بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    ونحن نتابع التهديدات الأمريكية المستمرة للعراق ، ولمحاور الشر الأخرى حسب التصنيف الأمريكي في الشرق الأوسط ، يمكننا أن نسميها محض افتراءات ، ومن الممكن أن نسميها ذرائع أمريكا 0 وأحياناً يصل بنا الحال من الدهشة إلى المثل العربي القائل ” فلان يكذب الكذبة ويصدقها ”  0 وذلك بسبب تكراره واصراره على تلك الكذبة 0

    ولفت نظري أخيراً الأسلوب الذي تناول به د0 المسيري أكاذيب حقيقية (True Lies ) وهي تمثل معظم الحقائق التي يأتي بها الاختزاليون ، حقائق موضوعية ووقائع ثابتة حدثت تحت مسمع من الناس وبصرهم ، فهم لا يختلقون الحقائق  في أغلب الأحيان ، وإنما يجتزئونها ، ولكن كثيراً ما تكون الحقائق التي يذكرونها تافهة هامشية جزئية لا علاقة لها بالحقيقة الكلية ، أي كلمة حق جزئي يُراد بها باطل كلي ( المسيري ص284) .

    وبالنسبة للولايات المتحدة فالحقيقة الجزئية أن العراق لا يوجد فيه ديمقراطية مثله مثل الدول العربية الأخرى ، وتوجد شريحة كبيرة من الشعب العراقي تعاني من الاضطهاد 0 ولكن قبل أن نناقش الحقيقة الجزئية علينا مراجعة الحقيقة الكلية 0 هل أمريكا بالفعل تريد أن تخلص العراق من السلطة الشمولية التي يمارسها النظام العراقي على شعبه ؟

    بالنسبة للحقيقة الكلية 00 لو العراق اعترف بإسرائيل ، وفتح بابه للاستثمارات الأمريكية من دون أية شروط ، والغى جميع برامجه العسكرية ؛ لأصبح العراق دولة معتدلة بالنسبة لأمريكا  ، بغض النظر إذا بقيت نفس السلطة المركزية الشمولية أم خلعت ، أما حقوق الإنسان العراقي فهي ذريعة أمريكية ، لأن أمريكا أصلاً لم تسأل حلفاؤها الآخرين في الشرق الأوسط عن حقوق الإنسان العربي 0

    وبالتالي ما تريد أن تطبقه الولايات المتحدة في العراق ، هو نفس ما سوف تطبقه في جميع دول محور الشرق أوسطية ، والسبب في ذلك أن أمريكا تريد تشكيل نظام عالمي جديد  0 ولكي ينشأ هذا النظام في الشرق الأوسط ، فعلى أمريكا تفكيك البنية التحتية : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول الشرق أوسطية ، مثل ما فعلت مع اليابان وألمانيا بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية 0 ومن ثم إعادة تأهيل المنطقة مثل ما فعلوا مع اليابان وألمانيا ، وذلك من خلال تطبيق النظرية الأمريكية السياسية والأمنية   سياسة السوق المفتوح وتطبيق نظام ديمقراطي مدجن ، وتعميم الليبرالية الثقافية الأمريكية على القطاعات الشعبية وخاصةً الشابة .

    وهذا التصور الأمريكي يثير لنا لقطة مهمة هي : الشرق الأوسط ليس ألمانيا واليابان ، لأن هاتين الدولتين يعتبران دولتين عظيمتين أثناء الحرب العالمية الثانية ، وكانتا تمثلان دول المحور ، وكان عندهم طموح تشكيل نظام عالمي جديد تحت قيادة ألمانيا 0 أما دول الشرق الأوسط (العالم العربي) يعتبر القرن العشرين من أسوأ القرون التي مر بها التاريخ العربي 0 فبداية القرن شهد انهيار الدولة العثمانية ، وقسمت دول العالم العربي كقطع من الكعك ما بين الدول الاستعمارية وعلى رأسهما المملكة المتحدة وفرنسا  0 وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح الدور الأمريكي مسيطراً على المنطقة (راجع آل ثاني ، حولية مركز البحوث للدراسات الإنسانية).

    الحل الحقيقي للشرق الأوسط الذي يغفله أو يتغافل عنه الأمريكان هو بأن المنطقة تحتاج لإصلاح سلمي ، لأن هذه المنطقة شارفت على الانهيار ، وربما أقوى دليل عندنا هو المؤشرات التالية :

    1- البطالة : نسبة العاطلين عن العمل في الدول العربية الغير نفطية تصل إلى 50% من حجم القوى التي تقع في سن العمل ، ولو أجرينا مقارنة ما بين الدول العربية ، والدول الصناعية في الغرب من معيار سقف الأجور ، لوجدنا مجموعة البطالة في العالم العربي المقنعة والسافرة تصل إلى 90%  0 والأدهى والأمر من ذلك فأن نسبة البطالة في دول مجلس التعاون الخليجي ما بين المواطنين في سن العمل تتراوح ما بين 25% إلى 30% ، علماً بأن القطاع العام في بعض هذه الدول تصل فيه نسبة الأجانب إلى 70% ، وتصل نسبة الأجانب في القطاع الخاص بطريقة ساحقة تصل إلى أكثر من 95% 0 إذاً هذا هو الحال المزري للمواطن في دول مجلس التعاون الخليجي التي تمتلك ما يقارب من 45% من احتياطات النفط العالمي ، و 15% من احتياطيات الغاز الطبيعي 0 وتعود هذه المأساة إلى عدم وجود برامج تخطيطية واضحة للتركيب الوظيفي في دول مجلس التعاون الخليجي ، وسبق أن تناولنا ذلك في دراسات سابقة ، وسنتناوله في المستقبل إن شاء اللّه 0

    2- نسبة الأمية ، تعتبر من أعلى المعدلات العالمية ، حيث أن نسبة الأمية في العالم العربي ككل تصل إلى 50% ، وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ما زالت قريبة من 20%  0

    3- انعدام الديمقراطية : نستطيع أن نقول بإنه لا توجد ديمقراطية في العالم العربي ، وما وجد منها فهو يعتبر دساتير صورية ، تجعل المواطن يدور في حلقة مفرغة ، وبعد مرور فترة من الزمن يجد المواطن نفسه محلك سر ، وهكذا تفنى وتتوالى الأجيال في الاستراتيجية العربية  0

    4- التنمية والاستثمارات العربية : معظم الاستثمارات العربية إستهلاكية ، وتعتمد على الاستيراد من الخارج ، وكذلك الصناعة العربية فهي صناعة إستهلاكية وتعتمد بشكل شبه كلي على وسائل الإنتاج الأجنبية ، وفيها تبعية كبيرة للدول الأجنبية 0 والأسوأ من ذلك بأن الاستثمارات الخدمية والصناعية يوجد فيها محسوبية كبيرة ، وتقتل الإبداع عند الإنسان 0 ونتيجة ذلك ربما يتذكر بعض المتابعين في دراسة نشرناها في الراية في العددين 6902 ، 6904 في مارس 2001م تقريباً ، وكذلك أعدنا نشرها في كتابنا “العالم الإسلامي” في أبريل 2002م ، بأن الناتج المحلي العربي لا يصل إلى 39% من الناتج المحلي الفرنسي ، ولا يصل إلى 42% من الناتج المحلي البريطاني ، وكذلك الفاجعة الكبرى بأنه أقل حتى من الناتج المحلي الأسباني بحيث يصل إلى 5ر99% من الناتج الأسباني ، علماً بأن أسبانيا تعتبر حسب المواصفات الأوربية دولة نامية (آل ثاني ، عالم إسلامي ، ص 132) وعزز ذلك تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002م الصادر من الأمم المتحدة في أغسطس 2002م .

    وهنا نقول لأمريكا إذا كانت صادقة تريد قيادة العالم وتحقيق الأمن والسلام والعدالة لشعوبه عليها كما نرى أن تطبق التالي :

    1- على أمريكا أن تبلغ متخذي القرار في العالم العربي والإسلامي ، وهم أنفسهم المتسابقين على البيت الأبيض ، لأن كلٌ منهم يريد أن يثبت لأمريكا بأنه هو الأصلح لأمريكا ولشعبه وللعالم ، وذلك شكل كثير من الارباك في جدول أعمال الإدارة الأمريكية ، وأثر على مصالح شعبها ودورها الاستراتيجي في العالم  0 إذاً المطلوب من أمريكا أن تقول لهؤلاء المسئولين عودوا إلى شعوبكم واحضروا لنا التفويض الذي عندكم لكي تكونوا الصوت الناطق بأسم هذه الشعوب  0

    2- على النظام العالمي الجديد أن يكون له دور واضح في الديمقراطية الحقيقية لا الديمقراطية الصورية ، وكذلك على النظام العالمي الجديد أن يكون له دور إصلاحي واضح في الجوانب الدستورية والسلطة ونوعية الخلافة في الممالك الدستورية ، والجمهوريات الوراثية  0

    3- على النظام العالمي الجديد أن يجد حلول سلمية للقضايا الشرق أوسطية المعلقة التالية : أم القضايا القضية الفلسطينية ، وأزمة العراق ، ومشكلة السودان ، وقضية أفغانستان ، وإخراج إيران وسوريا من تصنيف محور الشر  0

    4- على النظام العالمي الجديد ، أن يقول للزعماء العرب ، بأن الأموال العربية الموجودة في المصارف والبورصات الأوربية والأمريكية تصل إلى خمسة أضعاف الناتج المحلي العربي (5ر2 تريليون دولار تقريباً) ، علماً بأن ما يقارب من 50% من سكان العالم العربي قاربوا من خط الفقر  0 ونحن في رأينا أنه ليس هناك مانع من أن تصدر أمريكا أوامرها على الزعماء العرب لاعادة هذه الأموال للعالم العربي ، حتى لو اشترطت أمريكا بأن 50% من هذه الأموال يفترض بأن الشركات التي تعمل بها شركات أمريكية ، شريطة أن يكون جميع الأيدي العاملة عربية باستثناء الخبرات الفنية الغير متوفرة في العالم العربي ، أو الخبرات الإدارية التي تريد هذه الشركات أن تحتفظ بها لنفسها  0

    وفي الختام إذا كانت أمريكا تتهم العرب والمسلمين بالارهاب ، فماذا سوف تتهم من قاموا بعمليات انتحارية من اليابانيين في الحرب العالمية الثانية ؟ وماذا عن الفيتناميين ؟ والكوبيين أبان الثورة الكوبية في الخمسينيات ؟ ، والتاميل في سيرلانكا ؟ 0 كل هؤلاء قاموا بعمليات فدائية ، وحسب المعيار الأمريكي انتحارية ، ولكن لم نسمع بأن أمريكا قالت عن اليابان أرهابية أو آسيا أو أمريكا اللاتينية  0

    وماذا عن قائد السرب الأمريكي الذي ضرب هيروشيما وناجازاكي ، عندما قال لطياريه من إصيبت طائرته منكم ، عليه أن يحاول إنزالها بالقرب من الأراضي الصديقة 0 وعندما سأله الطيارين الشباب وماذا عنك سيدي ؟

    فأجاب ” أعتقد أنني عشت ما فيه الكفاية ، وإذا إصيبت طائرتي فسوف أختار أكثر المباني أضراراً بالنسبة للعدو ، وسوف أتحول أنا والطائرة إلى قنبلة مدمرة للعدو ، وكل ذلك فداءً لأمريكا وأجيالها القادمة “

    وبعد ذلك رأى الجميع نظرة اعجاب عند الشباب بقائدهم فيلم (Pearl Harbour) ولماذا لا يسمى ذلك ارهاباً ؟ 0

    إذاً على أمريكا أن تعلم بأن العمليات الاستشهادية في الشرق الأوسط ، يولدها القهر واليأس عند الشعوب عندما تصادر أملاكهم ، وتدنس أعراضهم ، وتنتهك حرماتهم ، وتصادر إمكاناتهم  0

    وأخيراً نقول نعم من الممكن أن يصبح العالم المأوى الأكثر سلاماً وعدالة ، إذا استطاع النظام العالمي الجديد أن يلغي تكتيك حروب اجهاضية ، أو استباقية ، ويستبدل ذلك باستراتيجية جديدة أسمها أمن وسلام وعدل يشمل العالم كله  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *