بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

     ما يحدث في العراق يجعلنا نتذكر الآية الكريمة من سورة الأنفال – رقم الآية 25  واتقوا فتنةً لا تصيبنَ الذينَ ظلموا منكم خاصةً واعلموا أن اللّه شديد العقاب   0

     ونقصد هنا بأن إحدى تكتيكات الإستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العراق هي الإستفادة من اللعب بالبطاقات الحضارية مثل : تركيب الفيسفاء العراقية من الناحية القومية من العرب والفرس والأكراد والتركمان ، ومن الناحية الدينية من المسلمين والمسيحيين واليهود ، ومن الناحية الطائفية تلعب بثقلي البطاقة السنية والشيعية من المسلمين  0 وهذا لو أرجعتم الساعة للوراء قليلاً ، لوجدتم أن الورقة الطائفية في العراق هي من أهم الأوراق التي تريد أن تستخدمها الإدارة الأمريكية قبل غزو العراق 0

     وربما كانت من أخطر الأوراق التي كادت أن تثير الفتنة الطائفية ، هي العملية التي استشهد فيها أكثر من 80 من المسلمين الشيعة في النجف الأشرف ، وكان من بينهم آية اللّه محمد باقر الحكيم – رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والذي يتبع ميلشيا بدر ، وهذه الميلشيا تعتبر أفضل الميلشيات العراقية تنظيماً ، بعد البشمرغه في الشمال بعد إنهيار الدولة العراقية 0
    وبعد العملية المذكورة وجهت الإتهامات لأهل السنة ، وللرئيس العراقي السابق صدام حسين ، وحتى إلى بعض الجماعات الشيوعية ، ويعتقد بأن التحالفات الصهيونية لها اليد الطولى في العملية الآثمة 0 وطبعاً نفت رسمياً الجهات الثلاث الأولى أية صلة لهم بعملية النجف الأشرف 0

     ونعتقد بأننا نتفق مع ما قرأناه في مقالة في الشرق الأوسط العدد 9046 ( أن بريمر وبعض المسئولين الأمريكيين يأملون دائماً بأن يكون أهل السنة وراء العمليات ، لأن هذا يزيد الحدة بين الطرفين الشيعي والسني ، ويمكن بالتالي أن يقوي العلاقات الشيعية مع الولايات المتحدة ) 0

     ويضيف نفس المقال المذكور أعلاه ( بأنه عادت الشكوك تدور حول هدف تقسيم العراق وعادت تطفو إلى السطح الدراسة التي كتبها لوران مورافيك عن مؤسسة راند، وفيها يدعو الأمريكيين إلى السيطرة على آبار النفط السعودية ، وترك بقية المملكة 0 والربط الحالي هو أن يتم تقسيم العراق إلى الجنوب حيث النفط والشمال حيث النفط والأكراد الذين لا خيار لهم سوى التحالف مع الأمريكيين ، وإبقاء الوسط السني محروماً ) 0

     ما يحدث في العراق ، وقد كتبنا كثيراً في هذا المجال ، بأن الهدف ليس تحرير العراق وإنما لتطبيق الاستراتيجية الأمريكوصهيونية في العراق  0 ونحن لا نستغرب ذلك ، ففي مقالة منشورة في القدس العربي العدد 4448 تعزز ما ذكرناه سابقاً وهي تقول : ( لابد أن يوجه سؤال لأمريكا : لماذا حلوا قوى الأمن ، مع أنه كان بإمكانهم تعيين قيادات غير بعثية لها ؟ لماذا حلوا وزارة الداخلية والجيش والقضاء وإدارات الماء والكهرباء والصحة ؟ ) 0 ويضيف نفس الكاتب ( لقد انهار النظام الملكي عام 1958م ، وانهار نظام عبد الكريم قاسم ، ونظام عارف والبعث ، لكن لم يحدث أن إنهارت الدولة في كل مؤسساتها ، فلماذا لم يسأل مجلس الحكم نفسه : ألم يكن بالإمكان الاستغناء عن القيادة السياسية أو اغتيالها أو اعتقالها وإبقاء القوى العاملة وهي بالملايين في أعمالهم ؟  ) 0

     نحن نعتقد بأن هذه الصور توضح لنا بأن الهدف ليس تحرير العراق وشعبه ، وإنما كما ذكرنا سلفاً هو تطبيق الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد إطباق السيطرة كاملة على الموقف المحوري الجيواستراتيجي ممثلاً بالعراق طبعاً  0

     والصورة واضحة لتشكيل الدولة العراقية الهزيلة أو المفككة ، وذلك من خلال التشكيل الاثني والطائفي لمجلس الحكم العراقي ، وتبعه أيضاً تشكيل مجلس الوزراء العراقي وهو كما نشرت (The Guardian, 2/9/2003) يتشكل من 52% من الشيعة، و 20% من السنة ، و 20% من الأكراد ، و 4% من التركمان ، و 4% من المسيحيين السريان 0 الغرابة في هذه التقسيمة بأنها تقوم بعملية الخلط ما بين القومية والديانة والطائفة ، نعتقد أنه كان من المفروض تقسيم العراق على أساس قومي وذلك يعطينا التالي للتقسيم القومي لسكان العراق : 62% نسبة العرب ، 23% نسبة الأكراد ، 7% نسبة التركمان ، والفرس 7% ، وآخرون 1% ومجموع السكان 26 مليون نسمة 0 وبعد ذلك كان من الممكن إعطاء الأكراد الحكم الذاتي كما اتفق به تاريخياً مع الأكراد في منطقة كردستان شمال العراق ، وتشكيل دولة فيدرالية عراقية0

     أما بالنسبة لتشكيل السلطات العراقية فكان يفترض أن يترك ذلك إلى لجنة دستورية منتخبة ، ويفترض على هذه اللجنة أن تتحاشى تقسيم العراق طائفياً ، وإنما تساهم في وضع دستور ، والدستور تعرض جميع مواده للاستفتاء العام على أن يكون قبول أية مادة تخضع للأغلبية الموصوفة مثل : موافقة ثلثي المقترعين على المادة ، والمادة التي تفشل يعاد مراجعتها 0 ومن ضمن ذلك يقسم العراق إلى دوائر انتخابية ، وكل دائرة من خلال الاقتراع العام تلقائياً ستحدد من هو المرشح المنتخب ؟0 من دون حاجة إلى خلق حزازيات ما بين المسلمين ، هم في الأصل في غنى عنها 0 فمن الممكن مع تطور الجانب الثقافي للسواد الأعظم من السكان في المستقبل أن يبحثوا عن الأفضل لخدمة دائرتهم دون التطرق إلى قبيلته أو مذهبه ، وبذلك ربما يتشكل في إحدى المرات مجلس وزراء معظمهم من الشيعة ، ومرة أخرى العكس 0

     ولكن ذلك لن يحدث إلا بعد تطور مستوى السكان الثقافي ، أما في بداية تشكيل صناديق الاقتراع ، فنرجو أن لا نستغرب الولاءات العشائرية والطائفية ، ولكن حتى هذه الولاءات لن تشكل أية حزازية إذا تركت للعملية التلقائية دون تدخل أية أيادي أجنبية 0

     ولكن هناك ثوابت لا نعتقد بأننا سنختلف عليها مثل : إعطاء السريان المسيحيين مقاعد محددة في البرلمان العراقي من خلال انتخابات خاصة يخوضها السريان فيما بينهم كأقلية ، وكذلك تخصيص مقاعد للأكراد 0 وفي الوضع العراقي نعتقد بأن أفضل ما يصلح للعراق هو النظام البرلماني ، ونقصد هنا هو أن يجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية مجلساً واحداً  0

     والمدهش في التقسيم الاثني والطائفي الذي تجريه أمريكا في العراق أنه يعتبر من المحرمات في الدستور الأمريكي ، وذلك من خلال تحريم إثارة التعصب نحو أية طائفة في الترشيح للوظائف العامة ، وحتى للقطاع المختلط أو الخاص ، وإثارة الجانب العنصري ما بين العرقيات مثل : البيض والسود والهنود والصينيين 00 إلخ 0 والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا المحرم في أمريكا يطبق في العراق ؟ 0

     وكذلك لو افترضنا جدلاً مع أننا نعارض هذه الفكرة ، فكما تقول مجلة البيان في عددها 190 بأن آخر إحصاء عراقي أجرى عام 1997م يوضح التالي : وهو بأن المسلمين السنة في العراق يبلغ عددهم أكثر من 16 مليون نسمة أي يشكلون 65% من جملة السكان ، وعدد المسلمين الشيعة يشكل أكثر من 8 مليون نسمة وذلك يمثل 34% من جملة سكان العراق 0 فإذا كان هذا الإحصاء صحيحاً ، فلماذا تعطي أمريكا الأخوان الشيعة 52% من مقاعد مجلس الحكم والوزراء العراقي ، وهم يشكلون 34% من جملة السكان ، وتعطي 40% من المقاعد لأهل السنة ، وهم يشكلون 65% من جملة سكان العراق 00 أليس هذا مؤشراً لزراعة بذور الفتنة في العراق لا سمح اللّه ؟ 0

     أما بالنسبة متى ستحرر العراق من الاحتلال الأمريكي ؟ فنعتقد بأن نصيحة بيرنارد لويس لأمريكا في (The Wall Street Journal Europe , 1st/9/2003) واضحة لمن يهتم بالشأن العراقي وهي كالتالي : ( لتحقيق الديمقراطية في دول المحور اليابان وألمانيا أخذت من أمريكا سنين وليس أشهراً ، ولكن الديمقراطية تحققت في النهاية ليس بواسطة الأمريكيين وإنما بإرادة الشعوب ورغبتها في ذلك ، ويضاف إلى ذلك التأييد والتشجيع الأمريكي 0 ويضيف السيد لويس ، بأن أحمد جلبي والتجمع الوطني العراقي يستحقون من أمريكا هذه التضحيات ) 0

     خلاصة القول بأن أمريكا باقية في العراق لسنين غير محددة ، أي ما دامت في العراق مشاكل ، والتشكيل الأمريكي الحديث للكيان العراقي حبلى بالمشاكل المستعصية ، التي تحتاج طوال القرن الواحد والعشرون إلى إيجاد سيناريوهات متعددة لمعالجتها 0 ولن يصلح حالنا ، إلا إذا أصلحنا شأننا 0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *