بسم الله الرحمن الرحيم

    17/7/2004

    وهي ماهو نوع محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين ، هل هي محاكمة اسير حرب ؟ أم محاكمة جنائية لرئيس محلي مخلوع ؟ أم محكمة عسكرية محلية ؟ أم محكمة دولية للإنتهاكات الإنسانية التي ارتكبها محلياَ ودولياَ وإساءة استخدام السلطة ؟

    الإستفسار الأول: ماهو في منظورك العام دلالات اجراء محاكمة صدام حسين بعد انتقال السلطة للحكومة المؤقتة ؟ .

    نحن نعتبرعملية انتقال السلطة للحكومة المؤقتة شأن عراقي بحت ، وطبعاَ في هذه المرحلة الحرجة من الزمن لا نريد أن نشكك في هذا الأمر ، والشخصين المعنين وهما الأول الرئيس العراقي والثاني رئيس الوزراء العراقي ينتمون إلى عوائل عراقية عريقة ومحترمة ، ولهم قاعدة شعبية على المستوى المحلي لا بأس بها نسبياَ ، ويمثلون أكبر طائفتين مذهبيتين في العراق وهما المسلمين السنة ، والمسلمين الشيعة .

     ولكن السؤال هل هذه الحكومة شرعية أم غير شرعية ؟ .

    هذا السؤال الإجابة عليه صعبة جداَ ، فالذي حدث في العراق هو مجيئ دولة أجنبية ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وبقيادة المحافظين الجدد ، وضربت بجميع مواد القانون الدولي العام عرض الحائط ، ولم تحصل حتى على تفويض من مجلس الأمن ، أو حتى من حلفائها التقليدين في الإتحاد الأوروبي أو الناتو . وللأسف الشديد هذه الدولة التي نسفت بكل القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط ، يفترض أن تكون هي الدولة الأولى والنموذجية بالنسبة للعالم من حيث التزامها بالتشريعات والقوانين ، والمحافظة على الأمن والسلم الدوليين ، فهي الدولة الأولى في العالم خلال القرن الواحد والعشرين على أقل تقدير لأنها تملك من الناحية الإقتصادية 32 % من الناتج المحلي في العالم ، وكما نشرت دراسة اخيراَ في الفينانشال تايمز بأنه إذا استمر نمو الولايات المتحدة 2 % سنوياَ متزامنا مع استمرار نمو أكبر اقتصاد في العالم نمواَ في العقدين الأخيرين ممثلاً بالصين 4 % ، فتحتاج الصين إلى مئة عام لكي تلحق الولايات المتحدة في ما هي عليه الآن من الناحية الإقتصادية ، ونستطيع أن نعتبر ذلك حجة قوية لبقاء اقتصاد الولايات المتحدة الأقوى خلال القرن الواحد والعشرين ، إلا إذا حدثت هزات عالمية غير   متوقعة ، كأن تقوم حرب كونية جديدة لا سمح الله !! .

     ومن الناحية العسكرية ، فميزانية الولايات المتحدة العسكرية تعادل أكثر من 50 % مما ينفقه العالم اجمع على التسليح ، أما من الناحية السياسية فالولايات المتحدة هي المسيطرة على التنظيم الدولي الذي نسفته اعلاه وتعود له عند الحاجة إليه ، وهذا التنظيم الدولي ممثلا بالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة التجارة العالمية … الخ . وكذلك من الناحية الثقافية فهي قائدة العالم من خلال ايدلوجيتها الثقافية الليبرالية وفكرها الديموقراطي وأدبها الذي غزى العالم اجمع من خلال هوليود ، وهي أيضا أكبر مستثمر في التكنولوجيا وإن كان يعاب عليها بأن نصف استثماراتها تذهب إلى الآلة العسكرية !! .

    وخلاصة الإجابة على الإستفسار هو أن القوى العظمى المذكورة اعلاه قامت بإحتلال العراق ، وفككت جميع مؤسساته سواء تنفيذية أو تشريعية أو قضائية . وبعد ذلك أحضرت حاكم اداري من امريكا ممثلاَ ببول بريمر بعد أن فشل سلفه غارنر في  العراق ، وقامت حكومة الولايات المتحدة بتشكيل مجلس الحكم العراقي وكان بريمر يمتلك حق الفيتو على المجلس المذكور ، وبعد ذلك قام بريمر بمشاركة مجلس الحكم بتعيين لجنة دستورية عراقية ، وقامت هذه اللجنة باعداد الدستور العراقي ، وعلقنا في حينه على عدم قانونية هذا الدستور ، وتعليقنا هذا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى دعمته معظم القطاعات السياسية والثقافية والشعبية في العراق . وبعد أن خسرت الولايات المتحدة مايقارب 4000 جندي امريكي منهم 800 قتيل ، اضطرت صورياَ أن تشكل حكومة عراقية انتقالية وتنهي الدور الظاهري للحاكم الإداري الأمريكي ، بحيث تسلم مقاليد السلطة الإسمية إلى الحكومة المؤقته ، وتنسحب القوات الأمريكية إلى خارج حدود المدن العراقية حتى تستطيع أن توفر الأمن لنفسها والذي لم تستطيع أن توفره للشعب العراقي الذي اتت أصلاَ من أجله كما تتدعي !! .

    الإستفسار الثاني : فإذا كان هذا هو وضع العراق من الناحية القانونية ومن الناحية السياسية ، فهل  تعتقد بأن الحكومة المؤقته تمتلك الشرعية الكاملة لتحاكم صدام حسين ؟

    قبل أن نجيب عل هذا الإستفسارنود أن نوضح نقطة وهي تمثل مشكلة أخرى من المشاكل القانونية والتي يجب أن تثار ، وهي ماهو نوع محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين  ، هل هي محاكمة اسير حرب ؟ أم محاكمة جنائية لرئيس محلي مخلوع ؟ أم محكمة عسكرية محلية ؟ أم محكمة دولية للإنتهاكات الإنسانية التي ارتكبها محلياَ ودولياَ وإساءة استخدام السلطة ؟ . ونود هنا أن نوضح للقارئ الكريم كل محكمة من المحاكم المذكورة اعلاه لها اختصاصاتها وآلياتها التي تختلف عن الاخرى ؟ وأي من هذه المحاكم سيحاكم فيها الرئيس السابق صدام حسين ؟ . وإذا استطعنا أن نعرف أي نوع من المحاكم المذكورة اعلاه سيحاكم فيها الرئيس صدام حسين ، طبعا سنستطيع أن نوضح مدى شرعية لمحاكمة .

    أما الإستفسار الذي نعتقد أنه يجب أن يطرح ، لماذا أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على هذه الخطوة ؟

    نعتقد بأن الرئيس بوش يمر الآن من خلال أخطر منعطف في فترة رئاسته ، لأنه بعد استلامه السلطه بتسعة أشهر تقريبا تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لهجمات 11 سبتمبر، ووظف الرئيس بوش كل قواه من أجل التركيز على توفير الأمن للشعب الأمريكي ، وطبعاَ الرئيس بوش كان مراهناَ على الملف الأمريكي لكي يكسب انتخابات 2004 م ، ولكن الإحتلال الأمريكي لأفغانستان ، ومن بعدها العراق ، أدى إلى فشل المحافظين الجدد في ادارة السياسة الخارجية الأمريكية .

    إذا الفشل الأمني لإدارة المحافظين الجدد ، والفشل في ادارة السياسة الخارجية ، يعتبرآن النقطتان الخطيرتان اللتان تهددان وضع المحافظين الجدد في الإنتخابات الأمريكية القادمة ، بعد أن كانوا يراهنون عليهما كما ذكر اعلاه .

    وإثبات فشل الرئيس بوش في ادارة السياسة الخارجية الأمريكية ممكن أن نقيسه من خلال المعايير التالية :

    أولاّ : عندما أعلنت 27 شخصية امريكية منهم ديبلوماسيين متقاعديين ، وعسكريين متقاعديين ، بأن ادارة الرئيس بوش قادت الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة سيئة الإعداد ومن دون نهاية واضحة . وبررت الحرب ، عن طريق التلاعب بمعلومات استخبارات ملتبسة وممله انتهازية لإقناع الرأي العام بأن صدام حسين كان مرتبطاَ مع القاعدة وبهجمات 11 سبتمبر ، وهو ما لا تدعمه الأدله .

    ثانياّ : فضيحة سجن أبو غريب : تضعف من موقف الرئيس بوش في الإنتخابات ، ففي احدى الإستطلاعات الأمريكية ، قال 63 % من المشاركين أن التعذيب مرفوض   مطلقاّ ، فيما اعتبر 52 % أن حتى الضغط الجدي الذي يقل عن التعذيب مرفوض بشكل  مطلق ! . وهولاء الذين يرفضون التعذيب الذي يقوم به جنود بوش ، هم الذين سيحتاج بوش لأصواتهم في أواخر 2004 م ! .

    ثالثاّ : ترتيب العراق مابين القضايا : في استطلاع امريكي حول ضمن قائمة 12    قضية ، وأي القضايا الإثنى عشر تعتبر أخطر قضية ، فأجاب المشاركين في استطلاع الرأي بأن العراق يعتبر أخطر القضايا في العالم ، بحيث صوت 21 % من المشاركين على أن قضية العراق تعتبر الأخطر . وهؤلاء المشاركين سيحتاج الرئيس بوش لأصواتهم في أواخر عام 2004 م ! .

    رابعاَ : كما سأل استطلاع الرأي الأمريكي ، هل الشعب العراقي يعتبر الرابح أم الخاسر بالنتيجة ؟ فكانت النتيجة أن 48 % اعتبروا الشعب العراقي خاسراَ ، مقابل 39 % فقط اعتبروه رابحاَ . وأكدت هذه النتيجة أن بوش لم يحرز أي نجاح يذكر في تسويق مقولته عن انتفاع العراقيين من الغزو !! .

    خامساّ : الصدمة الكبرى للإدارة الأمريكية ، عندما أجرى الأمريكان استطلاعاَ للرأي في العراق وشملت العينة 1300 شخص ، وكان السؤال أي الأيام تعتبر أفضل   للعراقين ؟ فأجاب 37 % منهم بـأن أيام حكم صدام أفضل للعراق من الوقت الحالي ، أي بأنهم يفضلون أيام حكم الرئيس صدام . و22 % من العينة يفضلون حكم مقتدى الصدر على الوجود الأمريكي !! .

    وهذه النقاط اعلاه جعلت ادارة بوش تتصرف برعونة في اعلان استقلال العراق ، قبل أن يساعدوا العراقيين في ترتيب بيتهم من الداخل لإستلام ادارة بلادهم ، وإن كان هذا الإستقلال صوري ، ونحن نعتبر رعونة الأمريكان في استقلال العراق أسوأ من رعونتهم عند دخوله !! .

    وإلى اللقاء دائماَ إن شاء الله ،،،

                                                                  د . فهد بن عبدالرحمن آل ثاني

    استاذ الجيوبوليتيكس / جامعة قطر

    www.df-altani.com

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *