بسم الله الرحمن الرحيم

    8/11/2004

    كعادتنا السنوية منذ أكثر من ربع قرن في أواخر عام 2004م سيجتمع أصحاب الجلالة والسمو حكام دول مجلس التعاون الخليجي ، وستوضح القائمة التقليدية التي مازال المجلس يناقشها منذ أكثر من ربع قرن وهي ملف السوق الخليجية المشتركة ، وملف تبادل بعض الخدمات ، وملف مراجعة مدى تقدم مشروع الوحدة ما بين دول المجلس ، والملف الأمني !! 0

    نستطيع أن نقول بأن أهم أسباب عدم تقدم العمل في الملفات السابقة هو بأن جميع هذه الدول متشابهة اقتصادياً ، فجميعها دول اقتصاد ريعي ، وتعتمد بشكل شبه كلي على الهايدروكاربون ( النفط والغاز الطبيعي ) ، فعندما تحدث مشكلة اقتصاديه عند أية دولة تلجأ لاحتياطها الطبيعي القابل للنضوب وتستعين لعلاج مشاكلها مستغنيةً عن شقيقاتها الأخريات 0

                ومن  هنا سنطرح مجموعة من الأسئلة ونأمل أن تساعدنا للإجابة عليها :

                أولاً : ما هي الآليات التي يستخدمها مجلس التعاون الخليجي العربي للتعامل مع المشاكل الاقتصادية ؟ 0

    الإجابة طبعاً كما ذكرنا أعلاه ، فالحل يتم بالهايدروكاربون ، فالهايدروكاربون هو الحل لإخراجنا من مأزقنا السياسي ، والهايدروكاربون هو الحل لقضايانا الاقتصادية ، والتمويل الهايدروكاربوني هو الحل لمعالجة قضايانا الاجتماعية ، والهايدروكاربون هو الحل لمعالجة أخطاءنا وتجاربنا التعليمية ، والهايدروكاربون هو الحل لمعالجة كبواتنا الرياضية ، والهايدروكاربون هو الحل لمعالجة معاضلنا البنيوية ( البنية التحتية ) 0 ومن الكوارث الخليجية فإن أجهزة الدولة لا تخضع إلى رقابة إدارية أو تشريعية أو قضائية ، فعندما يحدث خطأ فادح من إحدى أجهزة الدول ، فلعلاج ذلك الخطأ تتجه الدول إلى التمويل الهايدروكاربوني لعلاج الخطأ الفادح ، وخاصةً أن الثروات الطبيعية في دول مجلس التعاون الخليجي العربي ملك للدول بشكل مطلق ! 0

    ثانياً : هل قدم مجلس التعاون الخليجي العربي العلاج الناجح لقضايانا الأمنية؟ 0

    مشكلة الكيانات الخليجية الصغيرة منذ نشأتها هو الأمن ، ففي منتصف القرن التاسع عشر ، وقعت بعض مشيخات المجلس اتفاقيات حماية مع بريطانيا ، ومنذ بداية القرن العشرين إلى عام 1971م كانت جميع مشيخات المجلس بما فيهم سلطنة عمان موقعين اتفاقيات حماية مع بريطانيا ، وكان هناك تنسيق أمني ما بين بريطانيا والمملكة العربية السعودية في النصف الأول من القرن العشرين ، وعندما أرادت المملكة المتحدة الانسحاب من الكيانات الخليجية كانت المشكلة التي أثيرت : هل تستطيع هذه الكيانات الاستمرار كدول مستقلة 0 ولكن بطريقة غير مباشرة انسحاب بريطانيا كان يعني دخول الولايات المتحدة الأمريكية كوريث لبريطانيا في منطقة الخليج بشكل خاص ، وفي معظم المستعمرات البريطانية بشكل عام 0 وكان الأسلوب الأمني الأمريكي للمنطقة من خلال قواعدها في بعض دول المنطقة ، أو أساطيلها البحرية في بحر العرب وعلى مدخل الخليج العربي ! 0

    وكذلك قدمت الولايات المتحدة عدة سيناريوهات لأمن المنطقة منهم مبدأ نيكسون ، ومبدأ كارتر ، ونظرية ريغان وهو تقوية العراق من جهة ، ومن الجهة الأخرى بيع الأسلحة على إيران ( قضية الكونترا افير ) وذلك لكي يمتص طاقة الدولتين بشكل عام ، وإخضاعهم للأمر الواقع ، ودفعت جميع دول الخليج كارثة حرب العراق وإيران ، وبعد ذلك مبدأ بوش الأب النظام العالمي الجديد ، ونظرية بوش الابن محاور الشر ( للمزيد راجع موقعنا ،السيناريوهات الاستراجيه لامن الخليج العربي) 0

    ثالثاً : هل تعلمون لماذا هذه السيناريوهات والمبادئ منذ 15 سنة ؟ :

    أ  –        السيطرة التامة على منطقة غرب آسيا ( إيران ، ودول المجلس ، والعراق، وبلاد الشام ) لأن هذه المنطقة تعتبر أهم للحركة في العالم براً وبحراً وجواً ، والقوة المسيطرة عليها تدين لها شبكات الاتصال العالمية 0

    ب –       السيطرة على أهم موارد الطاقة في العالم ( النفط والغاز الطبيعي ) 0

    ج  –       المحافظة على حلم الصهيونية العالمية ، عندما دعى هيرتزل في أواخر القرن التاسع عشر بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين 0

                رابعاً : هل استوعبنا في دول المجلس تقنية فن إدارة اللعبة الأمنية ؟

                فن إدارة اللعبة دائماً تقوم على عدة حلقات ، مثلاً الحلقة الأضعف دائماً تكون باحثة عن الحماية ، والنتيجة تكون أن الحلقة الأضعف هي التي تقوم بدعوة القوى الأجنبية للحماية ، وكذلك الحلقة المتوسطة عندما تشعر بتهديد ما تبحث عن التحالف مع القوى الأجنبية ، وهذا كل ما تريده القوى العالمية بأن تكون دائمة التواجد في أهم منطقة في العالم لتوفير الطاقة ، وخاصةً أن هذه الدول سبق لها وأن بادرت باستخدام الطاقة كسلاح في حرب أكتوبر 1973م 0 أما الحلقة الأقوى في حالة السيطرة عليها تقوم بلعب دور شرطي المنطقة ، وفي حالة التمرد على القوى الأجنبية ، تتهمها القوى الأجنبية بالكيان المهدد لأمن المنطقة ، وأحياناً تستدرج للقيام بعمل عدواني ضد إحدى الكيانات الصغيرة في المنطقة 0 وفي كلتا الحالتين ذلك يصنع المبرر لكي تبقى القوى الأجنبية في المنطقة لأقصى مدة ممكنة 0 ففي الحالة الأولى الحلقات جميعها حلفاء للأجنبي ، وفي هذه الحالة لابد من ابتكار خطر يهدد المنطقة ، كان سابقاً من الاتحاد السوفيتي ، والآن لا نستبعد أن يتهم أي كيان آخر مثل الصين أو الهند أو الباكستان 000إلخ 0 وفي الحالة الثانية حلقة الصقور محاولة التمرد على القوى الأجنبية في المنطقة عندها سيتم اتهامها تلقائياً بأنها تهدد حلقة الحمائم ، وبالتالي لابد من وجود الأجنبي في المنطقة لكي يقدم الحماية الكافية لحلقة الحمائم 0

    إنه الأمن يا حكماء (2)

                والنتيجة أن دول المجلس تعاني من عملية فراغ أمني يصل إلى درجة خطيرة جداً ، ولم تعاني منه دول الخليج الصغيرة منذ نشأتها !0 علماً بأن معظم وسائل إعلام المجلس مازالت تحتفل وتتباهى بالإنجازات التي حققها المجلس ، وسؤالنا هنا ما هي الإنجازات التي حققها المجلس ؟ هل تحويل الريع الهايدروكاربوني الناضب إلى هياكل خرسانية يعتبر إنجازاً مثلاً مع نسياننا أو تناسينا للملف الأمني ؟ هل نعتقد بأن الأجنبي سيكون دوره مطلق لتوفير الأمن للمجلس حتى لو تعارض ذلك مع مصالحه ؟ 0

                نحن نعتقد بأنه لن يتحقق أية إنجازات حقيقية عندنا إذا لم نعالج الملف الأمني بشفافية وجرأة من جميع دول المجلس الخليجي ، وبالتعاون مع أشقائنا في إيران ، وفي العراق 0 فالسيناريو الأجنبي القادم هو تصوير إيران بأنها تمثل الغول القادم لالتهام المنطقة ، وذلك لأن إيران ستستغل الفراغ الأمني بعد انهيار الجيش العراقي ، وانهيار مؤسسات الدولة العراقية ، ومن هنا على دول المنطقة من التعاون مع الأجنبي للقضاء على الغول الإيراني ، وطبعاً الهدف في هذه الحالة ليس الكيانات الخليجية الصغيرة ، وإنما هدف أجنبي أكبر منه موضح في دراسة لنا تحت عنوان : ( هل تستثني الاستراتيجية الأمريكية إيران ؟ ) 0

                ولكن نحن كخليجيين لماذا لا نستلم ملفنا الأمني بأنفسنا ؟ ولماذا لا ننسق مع دول الجوار الإقليمي ؟ ولماذا نعتقد أن إيران إذا ضعفت فإن ذلك سيوفر الأمن لنا ؟0

                الاستراتيجية الأمنية تقول بأن الضعيف يبقى ضعيفاً ، وحتى إذا ساهم في إضعاف الأقوياء 0 ومن هنا لماذا لا ندير اللعبة بطريقة أخرى ؟ وهو أن يتم تنسيق إقليمي وأن تكون جميع الكيانات الإقليمية قوية ، ونعني هنا بأن تكون إيران قوية ، وتكون دول المجلس قوية ، وتكون العراق قوية ، وتكون اليمن قوية ، وتكون دول غرب آسيا الأخرى قوية 0 ومن هنا يمكن لهذه الكتل أن توقع معاهدة أمنية مثلاً احترام السيادة القطرية لكل كيان ، وكذلك في حالة اعتداء أية كتلة على الكتلة الأخرى يعتبر اعتداءها اعتداء على جميع الكتل ، وكذلك الكتل الإقليمية المختلفة في حالة تعرض أياً منها لاعتداء أجنبي  يعتبر اعتداء على جميع الكتل 00 إلخ 0

                من هنا ربما يعتقد البعض بأن ذلك يمثل السياسة الأخلاقية ، وبأنه لا يوجد أخلاق في السياسة 0 ولكن ما قلناه يمثل السياسة الواقعية في العالم ، فأوربا لكي تحافظ على توازن القارة الأمني ولتتحاشى الكوارث التي مرت فيها من خلال الحربين العالميتين ؛ فنجد الاتحاد الأوربي يسعى دائماً على أن تكون جميع دوله قوية ومتوازنة ، ويوجد تنسيق أمني فيما بينها ، وبعد أن نجحوا في إنجاز ذلك أصبح تفعيل الملفات الأخرى بالنسبة لهم أمراً سهلاً 0 وهذا ما كان يحدث على مر التاريخ، إذا كانت العلاقات البشرية ( القبائل ) أو الدولية متوازنة ، فالإقليم يمر بسلام ، ومتى ما اهتزت علاقات ميزان القوى ، حدثت الكوارث 0 أما الطريقة الثانية التي كانت تمر فيه العلاقات البشرية ( القبائل ) أو الدولية بسلام ، هو حل القوة الأحادية والجميع يدور في فلكها ، وهذا الوضع بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية الآن وتحاول أن تحافظ عليه على مستوى الكوكب 0 وهذا ما نرفضه جميعاً أن تدور دول الإقليم في فلك قوة إقليمية أحادية ، إذاً أعتقد بأن الأغلبية ستتفق معنا بأن الحل هو نظرية توازن النظام الإقليمي لغرب آسيا 0 وإذا استطعنا أن ننجز نظامنا الأمني الإقليمي سيعتبر ذلك حجر الزاوية بالنسبة لنا للانطلاق إلى التنمية القطرية والإقليمية الشاملة ، وفي جميع المجالات السياسية ، والاقتصادية ، والتعليمية ، والثقافية ، والفنية ، والاجتماعية ، والبنيوية , والرياضية 000إلخ 0

                أما كل ما نفعله الآن يعتبر هباءً منثورا ، لأن لو أمريكا اعتدت لا سمح الله على إيران ، فذلك سيعتبر الشرارة التي ستشعل حرباً إقليمية ، ونتيجة ذلك تحطيم كتلنا الخرسانية التي نتباهى بها , وما يتبقى منها سيتحول إلى مدن أشباح 0 وبعد نهاية هذه الحرب ستتحول المنطقة إلى حالة سيولة أمنية كما هو حادث في العراق وأفغانستان الآن ! 0

                ولكن هل نتعظ ونعيد قراءة التاريخ ؟ فما حدث لفلسطين قبل نصف قرن من الزمان ، وما حدث للأندلس منذ عدة قرون هو ما يحدث لنا الآن 0

                ولنتعظ جميعاً ونتذكر ، بأننا للوطن خلقنا ، وفي الوطن نعيش ، وفي الوطن نموت 0 وليتذكر الجميع بأن الأنظمة الدكتاتورية السابقة في العالم تقول الشعوب تفنى 00 وتبقى الأوطان ، ولكن التعديل الحديث في القانون الدولي يقول الأوطان صنعت لإسعاد الشعوب 0 أما من يعتقدون أنه في حالة الكوارث ستنفعهم المليارات المهربة ، فأرجو أن يتذكروا دائماً ، بأن مجرد انهيار وطنك سيصادر الأجنبي جميع أملاكك عنده سواءً كان مكسبك لها مباحا أم غير ذلك !! 0

                وما يهمنا هنا لابد لنا من إعادة قراءة التاريخ ، لأنه سيفيدنا في تخطيطنا للحاضر والمستقبل 0

    والى اللقاء دائماً إنشاء الله 0

    د فهد بن عبد الرحمن آل ثاني

    باحث قطري

    www.df-.althani.com

    df_althani5@hotmail.com

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *