من الخارج والتي قد لاتكون دائمآ بالمواصفات المطلوبه.

كما ان هذه الانظمه البيئيه تجعل من الصعب احيانآ مواجهة الطلب في بعض الولايات على بعض انواع البنزين ، وذلك يؤدي الى عدم وجود مخزون كاف من بعض المنتجات . هذه الاختناقات والمشاكل ، أدت الى ارتفاع اسعار البنزين بشكل كبير، مع وجود عجز في في بعض انواع البنزين في بعض الولايات ، وهذا بدوره ساهم في ارتفاع أسعار الزيت الخام !.

الموضوع الثالث : دور العملاق الصيني :

رغم أن قيمة الناتج المحلي الصيني لا يصل حتى إلى 15% من قيمة الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية (Financial Times March. 31st. 2004) ، إلا أن نمو الناتج المحلي الصيني وصل إلى أكثر من 3 , 8 % سنوياً انعكس إلى زيادة الطلب الصيني على كثير من السلع ، مثلاً الطلب الصيني على فول الصويا قفز من 11% من الاستهلاك العالمي عام 1997م إلى 19% عام 2003م ، واستهلاك الصين من القطن في العالم قفز من 25% عام 1999م إلى 32% في عام 2003م ، واستهلاك الصين من النحاس قفزمن 11% عام 1999م إلى 20% في عام 2003م . وبعد أن كانت الصين دولة مصدرة للنفط إلى عام 1993م ، تحولت إلى دولة مستوردة للنفط ، واستهلكت عام 1998م ما يقارب 5 , 5 %  من الإنتاج العالمي وقفز ذلك إلى 8% في عام 2004م . والأخطر من ذلك كله بالنسبة للولايات المتحدة هو بأن الصين جيوبوليتيكياً اخترقت أماكن كانت تعتبرها أمريكا حكراً عليها وعلى حلفائها من دول الناتو ، فنجد الصين في عام 2004م تستورد 17% من حاجياتها النفطية من المملكة العربية السعودية ، و 10% من وارداتها النفطية من عُمان و 6% من روسيا ( الشرق الأوسط العدد 9282) . والأكثر من ذلك بأن الصين بالفعل يمثل نصيبها من النفط العالمي 8 % فقط الآن ، ولكنها في الأربع سنوات الأخيرة ساهمت بـ 37% من نمو الطلب العالمي على النفط ، وإذا استمرت الصين في هذا النمو إلى عام 2025م فذلك يعني أن حصتها من النفط العالمي ستتجاوز نسبة الولايات المتحدة الأمريكية من الاستهلاك العالمي من النفط ، بل لو حافظ الناتج المحلي الصيني على نفس معدل النمو الذي يوجد عليه الآن فمن المحتمل أن يتوازى الناتج المحلي الصيني في عام 2020م مع الناتج المحلي الأمريكي ، لكن السؤال الذي يطرح : هل الولايات المتحدة ستترك الصين على نفس معدل النمو من دون أن تفتعل كارثة تعيق النمو العملاق لدى الصين؟.

وكذلك نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين قد وصلوا إلى عنق زجاجة في التنافس على النفط ، فأمريكا في عام 2001 م تستهلك 25 % من النفط العالمي وكانت تعتمد على استيراد 52 % منه ، وكانت قبل ذلك المملكة العربية السعودية تمد الولايات المتحدة بــ 25% من نفطها المستورد وانخفض ذلك كثيراً بعد أحداث سبتمبر 2001 م ، والآن أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط السعودي ، وبدأ النفط السعودي يتجه إلى الصين كما ذكر أعلاه ، وتعتمد الولايات المتحدة على 48 % من استهلاكها على إنتاجها المحلي ، أما في عام 2020 م فيتوقع أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد ما يقارب 66 % من احتياجاتها من النفط ، ويوفر لها إنتاجها المحلي  34 % من النفط فقط ( الوسط العدد 67 ) .

الى اللقاء دائمآ ان شاء الله

تمرد قلم-اعلام الولايات العربية المتحدة

بسم الله الرحمن الرحيم

6/9/2004

حيث أننا نعيش في عصر ثورة المعلومات والدور القوي لأجهزة الإعلام في توجيه وتكوين الرأي العام العالمي ، ولكن أهمية الإعلام لم تبدأ من الآن كما يعتقد البعض ، ولكنها تمتد إلى عمق التاريخ ، كما تقول الآيات الكريمة(وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين 0 لأعذبنه عذاباَ شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطانٍ مبين 0 فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأٍ يقين)  صدق اللّه العظيم 0

وبالتالي في الفترة التي قضيناها في الدول الغربية وفي الدول العربية المختلفة ، لاحظنا بان الإعلام يمثل مدارس فكرية مختلفة ، ولاحظنا أنه خلال القرن العشرين تشكلت أجهزة إعلامية ذات ارهاب فكري عنيف مثل المدرسة النازية في النصف الأول من القرن العشرين ، وتلاها في النصف الثاني من القرن العشرين مدرستين فكريتين واضحتين هما المدرسة الرأسمالية الليبرالية، والمدرسة الشيوعية الاشتراكية ، وكلا المدرستين لها نفوذ عنيف على عقول البشر ، ولهما توجهات ذات جاذبية خاصة ، ومن خلالهما يضع المخططون الاستراتيجيون تصوراتهم المستقبلية لكي يصلوا إلى تحقيق أهدافهم الايديولوجية والاقتصادية والسياسية 00 إلخ 0

أما بالنسبة لشعوب العالم النامي فهم يتبعون احدى المدرستين بلا حول ولا قوة ، وغالباً الشعوب النامية تنقسم على حسب وضعها المادي ، فالفقراء غالباً يبحثون عن المشاركة في المال مع الاغنياء فيتجهون إلى المدرسة الاشتراكية ومن ثم يتأثر أغلبهم بالفكر الشيوعي 0 أما الأغنياء فيتجهون إلى الفكر الليبرالي الرأسمالي لأنه يحفظ لهم مصالحهم بالأرقام فقط في البنوك ويصبحون أثرياء من كرتون 0 والنتيجة ” لا الاشتراكيون ” أصبحوا أغنياء أو استطاعوا تحقيق نموذج سلطوي يحقق مصالح شعوبهم وتطورها ، أو مشاركتهم في الثروة على أقل تقدير ، ولا الليبراليين استطاعوا التوزيع العادل للثروة وتحقيق الحرية والديمقراطية الحقيقية لشعوبهم ، ولا حتى عدالة تطوير وتنمية رؤوس الأموال الوطنية ، بل أصبحت عائدات المواد الأولية للدول العربية الغنية مكتنزة في المصارف الأجنبية ، وياليتها مازالت ملكنا 0 في الحقيقة نحن  نملك الأرقام والمثال حي أمام الجميع بالنسبة لرؤوس الأموال الإيرانية ، والعراقية، والليبية00إلخ0

إذاً ما نملك مجرد أرقام ، وياليتهم يصادرونها ولا يضرون الجزء الآخر من العالم النامي بها ، ولكن الانكى من ذلك والأمّر هو أن توجه هذه الأموال أي رؤوس أموالنا المكتنزة في الغرب إلى دول العالم النامي كقروض لدعم العجز السنوي في ميزان مدفوعاتها السنوي ، إلى أن أصبحت القروض المترتبة على الدول النامية تقدر بالمئات من المليارات من الدولارات ، وأصبح دور الدول النامية فقط هو تسديد فوائد القروض المترتبة عليها ، ويقابل ذلك في كل سنة لتقويم العجز في ميزان المدفوعات في الدول النامية عليها الاقتراض من الدول الغنية ، أي بمعنى آخر أصبحت هذه الدول تدور في حلقة مفرغة ، والنتيجة سيبقى الرأسمالي رأسمالي ومتسلط ، وسيبقى العالم النامي متخلفاً إلى يوم يبعثون ، إذا لم يكن هناك توجه صادق لأبناء الدول النامية للخروج من عنق الزجاجة المغلقة  0

وكل المصائب المذكورة سببها الارهاب الفكري للإعلام العالمي من خلال أجهزته المختلفة ، المرئي ، والمسموع ، والمقروء ، ويقابل ذلك عدم وجود قاعدة ثقافية قوية محلية في الدول النامية 0 وإن كان هناك من يختلف معي ، ويقول بان الإعلام ليس هو السبب الوحيد ، فسوف أقول له نعم ، ولكن الإعلام له الدور الأكبر بطريقة مباشرة ، وغير مباشرة 0

ولو تعمقنا في دور الإعلام على مستوى احدى التكتلين المذكورين ، ولنأخذ على سبيل المثال الإعلام الرأسمالي ، فسوف نلاحظ في الدول المتقدمة فرصة لجميع المدارس الفكرية لكي تعبّر عن آرائها من خلال وسائل الإعلام المختلفة ، ويعود ذلك بأن لكل مدرسة فكرية اعلامها المختلف مثل الليبراليين ، المحافظين ، العمال 00 إلخ 0 ومن نفس المدارس الفكرية اليمين واليمين المعتدل ، والمتطرف 00 إلخ ، ومثله اليسار بأشكاله المختلفة 0 ومن هنا سوف أقول لكم بأن هذا بحد ذاته رائع ، وربما يقفز البعض ويقول لماذا ؟ فسوف اجيبه لأن ذلك سوف يعطي الفرصة لجميع المدارس الفكرية للتعبير عن آرائها بحرية ، وتصبح هذه الأفكار معروضة على الشارع العام ، وعلى كل المواطنين أن يختاروا ما يناسبهم من أفكار ، مثلما يختار الشخص نوع الفاكهة المناسبة له تماماً عندما يذهب إلى محل بقالة 0 ويؤسفني بأن أقول لكم بأن المخططين الاستراتيجيين في الدول الغربية اعطوا هذا الحق لأبناء دولهم ولكنهم حرمونا منه، وإن طبق عندنا ، طبق بطريقة منقوصة 0 ولكن هذا لا يعني بأنه لا توجد صحافة عربية تمثل توجهات فكرية مختلفة وأقر وأقول بأنها ناضجة أيضاً مثل الصحافة اللبنانية والصحافة المصرية 00 إلخ 0 ولكن الظروف الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تعاني منها دول العالم العربي بشكل عام ، والدولتين المذكورتين بشكل خاص لا تعطي مفكري هذه المدارس ايصال نضجهم الفكري بطريقة مجردة إلى الشارع العام 0

وسوف يستغرب كثيرين عندما أقول بأن الصحافة الكويتية لولا كارثة عام 1990م ، مما جعلها تعيد تقييم توجهها ، وبسبب الظروف السياسية والأمنية التي لن أقول تعانيها دولة الكويت ، ولكن تهابها ، وهذا أمر طبيعي لأي مجتمع لو مر بالأزمة الكويتية لا سمح اللّه 0 وكما ذكرت لولا هذه الأزمة لأصبحت الصحافة الكويتية تحتضن المدارس الفكرية ذات التوجهات المختلفة إقليمياً وعربياً وحتى على مستوى العالم الإسلامي ، ولا وصلت الصحافة الكويتية على قمة الصحافة في العالم النامي ، ولكن يجب أن نعترف بأن روستو وضع عدة نماذج لنمو المجتمع من ناحية اقتصادية ، وفي الحقيقة ممكن أن تطبق على التنمية الشاملة ، ومن هذه المراحل ما قبل الأنطلاق ، ويليه الانطلاق ، ومرحلة الانطلاق تعتبر مرحلة هشة بالنسبة لأي دولة لأنها أما تصل إلى مصاف الدول المتقدمة ، أو تنهار ، ولكن قدرنا في العالم النامي عندما نصل إلى مرحلة الانطلاق هو الانهيار وسوف أسوق لكم عدة أمثلة منها الانهيار والكارثة التي أصابت النموذج الكويتي عام 1990م ، ونفسها اصابت النموذج العراقي منذ عام 1990م أيضاً ، والكارثة والانهيار الذي اصاب النموذج اللبناني عام 1975م 00 إلخ 0

النموذج القطري –

النموذج الإعلامي القطري بدأ يبرز له توجه ليبرالي منذ عام 1995م وخاصة بعد الغاء إدارة الرقابة على الصحف ، وافتتاح قناة الجزيرة ، ولكن كما نقول دائماً بأن لكل تجربة اخطاء، والدليل الحقيقي على أنك تعمل هو أن تخطئ ومن ثم تعيد الانطلاقة إلى أن تصل إلى مرحلة النجاح 0

ولو بدأنا أولاً بالصحافة القطرية سوف نلاحظ مع الغاء إدارة المطبوعات والنشر من المفروض أن يتضاعف عدد الكتّاب القطريين ، ولكن للأسف الشديد ، هناك الكثير من الأقلام القطرية المتميزة والتي كانت تكتب قبل الغاء الإدارة المذكورة ، والذين يفترض أن تتفجر وتبرز ما عندها من طاقات ، ولكن للأسف الشديد انسحبت من الملعب ، هذا يثير سؤال محير عند الجميع ، وعندمانوجه السؤال لهؤلاء الزملاء ونقول لهم ما هي مشكلتكم ؟ منهم من يقول اليد الخفية للحكومة ، ومنهم من يقول رئيس التحرير ، ومنهم من يقول مالك الصحيفة ، ومنهم من يقول الغيرة من البعض ، فعندما نريد أن ننشر أي موضوع يعطل ويرجئ ويقتل ويعتم عليه ، وبعد ذلك ينشر 0 فنقول لهؤلاء الزملاء كلنا نعاني من نفس المشكلة ولكن يجب أن نستمر لخدمة قياداتنا وشعوبنا وأوطاننا وديننا والبشرية جمعاء 0

أما بالنسبة للحيرة التي تعانون منها فنقول أنه من المؤكد وجود يد خفية وراء ذلك ولكن لا نستطيع أن نتهم أحد بذلك سواء الحكومة وهي أصلاً في يدها مرسوم اعادة إدارة المطبوعات والنشر ، أو رؤساء التحرير وهم في الحقيقة دائماً يدعون الكتّاب القطريين ويشجعون المبتدئين منهم ويعطونهم مساحات شاسعة ، ولا نستطيع أن نتهم الملاك لأننا كما نعرف هناك انفصال كلي ما بين الملاك والأجهزة الفنية في الصحيفة 000 إلخ  0 فرد الزملاء الكتّاب القطريين وقالوا إذاً نرجوكم أن تقولوا لنا من هو خصمنا ؟ فقلنا لهم ممكن أن نقترح على الجهات المختصة وجهة نظر استراتيجية 0 بما أننا دولة إسلامية محافظة ، ونحاول أن نقتبس من الآخرين ما يناسبنا ونترك ما ينفرنا ، فلا نستطيع أن نطالب بإيجاد صحافة تمثل المدارس الفكرية المتناقضة مثل ما ذكرنا سابقاً 0ولكن ممكن أن نقترح ايجاد صحافة محلية معتدلة تمثل السواد الأعظم من الشعب بدون أن نوجه أصابع الاتهام إلى أي شخص وهي –

أ  / اعطاء فرصة الترخيص لأي شخص يريد أن يفتح صحيفة محلية ، ويكون هو شخصياً مسئول أمام السلطات إذا أخل بالنظام العام والآداب العامة 0

ب / وربما أفضل الحلول اصدار مرسوم حكومي بتحويل جميع الصحف المحلية إلى شركات مساهمة وسوف يترتب على ذلك التالي –

1/ مجالس إدارة منتخبة 0
2/ تقوم هذه المجالس باختيار رئيس التحرير ، وممكن هنا من ناحية سياسية أن تقوم   هذه المجالس بترشيح ثلاثة لرئاسة التحرير ، وأن يرفع ذلك إلى السلطة العليا في   الدولة وتقوم باختيار أحد الثلاثة المرشحين 0
3/ أن تعقد جمعية عمومية سنوياً ويتم من خلالها ليس مناقشة اقتصادية فقط ، بل   مناقشة فنية لدور الصحيفة محلياً وإقليمياً وعالمياً 0
4/ أن يكون هناك انتخاب لمجلس الإدارة كل ثلاث سنوات ، وأن تتم العملية   الإجرائية كاملة مثلما ذكرت في بند رقم (2) 0
5/ يشترط في كل صحيفة أن تشكل شركة مساهمة مستقلة لصحيفة واحدة فقط ،   حتى لا يستطيع كبار المساهمين السيطرة على عدة صحف 0

جـ / مجرد اقتراح اعطاء الفرصة لتعدد الصحف المحلية حتى جميع الكتّاب والفنانين القطريين والعرب يجدون فرصتهم كاملة مع ما يناسبهم من ناحية فكرية وفنية واقتصادية وسياسية 00 إلخ 0 وربما يعتقد البعض بأن هذا له سلبيات ولكن فوائده أكثر من سلبياته 0

د / دور الحكومة – في رأيي الشخصي والكثير من الكتّاب القطريين يوافقونني عليه إذا لم تقم الحكومة بالإصلاحات المذكورة ، فمن الأفضل أن تعيد الحكومة الدور الرقابي السابق لإدارة المطبوعات والنشر ، حتى عندما تحدث أي مضايقات لأي كاتب قطري ، أو يمنع نشر موضوعه نعرف بأن وراء ذلك إدارة المطبوعات والنشر ، أما ترك الحبل على الغارب مثل ما هو الآن فذلك سوف يخلق ما بين إدارات الصحف المحلية والكتّاب المحليين عداوات ونزاعات وكراهية لا داعي لها وربما رؤساء التحرير أنفسهم مظلومين أيضاً ، وربما لاحظنا بعض هذه النزاعات في الصحافة القطرية في الماضي القريب

بوش ما بين الخيار أو معضلة السقوط

بسم الله الرحمن الرحيم

6/6/2004

أشرنا في مقابلة تليفزيونية ، مع الإعلامي القطري الأستاذ طلال الساده ، في برنامج آفاق ، في أواخر سبتمبر عام 2003م ، وكان موضوع الحلقة التنظيم الدولي ، بأن هناك

فرق ما بين القوة ، والقيادة 0 فالقوة لعبة قصيرة المدى ويفترض لمن يدعي القوة أن تكون نتائجها حاسمة ، وذلك شبيه بالمعادلة الصفرية التي لا تقبل إلا فائز واحد ، أو لعبة الشطرنج ،

أو لعبة الدومينو 0 ولكن القيادة لا تنجح إلا بعمل جماعي، يقوم فيه القائد بتوزيع الأدوار الفعلية التي تحافظ على روح الفريق في الاستمرارية ، وتحقيق نتائج جماعية جيدة 0 ومن هنا ليس

بالضرورة أن تكون أهداف جميع اللاعبين واحدة ، ولكن المتعة في اللعبة الجماعية هي أن لكل لاعب دور في تحقيق الهدف ، وبالتالي المتعة في تحقيق الذات  0

أما القائد الفاشل فيستمر في اللعبة الأحادية المتمثلة بالقوة ، مما يجعل اللاعبين الآخرين جميعهم يتحالفون ضده ، وإن لم يحدث ذلك يحاولون أن يعرقلوا أية خطوة من

الممكن أن يحقق فيها تقدماً ، ومع مرور الزمن يؤدي ذلك إلى تلاشي إنجازاته وانهياره 0

ومن هنا نعود إلى موضوع الحلقة أعلاه ، فكنا خلال تلك الحلقة نحاول أن نؤكد بأن أمريكا لابد لها من ممارسة دورها القيادي ، وفي المقابل كان الضيف الآخر من نيويورك

يقول لا أخلاق مع السياسة  0 ونحن نؤيده في أنه لا أخلاق مع السياسة ولكن ليس دائماً بل أحياناً ، وهذا الموضوع بالفعل انتهى في الغرب في القرن التاسع عشر ، وكان روادها من

ألمانيا بسمارك صاحب المدرسة الواقعية ، ومن بريطانيا غلارستون صاحب المدرسة الأخلاقية  0

ولكن المدرستان تتفقان على فن القيادة 0 فالقيادة لعبة جماعية ، وهذا ما كنا ننتقد به مدرسة المحافظين الجدد في أمريكا 0 وعزز ما نقوله الأستاذ الجامعي الأمريكي الشهير

ذبيغنو بريجنسكي عندما قال  ” علينا اشراك أوربا في حوار استراتيجي جاد ، نقوم من خلاله بالتفحص الدقيق لما يمكن لنا أن نفعله معاً بشأن الشرق الأوسط 0 ولو كنا أذكياء ، فإننا سنعقد

صفقة جيدة نحصل من خلالها على المزيد من الدعم الأوربي والمال والسلاح في أفغانستان والعراق ، حيث ينشط الأوربيون، وفي النهاية على أمريكا رعاية اتفاقية السلام في الشرق

الأوسط مقابل نقل سريع للمسؤولين إلى الأمم المتحدة في العراق ، واتفاق أوربي أمريكي صريح لحدود صيغة الحل السلمي للصراع ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين ”  0

ويضيف بريجنسكي أن إدارة بوش فقدت مصداقيتها ، ويستدل بالتالي  (عندما واجه الرئيس كيندي أزمة الصواريخ الكوبية أرسل وزير خارجيته وين اتشيسون إلى أوربا

للتحدث مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول ، وابلاغه بأن هناك صواريخ سوفيتية مزودة بأسلحة نووية موجهة للولايات المتحدة ، وأن أمريكا سوف تستخدم القوة لإزالتها إذا ما اقتضت

الضرورة ، وهذا يعني حرباً نووية هائلة ما بين الشرق والغرب0 وقال اتشيسون لديغول  دعني أريك الدليل الآن 0 فما كان من ديغول إلا أن أجاب قائلاً  لا أريد رؤية الدليل الذي بحوزتك 0

فأنا أثق برئيس الولايات المتحدة ، قل له أننا نقف بجانبه 0 والسؤال الآن  هل يمكن أن يفعل أي رئيس أجنبي هذا هذه الأيام ؟ على الأرجح لا 0 هذا ما تفتقر إليه قوتنا بالضبط )  0

ونضيف هنا بأن جميعكم تتذكرون عندما قدم كولن باول الدليل الذي لديه لمجلس الأمن ، لكي يثبت بأن العراق يمتلك مختبرات متحركة لأسلحة الدمار الشامل ، لم يلاقي هذا

الدليل أية مصداقية من مجلس الأمن 0 وهنا كان تركيز بريجنسكي على مصداقية القيادة ، مقارناً ما بين الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية ، والرئيس الراحل كيندي  0

أما ريتشارد كلارك موظف الإدارة الأمريكية في عهدي كلينتون وبوش ، والذي قدم استقالته احتجاجاً على الغزو الأمريكي للعراق فيقول  نعم فقدنا المصداقية ويقصد إدارة

بوش ، ( بدلاً من السعي للعمل مع الأغلبية في العالم الإسلامي لحشد الرأي العام الإسلامي ضد القيم المتطرفة ، قمنا بفعل الشيء نفسه الذي قالت القاعدة إننا نريد فعله 0 لقد غزونا

واحتللنا دولة عربية غنية بالنفط لم تكن تشكل خطراً علينا، في الوقت الذي لم نكرس فيه سوى أقل قدر من الوقت والجهد للمشكلة الإسرائيلية الفلسطينية 0 وبذلك وفرنا للقاعدة أفضل

دعاية يتصورها العقل لتجنيد أعضاء جدد ) 0

وكذلك كلارك مثله ، مثل بريجنسكي يعطي مثالاً عن الإدارات الأمريكية السابقة ، وطريقة إدارة اللعبة ، فيقول كلارك  ” لابد من بذل جهد دولي لمواجهة أيديولوجية القاعدة ،

فعندما حاربنا الفكر الشيوعي ، أوجدنا متحدثين وقادة وأبطالاً ومدارس وكتباً وأفلاماً وبرامج تنمية 0 وقد ساهمت هذه الجهود في كسب الحرب الباردة ، بالقدر نفسه الذي ساهمت فيه

دبابات الجيش الأمريكي في ألمانيا الغربية 0 غير أنه لم تكن هناك أية محاولة لاتخاذ أي إجراء طموح من هذا النوع في العالم الإسلامي ”  0

ونضيف هنا كما قال مايكل ايسيكوف ، بأن هناك صفعة كانت مجهزة للإدارة الأمريكية ، عندما رفضت أن تقدم كوندليزا رايس مستشارة الأمن القومي ، شهادتها أمام لجنة

تحقيق أحداث 11 سبتمبر 0 وكانت اللجنة أعدت وثيقة لتصدم بها البيت الأبيض ، وهي تمثل تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 22 نوفمبر 1945م (تظهر الأدميرال ويليام روزفلت

وهاري ترومان أمام لجنة خاصة تابعة للكونغرس كانت تحقق في الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر 0

ويقول العنوان المطبوع فوق الصورة عن شهادة ليهي العلنية ، رئيس هيئة موظفي الرئيس يقدم شهادته 0 كانت النقطة واضحة  لم يعد بوسع البيت الأبيض الادعاء بأن

ظهور رايس سيمثل تجاوزاً عميقاً للسوابق ) 0

أما الآن فإدارة بوش تحافظ على أن تحصل على دور قيادي أخلاقي ، وليس دور بطولي من خلال استخدام مبدأ القوة والسيطرة 0 فنظرية الشرق الأوسط الكبير تعتبر التفاف

للإدارة الأمريكية ، لغسلها في أحاديتها في الشرق الأوسط ، وخاصةً في العراق 0 ومن هنا تريد أمريكا أن تعطي دوراً لأوربا ، وروسيا الاتحادية ، والأمم المتحدة ، والثمان الكبار ،

للمصادقة على نظرية الشرق الأوسط الكبير ، ولكن نعتقد أنها (Too Late) أي متأخرة جداً ، لأن إدارة بوش تحاول أن تمارس دوراً قيادياً مقبولاً، وهي من الأوراق المهمة لإدارة بوش ،

للاستعداد لانتخابات نوفمبر  أولاً  التخلص من أحاديتها في الشرق الأوسط ، ثانياً  إعادة صياغة تحالفها مع الأتحاد الأوربي ، لأن كما يعترف كبار المفكرين الأمريكان وعلى رأسهم كاجان ،

بأنه يجب على أمريكا أن تحصل على شرعية أية عمل من أوربا ، ثالثاً  ادخال الشركات النفطية الأمريكية في روسيا الاتحادية ، رابعاً  صياغة الاتفاقيات التجارية مع الصين، خامساً  تعديل

الميزان التجاري مع اليابان 0 هذا كله مطلوب في السياسة الخارجية الأمريكية ، خلال فترة لا تتجاوز خمسة أشهر ، ومن هنا كنا نعتقد ومن أقوى الاحتمالات ، بأن جميع القوى العالمية

ستحاول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن تماطل في تطور أية خطوات للسياسة الخارجية الأمريكية ، ولكي تكشف إدارة المحافظين أمام الناخب الأمريكي ، ويعود ذلك لأن معظم القوى

العالمية وجدت صعوبة التعامل مع إدارة بوش الابن  0

أما السياسة الداخلية فتعتمد على مستوى الاداء

1- بالنسبة لصغار السن والنساء دائماً يكونون متعلقين بالشخصية الكاريزماتية الفاتنة ، وهذا ما يفتقده بوش ، أما بالنسبة لكيري فعليه أن يثبت في الأيام القادمة بأنه كريزماتي

، وسوف يساعد كيري في الأداء السحري نوعية الفريق الذي سوف يختاره  0
2- الاقتصاد ، على بوش محاولة تجميد الاعفاءات عن العمل ، ومحاولة زيادة توظيف العاطلين عن العمل ، وعلى كيري وضع برنامج اقتصادي طموح لمعالجة الأزمة الداخلية ،

وعلى شرط أن يكون البرنامج منطقياً ومن الممكن تطبيقه ، ووضع تصور إيجابي للعولمة الأمريكية عبر العالم  0
3- الأمن ، الصفات التي قدمها كلارك لإدارة بوش تعتبر إيجابية لدعم كيري ، وخاصةً أن كيري حاول أن يبعد نفسه عن وحل التحقيقات الأخيرة ، وبالتالي ما حدث لبوش يعتبر

آلاماً قوية ، وفي الوقت نفسه قوة للمنافس  0 ومن هنا يستطيع الديمقراطيين أن يستفيدوا من أخطاء بوش ، وأن يضعوا تصور أمن جماعي للنظام العالمي الجديد  0

وفي النهاية اللعبة الانتخابية دائماً قابلة للمفاجآت ، أما حسابياً الآن ، فإدارة بوش تمر من خلال أسوأ مراحلها ، وإذا لم تستطع أن تحقق ما ذكرناه أعلاه من سياسة خارجية

وداخلية ، فبدون شك أن أيام إدارة بوش باتت معدودة  0

هذا ما يحدث للولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن ماذا عن عالمنا النامي ؟  سنترك الإجابة للقارئ الكريم  0

وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

أهمية التخطيط الإستراتيجي للأمم

بسم الله الرحمن الرحيم

24/6/2004

لا تنشأ أمة ولا تتطور من دون برامج تخطيطية ، و هنا نحن لا نقصد التخطيط المركزي الذي كانت تتميز به الدول الإشتراكية ، والذي كان يواجه تنافساً شديداً مع برامج التنمية القطاعية الذي اشتهرت بها الدول الرأسمالية اللبرالية ، وفي النهاية فشلت برامج التخطيط المركزي ، ونجحت برامج التنمية القطاعية الرأسمالية.

ومشكلة الدول العربية أنها إختارت أن تبدأ بالإسلوب الرأسمالي ، وبعد ذلك عادت للإسلوب المركزي ، ومن ثم إستخدمت اللإسلوبين معاً ، وفي النهاية لم ينجح ولا أسلوب من الأساليب التي إتبعوها ! .
إذاً ما هي مشكلتنا في العالم العربي ؟
نعتقد بأن مشكلتنا في العالم العربي هو أننا دائماً نبحث عن النتائج وليس الآليات والأساليب والأدوات التي تحقق هذه النتائج . ونقصد هنا بالنتائج أن يكون

عندنا أفضل مبنى جامعي ، أو أكبر ملعب كرة ، أو أضخم فندق في العالم ، أو أجمل طريق بحري ، أو أغرب مستشفى من حيث التصميم … الخ .

ولكن هذه النتائج لم يوضع لها برامج استراتيجية لإيجاد الآليات المناسبة لإنتاجها مثلاً على التوالي مع أعلاه من دون إيجاد الآليات المناسبة لتطوير البرامج الرياضية ، ومن دون إيجاد الخطة المناسبة لتطوير السياحة في العالم العربي ، ومن دون إيجاد حل لشبكة المواصلات الوطنية ، ومن دون إيجاد البرامج الصحية المناسبة وعدد الغرف الكافية لمرضانا !! .

إذاً من حقنا جميعاً أن نسأل ، ماهو الحل للخروج من عنق الزجاجة الذي وضعنا أنفسنا فيه ؟ .
الحل طبعاً هو التخطيط الإستراتيجي للأمة ، وهذا لن يأتي إلا عن طريق المؤسسات . فمثلاً ألمانيا بعد هزيمتها المذلة في الحرب العالمية الأولى وجدت بأنه لابد من إعادة أمجادها ، ولكي تعيد أمجادها فلابد لها من التخطيط السياسي السليم . ففي عام 1924 م أسس ” معهد ميونخ للجيوبوليتيكا ” وانضم إلى هذا المعهد مجموعة كبيرة من المخططين من الإستراتيجين الألمان مثل ايريخ أوبست وأتومال وجوستاف وعلى رأسهم هاوسوهوفروأبنه البرخت ! . [ رياض ص 90 ] .
وهذا المعهد قدم خلاصة الخطط الإستراتيجية لكي تصبح ألمانيا دولة كونية ، أو كما نسميه في عصرنا الحالي القطب العالمي الأوحد ، ومن آراء هذه المدرسة ، بأنها قسمت الشعوب إلى شعب سيد وهو الشعب الألماني ، وشعوب معاونة  وهم بقية شعوب أوروبا ! . وكانت توصيات هذه المدرسة هو الإقلال من إستخدام القوة العسكرية قدر المستطاع ، إلا عند العمليات الإستئصالية الضرورية ، فمثلاً أوتومال يقول : ” إن التغلغل الإقتصادي الكامل له تماماً نفس الآثار المترتبة على الإحتلال

العسكري ” [ آل ثاني ، فهد ، جغرافيا سياسية ص 126 ] . وهم اللذين وضعوا التوزيع الإقليمي للعالم تحت المسميات التالية : أمريكا الكبرى ، وأوروأفريقيا ،
وروسيا الكبرى ، وآسيا الشرقية ! . [ رياض ص 96 ] .
ولكن كان أكبر مشكلة لهذه المدرسة هو النظام الشمولي لألمانيا الذي أنشأته النازية بقيادة أدولف هتلر ، بعد أن قام هتلر بتجميد قرارات البرلمان الألماني ، وأ صبحت السلطة مركزية في عصره ، وهذه المركزية جعلت هتلر يأخذ مايناسبه فقط من خطط معهد ميونخ ! .
وبعد الهزيمة المذلة لألمانيا في الحرب العالمية الثانية ، حدث مثل ما حدث في الأولى ، ثم قامت الولايات المتحدة بإستقدام معظم العلماء الألمان ، وكذلك أخذت المخطط الألماني للعالمية ، وحولت مايمكن إقتباسه من هذا المخطط لكي يوظف للولايات المتحدة لكي تصبح الدولة الكونية . فعلى سبيل المثال الخطة الألمانية للسيطرة على أمريكا ، وضعت برامجها لوحدة واحدة أسمها أمريكا الكبرى ذات تقسيم إداري هيراكي ، ونلاحظ المخططين الأمريكيين الآن يحاولون التخطيط لإنشاء دولة فيدرالية واحدة تحت مايسمى أوراسيا [ أوروبا وروسيا ] وتكون ذات تقسيمات إدارية هيراكية ، وذلك سوف يسهل السيطرة الإدارية الأمريكية على العالم القديم [ أوروبا وآسيا وإفريقيا ] .

إذاً هنا نرجوا أن يلاحظ القارئ الكريم أن مخطط أمريكا الكبرى الذي وضعه معهد ميونخ ، بعد أن دارت الرحى في ظهر المجن على أوروبا ، عكسته أمريكا وتريد تطبيقه على العالم القديم المذكور أعلاه ! .

ونجد أن الولايات المتحدة إنتبهت أيضاً إلى أنها لن تصبح دولة عالمية من دون

وجود مؤسسات للتخطيط الإستراتيجي ، وبرز دور هذه المؤسسات بعد الحرب العالمية الثانية ، وهي التي وضعت معظم الخطط للقوة المسيطرة على العالم الآن .
ففي مقالة للأستاذ محمد حسنين هيكل قال : ” بأنه عندما تأكد الأمريكيون من أن تصورهم الرأسمالي لن ينجح إلا بعقد صلح تاريخي بين الرأسمالي والمفكر .
ونتيجة لهذا المنطق الذكي للرأسمال الأمريكي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية عشرات ومئات المؤسسات تحمل أسماء أصحاب أكبر المصالح روكلفر وراند
وكارنجي … الخ . وأصبحت كل واحدة من هذه المؤسسات ( شبه حكومة ) تتمتع بنوع من الإستقلال الذاتي وتمارس نشاطات غير محددة في مجال التفكير الإستراتيجي ، ورسم السياسات ، ومتابعة الأزمات ، وكتابة الأوراق ، واقتراح الحلول والتفاوض أحياناً ، وقد وجد الجميع في كفاءة المؤسسة ، تحقيقاً شديد الكفاءة لهدفين : 1- اكتشاف ورصد ودراسة الفضاءات التي تريد المصالح الكبرى أن تعمل فيها وتتوسع وتزيد أرباحها .
2- ثم القيام على علاقة صلة قرب من دوائر القرار السياسي ومتابعة مداخلها ومخارجها ، بما يحقق درجة من التوافق تسمح بتبادل المساعدة ، وتعظيم الفائدة .

وبالفعل هذه المراكز استطاعت أن تقدم لأمريكا مجموعة من المخططين الإستراتيجين أثناء الحرب الباردة ، وبعدها مثل : ماك جورج باندي ، وهنري كيسنجر ، وزبجنيو  بريجنسكي ، وكوندليز رايس ، وشولتز ، وبراون ، ورامسفيلد ، وريتشرد هاس … الخ .

المضحك المبكي ، أن أحد متخذي القرار العربي ذهب إلى إحدى هذه المراكز وقال لهم إعتبروني واحداً منكم ، فأثار عرضه الكثيرمن الدهشة والتساؤل لديهم : هل هذا المسؤول يقصد بعرضه هذا أنه يرغب في إلقاء جنسيته وحمل

الجنسية الأمريكية معنا ؟ أم أنه يجهل بأننا نخطط لإبقاء أمريكا إلى أقصى حد ممكن من الزمن الدولة المهيمنة لكل مقدرات العالم ؟! .
نحن لانستطيع أن ننكر بأن الدول العربية ، وخاصة ً دول مجلس التعاون الخليجي منذ نهاية الحرب الباردة ، وبالتحديد في الفترة مابين سبتمبر إلى مايو من كل عام ، تستضيف الكثير من المؤتمرات الإقليمية والعالمية الإستراتيجية ، وأن تكلفة هذه المؤتمرات تصل إلى أضعاف قيمة ميزانية المؤسسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية ! .

لكن يفترض أننا ندرك بأن هنك بوناً شاسعاً مابين مصطلحي مؤتمرات ، ومؤسسات ! ، فكلمة مؤتمر إذا لم يكن لها قاعدة لكي تحدد الأهداف الإستراتيجية التي أقيم من أجلها المؤتمر مثل تقوية العلاقات الدولية ، وتحليل التصور الفكري عند الآخر ، وجمع المعلومات وتمحيصها وتدقيقها بعد نهاية المؤتمر ، وأخذ الخلاصة منها وتوظيف المعلومات المستخلصة لمصلحة الأمة المنظمة للمؤتمر .

إذاً .. إذا لم يقدم المؤتمر المعلومات المذكورة أعلاه ، فإسمحوا لنا بأن نسميه مؤتمراً إستعراضياً وليس مؤسسياً ! .
ومن هنا يكمن الفرق بيننا وبينهم ، فمؤسساتهم لها أهداف  إستراتيجية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى ، أما مؤتمراتنا ذات الأهدف الإستعراضية الإعلامية الدعائية ينتهي كل شيئ بالنسبة لنا بمجرد إنتهاء المؤتمر ، والعكس صحيح بالنسبة للمؤسسات الإستراتيجية العالمية يبدأ كل شيئ عندهم بعد نهاية المؤتمر !! .

ويمكننا أن نقيس الفرق مابين مؤتمراتنا ، ومؤسساتهم ، بطرح بعض الأسئلة التي يمكن أن يشارك الجميع في الإجابة عليها :

أولاً : كم عدد مؤسسات التخطيط الإستراتيجي في كل قطر خليجي ؟ ومامدى مشاركتها في صناعة القرار الخليجي ؟! .
ثانياً : كم عدد المؤلفات الخليجية التي أنتجت بعد إستضافة المؤتمرات العالمية ، تبرز ارآء الضيوف والمضيفين وأوراق العمل التي شاركوا بها ؟! .
ثالثاً : ماهي المساهمات التي قامت بها دولنا لكي يستطيع المفكرين المحللين الإستفادة من هذه المؤتمرات الإستفادة القصوى ؟! ، وخاصةً الخبراء العالميين القادمين إلى دولنا ؟! .
رابعاً : كم أإسهمت هذه المؤتمرات في مساعدة وتطوير المفكرين والمخططين السياسين والإقتصاديين والإجتماعيين المحلين ، لكي ينعكس تطورهم على الساحة المحلية من خلال بحوثهم ومقالاتهم وندواتهم لتطوير برامج العمل الوظيفي ؟! .
خامساً : والسؤال الذي يطرح نفسه ماهي الفائدة من هذه المؤتمرات من دون قاعدة مؤسساتية ؟! .
وفي الختام المذكور مجرد مساحة للفكر ونحترم ارآء الجميع سواءً يتفق أو يختلف معنا ! .

وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله تعالى ،،،

أُهْمّ الحشاشين ، أم نحن مغشوشين ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

6/6/2004

في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ، ظهرت منظمة إسماعيلية منشقة على فرقة الإثنا عشر الشيعية ، وهذه المنظمة أثارت الرعب في قلوب جميع مراكز القوى في

الشرق الأوسط 0

وهذا الموضوع القديم المتجدد تناولته معظم الموسوعات السياسية ، وتناولته أيضاً بشكل غريب ومثير للدهشة المؤرخ المشهور فيليب حتي في كتابه الجدلي تاريخ العرب 0

ومما يؤكد أهمية هذه الحركة المتطرفة من الناحية السياسية في التاريخ العالمي ، هو مسمى الاغتيالات السياسية في اللغة الأنجلو ساكسونية حشاشين ( (

Assassination) 0

وما أثار أنظارنا نحو هذا الموضوع القديم المتجدد هو الأسلوب الراقي الذي تناولاه الكاتبان المشهوران بأسلوبهم المميز وهم د0 تركي الحمد ، والأستاذ خالص جلبي في

سبتمبر وأكتوبر 2002م ، وبالطبع تناوله كُلاً منهم بطريقته وأسلوبه التحليلي، وإن كنت أجد بأن أسلوب الربط الموضوعي بينهما متشابه ، أي أن تنظيم القاعدة شبيه بحركة الحشاشين  0

المؤسس الفعلي لهذه المنظمة هو الحسن بن الصباح بن علي الإسماعيلي (1037 – 1124م ) الذي ولد شيعياً إثنا عشرياً وانتهى به المطاف إسماعيلياً باطنياً ، بل ومؤسساً

لمذهب وفرقة خاصة به من فرق الإسماعيلية 0 والحقيقة يهمنا هنا أسلوب ابن الصباح في التخلص من خصومه ( الشرق الأوسط العدد 806 ) 0

ونحن نتفق بأنه من أخطر ما قامت به حركة الحشاشين لكي تصل إلى السلطة هي محاولتها الخبيثة لاغتيال القائد الإسلامي الشهير صلاح الدين الأيوبي ، كما ذكر الأستاذ

جلبي بأسلوبه الراقي : ” في ليلة الأحد 11 ذي القعدة 571هـ – 1176م ، كان القائد صلاح الدين الأيوبي على موعد مع رسل الموت من الحشاشين ، فبينما كان في خيمة الأمير الكردي

جاولي الأسدي قائد أركانه ، وهم يستعرضان الخرائط الحربية ضد الصليبيين ، اقتحم الخيمة شاب مفتول العضلات وكأنه جني لخفة حركته يلمع في يمناه خنجر هوى به على رأس صلاح

الدين ، ولكنه كان محظوظاً فقد صدم النصل المسموم الزردية من الحديد التي تغطي رأسه ، فأدرك المجرم أنه أخطأ هدفه فقام بتوجيه طعنة إلى الخد فجرحه وأنقض الضباط الأكراد على

الرجل فقتلوه ” ( الشرق الأوسط العدد 8702 ) 0

ويرى د0 الحمد بأن التنظيم في مثل هذه المنظمات ليس كالتنظيم في أية منظمة سياسية أخرى ، سرية كانت أو علنية 0 فمن ناحية هو تنظيم شبه مغلق ، أو هو مغلق فعلاً ، لا

يمكن الدخول فيه إلا لمن كان هو والثقة صنوان لا يفترقان ، وذلك لا يتم إلا بعد أن يكون قد ( تربى ) تربية معينة ، فكرية وتنظيمية ، بعكس معظم التنظيمات ، حتى السري منها ، التي يكفي

الاقتناع بالفكرة سبباً في الانخراط مبدئياً ( الشرق الأوسط العدد 8713 ) 0

أما ما أشار إليه د0 الحمد من ناحية فكرية وتنظيمية لتنظيم القاعدة مشبهاً إياه بتنظيم الحشاشين ، فهي فكرة جدلية ، ولكن ما نستطيع أن نؤكده لكم بأنه لا يوجد تنظيم أو

دولة في هذا الكوكب إلا ولها الأيديولوجيا الفكرية الخاصة به أو بها  0

ويضيف د0 الحمد : ” إن مثل هذه الجماعات غالباً ما يكون تركيزها على الغض من الشباب ، وذلك لأنه من الأسهل إعادة تشكيل عقول هؤلاء وفق الأهداف التي يحددها

الزعيم ، أو تحددها القيادة 0 بل وكلما كانت إعادة التربية في سن أبكر ، كان ذلك أفضل 0 ومن هنا فإن مثل هذه الجماعات لا تبحث عن أعضائها المحنكين في الشوارع أو بين مختلف

فئات وطبقات الناس ، بل يكون التركيز في تلك المؤسسات التي تحتوي على الغض من الفتيان 0 فقد تكون دعوة التنظيم عامة من خلال البيانات والأعمال ، ولكن الانخراط فيه ليس بمجرد

الاقتناع ” 0

أيضاً من رأيي أن هذه النقاط الأخيرة أثارت بعض الجدل ، ولكن كما نعرف بأن أي تنظيم ثوري لا يبحث لجهازه الأمني عن القادة ، ولكن يبحث عن الشباب الصغار الذين هم

بالفعل عندما يقنعون بأيديولوجية التنظيم يصبحون هم العمود الفقري الأمني للتنظيم من ناحية استخباراتية ومن ناحية قتالية  0

ولكن الملفت للنظر عندما قال الأستاذ جلبي ” بأن حسن الصباح قام بتطوير العمل على نحو عبقري ، حيث رأى أن العمل السري المسلح لا يحتاج لجيوش كثيرة بل عناصر

قليلة حسنة التدريب شديدة الولاء إلى حد العبادة ، وبتنظيم خاص غير قابل للاختراق ينتشر مثل انتشار السرطان 0 وبعدد محدود من صغار الشبان الذين يتم غسل أدمغتهم بالتعصب

والحشيش  ” 0

عرضنا لرأي الأستاذين الكبيرين ليس لغرض المزايدة ، ولكن يوجد لنا رأيا يخالف رأيهم وهو كالتالي :

1- الحركة السلفية التي يتبعها السواد الأعظم من المسلمين ، خاصة أن هناك أرتباط مباشر وغير مباشر ما بين المسلمين السنة والحركة السلفية ، فالمسلمين السنة يشكلون

94% من مجموع المسلمين في العالم 0 ومعظم الأفغان العرب من أتباع الحركة السلفية السنية ، وتعاليمها أصلاً مأخوذة من السلف الصالح وسيد البشرية جمعاء محمد نبي اللّه ورسوله

ص ، أما الجماعة الإسماعيلية فهي لا تشكل حتى 1ر0% من نسبة مسلمي العالم ، ويوجد خلافات كثيرة بيننا وبينها لا مجال لذكرها الآن ( آل ثاني ، العالم الإسلامي ص 89 ) 0

2- منذ عام 1980 – 1989 كان المجاهدين الأفغان العرب مدعومين من جميع الدول الإسلامية والعربية ، وعلى رأسهم حليفة العرب والمسلمين آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية

، وذلك لمحاربة أمبراطورية الكفر ممثلة بالأتحاد السوفيتي ، ومجموع المساعدات المالية التي وصلت إلى المجاهدين في الفترة المذكورة كانت تزيد على (30) بليون دولار  0 طبعاً بالنسبة

للولايات المتحدة الأمريكية كان الهدف ظاهرياً لمحاربة الكفر والألحاد ، وباطنياً لتعزيز مبدأ سياسة الاحتواء على الأتحاد السوفيتي  0

3- الجهاد فرض عين على كل مسلم قادر ، وخاصةً عندما يعتدى على مقدسات المسلمين وأنفسهم وأرضهم وأموالهم ، والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة لا مجال لذكرها الآن ،

ويدعم ذلك آيات من القرآن الكريم كقوله تعالى :  إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل

والقرآن ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم  ( التوبة آية 111 )0

4- ما حدث من صراعات سياسية وأمنية في الشرق الأوسط ما بين الحكومات ، والتيارات الثورية الإسلامية السنية ، في رأيي الشخصي لا يوجد ما بينها وبين الحركة

الإسماعيلية ( الحشاشين ) أي وجه من التشابه 0 وإنما نستطيع أن نسميها بأن الثورة دائماً تأكل أبنائها ، والأمثلة على ذلك كثيرة :

4-1 إنفصال باكستان عن الهند في عام 1948م كان ذلك لإنشاء دولة إسلامية ، وانتهى المطاف بإنشاء دولة للمسلمين 0 ومعظمنا ربما يتذكر المقولة المشهورة للشيخ أبو الأعلى

المودودي رحمه اللّه : ” هل هي دولة للمسلمين ؟ أم هي دولة إسلامية ( آل ثاني ، نفس المصدر ، ص 45 ) 0

4-2 الحركة الوهابية السلفية في الجزيرة العربية ، انتهى بها المطاف إلى صراع ما بين الوهابيين الإصلاحيين ( السلطة ) ، والوهابيين المتشددين ( الأخوان ) 0

4-3 الثورة الإسلامية الشيعية في إيران أصبح التنافس الآن ما بين الإصلاحيين بقيادة الرئيس محمد خاتمي ( السلطة التنفيذية ومجلس الشورى ) ، والمتشددين من أركان الثورة

وهم مرشد الثورة ، ويشرف على الجيش والحرس الثوري والسلطة القضائية ومجلس صيانة الدستور ( آل ثاني ، نفس المصدر ، ص 193 ) 0

4-4 الثورة المصرية ، كانت بدعم كامل من الأخوان المسلمين ، وكان لهم تأثير بشكل كبير لتحريك الشارع المصري ضد الملكية ، وبعد أن حدث الانقلاب عام 1952م بقيادة

مجموعة من ضباط الجيش ، أصبح الضباط نظام حكم ، وأدى ذلك إلى وجود صراع ما بين النظام والتيار الإسلامي مازال مستمراً إلى الآن  0

4-5 حكومة الأنقاذ في السودان ، والتي قامت بانقلاب أواخر الثمانينيات بتحالف ما بين الجيش بقيادة الرئيس البشير ، والشيخ حسن الترابي 0 وانتهى المطاف بصراع ما بين

أركان السلطة فبقي حسن البشير رئيساً للجمهورية ، وأودع د0الترابي في غياهب السجن  0

4-6 الجمهوريات العربية التي قدمت الغالي والنفيس للتيارات التحررية الشعبية لكي تقوم بانقلابات في الدول الملكية أو كما يسمونها الرجعية 0 وكان هناك دور بارز للتيارات

الرديكالية العربية في الدول الملكية الشرق الأوسطية مثل البعث العربي ، والقوميين العرب في فترة الخمسينيات ، والستينيات ، والسبعينيات ، وأنتهى المطاف بمعظم الجمهوريات العربية

إلى جمهوريات وراثية ( ملكية معدلة ) وذلك شكل صدمة عنيفة للتيارات الريديكالية المذكورة ، وخاصةً لامتدادها فوق القطري  0

وفي الختام نقول شهد العالم في القرن العشرين ميلادي أربع حركات وكلها كان عندها طموح عالمي مثل البلشفية والفاشية والنازية والرأسمالية الليبرالية 0 وكل ما يسقط

تيار من الحركات المذكورة ، يقول المنتصرون عليها انقذ الخالق هذا الكوكب من ديكتاتورية كانت ستهلك الحرث والنسل ، وتأكل الأخضر واليابس فيه  0

وأنتهى المطاف إلى انتصار الحركة الرأسمالية الليبرالية ، وتقول عن نفسها بأنها هي الحركة المنقذة للإنسانية  0 ولكن يؤسفني بأن أقول لكم بإن الذي نراه هو عكس ذلك ،

فالحركة الصهيونية عززت اضطهادها واذلالها للشعب الفلسطيني بتأييد تام من قائد العالم الأوحد الولايات المتحدة الأمريكية 0 والأدهى والأمر من ذلك بأن بوش أتى بمصطلح جديد كما

يحلو للبعض بتسميته مبدأ بوش وهو ما يسمى بالحرب الاستباقية الاجهاضية ، وذلك أدى إلى بروز ما يسمى بمحاور الشر في العالم وهي : إيران ، وأفغانستان ، والعراق ، والسودان ،

وسوريا ، وليبيا ، وروسيا ، وكوريا والبقية تأتي  0

وأخيراً بدلاً من التشكيك في الحركات الجهادية الإسلامية ، هو السؤال الذي تعودنا مراراً وتكراراً تقديمه لمتخذي القرار في الشرق الأوسط ، أن يوضحوا لنا برامجهم قصيرة

ومتوسطة وطويلة المدى لإنقاذ هذه المنطقة من وضعها المتردي ؟  0

وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

أنها السياسة يا غبي !

بسم الله الرحمن الرحيم

10/10/2004

كنا في جلسة مع مجموعة من المثقفين العرب ، وكان الموضوع المطروح فيما بينهم هو : لماذا يصبح من هو أقل خبرةً أو علماً أو كفاءة من زملائه رئيساً عليهم أو على مجموعة معينة !

وكان رأينا في هذا الموضوع الذي يفترض بأنه شيء مفروغا  منه ، أن الشخص الغير مؤهل ، ويسوقه القدر إلى السيطرة على مجموعة ، بالطبع لا يستطيع أن يترك المجموعة تتطور بطريقة تلقائية كما هي مع المحافظة على مصادرقوته0 فقفز أحد المثقفين وقال : إذاً ما هو الحل ؟

اولآ        هل سمعت بلعبة تغيير مراكز القوى ؟ 0 هذه اللعبة الديناميكية تتم بطريقة إعادة توزيع المجموعة ، وهذا التغيير يتم من خلاله التغيير التام لمراكز القوى الطبيعية وإظهار مراكز قوى جديدة مصطنعة ، لكي تسير دفة الأمور ، ونتيجة ذلك أن الشخص المسيطر أعلاه من خلال تغيير المجموعة يستفيد من التالي : (أ) إعطاء الفرصة لأشخاص غير مؤهلين ، فيشعرون دائماً بأن المسيطر أعلاه صاحب فضل عليهم ، (ب) تأجيج روح الصراع ما بين المجموعة لأن الغير مؤهل يقود المؤهل ، وذلك يعطي الفرصة للمسيطر الأول الاستقلالية الكاملة بالسلطة العليا ، تحت مبدأ المثل القائل حط حيلهم بينهم ، أو يا نار كلى حطب 00 الخ 0 ومن هنا ربما يتساءل البعض ويقول : كيف ستتطور المجموعة وبالتالي المؤسسة التي ينتمون لها إذا كان هناك صراعات ما بين أفرادها ؟ 0 الإجابة هي يا عزيزي في العالم النامي المسيطر الأول همه يقول : أنا ومن بعدي الطوفان ! 0

وبعد ذلك قفز أحد المثقفين وقال : إن هذه المجموعات أعلاه من الممكن إعادة إصلاحها من خلال ضم لاعبين جدد ، يعتقد الزميل المثقف بأن عملية ضم لاعبين هي عملية تلقائية تدور مع الزمن ، ولا يوجد لأحد دور للتأثير عليها ، حتى المسيطر الأول ! 0 فرددنا عليه وقلنا له العب غيرها 0 هناك لعبة جديدة للمؤهلين الجدد تسمي في العالم النامي لعبة الحلقة المفرغة ! 0

وذلك من خلال التالي : عندما ينضم لاعبين جدد وعندهم طموح العطاء بلا حدود ، والمشاركة في عملية الإصلاح في أوطانهم 0 فأول سؤال يسألهم عنه المسيطر الأول : ما هي القطاعات التي تشعرون بأن عطاءكم فيها سيئاً بشكل محطم للآمال ؟ والسؤال الثاني : ماهي القطاعات التي تتوقع ان تحقق احلامك فيها ؟0 طبعاً بعد الإجابة على الأسئلة أعلاه سيزج باللاعب المؤهل الجديد إلى القطاع المحطم للآمال ، وذلك لكي يثبت أنه فاشل أمام جميع موظفي المؤسسة ، وهنا قال أحد المثقفين : وإذا كان اللاعب الجديد مؤهلاً فعلاً ، فسيتكيف ويثبت وجوده سواءً كان في قطاع وظيفي يرغب العمل فيه أو في قطاع وظيفي محطماً للآمال ولا يرغب العمل فيه ؟ 0 فأجبنا الزميل المثقف بنعم ، لكن طرحنا عليه سؤالاً ثانياً : ألم تسمع بلعبة الحلقة المفرغة ؟ 0 قال لنا الزملاء ما هي لعبة الحلقة المفرغة ؟ 0 فقلنا عندما ينجح المؤهل أعلاه في مكان العمل الذي زج فيه ويكرهه أصلاً ، تعمل لعبة جديدة تسمى الحلقة المفرغة (Vicious circle)  أي أن يبقى الشخص مستمراً في العطاء وهو يدور في حلقة مفرغة بدون أية ترقية أو زيادة في الأجر أو تكريم ، وكلما يزيد في العطاء، يقوم المسيطر الأول بالتقليل من قدر الشخص المؤهل إلى أن تصل طاقة الشخص المؤهل إلى التلاشي والانحسار 0 فقام أحد المثقفين وقال إذا كان الشخص مؤهلاً فعلاً فسيجد مخرجاً ! 0 فقلنا له في لعبة الحلقة المفرغة لا يوجد مخرج أطلاقاً ، إلا إذا جاء أمراً من الله سبحانه وتعالى وأدى إلى تغيير الأمور بشكل جذري ، ولكننا نرى إذا كان الشخص مؤهلاً فعلاً ، فيقوم بلعبة نسميها بلعبة التجديد والمقاومة ، فالرسول (ص) قال : “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه  ، وإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ” 0 وهنا نعتقد أن هناك عدة طرق للمقاومة ، فمقاومة اليد تحتاج إلى قاعدة اجتماعية عريضة وهذه بسبب صعوبة صناعة الرأي في المؤسسات المتخلفة ، فهي مفروغ منها ومن الصعب تشكيلها 0 والعنصر التالي اللسان ، وربما يقصد هنا الفكر ، ومن خلال الفكر من الممكن أن تحطم كل تفاهات المسيطر الأول في العملية الآنية وإبراز فشلها أمام الجميع ، وطبعاً المسيطر الأول أحد أحلامه ليست السنوات التي سيقضيها فقط ، وإنما همه هو الخلود الأبدي لكي يبقى لامعاً من جيل إلى آخر ، ولكي تحرمه هذه الفرصة أعتقد لابد لكل مؤهل إذا كان مؤهلاً فعلاً ومحروماً ، هو إتباع فلسفة أخوان الصفا لكي يتقي شر المسيطر الأول ، وفي نفس الوقت حرمانه من خلوده الأزلي من خلال مؤلف ممتاز ومحكم وموثق ، وأن تكون معلوماته صادقة ، ينشر كوثيقة مستقبلية عن المسيطر الأول تحت مسمى ( الكتاب الأسود ) !! 0

للأسف الشديد هذا وضع المؤهلين والمثقفين في العالم النامي إلا ما ندر ، ونسأل الله العلي القدير أن يفرج همنا وهمكم وهموم جميع المسلمين!0

ولكن بعد الإحباط أعلاه ، دعونا نقودكم إلى فن اللعبة السياسية في عالم الشمال المتقدم 0

أولاً ،  فرنسا : لعبة شيراك ساركوزي ، فالهرم شيراك يميل كثيراً لدوفيلبان ، ولكن ساركوزي خطف الأنظار عن دوفليبان 0 فساركوزي بعد أن كان ساعد شيراك الأيمن ، عندما فكر في ترشيح نفسه لرئاسة الاتحاد من أجل الحركة الشعبية هدد بالطرد من منصبه الوزاري ، ولكن ساركوزي لم يعد يهمه إلا أن يرشح نفسه لرئاسة فرنسا أمام معلمه جاك شيراك 0

فساركوزي بعد أن همشه جاك شيراك في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، توسط له دوفيلبان وأعاده إلى الملعب وزيراً للعدل ، ولكن الصدمة الكبرى عندما أصبحت نسبة الرضا عن ساركوزي وزير العدل 60% ، وعن رئيس الجمهورية 40% 0 فكانت اللعبة الأخرى من شيراك تعيين ساركوزي وزيراً للمالية عام 2002م وذلك لكي يخفت بريق ساركوزي ، ولكن الصدمة الكبرى عندما نجح ساركوزي في إدارة ملف المالية الفرنسية ، وزاد بريقه .ا ما المشكلة الآن إذا طرد شيراك ساركوزي وهو محبوب شعبياً ، فذلك يهدد عرش شيراك الرئاسي لأن هناك احتمال أن يتعاطف الحزب مع ساركوزي ، وإذا حاول شيراك أن يوجج الصراع ما بين دفيلبيان وساركوزي ، كل المؤشرات تقول بأن ساركوزي سينتصر ومجرد انتصار ساركوزي على دوفيليبان  ، معنى ذلك أن على شيراك أن يفتح الباب الرئاسي أمام لاعب جديد اسمه ساركوزي ، لأن مغامرة شيراك الدخول منافساً لساركوزي تعتبر مخاطرة تقضي على تاريخ شيراك السياسي ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : ألا تلاحظون متعة لعبة الكراسي السياسية في العالم المتقدم ؟ ! 0

ثانياً ، المملكة المتحدة : محور بلير براون العمالي ، فالرجلان قاما بثورة في حزب العمال الذي خسر انتخاباً تلو الآخر منذ عام 1979م إلى عام 1997م ، فتشكل محور بلير براون وقاما بإصلاحات في حزب العمال، فعززا علاقاته مع النقابات العمالية وابتعدا بالحزب عن دولة الرفاة باتجاه الأسواق الحرة وخلصاه من صورته من حزب لا يحسن إلا فرض الضرائب والإنفاق العام إلى حزب مؤيد العمال ، وبعد وفاة زعيم الحزب جون سميث ، تحققت صفقة ما بين بلير وبروان ، بحيث على براون أن يفسح الطريق لبلير ليترشح لرئاسة الحكومة ، كما حصل عام 1997م ، وأن بلير سيتخلى عن وظيفته في وقت لاحق لبراون 0 لكن بعد وصول بلير إلى دفة السلطة بدأ النزاع بينه وبين حليفه التقليدي براون 0 فقام بلير بطريقة درامية ودعم ألان ميلبورن في حزب العمال ، وميلبورن مشهور بخلافاته مع براون ، أي بمعنى آخر تأجيج الصراع ما بين خصمين جدد ، ويبقى بلير متفرجاً على الموقعة الدامية بين مرؤوسين ، دون أن تتأثر سلطته ! 0 ولكن بلير بعد أن تقلصت أسهمه في الحزب وفي الشارع البريطاني اضطر لعقد صفقة ثانية مع براون لكي يدعمه في مواجهة العواصف السياسية على أن يتنحى بلير عن الرئاسة في أواخر عام 2004م لصالح براون ، ولكن بعد أن وطد بلير الأوضاع ، فيبدوا أنه لن يتنازل لبراون ، وأنه سيخوض انتخابات 2005م لكي يرأس الحكومة البريطانية لدورة ثالثة وأخيرة إذا فاز بالطبع في الانتخابات ! 0

ولكن أين براون من المعادلة ؟ طبعاً براون مازال القلب المحرك للعبة السياسية في حزب العمال ! 0 إذاً ألا تتفقوا معنا بأن اللعبة السياسية في العالم المتقدم فن وذوق راقي ومتعة ، وفي عالمنا المتخلف سمجة ومتجمدة مثلها مثل برامجنا الاقتصادية ، وبرامجنا الرياضية ومهرجاناتنا البهلوانية 00 الخ 0

ثالثاً ، الولايات المتحدة الأمريكية : الصراع ما بين بوش وكيري اقترب من مرحلة الحسم ، وبالفعل عندما تصل مرحلة الانتخابات إلى مرحلة المواجهات المباشرة تعتبر اللعبة قربت من النهاية ، ولكن كما يرى المحللين أن أغرب شيء إلى الانتخابات الأمريكية في هذه الدورة ليس التعادل النسبي في الأصوات ما بين بوش وكيري ، ولكن هو أن المجتمع الأمريكي بالفعل مقسوم ما بينهما ، لأن في العادة الجمهوريين والديمقراطيين يتصارعون على أصوات الذين لم يقرروا موقفهم إلى آخر ليلة من الانتخابات ، ولكن كما ذكرنا أعلاه ، في هذه الدورة انقسم المجتمع الأمريكي ما بين الجمهوريين والديمقراطيين 0

ومن هنا الفريقين المتصارعين على كرسي الرئاسة الأمريكية ينظرون إلى نادر بحذر فمثلاً استطلاعات راسموسية تبين أن بوش وكيري متعادلين نسبياً 46% للأول و 45% للثاني ، ولكن نادر حاصل على 3% من الأصوات ، وهنا أصول اللعبة الحقيقية ، فاستمرار نادر يستطيع أن يسحب أصوات بعض الديمقراطيين مما يؤثر على كيري ، ولكن انسحاب نادر له تأثيره ، فمثلاً لو وصلت النسبة مثل ما هي أعلاه ما بين بوش وكيري وافترضنا جدلاً أن الأصوات 3% التي توجد عند نادر ستذهب إلى كيري فذلك يعني حصول كيري على 48% من الأصوات وبوش على 46% وذلك يعني فوز كيري ، ولكن هناك إشاعات تقول أن نادر استطاع أن يجذب بعض الجمهوريين إلى معسكره ، وهذا مما يجعل اللعبة غير واضحة المعالم إلى أن تقررها صناديق الاقتراع ليلة الانتخابات ! 0

إذاً ألا تتفقوا معي أن السياسة فن ومتعة وذوق في العالم المتقدم 0

والى اللقاء دائماً إنشاء اللّه