بسم الله الرحمن الرحيم

    24/3/2007

     هذا الموضوع سيكون عنوان دراسة لنا تحتوي على عشرة أقسام هي: الجيوبولتيكيا الميتافيزيقية بعد احتلال العراق ، ونتائج احتلال العراق، ونتائج الحرب على الجوار ، وبرنامج بيكر هاميلتون وجدلية تطبيقه ، ومبدأ الضربة القاصمة ويليها الانسحاب ، والدستور فيسفاء الدولة العراقية، والعراق مفتاح الشرق الأوسط ، وواجبات المحتل ، والسيناريو البديل لحفظ الإمبراطورية ، وخاتمة .


    أولاً  : المقدمة : الجيوبوليتيكا الميتافيزيقية بعد احتلال العراق .
    ثانياً  : نتائج احتلال العراق :
    ثالثاً  :  نتائج الحرب على الجوار :
    رابعاً  : برنامج بيكر هاميلتون وجدلية تطبيقه :
    خامساً : مبدأ الضربة القاصمة ويليها الانسحاب :
    سادساً : الدستور وفيسفاء الدولة العراقية :
    سابعاً : العراق مفتاح الشرق الأوسط :
    – هل الأهداف دينية ؟
    – هل الأهداف علمانية ؟
    ثامناً : واجبات المحتل :
    تاسعاً : السيناريو البديل لحفظ الإمبراطورية :
    عاشراً : خاتمة .

     هذا الموضوع سيكون عنوان دراسة لنا تحتوي على عشرة أقسام هي: الجيوبولتيكيا الميتافيزيقية بعد احتلال العراق ، ونتائج احتلال العراق، ونتائج الحرب على الجوار ، وبرنامج بيكر هاميلتون وجدلية تطبيقه ، ومبدأ الضربة القاصمة ويليها الانسحاب ، والدستور فيسفاء الدولة العراقية، والعراق مفتاح الشرق الأوسط ، وواجبات المحتل ، والسيناريو البديل لحفظ الإمبراطورية ، وخاتمة .
    وسنبدأ هذا الموضوع من خلال مقالة لنا نشرتها الراية بتاريخ 16 نوفمبر 2002م ( العدد 7497) بعنوان : الجيوبوليتيكا الميتافيزيقية بعد ضرب العراق ، طبعاً التفسير المبسط لهذا العنوان المذكور هو : ( السياسة الجغرافية الغيبية بعد احتلال العراق ) .
    واستخدمنا في المقالة المذكورة أعلاه مجموعة عوامل توضح التركيبة الرأسية والأفقية للدولة العراقية ، وذلك مثل : التركيب الحضاري الرئيسي : القومي والطائفي والإثني والأيديولوجي ، بالإضافة إلى ذلك ، تاريخ الدولة العراقية ، وطريقة تأسيسها ، والتوزيع الجغرافي للثروات والموارد الطبيعية في العراق ، والتجارب التاريخية في حالة الاحتلال للدول المشابهة للعراق .  ومن خلال هذه العوامل ، وبمنة من الله ، وتوفيقاً  منه سبحانه وتعالى ، وفقنا لوضع تصور للعراق قبل احتلاله بستة شهور تقريباً ، ووفقنا من خلال هذا التصور ، توقع الحالة العراقية بعد الاحتلال ، وسأقدم هذا التصور في مقدمة هذه الدراسة ، مستخدماً نفس العنوان الذي نشر في الراية في العدد المذكور سلفاً وهو : ( الجيوبوليتيكا الميتافيزيقية بعد ضرب العراق ) :

    الراية في 16 نوفمبر 2002 العدد (7497) :

     إن أي اعتداء أمريكي على العراق ، لا سمح الله ، سيؤدي إلى انهيار النظام العراقي ، ولكن انهيار النظام العراقي لا يعني أن العراق سيستسلم ، ومن ثم أمريكا تستطيع أن تُنصّب من تريد ، وتصبح لها السلطة المطلقة في العراق . ولكن هذا الانهيار سيفرز ما يجعل أمريكا تضطر إلى وضع حكومة عراقية صورية بديلة لنظام صدام ، وهذه الحكومة ستكون مرفوضة من معظم فئات الشعب العراقي ، وسيصبح المجال المكاني لهذه الحكومة قصور ومباني الإدارة في بغداد فقط ، ولن تستطع هذه الحكومة الثقة في أية مجموعة عراقية على حراستها ، وبالتالي ستضطر إلى الاعتماد المباشر على الحماية الأمريكية ، بالضبط كما ذكرنا سابقاً ونكرر دائماً ، بأن ما هو مخطط لبغداد نظام كرزاي جديد .

     وأقوى الاحتمالات في هذه الحالة أن تنشئ حرب أهلية ما بين الطوائف العراقية المختلفة ، وهم من ناحية مذهبية المسلمين السنة والشيعة، وسيتأثر من هذه الحرب الأقليات أصحاب الديانات الأخرى مثل : اليهود والمسيحيين . أما من ناحية عرقية العرب والفرس والأكراد والآشوريين والتركمان ، كل هذه الطوائف والمذاهب سوف تحصل على دعم فوق قطري ، كلٌ على حسب مذهبه وقوميته أو عرقيته ، بمعنى آخر نموذج شرق أوسطي جديد في الاختلال الأمني ، نستطيع أن نسميه مزيج من لبننة وأفغنة العراق .

     إذا حدث أعلاه لا سمح الله ، فسيضطر الأمريكان أن يضعوا قائد عسكري على العراق لا تستغربوا ذلك ، لأن انهيار البنية التحتية للهيكل الأساسي للدولة سوف يؤدي ذلك إلى فوضى ( Anarchy ).

     وأنتم تعلمون جيداً ماذا يعني عندما تصل الدولة إلى مرحلة الفوضى. وهذا سيسهل على أمريكا أن تلجأ إلى الأمم المتحدة ، لإصدار قرار لكي تصبح العراق تحت الوصاية ، وهذا سيعطي أمريكا شرعية مباشرة للسيطرة ، ووضع حاكم عسكري يسير أمور الدولة ، ويشرف على الحكومة الصورية فيها .

     لا سمح الله إذا تم التصور المذكور ، فلن تضع أمريكا أية برامج جديدة لإعادة تأهيل المنطقة ، بل ستحافظ على الوضع مجمد على شكله الراهن ( Stand Still  إلى أن ينضب النفط من المنطقة ) . علماً بأن السيطرة الأمريكية المباشرة على العراق ، والتواجد الأمريكي الموجود أصلاً بعد تحرير الكويت عام 1991م  في دول مجلس التعاون الخليجي ، سيعطي أمريكا بطريقة مباشرة ، السيطرة على ما يقارب 55% من احتياطيات النفط في العالم ، و 20% من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم . وهنا نعود ونقول المقولة المشهورة عربياً إذا عرف السبب بطل العجب .

    الأهمية الجيواستراتيجية لاحتلال العراق :

    1- ستصبح إيران محاصرة بواسطة أمريكا جغرافياً من أربع جهات : من الغرب دول مجلس التعاون والعراق وتركيا ، ومن الشمال دول آسيا الوسطي ، ومن الشرق أفغانستان ، ومن الجنوب الأسطول الخامس الأمريكي في المحيط الهندي .
    2- إسرائيل : هناك من يقول بأن إسرائيل ، إذا استطاعت أمريكا تنفيذ تصورها الجيوبوليتيكي في المنطقة ، وصياغة واقع جيوسياسي جديد ، فالاستراتيجية الإسرائيلية ستكون قائمة على صناعة حكومة فلسطينية صورية في الضفة وغزة وعقد اتفاقية سلام معها لكي تحتفظ بهذه الحكومة كحاجز أمني لإسرائيل (Buffer State) ضد عمليات المقاومة .

    ولكن لنا رأي آخر ، يخالف الرأي أعلاه ، فإسرائيل تريد أعلاه نعم ، إذا الوضع الأمني للمنطقة مختل أو غير متزن كما نشاهد الآن ، ولكن لو تحقق الحلم الأمريكي في غرب آسيا ، كما ذكرنا سلفاً ، سيصبح الطمع والجشع الأمريكي بدون حدود ، وسيعود الإسرائيليون لحلمهم الجيوبوليتيكي القديم ، وكما سمعت بأنه معلق على بوابة الكنيست الإسرائيلي ، حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل لا سمح الله .

     وانهيار الدولة العراقية سيكون لها تأثيراً خطيراً على الدول العربية والإسلامية الاستراتيجية ، مثل : مصر والسعودية وإيران وتركيا وباكستان.. إلخ ، ورغم اختلاف هذه الدول أيديولوجياً ، إلا أن انعكاسات ذلك سوف يؤثر عليها جميعاً من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية. وعندما تتأثر هذه الدول سينعكس ذلك تلقائياً على الدول الصغيرة والصغيرة جداً .

     إذاً لابد للدول العربية والإسلامية الاستراتيجية ، أن يكون لها موقف موحد وواقعي ، من الاعتداء على العراق .

     وفي الختام نحن نستغرب من الدول الكبرى في العالم ، مثل : روسيا، والاتحاد الأوربي وخاصة فرنسا وألمانيا , والصين , والهند ، واليابان ، بعدم تحركهم دبلوماسياً بأسلوب الرفض القطعي للمخطط الأمريكي للشرق الأوسط ، لأن لو استطاع الأمريكان تنفيذ مخططهم المذكور في الشرق ، سيصبح الأمريكان يتحكمون في جميع مصالح الدول الكبرى ، في منطقة الشرق الأوسط مثل : أولاً : وهي من ناحية جغرافية الممرات الاستراتيجية ، المائية والبرية والجوية التي تربط الشرق الأقصى بالغرب ، والشمال بالجنوب ، ثانياً : السيطرة على مصادر الطاقة الهايدروكاربونية والمواد الأولية ، ثالثاً : السيطرة على الأسواق ، رابعاً : السيطرة على مصادر الأيدي العاملة .. إلخ .

     وفي رأينا ، إذا لم تتحرك الدول الكبرى المذكورة ، فسيأتي عليها الدور ، كما يحدث الآن في الشرق الأوسط .

    ثانياً : نتائج احتلال العراق :

     العراق بعد الاحتلال منذ أبريل 2003 إلى يناير 2007 ، بالضبط كما توقعناه في دراسة لنا نشرت في نوفمبر 2002م ، قمنا بإعادة عرضها في القسم الأول من هذه الدراسة ، والذي يؤكد مصداقية مقالتنا المذكورة سلفاً ، هو الوضع العراقي كما يوضحه تقرير ( The Economist July 29th 2006, PP. 53,54. ) : الحكومة العراقية موجودة في الحزام الأخضر في بغداد غرب نهر دجلة ، وموفر لها الحماية الكاملة . أما ما هو خارج الحزام الأخضر ، فيعتبر خارج السيطرة . وليست العراق فقط ، بل حتى بغداد أصبحت مقسمة طائفياً بين السنة والشيعة ، ومعدل القتل على الهوية 300 شخص شهرياً ، واللاجئين المهجرين من منازلهم وصلوا إلى أكثر من 162 ألف في بغداد فقط . وأصبح هناك مناطق معروفة للسنة هي : الغزالية والعامرية غرب النهر والأعظمية شمال شرق النهر ، ومناطق الشيعة شرق بغداد مدينة الصدر والكاظمية والشولة . وأكثر المناطق التي يحدث فيها تصادم دموي بين الطائفتين ، الدوره . والغريب في الأمر، لا الجيش ولا الشرطة العراقية الجديدين النشأة ، قادرين على إيقاف النزيف ، بل هناك تشكيك من بعض السنة أن بعض قوات الأمن الجديدة ، تساند الشيعة أو من الميليشيات الشيعية أصلاً ، ويساهمون في تصفية السنة .

     طبعاً الأوضاع الحالية في العراق ، أقل ما توصف به هو الفوضى ، في مقالة نشرت لنا في الراية 18 أغسطس 2002م ( العدد 7407 ) يؤكد على الفوضى التي على حافتها الدول العربية : فلسفة المدرسة العضوية ، بأن الدولة تمر من خلال مراحلها في النمو ، مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب والنضج والشيخوخة ، وبعد ذلك نستطيع أن نضيف بأنها سوف تتعرض إما للانهيار أو التجديد والابتكار . وأضفنا هنا بأن موضوع الانهيار والتجديد هما يعتبران في رأيي ، الموضوعين الرئيسيين المقلقين في نفس الوقت ، بالنسبة لدول عالم الشمال ، وخاصة الولايات المتحدة قائد العالم المعاصر . وخاصة بأن معظم الدول العربية وصلت إلى مرحلة الشيخوخة ، لابد من تجديد ، وهذا التجديد إذا انطلق من المنطقة العربية نفسها ، فسوف يفقد الولايات المتحدة الأمريكية سيطرتها ، واحتكارها المطلق للمنطقة . إذاً لابد من مبادرة أمريكية ، لاحتواء المنطقة وإعادة تشكيلها .

     وما حدث للعراق ليس بتفكيك الهيكل السياسي والإداري والأمني فحسب ، بل أدى ذلك إلى تفكيك البنية التحتية للدولة بشكل كامل ، ففي تقرير نشرته صحيفة (Financial Times Nov. 18th. 2003) يوضح : أن الخطر الذي يحيق بالعراق بعد ما تم تفكيك وتصدير البنية التحتية للدولة العراقية للدول المجاورة جغرافياً ( الكويت وإيران وتركيا والأردن والسعودية ) . ويؤكد التقرير أن السماسرة يقولون ، بأن البنية التحتية العراقية المهربة تخرج من خلال الحدود العراقية الرسمية ، التي يسيطر عليها الأمريكان ، وذلك من خلال دفع بعض الرشاوى للأمريكان المشرفين على الحدود العراقية ، وكل شاحنة عراقية تحتوي على مواد مهربة تدفع رشوة بما يقارب 2500 دولار ، لكي يسمح لها بالخروج من العراق . ويضيف التقرير بأن النحاس والألمنيوم والحديد والصلب العراقي ، يهرب إلى مخازن السوق الحرة في مدينة الزرقاء الأردنية . وتستقبل المملكة الأردنية الهاشمية يومياً ، ما يقارب من 25 شاحنة عراقية تحمل ما يقارب 500 طن من المعادن العراقية . ومصادر هذه المعادن الألمنيوم من الأبواب والشبابيك والرداتيرات ( مبرد المياه ) ، والنحاس مصدره من توربينات الماء والأنابيب وأسلاك الكهرباء والأسلحة والذخائر بعد صهرها .. إلخ .

     الفوضى المذكورة أعلاه ، تطرقنا لها في مجموعة من المقالات والدراسات منذ عام 2002م ، وبعد استلام السيدة رايس حقيبة الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية ، قالت في فبراير 2005م مصطلح غريب اسمه الفوضى الخلاقة ، أو الفوضى البناءة ، وما قالته السيدة رايس بالتحديد : ” إن الوضع الحالي ليس مستقراً ، والفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية ، هي من نوع الفوضى البناءة التي تنتج خلطاً جديداً للأوراق ، يجعل الأوضاع أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً ، حتى لو أدت الأمور ، فيما تؤدي إليه ، إلى تغيير واستبدال الأنظمة الحليفة الموالية. ووجهت السيدة رايس انتقادات عنيفة إلى سياسة القبول بالأمر الواقع ، بدعوى الحفاظ على الاستقرار” (Lebarmy. gov.1b) .

     الواضح الآن بعد احتلال العراق منذ أبريل 2003م إلى يناير 2007م ، أن نتائج الفوضى البناءة ، جاءت بكوارث على العراق وأهله ، وأصبح خطر الكارثة العراقية ، يهدد المنطقة بأكملها بحرب إقليمية ، فما ذكرته مجلة (Medical Journal The Lancet) (BBC News. Oct. 16th. 2006) بأنه إلى يوليو 2006م ، متوسط القتلى العراقيين بسبب الاحتلال وأعمال العنف وصل إلى 601.027 شخص ، ومعظمهم من الرجال ، وأعمارهم ما بين 15 – 59 سنة ، والوفيات الأخرى بسبب الاحتلال بطريقة غير مباشرة ، وهو من انتشار الأمراض والأوبئة ، التي لا تجد أساليب وقائية منها . والمقاومة تقول أن الذين قتلوا من الأمريكان بسبب احتلال العراق ، وصل إلى 27 ألف ، والمعترف بهم 3000 من الجيش فقط ، أما الباقي مرتزقة والموعودين بالجنسية والقوات الأمريكية المساندة ( الشرق العدد 6762 ).

     الغريب في الأمر هو أن الولايات المتحدة تقول بأنها قدمت للعراق لتحرير الشعب العراقي ومساعدته ، لبناء دولة ديمقراطية ستعتبر كأنموذج للشرق الأوسط ، وذلك سيسهل عملية نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط!. بمعنى أن أمريكا جاءت لإنقاذ العراق وأهله ، ولخدمة مصالح العراقيين .

     ولكن ما نسمعه من المقاومة غير ذلك ، فالمقاومة تقول : أن المقاومة بشكل عام ، هي مقاومة الشعب العراقي ، وتضيف المقاومة قائلة ، بأنها ليست في منطقة معينة ، أو طائفة معنية أو قومية معينة ، وإنما هي مقاومة وطنية تضم كل الأطياف ، ففيها من السنة والشيعة . أما أسباب تأثير المقاومة في مناطق أكثر من أخرى في العراق ، فتصريح المقاومة يقول : ظروف العراق الآن ، وتداعيات الاحتلال والتكتلات المساندة والمتحالفة مع الاحتلال ، تجعل المقاومة فاعلة في مكان أكثر من آخر . والمدهش هنا في تصريح المقاومة بأنها تحظى بمساندة 70% إلى 80% من الشعب العراقي، ويضيف تصريحهم : بأنه لو استطلعت آراء الناس لوجد غالبيتهم الساحقة ، ضد الاحتلال وضد تقسيم العراق وضد الطائفية وضد العملية السياسية التابعة للاحتلال . وتضيف المقاومة ، بأن العراق فيه مشروعين الآن ، الأول : أمريكي ، والثاني : عراقي ، أما بالنسبة للقاعدة فلا تشكل من المقاومة إلا 1% فقط ، ويضيف تصريح المقاومة العراقية : بأن أهدافهم تختلف عن أهداف القاعدة ، فأهداف القاعدة عالمية ، وهدف المقاومة العراقية ، دولة قومية إسلامية عراقية معتدلة ، تحتوي على جميع الطوائف ( الشرق العدد 6762) .

     إذا كان التصريح أعلاه للمقاومة العراقية ، صحيح في كل ما جاء فيه، فذلك يعني أن الولايات المتحدة وقعت في مأزق في العراق ، لأنها لم تستطع أن تكسب ، لا السيطرة المكانية ولا تعاطف الشعب العراقي معها . ويذكر موقع )www.islammemo.cc.article1( ففي تصريح لوزارة المهجرين والمهاجرين العراقية : أن عشرة آلاف عائلة عراقية ، هجرت من مناطق مختلفة بسبب انتشار العنف الطائفي في العراق ، وبلغ عدد المواطنين المتضررين بسبب حوادث العنف والتهجير ، حوالي مليون مواطن . والغريب في الأمر أن الولايات المتحدة احتلت العراق ، أو حررته كما تصرح لكي تعطيه الحرية ، والحرية الموجودة في العراق الآن من ناحية فكرية وأيديولوجية جزئية ومشروطة أيضاً ، والدليل على ذلك اعتقال مجموعة من أفراد حزب البعث ، فقط لأنهم بعثيين ، وبدون أية تهمة أخرى ، وهذا يتنافى مع مبادئ الحرية والتعددية والديمقراطية .

     أما بالنسبة للطائفية ، فيقول السيد علاوي : أن العراق يشهد فتنة طائفية نتجت عن أسلوب المحاصة الطائفية ، التي اعتمدت نهجاً في تركيبية الحكم الجديد في العراق ، وذلك من خلال إعطاء الشيعة 52% من مقاعد مجلس الحكم ، والعرب السنة 20% ، والأكراد السنة 20% من مجلس الحكم .

     ويضيف الموقع المذكور أعلاه : احتمال أن تصبح العراق مركز صراع أمريكي وإيراني ، في حالة هاجمت أمريكا إيران ، وكذلك يشهد العراق اعتداءات على أصحاب الديانات الأخرى ، مثل : التصفية الجسدية أحياناً ، بحيث قتل أربعة زائرين يهود لمدينة الكفل ، وأصبح عدد العوائل المسيحية في البصرة 600 عائلة بعد أن كانت 1500 عائلة قبل الاحتلال ، وهروب عوائل من الصائبة المندائيين ، من بغداد إلى ذي قار ، وتعرض الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ عام 1948م للاضطهاد والطرد ، بسبب اتهامهم بمساندة نظام الرئيس صدام ، وهذا ينطبق على الجاليات العربية الأخرى في العراق . أما من الناحية الاقتصادية ، فحتى مصدر الرزق الرئيسي للعراقيين ، لم يسلم من الدمار والفساد ، فبعض أعضاء الحكومة العراقية متهمون بمحاولة تهريب النفط العراقي ، في صهاريج إلى دول الجوار !! .

     واللاجئين العراقيين حسب تقديرات الأمم المتحدة ، الذين فروا من الأوضاع المزرية 1.8 مليون ، تستضيف سوريا والأردن العدد الأكبر منهم )www.icaws.org( . وتقرير سبتمبر 2006 الأمريكي يقول أن الخسائر المادية الأمريكية في العراق ، وصلت إلى 290 مليار دولار ، وإذا بقيت القوات هناك ستصل الخسائر الأمريكية على المدى القريب ، ما بين 500 مليار دولار إلى 1270 مليار دولار أمريكي . والأغرب من ذلك هو ، إذا كانت أمريكا احتلت العراق وأفغانستان ، لكي يشعر المواطن الأمريكي بالأمن والاستقرار في وطنه ، ففي استطلاع للرأي أجري في يونيه 2006م ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان السؤال : هل تشعر أقل أو أكثر أمناً الآن ؟ . أجاب 86% من العينة المستطلع آراءها أنهم يشعرون أقل أمناً الآن ( الأهرام العربي العدد 500 ) . إذاً ما هي الفائدة من كل هذه التضحيات ، التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وشعوب الشرق الأوسط ، وخاصةً العراق وأفغانستان ؟! .

     وأعتقد أكثر الأساليب شفافية لمعرفة نتائج الحرب على العراق هو اختبار استطلاعات الرأي بالنسبة للأمريكيين والعراقيين ، ونتائج استطلاعات الرأي توضح لنا التالي :

     عندما غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق ، في مارس 2003م وكان الاسم المطلق على العملية الحرب ضد الإرهاب ، وكان التأييد آنذاك في استطلاعات الرأي الأمريكية ، لهذه الحرب تصل 80% ، ولكن نتائج الحرب الآن على الشعب الأمريكي ، من خلال استطلاعات الرأي 70% يرون أن الحرب متجهة خطأ (International Herald Tribune Dec13th. 2006)   ، و 62% من الأمريكيين يرون أن الحرب لا تستحق تكلفتها (USA Today No4649) . و 86% من العينة الأمريكية المذكورة أعلاه تشعر أقل أمناً الآن كما ذكرنا سلفاً . واستطلاع للرأي يختبر كيف يشعر الأمريكيون بإرسال قوات أمريكية للعراق ؟ أجاب 56% من العينة بأنه خطأ . و 40% لم يكن خطأ . وحول ما رأي الأمريكيين عن الوضع الحالي في العراق ؟ أجاب 72% حرب أهلية ، و 25% ليست حرب أهلية ، وما هو رأي الأمريكيين في سياسة حكومتهم في الشرق الأوسط ؟ الغريب في الأمر هنا بأن الأمريكيين يبحثون عن حكومات مستقرة ، لا تعادي الولايات المتحدة وكأنهم تنازلوا عن نظرية نشر ثقافة الإمبراطورية الأمريكية في العالم القائمة على الحرية والديمقراطية ، إلى البحث عن حكومات مستقرة تصادق أمريكا ، مهما كانت نوعية السلطات القائمة عليها ، وهذه نتيجة استطلاع الرأي 58% تشكيل حكومة مستقرة لا تعادي أمريكا ، و 33% من الأمريكيين مع حكومات ديمقراطية .

     أما بالنسبة لخطط الرئيس بوش للعراق فيرى 61% من الأمريكيين بأنه لا يوجد لديه خطة ، و 67% من الأمريكيين يرى أن الكونغرس لا توجد لديه خطة ( الشرق الأوسط العدد 10196) . هنا لابد أن نقف لبرهة… ونراجع ما هو موقف الرئيس بوش عند شعبه ، عندما غزت العراق في 2003م ، والآن في يناير 2007م ، سنلاحظ نسبة التأييد التي وصلت إلى 80% عند غزوه للعراق ، في عام 2003م ، انقلبت الآن في يناير 2007م ، إلى معارضة تقريباً ، وهذا دليل إلى الآن على أقل تقدير ، أن نظرية الفوضى البناءة لم تنجح في العراق .

     أما بالنسبة لاختبارنا لعينات استطلاع الرأي العراقية ، عن نتائج الاحتلال في بلادهم ، اخترنا لذلك الغرض عينتين في فترتين زمنيتين مختلفتين ، الأولى في عام 2004م )www.df-althani.com(  :
    هل العراق يسير في الاتجاه الصحيح أم الخاطئ ؟ : أجاب 73% من السنة بأنه يسير في الطريق الخاطئ ، أما الشيعة فكان 51% منهم يرى أن العراق يسير في الاتجاه الصحيح ، و 33% منهم يرون أن العراق يسير في الاتجاه الخاطئ . والملاحظ هنا من خلال اختلاف رؤى الشعب العراقي مثل : الأكراد والمناطق السنية الغير كردية ، صعوبة قيام دولة حتى فيدرالية في العراق .

     السؤال الثاني : هل أوضاعهم تحسنت أم ساءت بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين ؟ : أجاب 31% من العينة ترى بأن الأوضاع سارت إلى الأسوأ ، و 21% ترى بأن الأوضاع بقيت على حالها ، ومجموع النسبتين 52% ، بمعنى آخر يقولون أن أمريكا لم تقدم شيئاً لهم بعد احتلالها العراق ، وكان رأي 47% أنها سارت إلى الأفضل .

     الملفت للنظر أن استطلاع الرأي للعراقيين في 2004م ، كان يوضح أن العراقيين مستاءين من الاحتلال الأمريكي ، وأنهم لم يحصلوا على أي شيء أفضل مما كانوا عليه ، بل أن الأوضاع سارت إلى أسوأ مما هو متصور ، ويوضح استطلاع الرأي في أواخر عام 2006م التالي ( الشرق الأوسط العدد 10196 ) :
    كيف يشعر العراقيين تجاه إسقاط الرئيس صدام حسين ؟ . يرى 61% منهم أنه يستحق ، و 38% لا يستحق ، بمعنى آخر أن ما يقارب 4 من كل 10 عراقيين يرون أن رئيسهم لا يستحق الإسقاط ، وهذا المعدل هو الذي يفوز به أصلاً الرؤساء ورؤساء الحكومات في الدول الديمقراطية عندما يحصلون على ما يقارب من 35% إلى 40% من أصوات الناخبين، وذلك يعني أن ذهاب الولايات المتحدة إلى العراق ، خلق معضلة حقيقية للولايات المتحدة وللعراق وللجوار العراقي ! .

     السؤال الثاني : ماذا يقول العراقيين بخصوص الهجمات ضد القوات الأمريكية في العراق ؟ : الإجابة 61% يقرون هذه الهجمات ، و 39% لا يقرون هذه الهجمات ، وذلك يعطي مؤشر خطير بالنسبة للولايات المتحدة بأنها غير مرغوب بوجودها في العراق ، من قبل جميع الطوائف العراقية!.

    السؤال الثالث : ما هو شعور العراقيين للنفوذ الذي يوجد للولايات المتحدة في بلادهم ؟ : والإجابة هنا تفرز ما ذكر أعلاه ، حيث أننا نجد 79% من المستطلع آراءهم ، يرون أن النفوذ الأمريكي على بلادهم سلبي، و 14% يراه إيجابي .

     السؤال الرابع : توجه البلاد وفقاً لرأي العراقيين ؟ : في يناير 2006م كان يرى 64% من العراقيين أن التوجه صحيح ، وفي سبتمبر 2006م انخفض هذا الرأي إلى أقل من النصف ، نصف العراقيين المستطلعة آرائهم ، بحيث أصبح 47% من العراقيين يرون أن توجه البلاد نحو الاتجاه الصحيح فقط .

     السؤال الخامس : شعور العراقيين بخصوص الحكومة العراقية الحالية ، كممثل شرعي للعراقيين ؟ : 65% نعم ، و 35% لا ، ونسبة الذين قالوا لا كبيرة جداً ، بحيث لو أجري استفتاء دستوري في بعض الدول ، فالنسبة الكبيرة للذين قالوا لا ، على ما أعتقد بإمكانهم إسقاط الحكومة ، علماً بأن 66% من السنة العرب أكدوا أن الحكومة ليست ممثلاً شرعياً للشعب العراقي ! .

     السؤال الأخير : هل تقر الهجمات على القوات العراقية ؟ : 96% لا يقرونه ، و 4% يقرونه ، والمقاومة العراقية تشارك الشعب العراقي نفس الرأي ، وبمعنى آخر أن معظم الشعب العراقي ، لا يقر الهجمات على القوات العراقية ، إذاً السؤال الذي يطرح نفسه : من الذي يقوم بعمليات الوحشية وسفك الدماء الجماعي للقوات العراقية الناشئة القليلة الخبرة ؟!.

     أعتقد إجابة هذا السؤال ستترك للتاريخ فقط !! .
    الأمر الغير مشجع ، أن المعضلة العراقية لن يوجد لها حلاً قريباً ، والدليل على ذلك بأنه ليس بالداخل العراقي أحداً ، راضي عن الأوضاع التي أوصلتهم لها أمريكا ، بل حتى الجوار الجيوسياسي عراقي غير راضي عن الأوضاع التي أوصلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق لها، ففي استطلاع للرأي للشارع العربي )www.df-althani.com(  هل تعتقد أن الانتخابات ستضع حداً لمعاناة العراقيين ؟ : أجاب 84% لا ، هل تثق بنزاهة محاكمة النظام العراقي السابق ؟ : أجاب 80% لا ، هل تؤيد مشاركة العراقيين في الانتخابات العامة ؟ : أجاب 61% لا ، هل تؤيد اتهام الحكومة العراقية بتدخل سوريا في الشأن العراقي ؟ : أجاب 63% لا .

     أعلاه يؤكد ما قلناه في مقدمة هذه الدراسة ، ويدعم رأينا (Steven E.Miller, P.24)   من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لندن : واشنطن لم تقيم طبيعة الوضع في العراق ، أو على الأصح من سيكونوا اللاعبين الرئيسيين في العراق بعد سقوط صدام ؟ . ولذلك بعد احتلال العراق واجه واشنطن في الفراغ السياسي لسقوط صدام ، آية الله السيستاني ، وبروز الطائفية أكثر مما هو متوقع ، وعدم الشعبية الكبيرة للاحتلال الأمريكي ، وانفجار العنف في العراق . وهذا الأمر جعل أمريكا متورطة في حرب لا تتوفر لها معلومات عنها ، وكان نقص المعلومات يحتوي على من هو الصديق ومن هو العدو ؟ ونقص المعلومات هذا يمتد إلى أين مواقع قوة العدو ؟ ونقص المعلومات عن خطط وتقنيات العدو ؟ . وكذلك Victor B. Bulmer. Chatham House : انتقد سياسة بلير قائلاً : أن خليفة بلير لن يستطع أن يقدم مساعدات غير مشروطة ، للولايات المتحدة الأمريكية في السياسة الخارجية ، وإعادة توازن العلاقة ما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي سوف تحدث . ووصف ذهاب بلير إلى العراق بأنه خطأ كارثي . ورغم تأييد بلير لبوش ، ويصف علاقاتنا مع الولايات المتحدة علاقة ذات طابع خاص ، ولكن الأمريكيين يقولون أن المملكة المتحدة صديق قريب منا . إذاً ما الذي نالته المملكة المتحدة من هذه المغامرات ؟!. (BBL. News. Dec.19th 2006) .

    وفي ختام قسم نتائج احتلال العراق :

     حتى الدول التي شاركت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعد احتلالهم العراق ، لاقتسام الكعكة العراقية ، بحيث وصلت نسبة المشاركة الأمنية بعد الاحتلال من مجموع القوات التالية (155.856 جندي ) نصيب الأسد للدولة الرئيسية في عملية الاحتلال أمريكا 83% ، و 7% لحليفتها التقليدية بريطانيا ، و 2% لكل من الدول التالية : إيطاليا وبولندا ، و 1% لكلا من : أوكرانيا ، وأسبانيا ، وهولندا ، واستراليا ، ورومانيا ، ومجموعة دول اشتركت في 2% الباقية ( الراية العدد 7834) . ولكن أغلبهم هرب وعلى رأسهم أسبانيا الحليف الرئيسي قبل الاحتلال ، وفي عملية الاحتلال وبعد الاحتلال ، وكذلك هربت إيطاليا وبولندا ،وما تبقى يبحث له عن ماء الوجه للهروب المشرف الذي لا يفرح أعداءه ، ولا يحزن أصدقائه ، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية . إذاً نتائج الاحتلال عرضت مع التحليل أعلاه ! . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، ما هو الحل الأمريكي البريطاني للخروج من هذه الكارثة ، بأقل الخسائر لجميع الأطراف ؟!. هذا ما سنركز عليه في الأقسام اللاحقة من هذه الدراسة .

    ثالثاً : نتائج الحرب على الجوار :

     أولاً : أزمة الكويت مع العراق لم تنتهي : علماً بأن الكويت هي الدولة العربية الوحيدة ، التي احتضنت القوات البرية الأنجلو أمريكية لغزو العراق ، بطريقة مباشرة ، وكذلك احتضنت أفراد المعارضة العراقية المتعاونة مع أمريكا ، والمؤيدة للغزو الأمريكي لبلادهم للإطاحة بنظام صدام حسين ، ولكن الصدمة التي تولدت عند الكويتيين هو بأنه بعد سقوط نظام صدام حسين ، واستلام المعارضة العراقية الصديقة لأمريكا والكويت للسلطة ، عادت مرةً أخرى الصراعات العراقية الكويتية للساحة ، وذلك من خلال بعض الاعتداءات الحدودية الغيرمبررة ، ويتهم الكويتيون تنظيمي بدر ، التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، وجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر بهذه الاعتداءات ، ويتساءل الكويتيون : هل يمكن أن يكون هذان التنظيمان وراء هذه الهجمات ، رغم علاقة قادة التنظيمية الحسنة والتاريخية بالكويت ، فهما يزوران الكويت باستمرار ، وعلى علاقة متواصلة معها ؟ وهنا قسم الزميل سعد بن طفله الكويتيون إلى فريقين : (الشرق الأوسط العدد 1016) :

    أ  – المتشائمون : يقولون أن هذه طبيعة عراقية لم تتغير ، فصدام كان على علاقة ( سمن على عسل ) مع الكويت ثم غزاها ، ومن أتى بعد صدام لا يختلف كثيراً عنه ، ودليلهم ما آلت إليه الأمور من ذبح ومذابح وتعذيب وتنكيل وقتل وتهجير ، داخل العراق نفسه .
    ب – المتفائلون من الكويتيين : إن هذه الاعتداءات متفرقة وفردية ، وبأن من يقوم بها فعلاً هم أنصار صدام من البعثيين ، وفلول النظام السابق في محاولات لن تتوقف ، لتخريب المسيرة الديمقراطية العراقية ، وتخريب علاقات العراق المستقبلية بكل جيرانه ومحيطه .

     ثانياً : التقرير السعودي : هذا التقرير أعده فريق سعودي في مارس 2006م وملخص التقرير عن العراق ( أن إيران أنشأت دولة شيعية داخل الدولة العراقية . وأن منظمة بدر الجناح المسلح للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، يعتبر الأداة الرئيسية التي تستخدمها إيران ، لتحقيق أمنها العسكري وأهداف المخابرات . ويضيف التقرير في هذه الحالة سيكون على السعودية مسئولية خاصة ، بضمان استمرار رفاهية وأمن سنة العراق (الراية العدد 8991 ) .

     هذا يعني احتمال حدوث مواجهة شيعية سنية ، غير مباشرة ، بين إيران والسعودية في العراق ، ومن الممكن أن يمتد ذلك إلى حرب إقليمية إيرانية سعودية بسبب العراق ، لا سمح الله ، ومن البديهي سيكون سببه هو الاحتلال الأمريكي للعراق ، وانهيار العامود الفقري للسلطة العراقية ، التي تشد جميع الأطراف نحو المركز ! .

     وكذلك التحالف الأنجلو أمريكي ، بدأ يتنازل عن إرساء ثقافتهم العالمية ، وهي نشر الديمقراطية والحرية والشفافية في العالم ، ومحاربة الفساد حسب ما يدعون ، والدليل على ذلك في ديسمبر هددت المملكة العربية السعودية بريطانيا ، إذا لم توقف التحقيق في صفقة اليمامة وقيمتها ( 10 مليار جنيه إسترليني ) وذلك لشراء طائرات تايفون المقاتلة من بريطانيا ، فإن السعودية ستبحث عن بائع آخر . ومن هنا رأت السلطات البريطانية أن تصدر أوامرها للنائب العام اللورد جولد سميث ، لإيقاف التحقيق . وذلك بعد المفاضلة بين المصلحة التجارية ومصلحة الاقتصاد الوطني ، لأن الصفقة ستوفر عمل إلى 50 ألف بريطاني (The Daily Telegraph. Dec. 15,2006) .

     نحن متأكدين من نزاهة المملكة العربية السعودية ، ولكن التحالف الأنجلو أمريكي كيف يستطيع أن يمنحنا الحرية والديمقراطية ، وهو يخشى التحقيق في الرشاوي ، ونهب المال العام ، وجرائم الاختلاس ، هذا طبعاً ، إذا صدقت الجهة التي حركت الادعاء العام البريطاني !! .

    ثالثاً : الحدود العراقية الكردية والتركية الكردية : الولايات المتحدة الأمريكية واقعة في ورطة في كردستان ، ما بين حليفين تقليديين لها هم أكراد العراق ، والدولة التركية عضو حلف الناتو ، فالأتراك غاضبون من تجدد الهجوم عليهم ، بواسطة حزب العمال الكردي المعارض من الأراضي العراقية الكردية ، وغير راضين عن الاستقلال الذاتي لأكراد العراق ، لأن ذلك سيؤجج مطالب الأكراد القومية . ويوجد احتمال قوي في ربيع 2007م ، أن يشن الأتراك هجوم قوي على حزب العمال الكردي التركي ، الذي مراكزه اللوجستية في القسم الكردي من العراق . وهنا أكراد العراق سيقفون مع أبناء عمومتهم أكراد تركيا ، وذلك سيجعل الولايات المتحدة في حيرة من أمرها . هل ستقف مع تركيا حليفتها في الناتو ؟ .. ، أم هل ستقف مع أكراد العراق ؟ .. الأكثر القوميات العراقية موالاة للولايات المتحدة الأمريكية ، وعملياً يعتبرون تحت حمايتها في القانون الدولي . وفي الوقت نفسه ، أكراد العراق لم يقبلوا دراسة بيكر هاميلتون خاصة أن يكون سيطرة كبيرة للحكومة المركزية ببغداد ، على أقاليم العراق ، وغاضبون من اقتراح لجنة بيكر هاميلتون ، تأجيل الاستفتاء على الإقليم النفطي كركوك ، وكذلك الأكراد العراقيين مرعوبين من التوصية التي تنص على الولايات المتحدة أن تحسن علاقاتها مع إيران وسوريا ، الذين لهم تاريخ طويل في إخماد أحلام الأكراد . ولكن عندما تقارن الولايات المتحدة علاقاتها ما بين تركيا وكردستان العراق ، طبعاً الكفة سترجح تركيا كحليف استراتيجي في المنطقة ، ربما يغض الطرف عن تركيا ، لكي تقوم بعملية تطهير قيصرية لمراكز حزب العمال الكردي التركي ، الذي ينطلق من كردستان العراق!!. (The Economit Dec. 16th, 2006, PP.39,40)  .

     أخيراً ، نجد الإدارة الأمريكية دائمة التهديد لباقي دول الجوار العراقي ، المصنفين أمريكياً من ضمن محور الشر ( إيران وسوريا ) ، وتتهم بأنهم وراء عمليات المقاومة العراقية ، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وذلك لأن الدولتين يهمهم عدم استقرار العراق ، لأن استقرار العراق يعني أن الولايات المتحدة ستتفرغ لإصلاح شأنهم بطريقتها ، مثل ما عملت في العراق ، أما المملكة الأردنية الهاشمية فتعرض لبعض العمليات الإرهابية ، في أواخر عام 2005م ومصدرها العراق ، والذين قاموا بها عراقيين ، ودائماً يشعر الأردنيين بأن العراق يمثل مصدر خطر لهم وخاصةً بعد احتلاله ! .

    رابعاً : برنامج بيكر هاميلتون وجدلية تطبيقه :

     قدمت لجنة بيكر هاميلتون المشكلة من الجمهوريين والديمقراطيين توصيات ، لإنقاذ الولايات المتحدة من المستنقع العراقي ، وبروز النقاط في هذه التوصيات : عمل حملة دبلوماسية ، وعقد مؤتمر بحضور دولي وإسلامي وعربي وخاصة دول الجوار ، وتشكيل مجموعة دولية لدعم العراق ، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة ، وإشراك إيران وسوريا بحوافز محدودة ، والتعامل مع البرنامج النووي الإيراني من خلال مجلس الأمن ، ومراجعة الدستور العراقي ، وتقاسم العائدات النفطية ، من خلال النفط يعود إلى الحكومة المركزية ، ويتم تقسيمه على أساس الكثافة السكانية ، وتأخير استفتاء كركوك ، ومبادرة العفو ، وحماية حقوق المرأة وجميع الأقليات التركمان والآشوريين والكلدانيين والايزيدييين والصائبة والأرمن (جريدة الحياة العدد 15952) .

     التوصيات التي طرحتها اللجنة ، سبق وأن تطرقنا لها في مجموعة من المقالات ، قبل أن تذكرها لجنة بيكر هاميلتون في توصياتها ، وهي موجودة في موقعنا ومنشورة ، وخاصةً الحملة الدبلوماسية وعقد مؤتمر دولي ، ولابد من مشاركة الجوار للتعاون في حل الأزمة العراقية ، احترام الحقوق الوطنية السيادية والمالية والثقافية والإثنية لجميع العراقيين .

     أما استطلاعات الرأي الأمريكي حول توصيات اللجنة ، فكان 75% من الأمريكيين المستطلعة آراءهم ، يؤيدون بيكر هاميلتون ، خاصة من خلال التوصيات التي ترى بأنه لابد للولايات المتحدة من التحدث مع إيران وسوريا ، وبدء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية ، وسحب معظم القوات بحلول مارس 2008م (USA Today 4649) .

     والغريب في الأمر، أن نسبة الأمريكيين الذين يرون إرسال قوات أمريكية إلى العراق خطأ ، تصل نسبتهم إلى 62% , وهذه النسبة تفوق نسبة المستطلع آراءهم في أمريكا في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حيث كانت النسبة 60% التي ترى أن أرسال قوات أمريكية إلى فيتنام خطأ!! . (International Herald, Tribune Dec.13th. 2006) .

     والفترة التي صدر فيها تقرير بيكر هاميلتون ، تعتبر من أسوأ فترات استلام الرئيس بوش الرئاسة ، والشعب الأمريكي لا يرى هذه الإدارة قادت أمريكا إلى ورطة فقط ، بل يرون أن ترتيب الرئيس بوش من أسوأ الرؤساء ما بين رؤساء أمريكا ، في العقود الأربعة الأخيرة ، ففي استطلاع للرأي يقول : ما هو ترتيب كل من هؤلاء الرؤساء في التاريخ ؟ : كانت كالتالي : أعلى معدل الأول ريغان 64% ، والثاني كلينتون 45% ، والثالث كارتر 36% ، والرابع بوش الأب 32% ، والخامس فورد 23%، والسادس بوش الابن 19% ، إذاً الأخير ما بين ستة رؤساء ممن سيذكر لهم التاريخ إنجازاتهم هو الرئيس بوش الابن ، ونفس السؤال بالطريقة المقلوبة من أسوأ رئيس سيذكره التاريخ ما بين الرؤساء التالية أسماءهم ؟ : كان الأول الرئيس بوش الابن 54% ، والثاني كلينتون 25% ، والثالث كارتر 22% ، والرابع بوش الأب 18% ، والخامس فورد 12% ، والسادس ريغان 10% (USA Today No. 4650) .

     الرئيس بوش كانت خطته في أواخر نوفمبر 2006م ، تقليص عدد القوات الأمريكية ، وزيادة عدد قوات الأمن العراقية (Dailys tor. Dec.2. 2006) ولكن في عام 2006م اعترف الرئيس بوش بأنه لا يكسب الحرب في العراق ( الشرق العدد 6762 ) ، وكذلك أعلنت السيدة رايس بأن إدارتها لن تقبل تقرير بيكر هاميلتون من أجل التعاون مع سوريا وإيران في العراق ، وقالت رايس بأن الإدارة الأمريكية لن تتراجع عن تطبيق الديمقراطية في الشرق الأوسط !! ، وأن الشرق الأوسط يجري إعادة ترتيبه بطرق توفر للولايات المتحدة ، فرصاً استراتيجية جديدة ، وختمت تصريحها قائلة ، بأن الولايات المتحدة لا تمتلك في خاتمة المطاف ، مفاتيح حل الأزمات السياسية والعسكرية المتعددة الوجوه في البلاد (الشرق الأوسط العدد 1024 ) . والجملة الأخيرة هي مكمن الخطورة في تصريح رايس ، وسنتناوله لاحقاً .

     أما ردة الفعل عند الحكومة العراقية، بالنسبة للتقرير المذكور كان سلبي ، فالسيد طالباني رئيس الجمهورية العراقية والأحزاب الشيعية ، رفضوا عودة البعثيين للعمل ، وانتقدوا زيادة القوات الأمريكية لتدريب العراقيين من  4000 إلى 20.000 ، وقال المسئولين العراقيين بأنهم غير مرعوبين من تقليص المساعدات ، أما بالنسبة لسوريا وإيران ، فالحكومة العراقية قبل التقرير بدأت بالتفاوض مع سوريا وإيران (USA Today No. 4648) .

     وكذلك تهجم طالباني على بيكر قائلاً : بأن بيكر يفضل السيطرة السنية على الديمقراطية الحالية ، ومستنداً بذلك بعد تحرير الكويت عام 1991م امتنع بيكر عن دعم خطة عزل صدام حسين (The Economist Dec.16th. 2006) .

     أما المقاومة اعتبرت انسحاب الولايات المتحدة عام 2008م ، نصر للمقاومة ، وبعض السنة يعتقدون أن الانسحاب الأمريكي ، سيتركهم تحت رحمة حكومة صورية كردية شيعية (The Economist Dec.16th.2006) .

     النتيجة حتى تقرير اللجنة المذكور ، الذي يعتقد البعض بأنه يشكل وثيقة الخلاص للشعب العراقي ، وإنقاذ أمريكا من حرب الاستنزاف في العراق ، وإنقاذ المنطقة بأكملها من وقوعها في المستنقع العراقي ، لم يساهم حتى في تقريب وجهات النظر ، بالنسبة للأطراف المعنيين مباشرةً ، فالأمريكان انقسموا إلى فريقين ، فريق ضد هذا التقرير ممثلاً بالإدارة الأمريكية ، وفريق مع هذا التقرير وذلك يمثل السلطات التشريعية ومعظم الشعب الأمريكي .

     أما بالنسبة للعراقيين انقسموا إلى ثلاثة أطراف رئيسية حول التقرير، فالحكومة العراقية تعتبر التقرير بمثابة إهانة بالنسبة لها ، والمقاومة اعتبرت التقرير بأن أمريكا اعترفت بالهزيمة ، عندما طالب التقرير بانسحابها التدريجي بحلول عام 2008م ، أما بعض السنة فهم متخوفين بعد انسحاب أمريكا من العراق ، أن يتركوا تحت رحمة حكومة صورية شيعية كردية في بغداد ، ويرون أن الوقت غير مناسب للانسحاب الأمريكي .

     إذاً الملاحظ من ضمن تقرير بيكر هاميلتون هو بأن التقرير لم يقرب حلول القضية العراقية ، بل أزاح الحجاب المخملي الساتر لحقيقة الأزمة وعمقها في العراق ، والواضح من خلال ردود الأفعال المختلفة ، بأن مصيبة العراق الآن بدأت وليست قريبة الانتهاء !! .

     من النقاط الحساسة التي أثارت الجدل في العراق ، كرد فعل على تقرير بيكر هاميلتون ، هو توزيع عائدات النفط في العراق . فالأكراد الذين يوجد عندهم إقليم مستقل ذاتياً في الجبال ، يرفضون إعادة تقسيم النفط من خلال الحكومة المركزية ، خاصة من الحقول الجديدة التي يتوقع أن يبدأ إنتاجها بعد الاحتلال . أما بالنسبة على أساس عدد السكان ، فاقتراح الأكراد أن يقسم النفط من حيث عدد السكان والجرائم التي ارتكبت في عهد الرئيس صدام ، وسيعطي ذلك الأكراد والشيعة أعلى حصة من النفط ! . ولكن بسبب الضغوط المستمرة من الولايات المتحدة ، ذلك جعل العراقيين قريبين من الاتفاق على تقسيم النفط ، على أساس عدد السكان بواسطة الحكومة المركزية ، ويعتقد أن ذلك سيساهم في تخفيف اضطراب الأماكن السنية التي تعارض الحكم الذاتي للأقاليم ، والذي سيحرمهم من دخل النفط لتركزه في مناطق الشيعة والأكراد . أما بالنسبة للشركات الكبيرة فتفضل أن يكون امتيازات النفط ، تحت سيادة الدولة المركزية على القانون الإقليمي . ويرى بعض المحللين بأن الأكراد قد يقدموا بعض الليونة ، وذلك لطمعهم للمشاركة في ثروة الجنوب العراقي الهايدروكاربونية ، بحيث يمثل ذلك 85% من الإنتاج و 65% من احتياطي العراق من النفط يوجد في الجنوب، ولكن الأكراد يبدو أنهم متناقضين في موافقتهم ، وفي رفضهم ، حيث يرفضون أن يكون التصديق النهائي من الحكومة المركزية على الامتيازات (International Herald Tribune, Dec.9th. 2006) .

     الأصعب من ذلك حتى لو اتفق العراقيين ، على تقسيم عائدات النفط من حيث عدد السكان ، ستبرز عندهم مشكلة أخرى ، وهي ، ما هي أكبر طائفة وقومية في العراق ؟ .. فالسنة العرب يقولون بأنهم يمثلون 60% من السكان , وليست 20% التي يدعي خصومهم أنها نسبتهم من سكان العراق، وهذا يعطيهم الحق في حكم العراق ، وليس توزيع النفط فحسب ، ولكن الأوضاع العراقية الآن لا تعطي الفرصة ، لا لأمريكا ولا للحكومة العراقية ، لعمل إحصاء سكاني فعلي أو قانوني ، بسبب أعمال المقاومة والتمرد المنتشرة في العراق ، ولذلك من المتوقع العودة إلى أسلوب نظام الرئيس صدام حسين ، في تسعينيات القرن الماضي لحصر كم عدد السكان ونسبة توزيعهم في الأقاليم المختلفة من خلال الحصص الغذائية (rations) التي كانت توزع على الشعب العراقي في الأقاليم المختلفة ؟ (International Herald Tribune Dec.9th. 2006) .

     إذاً هذا البند فقط من تقرير بيكر هاميلتون ، أثار مجموعة نقاط خلاف بين العراقيين ، فمنهم من يتفق على توزيع النفط على أساس السكان، ومنهم من يختلف على توزيع النفط على أساس السكان ، علماً بأن هذه المادة دستورية ، ولم يتم تطبيقها إلى الآن ، ونقطة الخلاف الثانية من العراقيين من يؤيد الفيدرالية ، ومنهم من يرفض الفيدرالية ، والنقطة الثالثة هناك خلاف كبير بين الطرفين ، على ما هي أكبر طائفة في العراق ؟!!.

    ردود الأفعال العالمية بالنسبة لتقرير بيكر هاميلتون :

     بمجرد إزاحة الستار عن مشروع بيكر هاميلتون ، تحركت جماعات الضغط الصهيونية قائلة : بأنه لا يوجد شريك فلسطيني جاهز ، وأن سوريا وإيران سوف تستغلان الفرصة للتوسع والتمدد والحصول على الأسلحة النووية ، وإرجاع الأحوال على ما كانت عليه في لبنان ، قبل ثورة الأرز (الشرق الأوسط العدد 10242) . ويقول الكاتب بلال الحسن أن التقرير الأمريكي حول العراق ، هو تكريس للتواجد لا إنهائه ، وذلك من خلال تحريك دعم مالي ، والتغلغل في الأجهزة الأمنية ، وتعيين مندوب للعراق (الشرق الأوسط العدد 10239) .

     أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية ، فضمنياً تطالب بتعديل الدستور العراقي ، بحيث تدعو العراقيين لعمل بعض التصويبات الدستورية ، لضمان الوحدة الوطنية القائمة على مبدأ التكافؤ والمساواة في الحقوق والواجبات ، والمشاركة في الثروات ، ومن ناحية أخرى ترى السعودية أنه لابد من وقف التدهور الأمني ، بالتعامل مع جميع مصادر الإرهاب والميليشيات المسلحة في جميع المناطق العراقية ، من دون فرق أو تمييز ، ووقف التغلغل الخارجي في الشأن العراقي ، الذي يستهدف العبث بنسيجه الوطني وتجزئته ( الحياة 17/1/2007م ) .

    خامساً : مبدأ الضربة القاصمة ويليها الانسحاب :

    الرئيس بوش بعد التقرير المذكور ، والذي يبدو ظاهرياً أن الإدارة الأمريكية لن تتعامل معه ، قرر الرئيس إرسال قوات إمداد إضافية للعراق، وسينتشر القسم الأكبر منهم ، في خمس ألوية في بغداد ، وسيترافق مع الإمداد العسكري خطة تنمية اقتصادية ، تعين منسقاً لها السيدة رايس ، حتى تعطي المساعدات الاقتصادية في العراق نتائج أفضل . وأضاف الرئيس الأمريكي حسب رأيه ، أن الحكومة العراقية سيتم تسليمها الشئون الأمنية في كافة المحافظات العراقية في موعد أقصاه نوفمبر 2007م (الراية العدد 9015 ) . طبعاً قرار الرئيس الأمريكي كان متزامنا تقريباً مع تحذيرات ستيفين هادلي مستشار الأمن القومي الأمريكي ، بأن حكومة المالكي تحت سيطرة الشيعة ، وعلى أثر ذلك حرم السنة من الخدمات الأساسية ، وكذلك منع أي عمل عسكري ضد الشيعة ، وعمل على تطهير القيادات السنية من الجيش العراقي ، وذلك لتأكيد سيطرة الشيعة ، وقدمت المذكرة تحذير أن المالكي لا يملك القدرات السياسية والأمنية الكافية (International Herald Tribune Dec.2, 2006) .

     أما بالنسبة لمعهد انتربرايز الأمريكي ، فيقترح زيادة القوات الأمريكية إلى 25 ألف مقاتل ، على أن تكون المهمة بدلاً من بناء القوات العراقية ، هو أن تركز القوات الأمريكية على محاربة العدو وإخماد ثورة السنة ، وتأجيل التعامل مع الميليشيات الشيعية وفرق الموت . (Irish Imdependent Dec.16th,2006) .

     في رأينا الخوف هنا هو إضعاف طرف لصالح طرف آخر ، علماً بأننا نؤيد لو استطاع العراقيين من تكوين جهاز أمني واحد يمثل جميع الأطياف العراقية !! .

     السيناتور هاري ريد قائد الديمقراطيين في مجلس الشيوخ ، لا يرى مانعاً من زيادة الجنود الأمريكيين في العراق ، إذا كانوا سيساهمون في إخراج أمريكا من العراق (News. BBC. CO.UK)  ، علماً بأن الديمقراطيين يعارضون خطة الرئيس بوش لزيادة الجيش الأمريكي في العراق ، ولكن ربما يدعمون الضربة القوية ، التي تساهم في تحقيق نصر سريع لأمريكا في العراق ، ومن بعد ذلك يبدأ الانسحاب !! .

     ولكن أعتقد أعلاه من ضرب الخيال ، ويعود ذلك للأسباب التالية :

     أولاً : كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق ، في إدارة الرئيس بوش الابن 2000 – 2004م قال : زيادة عدد الجيش لا يحل المشكلة ، بل هو مشكلة أيضاً ، لأنه لم يعد لدينا جنود نظاميين أكثر (News. BBC. CO.UK) .

     ثانياً : في تقرير (BBC News Jan. 11th. 2007) خطة الرئيس بوش لإرسال 20 ألف مقاتل إضافي إلى العراق ، جعل التاريخ يعيد نفسه ، بالنسبة لخطة الدفعة القوية الأمريكية في فيتنام قبل هزيمة أمريكا .

     وخطة مشابهة الآن للعراق وضعتها الإدارة الأمريكية ، وهو إرسال دفعة قوية من الجنود ، لإلحاق الهزيمة بالتمرد في العراق ، وهو يتوقع أن تثبت فشلها في العراق ، قادة أمريكا متأكدين أن الشيوعية ستأخذ جنوب فيتنام ، إذا انهزمت أمريكا ، وهنا مخاوف بوش أن الأصولية الإسلامية ستأخذ العراق إذا انهزمت أمريكا ، ويستشهد التقرير ، المقاومة الأمريكية انتهت وانسحبوا من فيتنام عام 1973م ، ودخل شمال فيتنام الشيوعية ، جنوب فيتنام في أبريل عام 1975م وذلك إعلان رسمي لهزيمة أمريكا في فيتنام .

     ونرى أن الصورة كانت واضحة للولايات المتحدة الأمريكية أن نظرية الدومينو الأمريكي فشلت في فيتنام ، وبالتالي أعتقد أن الولايات المتحدة تخشى أن تفشل نظرية الدومينو الأمريكي في الشرق الأوسط ، إذا فشلوا في تطبيق تصورهم للعراق . لذلك الخطورة بالنسبة للعراق ، إذا انهزمت أمريكا فيها وانسحبت ، ستخلف وراءها حرب طائفية ربما تمتد على مستوى المنطقة ، لا سمح الله ، كما سنتناول لاحقاً من ضمن هذه الدراسة.

     ثالثاً : هل الولايات المتحدة الأمريكية لديها الأعداد الكافية من القوات البرية للسيطرة على الوضع في العراق ؟ : الانتشار العسكري الأمريكي في العالم ، من خلال خمسة أفرع عسكرية عالمية مجموعها 1.540.689 عسكري ، والقوى البرية تعتبر إحدى الأفرع المذكورة وتبلغ 500.203 جندي . ويتم توزيع تلك الأفرع المختلفة في إطار قيادات ، وعددها خمسة قيادات ، ومنطقتنا تسمى القيادة المركزية ، ونطاق مسئوليتها في الفاصل الجغرافي ، بين قيادة أوربا وقيادة الباسفيك ، وتشتمل على حوالي 27 دولة، تبدأ من دول الشاطئ الغربي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي وحتى حدود الصين الغربية ، مشتملة على كل دول وسط آسيا ، مروراً بمنطقة الخليج (الأهرام العدد 6501) . و 30% من القوات البرية الأمريكية الموزعة على العالم ، موجودين في دولة متوسطة الحجم ، علماً بأن باقي 70% جاهزة للتحرك لأي أمر طارئ في العالم ، ومجموع دول كوكب الأرض إلى الآن 200 دولة تقريباً :

     ويرى (Steven Miller , P.26)  : مشكلة الجيش الأمريكي ستقهر أمريكا في العراق ، فبعد حرب فيتنام ألغت الولايات المتحدة ما يسمى بالتجنيد الإجباري ، وبعد الحرب الباردة قلص الجيش الأمريكي أيضاً . وعدد القوات البرية الأمريكية الآن نصف مليون جندي تقريباً . وهنا حتى لو حاولت أمريكا عمل إمداد لزيادة قوة جيشها في العراق ، مثل ما فعلت في الفيتنام في أواخر الستينيات من القرن الماضي ، ستجد أمريكا أن المهمة مستحيلة ! .

     من الممكن أن تزيد الولايات المتحدة قواتها بضعة آلاف ، ولكن من المستحيل أن يصل عدد القوات الأمريكية في العراق إلى 500 ألف ، كما كان في فيتنام ، وهو العدد المستهدف لمؤيدي الحرب ، لإخماد الفتنة في العراق .

     خلاصة القول أن الولايات المتحدة لم تكسب الحرب ضد الإرهاب ، لأن المجاهدين الذين جندهم فكر القاعدة ، أكثر من الذين قتلتهم أمريكا ، لا ننكر أن القاعدة أصابها بعض التشويش ، لكن إغرائها وجاذبيتها أصبحت أقوى للشباب (The Daily Star. Nov.11th. 2006) .

     والأزمة الكبرى بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية ، فيما يسمى حربها ضد الإرهاب ، هو فقدانها للتأييد السابق ، فذكرنا في مقدمة الدراسة ، أن مستوى التأييد للرئيس بوش الابن في بداية حربه ضد الإرهاب في العراق، كان 80% من المستطلع آراءهم في أمريكا ، أما الآن فنسبة التأييد للإدارة الأمريكية ، وخاصةً الرئيس بوش الابن ، انخفضت إلى 31% ، وغير المؤيدين له وصلوا إلى 61% من المستطلع آراءهم الأمريكيين . والأسوأ من ذلك بالنسبة للإدارة الأمريكية ، هو استطلاع للرأي في أمريكا قال : من يفترض أن يضع الخطة للأمة ؟ كانت الإجابة ترى 59% الديمقراطيين في الكونغرس ، و 21% بوش ، و 7% غير متأكد (The Wall Street, Journal Dce. 14th. 2006) .

     وكذلك بسبب حرب العراق انخفضت نسبة التأييد الشخصي لتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا ، من 66% عام 1998م إلى 26% عام 2007م ، أما بالنسبة لحكومة بلير ، أيد 21% سجل الحكومة مقارنةً بـ 53% لاستطلاع للرأي أجري في عام 1998م . )www.aljazeera.net.29.Jan.2007( .

    سادساً : الدستور وفيسفاء الدولة العراقية :

     هناك بعض النقاط الإيجابية في الدستور العراقي ، يجب أن نشيد بها قبل تحليل المواد ، التي تبدو بأنها لا تساهم في وحدة العراق ، واستقراره . فأما المواد الإيجابية في الدستور العراقي )www.dastoor.org( المادة التاسعة ب : يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج القوات المسلحة ، نتمنى بالفعل حدوث ذلك بما فيها فيلق بدر ، وجيش المهدي ، والبشمرغة وتجمعات عسكرية للسنة العرب ، على أن يكون إذابة بعض أعضاء هذه الميليشيات في المؤسسة العسكرية العراقية تدريجياً ، بدون السماح لأية ميليشيات من تشكيل مراكز قوى داخل المؤسسات الوطنية الأمنية ، وذلك من الممكن أن يسهل من ، إيجاد جهاز أمني عراقي ، يمثل كل العراقيين .

     والمادة الثامنة عشرة : هذه المادة نرى أنها إيجابية في بندها الأول : العراقي هو كل من ولد لأب عراقي أو لأم عراقية ، وهذا البند في دراسة خاصة بنا عنوانها ( الطريق نحو الديمقراطية في الخليج العربي ) طالبنا ضمن شروط معينة ، إعطاء أطفال المواطنة في دول مجلس التعاون الخليجي ، جنسية دولة الأم ضمن شروط معينة ! .

     المادة الثامنة والأربعون : أراها إيجابية في الدستور العراقي ، وهي: يتكون مجلس النواب بنسبة مقعد واحد ، لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق ، يمثلون الشعب العراقي بأكمله ، يتم انتخابهم بطريقة الاقتراع العام السري المباشر ، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب العراقي .

     أما باقي مواد الدستور التي أرى أنه يجب التعامل معها بحذر :

     المادة الأولى : توضح أن العراق جمهورية نيابية ديمقراطية اتحادية (فيدرالية) ، وهذا جيد بحد ذاته ، ولكن خطورة المواد التي سنذكرها لاحقاً في حالة الفيدرالية ، ستسهل تحول العراق إلى دويلات مستقلة ، وربما متنافرة أيضاً ، لا سمح الله .

     المادة الثانية واضحة وصريحة ، بعد أن كان العراق دولة عربية قومية متعصبة ، تنازلت عن هذه الهوية وأصبح جزء منها عربي وهي كالتالي : العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وهو جزء من العالم الإسلامي ، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية . أي أصبح الشعب العربي وليست العراق جزء من الأمة العربية ، إذاً بالنسبة للقومية العربية أصبحت نتيجة الاحتلال مدمرة ، إذ فقد العرب أهم عمق في غرب آسيا ، أو كما يسمى البوابة الشرقية العربية! .

     المادة الرابعة : اللغة العربية واللغة الكردية هم اللغتان الرسميتان للعراق ، واللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان في المناطق التي يتواجدون فيها ، ولكل إقليم أو محافظة اتحادية ، لغة محلية أخرى لغة رسمية إضافية ، إذا أقرت غالبية سكانها بذلك باستفتاء عام . الملاحظ هنا أن هذه المادة تحمل بذور تفتيت العراق ، لأن كما نعرف جميعاً من بديهيات علم السياسة ، هناك مصطلح يسمى صناعة التكامل لبقاء الدول ، وغالباً هذا التكامل يعتمد على الحس المعنوي ، والحس المعنوي هو لغة رسمية واحدة للدولة ، مع لغات القوميات الأخرى ، وعلم واحد ، ونشيد وطني واحد ، ومنهج دراسي في المراحل التعليم الأساسية واحد ، وذلك كما نسميه في السياسة صناعة الانتماء ، وغالباً الدول تحاول أن تحافظ على رمز أو مجموعة رموز للدولة ، مثل في الولايات المتحدة جورج واشنطن ، وفي المملكة المتحدة الملكة اليزابيث ، وفي السعودية الملك عبدالعزيز رحمه الله ، وفي إيران آية الله الخميني رحمه الله ، وفي قطر والدنا جاسم بن محمد آل ثاني رحمه الله . أما بالنسبة للغة فأكثر الدول التي مصرة على أن تكون اللغة الرسمية لغة واحدة ، ففي الولايات المتحدة الأمريكية ، فاللغة الرسمية هي اللغة الإنجليزية ( أنجلو أمريكان ) ، رغم مطالبات الأمريكان الهيسبانيك ، اعتماد لغتهم الأسبانية كلغة ثانية في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهم يشكلون أكثر من 11% من الشعب الأمريكي ، أي أكثر من 33 مليون أمريكي ، أي الهيسبانيك في أمريكا ، أكثر من الشعب العراقي بجميع أطيافه ، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية مدركة بأن سر قوتها هو وحدتها ، وأن تعدد اللغات الرسمية في الدولة ، ستسبب نزعات انفصالية في المستقبل ، ومن الأمثلة على ذلك سكان منطقة كييبك الكندية الناطقين بالفرنسية ، وتوجد عندهم النزعة الانفصالية .

     أرجو هنا التفريق بين اللغة الرسمية للدولة ، لأن هذه اللغة ستحافظ على وحدة كيان الدولة ، وبين احترام لغات الآخرين ، سواء من المواطنين وغير المواطنين ، وسواءً من خلال التخاطب بينهم ، أو فتح مدارسهم الخاصة ، أو المحافظة على طقوسهم الثقافية .

     وأخيراً الذي يحدث في العراق ، ربما ينتقل كعدوى للمناطق الكردية في : إيران وتركيا وسوريا ، ويطالب الأخوة الأكراد ، باعتماد لغتهم كلغة رسمية في دولهم ، وبعد ذلك كل قومية في الدول المذكورة ، سيكون عندها نفس المطلب لاعتماد لغتهم القومية ، كواحدة من اللغات الرسمية في الدول المذكورة ! .

     ونرى هنا بالإمكان بقاء اللغة العربية اللغة الرسمية للعراق ، وخاصة أن نسبة القومية العربية في العراق 62% ، ورواية أخرى تقول أن القومية العربية في العراق ما بين 75% إلى 80% من سكانه . وفي نفس الوقت احترام القوميات والثقافات الأخرى وإعطاءهم حقوقهم الكاملة لتعلم لغاتهم والتعامل بها ، مع المعرفة التامة باللغة الوطنية اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم ، وخاصة أن المادة الثانية في الدستور العراقي تقول ، أن العراق جزء من العالم الإسلامي! .

     المادة السابعة : يحظر حزب البعث الصدامي في العراق ، وتحت أي مسمى كان في رأيي ، هنا من الممكن استبدالها بمصطلح يحظر أية تنظيم يخالف القانون . أما حزب البعث في دولة تعددية ، يجب أن يحترم وتحترم الأيديولوجية الخاصة بأفراده ، وذلك من ضمن مواد قانونية ، يحظر من خلالها الممارسات الحزبية المخالفة للقانون ! .

     المادة الحادية عشرة ، البند الأول : تقوم حكومة الاتحاد بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية ، مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة ، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني ، في جميع أنحاء البلاد ، مع تحديد حصة للفترة محددة للأقاليم المتضررة ، والتي حرمت منه بصورة مجحفة ، من قبل النظام السابق ، والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة ، للمناطق المختلفة من البلاد ، وينظم ذلك بقانون .

     طبعاً هذه المادة ، بتحليل عميق جداً في القسم الرابع ، بيكر هاميلتون وجدلية تطبيقه المذكور سلفاً !! . ولكن فتح هذا الملف سيفتح على جميع العراقيين باباً صعباً إقفاله ، وخاصة أن الموارد الطبيعية موزعة في العراق، فمثلاً 65% من احتياطي العراق النفطي في أقاليم الجنوب ، ولكن شريان الحياة الأهم من النفط ( نهري دجلة والفرات ) مجراهما الرئيسي يمتد من الشمال إلى الجنوب العراقي ، ماراً بوسط العراق أماكن تمركز السنة . ومن هنا من الممكن أن يجد العراقيين أنفسهم ، في يوم من الأيام يتفاوضون على مواردهم الطبيعية ، لا سمح الله ، هذا إذا لم يتحول هذا التفاوض ، لا سمح الله ، إلى حرباً شرسة ما بين العراقيين لا تبقي أخضر ولا يابس ، بسبب الموارد الطبيعية . إذاً نكرر مرة ومرتين وألف مرة ، أفضل طريقة لقسمة النفط والغاز الطبيعي ، من خلال حكومة مركزية منتخبة صالحة وتوزعه على العراق ، على أساس السكان ، مع مراعاة التنمية في الأقاليم المتضررة عند الضرورة ! .

     علماً بأن بعض النشرات أن السنة العرب في العراق 9 مليون نسمة، والسنة الأكراد في العراق 6 مليون نسمة ، والسنة التركمان مليون نسمة ، وذلك يعطي السنة 62% من سكان العراق ، وإذا أضفنا لهم مليون آشوريين نصارى ، يصبح نسبة السكان في العراق غير الشيعة 65% ، والشيعة 35% في العراق ، إذاً القوى متقاربة في العراق ، وأفضل الطرق هي الطريقة السلمية ، من خلال قسمة الموارد الطبيعية على أساس سكاني (الأهرام العربي العدد 419) .

     أما ما نشرته (The Guardian Spt. 2. 2003) عن الطوائف والقوميات العراقية ، فهو كالتالي : 52% شيعة ، و 20% سنة ، و 20% أكراد ، و 4% تركمان ، و 4% مسيحيين السريان )www.df-althani.com( .

     وأعيد وأكرر هنا ، بأنه إذا وجدت النية الصادقة للمحافظة على كيان الدولة العراقية ، فالفيسفاء العراقية هو الأمر الطبيعي للعالم ، وليست العكس والدليل على ذلك :

     لا تشكل الدول المتجانسة ، قومياً ودينياً وعرقياً ، أكثر من 5% ، من مجموع الأسرة الدولية ، أما غالبيتها العظمى ، فتعيش شكلاً من التنوع، ما بين تنوع بسيط وتنوعات كبيرة ، فيما لا يعني هذا أن التنوع وعدم التجانس ، لابد وأن يكون باعثاً على الاضطراب ، أو أن نقيضه باعثاً على الاستقرار ، فالصومال التي هي من بين الدول القليلة في العالم ، التي تحظى بتجانس قومي وديني ولغوي ، إلا أن كل هذا لم يمنعها من أن تشهد تمزيقاً واضحاً ، وحرباً وصراعات قبلية ، في حين أن الهند التي تضم أكثر من أربعمائة جماعة عرقية ، تعيش استقراراً نسبياً مقبولاً )www.df-althani.com( .

     المادة المائة وأربعة وعشرون ، أرى بأنها قريبة من المادة الرابعة ، التي تركز على تعدد اللغات الرسمية في العراق المذكورة سلفاً ، فهذه المادة (124) خرجت من إطار الفيدرالية ، وزرعت بذور تفكيك العراق ، بحيث البند الأول فيها ، ينص على : تتكون الأقاليم من محافظة أو أكثر ، ويحق لإقليمين أو أكثر أن ينتظموا في إقليم واحد ، والبند الثاني يحق لمحافظة أو أكثر ، تكوين إقليم بناء على طلب الاستفتاء … الخ .

     الملاحظة هنا وجود الآلية السهلة ، لاتحاد الأقاليم أو لتكوين أقاليم جديدة ، من الممكن أن تنضم في المستقبل ، أقاليم كبرى على بعضها البعض ، وتشكل مناطق استقطاب ذو جاذبية أقوى ، من العاصمة الاتحادية بغداد ، وخاصةً أن بغداد مثل ما ذكرنا سلفاً ، القسم الثاني ( نتائج الحرب على العراق ) بأن بغداد أصبحت مقسمة عملياً ما بين السنة والشيعة ، ومع استمرار هذا التقسيم ، سيضعف المركز أمام الأطراف ، مما يسهل تحول بعض الأقاليم العراقية إلى دول مستقلة ، وفي النهاية سيؤدي ذلك إلى تفتيت العراق ، وطبعاً هذا الأمر له عواقب وخيمة ، ليست على مستقبل العراق وحسب بل على المنطقة بأكملها !! .

     وخاصة أن النزعة الانفصالية ، موجودة أصلاً عند بعض القوى العراقية ، في أغسطس 2004م أعلن سلام المالكي نائب محافظ البصرة ، انفصال محافظات البصرة والناصرية والعمارة عن العراق ، وطبعاً هذه المشكلة سويت لاحقاً مع السيد الصدر ، ونفس هذه النزعة الانفصالية ، موجودة عند الأكراد ، ففي 26 ديسمبر 2004م سلم كاروان عبد الله عضو اللجنة العليا المستقلة ، في حركة الاستفتاء في كردستان إلى مندوبين الأمم المتحدة في العراق ، عريضة تحمل توقيع 1.7 مليون كردي تطالب بإجراء استفتاء ، حول استقلال كردستان عن العراق ، والموقعين على هذه العريضة أكثر من 68% من سكان كردستان البالغين (www.df-althani.com) .

     يجب هنا أن نتذكر دائماً ، أن الدستور العراقي مهد لقيام دولة فيدرالية عراقية ، ربما تصبح دويلات في المستقبل ، مثلاً دولة شيعية في الجنوب تضم ثلاث محافظات : البصرة وميسان والناصرية ، ودولة كردية تضم أربع محافظات كردية : ادهوك وأربيل والسليمانية وكركوك ، ودولة سنية تمثل إقليم الغرب ، تتألف من ثلاث محافظات : الأنبار ونينوه وصلاح الدين ، وهذا يعتبر تمهيد للعراق الفيدرالي ( الأهرام العربي العدد 419 ) .

     الملفت للنظر ، حتى الإدارة الأمريكية غير حاسمة حول الملف العراقي ، هل دولة واحدة ؟ أم دولة فيدرالية ؟ أم عدة دول ؟ . فالرئيس بوش من خطته لإرسال قوات إضافية إلى العراق ، لكي يحافظ على تماسك العراق ، ويقول بوش أن العراق الديمقراطي الموحد هو واحد من أهدافه ، وليس العراق المقسم إلى أقاليم طائفية . أما الخطة التي يتبناها السناتور جوزيف بايدن ، تقوم على تقسيم العراق إلى دولة فيدرالية ثلاثية ، تضم أقاليم سنية وشيعية وكردية ، وترتبط فيما بينها بروابط واهية ، مع بغداد عاصمة مركزية . ويقول ليسلي جيب الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ، إلى مساعدة العراقيين على إعادة التوطين ، أما هانلون من مركز بروكينز : على الحكومة العراقية أن توفر السكن والعمل، للجماعات التي يعاد توطينها ، كما ينبغي منها أن توفر لهم الحماية، أثناء عملية الانتقال ، وبوسع دوائر العقار الحكومية أن تساعد السنة والشيعة في عملية تبادل ملكية المنازل . أن مفتاح عملية إعادة التوطين هو اقتسام عوائد النفط ، وهي عملية يمكن أن تتم بعدة طرق ، تضمن حصول الأفراد والأقاليم والحكومة المركزية ، على الحصة الخاصة بكل منهم . ويختم هانلون أن الاختيار البوسني أفضل الحلول    Jan.11th.2007) (www.icawx.org . الصورة أصبحت واضحة بالنسبة لبعض المسئولين الأمريكيين ، وبعض المراكز التي توفر لمتخذي القرار في أمريكا الخطط والسيناريوهات المختلفة ، لتسهيل اتخاذ القرار ، بأن الحل للعراق إذا صعب إصلاحه ، هو بلقنة العراق من خلال حتى التبادل السكاني ، مثل ما حدث ليوغسلافيا والتبادل السكاني الذي تم ، ما بين البوسنيين والكروات والصرب .. الخ .

     والموافقة على تحويل الدولة إلى دويلات ليست جديدة على الولايات المتحدة الأمريكية ، فالأفكار الويلسنية لتقرير المصير ، أعاد إحياءها الأمريكان منذ عام 1918م ، بعد الحرب العالمية الأولى للعالم ( سليم ص 330 ) . واعتبرت طريقة لتسوية مشاكل الدول الجديدة ، التي نشأت على أثر انهيار الإمبراطوريات الألمانية والروسية والنمساوية والمجرية ، ويمكن استناداً لحق تقرير المصير ، إجراء استفتاء عند الضرورة للسماح للجماعات الاثنية ، بتقرير المكان الذي تنتمي إليه ( بيطي ص 601 ) .

     وفي التقرير الأمريكي لشهر نوفمبر 2006م (Measuring Stability) يوضح الوضع في أقاليم العراق ، من خلال استطلاعات الرأي ، فالسؤال الأول : ما مدى الثقة بأن الحكومة تستطيع أن تحسن أوضاع العراق ، في عام 2006م في الفترتين يوليو وأكتوبر ؟ وكانت الإجابة : الموصل يوليو 75% وانخفضت في أكتوبر إلى 25% ، وكركوك في يوليو 50% والثانية 50% ، تكريت وبعقوبة 25% في الفترتين ، وبغداد كانت 100% في يوليو وفي أكتوبر 75% ، والفرات الأوسط 100% يوليو وانخفضت إلى 75% ، والجنوب كانت 100% في يوليو وانخفضت في أكتوبر إلى 75% .

     العنصر السلبي في اختبار الثقة ، في الحكومة في الموصل وتكريت وبعقوبة منخفضة ، وفي الموصل متوسط ، وباقي الإقليم أعلى من المتوسط ، ولكن المؤشر الخطير في النتيجة ، هو أن الثقة متجهة إلى الانحسار في الحكومة ، وهذا يعتبر مؤشر خطير بالنسبة للعراق !! .

     والسؤال الثاني : كيف تشعر باستقرارك في منطقتك ؟ الإجابة : في الجنوب 96% مستقر و 4% غير مستقر ، الفرات الأوسط 97% مستقر ، تكريت ويعقوبة 19% مستقر ، الموصل 40% مستقر ، كردستان 94% مستقر ، وبغداد 26% مستقر . والواضح من ضمن نتيجة الاستبيان هنا ، أن المناطق التي معظم سكانها من الشيعة في الجنوب تشعر بنسبة استقرار عالية ، وكذلك كردستان تشعر بنسبة استقرار عالية ، والفرات الأوسط يشعر بنسبة استقرار عالية ، وتقريباً نفس المناطق التي ثقتها منخفضة في الحكومة في النتيجة أعلاه ، تشعر أيضاً بعدم الاستقرار مثل : تكريت وبعقوبة وكركوك والموصل ويضاف لهم بغداد .

     والسؤال الأخير : ما مدى أن الحكومة العراقية تستطيع أن تحميك وعائلتك من التهديدات ؟ .

    في أغسطس كانت النسبة 47% ، وفي أكتوبر الثقة بحماية الحكومة للشعب العراقي انخفضت إلى 36% (Measuring Stability) .

     خلاصة القول تفتيت الدول دائماً ، تلعب فيه مجموعة عوامل منها ما هو محلي ، وما هو إقليمي ، وبعضها عالمي ، فالرئيس الباكستاني مشرف يقول : عندما انفصلت باكستان الشرقية عن باكستان الغربية ، أسبابه المحلية رئيس باكستان يحيى خان قام بسجن مجيب الرحمن زعيم حزب عوامي ، المدعوم من شرق باكستان ( بنغلاديش ) ، وشعب باكستان الشرقية قام بثورة بدعم من الهند ( عوامل إقليمية ) ، ودعمت الهند المقاومة في باكستان الشرقية . وبعد ذلك يحيى خان عين بوتو نائب رئيس وزراء ووزير خارجية ، وأرسله لمجلس الأمن لتقديم طلب مشروع قرار لإيقاف الحرب مع الهند المدعومة بحليفتها الاتحاد السوفيتي ( عوامل عالمية ) وفي نفس الوقت الولايات المتحدة حليفة باكستان ، لم تقدم دعم لباكستان (عامل عالمي) ، وتقدمت بولندا بمشروع قرار رفضه بوتو ، وكان من الممكن عدم رفض هذا القرار ، أن يساعدنا بالاحتفاظ بباكستان الكبرى . ولكن الاعتقاد السائد ، أن بوتو يفضل انفصال باكستان ، لكي يحتفظ بالسلطة في باكستان الغربية ( عوامل محلية ) . ومن هنا باكستان الشرقية أصبحت بنجلاديش (Musharraf PP.158,159.) . هذا الموضوع يوضح لنا أن تفكيك الدولة ، تلعب فيه مجموعة عوامل منه ما هو محلي ، والآخر إقليمي ، وأحياناً عالمي .

     يقول الرئيس مشرف : أن يوم انفصال باكستان ، هو اليوم الذي بكى فيه مشرف ، ويضيف مشرف أن باكستان كانت أكبر دولة إسلامية ، وخامس أكبر دولة في العالم من الناحية السكانية ! .

    سابعاً : العراق مفتاح الشرق الأوسط :

     الغريب في الأمر من خلال متابعتنا لاستراتيجية منطقة الشرق, وجدنا أن العراق أهم المحاور الاستراتيجية ، للسيطرة على المنطقة ، ويتفق في ذلك بأن أهم محور للسيطرة على المنطقة ، النظريات الدينية والعلمانية ، والأمر المدهش حقاً هو ، بأن أهمية العراق أو بلاد ما بين النهرين منذ فجر التاريخ البشري على الأرض ، لم تتناقص ، علماً بأنها في بعض مراحل التاريخ ، تكون العراق صانعة القرار العالمي ، وبعضه تكون مستهدفه ، من صانع القرار العالمي ، ولكن أهميتها وأكرر عبر التاريخ ، باقية كما هي . وفي تاريخنا المعاصر ، هناك جدل كبير حول امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ، ومراكز الجدل تدور حول الاحتلال الأمريكي للعراق ، هل هو لأهداف دينية أم أهداف علمانية ؟ .

     أولاً : أهداف دينية : الإدارة الأمريكية الجديدة ، يطلق عليهم اسم المحافظون الجدد ، أو المسيحيين المتصهينيين ، وأهم أهداف الصهيونية المسيحية ( فقيه ص 19 – 20 ) :
    1- أن اليهود هم شعب الله المختار .
    2- أن الله وعد اليهود وملكهم أرض الميعاد من الفرات إلى النيل .
    3- أورشليم القدس عاصمة أبدية لشعب الله المختار .
    4- إعادة بناء هيكل سليمان .
    5- التمهيد ليوم الرب العظيم وهي إبادة كل الشعوب التي تقف في وجه الصهيونية المسيحية اليهودية وما يسمى معركة هر مجدون سنذكرها لاحقاً .
    6- التمهيد لعودة المسيح الثانية .
    7- انتشار السلام 1000 عام في مملكة المسيح .

     وللذكرى بأن التيار الذي ساهم في ، فوز الرئيس بوش في دورتين رئاسيتين ، هو أصوات اليمين المتطرف ، فمثلاً في عام 2000م بفضل 54% من الأصوات حصل عليها الرئيس بوش من اليمين المتطرف ، أو ما يسمى بالأصولية المسيحية أو الصهيونية المسيحية ، ففي الولايات المتحدة حوالي 77 مليون بروتستنتي ينتمون إلى 200 طائفة ، وأكثر هذه الطوائف وأكبرها هي الطائفة التدبيرية ، التي يبلغ عددها 40 مليون تقريباً، وتعرف باسم الأنجلو ساكسون البيض ، وهذا التيار هو ما يسمى بالتيار الصهيوني المسيحي ، ومنه يبرز أهم القادة والشخصيات ، سياسياً وعسكرياً وإعلامياً في المجتمع الأمريكي ( فقيه 19 ) .

     ومن الأفكار التي يؤمن بها المحافظين الجدد ، هو كما يقول الكاتب التوراتي هال ليندسي : إن إسرائيل هي الخط التاريخي، لمعظم أحداث الحاضر والمستقبل ، ويضيف نفس الكاتب : فكروا في ما لا يقل عن 200 مليون جندي ، من الشرق الأوسط مع ملايين من قوات الغرب يقودها أعداء المسيح ، من الإمبراطورية الرومانية المستحدثة ( أوربا الغربية ) (فقيه ص 36 ) . ويضيف هنا الكاتب ليندسي : عندما تصل الحرب الكبرى إلى هذا المستوى ، بحيث يكون كل شخص تقريباً قد قتل ، تحين الساعة اللحظة العظيمة ، فينقذ المسيح الإنسانية من الاندثار الكامل . وفي هذه الساعة ، سيتحول اليهود الذين ينجون من الذبح إلى المسيحية ( فقيه ص 37 ) .

     وينقل فولويل عن اصحاح زكريا : ستجتمع في منطقة الشرق الأوسط الملايين المتعددة ، من الرجال بحيث يصل عددهم إلى 400 مليون، بدون أي شك من أجل المأساة النهائية للإنسانية ( فقيه ص 44 ) .

     نرجو هنا من المهتمين في نظرية هرمجدون ، سيكون عدد المقاتلين بمنطقة الشرق الأوسط ما بين 200 إلى 400 مليون مقاتل ، والدولة العالمية ( الولايات المتحدة الأمريكية ) ، مجموع قياداتها الخمس الموزعة على الكوكب بأكمله ، لا تزيد على 1.5 مليون مقاتل ، إذاً من أين سيأتي 400 مليون مقاتل في منطقتنا ويتقاتلون ، إلى أن يفنون أنفسهم جميعاً ؟ إجابة هذا الموضوع : سأتطرق له لاحقاً في القسم التاسع من هذه الدراسة تحت عنوان ( السيناريو البديل لحفظ الإمبراطورية ) .

     ربما يستغرب البعض هذا الأمر ، ولكن ما ذكر أعلاه هو الأقرب من الحقيقة ، فبعض المتدينين الأمريكيين يقولون ، أن أمريكا هي وطن الله، وهذا وعي قديم وراسخ الجذور ، منذ هروب الكالفيين أتباع المصلح كلفن على الباخرة ماي فلاور عام 1620م ، الذين اعتبروا أنفسهم حجاجاً إلى وطن الخلاص . أو إلى مملكة الرب ، وهذا الوعي التاريخي ، هو الذي عمل على منع الفصل بين الدين والدولة في أمريكا ، وعلى هذا الأساس سيطر الدين على الدولة في أمريكا ، منذ ذلك الوقت حتى الآن ( فقيه ص 107 ) .

     والدليل على ذلك ، نسبة المؤمنين بالله في أمريكا ، تصل إلى 95% من السكان ، وهي أكبر نسب التدين في العالم ، أو على أقل تقدير في دول الشمال والغرب واستراليا ، والدول المتقدمة بشكل عام ، والدليل على ذلك في أوربا ، قد لا تصل النسبة إلى 65% ، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتوي على ، أكبر عدد من الكنائس في العالم ، حيث أن هناك كنيسة لكل 865 مواطناً . وهو ما وصفه معهد جالوب للاستطلاعات ، تعليقاً على استطلاع كان قد أجراه في مايو 2002م ، بأن ذلك حقيقي لأنه توجد رغبة عميقة إلى الاتجاه للشئون الروحية . فهي حالة من الظمأ إلى الله ، فبينما يصل عدد الأمريكيين الذين يذهبون إلى الكنيسة مرة واحدة في الأسبوع 70% على الأقل ، تصل النسبة إلى 20% فقط في أوربا الغربية، و 14% في أوربا الشرقية ( فقيه 107) .

     وفي استطلاع للرأي آخر ، قامت به إذاعة (BBC.2004) ، عن التعصب الديني في كلٌ من ، الولايات المتحدة وبريطانيا ، أظهر استطلاع الرأي أن 50% من الأمريكيين المستطلع آراءهم متدينيين ، وأن بريطانيا الأقل تديناً ، وكذلك 50% من الأمريكيين الذين مستطلع آراءهم يذهبون للكنائس ، وفي المقابل 11% من البريطانيين المستطلع آراءهم يذهبون للكنائس فقط ، ونسبة البريطانيين الذين يؤمنون بالله ، هبطت من 77% عام 1968م إلى 44% عام 2005م ( الخازن ص 27 ) .

     النقطة التي يفترض أن نتوقف عندها ، في هذا القسم من الدراسة ، قال هال ليندي أن 200 مليون مقاتل من الشرق الأوسط ، بقوا هم أعداء المسيح من الإمبراطورية الرومانية المستحدثة ( أوربا الغربية ) ، والنتيجة أعلاه توضح ، أن نسبة المتدينين في أوربا قليلة حيث تصل ما بين 20% إلى 14% ، فإذاً الأوربيين من الليبراليين والكاثوليك والأرثوذكس المسيحيين ، ربما يعتبرهم بعض مفكري المحافظين الجدد ، بأنهم أعداء الرب ، وأنهم أيضاً سيشاركون في قتال مع وضد الطوائف الإسلامية المختلفة .. الخ . أن يفني الجميع نفسه بنفسه ، ومن ثم يصبح النصر للمحافظين الجدد ، ويتحقق تصورهم لنهاية التاريخ كما ذكر سلفاً !! .

     توجد ملاحظة يجب أن ألفت الأنظار لها هنا ، وهي بأنه من خلال بحثنا العلمي ، حاولنا أن نضع أفكار المحافظين الجدد ، من ضمن السيناريوهات الاستراتيجية النظرية الغير واجبة التطبيق ، ولكن كلما تعمقنا في البحث ، في التصور الديني للمحافظين الجدد ، أجد ما ذكر أعلاه أكثر من كلام مرسل ، بل حتى أكثر من تصورات استراتيجية ، بل الواضح إلى الآن ، ذلك يمثل حقائق دينية ، يحاول صقور الإدارة الأمريكية تطبيقها على العالم .

     فمثلاً نظرية المحافظين للخروج باستنتاجات مختلفة ، فمثلاً ما يسمى بالفريق بي ، قام البروفيسور ريتشارد بايبس ومساعده وولفيتز ، في عام 1976م درس معلومات ( سي آي أيه ) لرؤية ، إن كان لخبراء الفريق الخروج باستنتاجات مختلفة . بكلام آخر ، حاول خبراء الفريق دخول عقل القادة السوفيت ، لمعرفة حقيقة نياتهم . فلم يجد الفريق بي أي دليل على وجود أنظمة أسلحة جديدة ، خصوصاً تلك التي تستطيع تتبع الغواصات النووية الأمريكية ، من طريق السمع . وكانت النتيجة أنهم بدل أن يقرروا أن الاتحاد السوفيتي لا يملك أسلحة تهدد فعلاً أمن الولايات المتحدة ، قرروا أن عدم اكتشاف مثل هذه الأسلحة ، دليل على أنها متطورة إلى درجة أن الخبراء الأمريكيين لا يستطيعون اكتشافها ( الخازن ص 18 ) .

     وأعاد التاريخ نفسه مع الحرب على العراق ، فالأسلحة الممنوعة غير موجودة ، والعلاقة مع القاعدة لم تقم يوماً ، ولكن حتى هذا اليوم ، لا يزال الرئيس بوش ونائبه ، ورامسفيلد وحلفاءهم من المحافظين الجدد ، يصرون على خطر أسلحة غير موجودة ، بل على العلاقة مع القاعدة (الخازن ص 19 ) .

     الأغرب من الذي ذكر أعلاه ، هو بأن وصل جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض ، بتكليف من الله ، فالقس مارك عريغ يذكره بقصة حديث الله مع موسى عليه السلام في سفر الخروج ، ويقول أن أمريكا عطشى لقيادة مؤمنة بالله ، ووالدته بربارة بوش تقول له ( إن الله يحدثك ) . ويقول الأستاذ جهاد الخازن ، بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في يونيو 2003م في العقبة قال له : بأن الرئيس بوش أخبره ، بأن الله أمره بقتال طالبان ففعل ، والله أمره بمحاربة صدام حسين ففعل ( الخازن ص 22 ، 23 ) .

     وهنا يجب أن ننبه بأن مطالبة المحافظين الجدد ، بتصفية صدام واحتلال العراق ، كانت موجودة قبل أحداث 11 سبتمبر 2001م في أمريكا بسنوات .

     ففي رسالة موجهة للرئيس كلينتون في 26 يناير 1998م ، طالب المحافظين الجدد بالتالي : أن الفترة المطولة ، التي لم يكن بإمكان المفتشين خلالها ، دخول كثير من المنشئات العراقية ، قللت كثيراً من إمكان كشفهم أسرار صدام . وبالنتيجة ، لن يكون بإمكاننا في المستقبل غير البعيد ، أن نحدد بمستوى معقول من الثقة ، إن كان في حيازة العراق أسلحة أم لا؟ وعلى المدى القريب ، فإن ذلك يعني الاستعداد للقيام بعمل عسكري ، بما أن الدبلوماسية فشلت بشكل جلي . أما على المدى البعيد ، فإنه يعتبر إقصاء صدام ونظامه عن السلطة . وهذا يجب أن يصبح الآن ، هدف السياسة الخارجية الأمريكية ( الخازن ص 128 ، 129 ) .

     أما رسالة المحافظين الجدد إلى الرئيس بوش ، لإزاحة صدام في 20/9/2001م ، وكأن اعتداء سبتمبر أتى إلى أمريكا من العراق ، والدليل على ذلك أن اهتمام المحافظين الجدد لاحتلال العراق ، حتى أهم من الانتقام من الذين اعتدوا على أمريكا ، في سبتمبر 2001م ، والملاحظ أن مطلب المحافظين الجدد لاحتلال العراق ، تحت أية ذريعة ، وذلك شبيه بأسلوب استنتاجاتهم المختلفة ، التي استخدموها مع الاتحاد السوفيتي ، ذكرت سلفاً . وكان النص الذي يخص العراق في رسالة المحافظين الجدد هو التالي :

     أن صدام حسين يشكل أحد أبرز الإرهابيين على وجه الأرض . وقد يكون أن الحكومة العراقية ساعدت بشكل ما في الهجوم الأخير على الولايات المتحدة ، لكن حتى لو لم تربط الأدلة المباشرة ، بين العراق والهجوم ، فإن أي استراتيجية تهدف إلى ، القضاء على الإرهاب ورعاته ، يجب أن تشمل جهوداً حاسمة ، لإزالة صدام حسين من السلطة ( الخازن ص 131 ) .

     ظهرت بعض التقارير الحديثة ، التي تقول بأن المجتمع الأمريكي فعلاً مجتمعاً متديناً ، ومنها يركز ، بأن الفوز الأخير للحزب الديمقراطي ، في السلطات التشريعية الأمريكية ، ما كان ليتم لو لم يتبنى الديمقراطيين ، برامج عمل الجمهوريين ، في مجالين اثنين الأمن والدين ( جريدة الخليج الإماراتية 6/1/2007م ) .

     وهذا يذكرنا بحزب العمال البريطاني ، ما كان ليرجع للسلطة في بريطانيا ، لو لم يتبنى بلير وبراون اقتصاد السوق الحرة ، والخصخصة في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، وهذا البرنامج أصلاً ، كان برنامج المحافظين !! .

     وبعد تعديل الديمقراطيين في أمريكا ، بعض برامجهم ، أدى ذلك لفوزهم فوزاً كاسحاً على الجمهوريين ، في المجالس التالية : ففي مجلس النواب 229 مقعد للديمقراطيين ، و 196 مقعد للجمهوريين ، وفي مجلس الحكام 28 مقعداً للديمقراطيين و 22 للجمهوريين ، وفي مجلس الشيوخ 49 للديمقراطيين و 49 للجمهوريين ، بعد أن كان مجلس الشيوخ في الانتخابات السابقة 55 للجمهوريين و 44 للديمقراطيين ، ولكن في الانتخابات التشريعية الأمريكية لعام 2006م ، تعادل الديمقراطيين مع الجمهوريين في مجلس الشيوخ ، وذلك يعتبر فوزاً كاسحاً للديمقراطيين على الجمهوريين ، عندما نأخذ مجموع المجالس الثلاثة ( نيوزويك العربية العدد 335) .

     وهذا الأمر أربك إدارة بوش ، وأصبحت تبحث عن مخرج سريع من العراق ، ويحفظ في الوقت نفسه للإدارة ماء الوجه ، وكذلك يحقق بعض أهداف الإدارة الحالية ، إذا لم يكن كلها ! . وهناك تكمن الخطورة ، لأن علاج كارثة العراق ، تحتاج تأني ودقة في اتخاذ القرار ، ومشاركة جهات متعددة لإزالة نتائج الاحتلال عن العراق .. الخ .

     ولكن كيف تستطيع الجهات المتعددة ، المشاركة لإنقاذ الموقف في العراق وإنقاذ الشعب العراقي من الحرب الأهلية ، والتفتيت ، وإنقاذ أمريكا من المستنقع العراقي ، وهذا ما يقوله بعض رموز أمريكا عن الإسلام ، باتريك بوكانان مرشح الرئاسة الأمريكية ، آخرها عام 2000م من ضمن قائمة مرشحين الحزب الجمهوري قال : من حيث المادة الغرب متفوق . مهما قلنا أن التفوق المادي ، لم يمنع انهيار الإمبراطوريات الغربية ، كما لن يمنع سقوط الإمبراطورية السوفيتية . وإذا كان عامل العقيدة حاسماً ، فإن الإسلام نضالي حركي ، بينما المسيحية جامدة ، والإسلام ينمو بينما المسيحية تذبل . المحاربون المسلمون مستعدون لمواجهة الهزيمة والموت، بينما يتحاشى الغرب تكبد الخسائر . ويضيف قائلاً لا تستهينوا بالإسلام ، إنه الديانة الأسرع انتشاراً في أوربا ، وقد تجاوز المسيحية عبر العالم . وبينما تقترب المسيحية من نهايتها في الغرب ، وحيث الكنائس فارغة تتوسع وتمتلئ المساجد . ويضيف قائلاً وهنا حسب رأيي هو مكمن الخطورة : لكي تهزم عقيدة ، فإنك تحتاج إلى عقيدة . ما عقيدتنا نحن ؟ النزعة الفردية ، الديمقراطية ، التعددية ، الحياة الرغيدة ؟ هل بإمكانهم التفوق على عقيدة ، لها 14 قرناً من الوجود ، وهي الآن تنهض مرةً أخرى؟ ( طحان ص 116 ، 117 ) .

     تعليقنا هنا ، لماذا الفكرة لدى بعض رموز القيادات الأمريكية ، دائماً تأخذ بالنظرية السياسية الرقمية ، أو ما تسمى المعادلة العنصرية ، لماذا لا يفكر الأمريكان بتعايش الحضارات ، فديننا الإسلام دين يحث على تعايش الحضارات ، والدليل على ذلك في دستورنا القرآن الكريم في سورة الكافرون : ( لكم دينكم ولي دين ) صدق الله العظيم ، هذا بالنسبة للكافرون، فما بالك بالنسبة لأهل الكتاب ، فديننا الإسلامي أباح لنا مصاهرتهم ، وتناول طعامهم .. الخ ضمن حدود معينة !! .

     العملية الخطيرة ، إذا حاول المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية ، السيطرة على المنطقة تحت مبدأ النظريات الدينية ، فذلك لن يصب في صالحهم ولا في صالحنا ، لأن حوار إحلال دين بدين آخر، أو إحلال ثقافة بثقافة أخرى ، أو هزيمة دين لدين آخر ، نتيجته ستكون تصادم ديني ، ما بين المحافظين الجدد في أمريكا وأصحاب الديانات الأخرى ، وعلى رأسهم المسلمين .

     وإذا كان الأخوة المحافظين الجدد في أمريكا ، يقولون ما ذكر أعلاه في كتبهم الدينية وثقافاتهم عن ديننا الإسلام ، وأيضاً عندنا نحن المسلمين أحاديث دينية موثقة عن رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قال : (تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر : يا مسلم هذا يهودي ورائي فأقتله ) ( أبي عيسى ص 613 ) . لذلك كرجل سياسة لن أخوض في هذا الأمر كثيراً ، ولكن سأتركه لعلماء المسلمين والديانات الأخرى ، للتقريب ما بين الحضارات ، والعمل على التنسيق ، لإيجاد آلية معينة للتعايش ما بين الثقافات . أعتقد أن كوكبنا لا يستحق كل هذه النزاعات والصراعات، فنظامنا الشمسي بأكمله الذي ننتمي له يعتبر واحداً من مئات الملايين من النظم الشمسية التي تضمها المجرة ( سكة التبانة ) . ونظامنا الشمسي يحتوي على 99.87% من الحجم الكلي للمجموعة الشمسية ، وما تبقى من المجموعة الشمسية ، من كواكب وأقمار ومذنبات وسدم ، لا تساوي أكثر من 0.13% من حجم المجموعة الشمسية ، ومن إحدى هذه النسب كوكبنا الأرض ، الذي أشبعناه صراعات ، منذ هبوط أبونا آدم على كوكب الأرض ( شرف ص 21 ، 23 ) .

     فالحديث الشريف يقول : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ( الدمشقي ص 139 ) .

    ثانياً : الأهداف العلمانية الأمريكية في الشرق الأوسط ( العراق ) :

     أوضح تقرير استراتيجية الأمن القومي ، الذي أصدره البيت الأبيض في 20 سبتمبر 2002م ، هو بيان عن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى ، في عالم ما بعد 11/9/2001م ( الخازن ص 111 ) .

     الهدف الأول : تدعو إلى عمل عسكري استباقي ، ضد الدول المعادية والجماعات الإرهابية ، التي تسعى إلى تطوير أسلحة دمار شامل .
    ثانياً : إعلان الولايات المتحدة ، لن تسمح بتحدي قوتها العسكرية العالمية ، من جانب أي قوة أجنبية .
    ثالثاً : أنه فيما يعبر التقرير ، عن التزامه التعاون الدولي المتعدد الأطراف ، فإنه يوضح أن الولايات المتحدة لن تتردد ، في التصرف وحدها إذا اقتنعت الضرورة ، من أجل الدفاع عن المصالح القومية والأمن.

     رابعاً : أن استراتيجية الأمن القومي تهدف إلى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان حول العالم ، خصوصاً في العالم المسلم .

     هنا نستطيع أن نجد تبرير للأهداف أعلاه ، بأنها أهداف علمانية إمبراطورية ، وإذا كنا نريد أن نتعامل معها بلهجة أقوى نقول ، بأنها أهداف إمبريالية ، وإن كانت لا تخلو من التلميحات الدينية ! . ولكن لو ركزنا عليها ، بأنها أهداف علمانية ، فربما البعض حتى من المسلمين يجد تبريراً لذلك ، بأن الولايات المتحدة كدولة عالمية ، تحاول أن تحافظ على قطبيتها الأحادية ، في العالم إلى أطول وقت ممكن ، حتى لو تطلب هذا الأمر ، استخدام العنف أحياناً ، وطبعاً كل ذلك مرفوض عالمياً ، وسيقود إلى دمار الكوكب بأكمله ، ولكنه يبقى أيضاً أرحم للبشر ، ولكوكب الأرض من استخدام التبريرات الدينية في الصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ! . يجب أن أذكر هنا بأنه في العلوم الاستراتيجية لإعداد القوات المسلحة للأمور الطارئة ، يجب على المخططين أن يستخدموا ، مصطلح من هو العدو ؟ . وذلك لكي يسهل على المخططين من تصميم قوة ، تتناسب مع العدو للتعامل معه ، واحتوائه في حالة الأزمات . ونرجو هنا مراراً وتكراراً ، أن لا تكون الاستراتيجية الأمريكية بعد سقوط المعسكر الشيوعي : من هو العدو الذي يجب الإعداد له ؟ نرجو أن لا يكون العدو الذي تخطط أمريكا لمواجهته هو الإسلام .

     في ندوة قدمتها لجامعة قطر في 17 ديسمبر 2003م ، قلنا في حالة نجاح المخطط الأمريكي في الشرق الأوسط ، سيتحقق لها التالي :

    أولاً  : تمتلك 80% من نفط العالم وما يزيد على 35% من الغاز الطبيعي في العالم بطريقة مباشرة وغير مباشرة .
    ثانياً : تسيطر على جميع الممرات في العالم البرية والبحرية والجوية .
    ثالثاً : إعادة تشكيل الشرق الأوسط ، تحت قيادة إسرائيل كما أوصى بذلك بيريز وأسلافه من قبله .

     والنتيجة أعلاه سيسهل على أمريكا قيادة العالم ، ربما لأكثر من 50 سنة قادمة ، والله أعلم ! .

    ثامناً : واجبات المحتل :

     طبعاً الولايات المتحدة كدولة عالمية ، مدركة بطريقة غير قابلة للتشكيك ونافية للجهالة ، ما هي واجبات المحتل ؟ . والدليل على ذلك عندما وضعت خارطة الطريق ، وكان هناك احتمال أن تتحرك عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية ، سارعت مؤسسة راند في الفترة 2002م – 2004م بتصميم أنموذج البنية التحتية للدولة الفلسطينية ، بعد انتهاء عملية السلام وتوقيع اتفاقيات السلام ، وكان هذا التصميم للبنية التحتية الفلسطينية، ويركز على ربط المناطق الفلسطينية في حالة مرورها من ضمن أراضي محتلة لإسرائيل ، مثل الربط ما بين الضفة الغربية وغزة ، وكان التصميم كالتالي : وكان التخطيط العمراني للدولة الفلسطينية التي كان متوقع إنشائها يشتمل على مراكز السكان الكبرى ، والطرق الرئيسية ، والأراضي المرتفعة . ومن ثم قامت الخطة بمراجعة ، كيف الفلسطينيين تكدسوا في القرى على طول التلال الغربية ، حيث سقوط الأمطار أكثر غزارة ؟ . ووضع تصور أن يمتد طريق السكة الحديدية السريع 18 ميلاً على امتداد تلال الضفة الغربية ، يربط بين جنين في الشمال مع الخليل في الجنوب ، وأن ينساب الطريق الحديدي فيما بعد مثل قوس عبر صحراء النقب ، ليربط بين الضفة الغربية إلى قطاع غزة ، وعبر حوالي 130 ميلاً وينشأ ربط بين المقاطعتين الأساسيتين في الاقتصاد الفلسطيني ، وعلى طول السكة الحديدية ( الأهرام العربي العدد 435 ) .

     وضعنا البرنامج المذكور أعلاه ، لكي نوضح بأنه عندما ذهبت الولايات المتحدة للعراق ، هناك احتمال كبير كان لها تصور لإعادة تخطيط وبناء البنية التحتية للعراق ، بعد احتلالها بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة ، وخاصةً أن دورها حول مساعدة العراقيين ، سيكون قانوني لأن هذا الدور يعتبر من واجبات المحتل ، نحو الدولة المحتلة . وخاصةً أن أمريكا حاولت مساعدة الفلسطينيين ، علماً بأنهم يقبعون تحت الاحتلال الإسرائيلي ، لا الاحتلال الأمريكي مثل ما هو حادث للعراق الآن .

     والدليل على ذلك ، عندما دخلت الولايات المتحدة إلى العراق دخل مع أساطيلها العسكرية ، كان يرافقها أساطيل شركة بكتل الهندسية الأمريكية العالمية ، ووظفت الشركة ما يقارب 40 ألف موظف ، كان جلهم من العراقيين ، وأسند إليها بمشاريع 2.3 مليار دولار ، وكان مجموع المشاريع التي حصلت عليها بكتل في العراق 100 مشروع أنجز منهم 98 مشروع وبقي مشروعين فقط ، عندما أعلنت انسحابها ، وكانت هذه المشاريع ، إعادة ترميم وبناء الطرق ، الجسور ، ومحطات المياه ، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية ، وترميم وبناء المستشفيات .. الخ . ولكن بكتل كما ذكرنا أعلاه ، بعد ثلاث سنوات من العمل المضني ، أعلنت انسحابها وأوعزت ذلك إلى التردي المستمر للأوضاع الأمنية ، مما أدى إلى قتل 52 من موظفيها وإصابة 49 موظف (BBC. News. Nov. 20th  2006) .

     الآن ، نحن أمام مسألة قانونية : هل انسحاب بكتل يعفي الولايات المتحدة الأمريكية من أداء واجبات المحتل نحو العراق ؟ . طبعاً القانون يرفض ذلك ، لأن أمريكا احتلت العراق ، وأنهت وجود جميع السلطات العراقية قبل الاحتلال ، ونتج عن ذلك فراغ أمني وسياسي في العراق ، وهنا على الولايات المتحدة إصلاح هذا الخلل الذي أصاب العراق وأهله قبل التفكير في الانسحاب ، وكذلك هناك مؤشر خطير على مستقبل القوة الأحادية للولايات المتحدة في حالة الانسحاب ، كدولة مذعورة مثل ما حدث مع الاتحاد السوفيتي بعد هزيمته في أفغانستان عام 1988م ، وإنهاء الاتحاد السوفيتي عام 1990م ، انتهت الحرب الباردة ما بين القطبين العالميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي . وأصبحنا في عصر القطبية الأحادية العالمية للولايات المتحدة الأمريكية ، منذ عام 1990م . والذي قلناه هنا حتى المستطلع آراءهم الأمريكان : هل النجاح الأمريكي مهم في العراق ؟ أجاب 80% من المستطلع آراءهم أن النجاح الأمريكي مهم في العراق ، رغم أن 62% من الأمريكيين المستطلع أرائهم قالوا : أن الحرب لا تستحق الذهاب إليها . هذا يوضح أن الأمريكيين اقتنعوا الآن ، ن احتلال العراق لا يستحق التضحيات التي قدمت له ، ولكن في الوقت نفسه بما أنهم تورطوا في العراق ، فلا بد لهم من النجاح هناك . والدليل على ذلك المستطلع آراءهم بعد تقرير بيكر هاميلتون ، ووضع لهم سؤال ، هل تؤيد الانسحاب الأمريكي خلال الفترات التالية ؟ 2% فقط أيد الانسحاب المباشر، وأقوى عينة أيدت الانسحاب خلال ستة شهور ، وكانت هذه العينة 30% من المستطلع آراءهم ، والعينة التي تليها أيدت الانسحاب الأمريكي ما بين ستة شهور إلى سنتين ، و 14% من الأمريكيين مع الانسحاب الأمريكي من العراق في فترة أطول من سنتين (USA. Today No.4649) .

     الاستطلاعات المذكورة توضح لنا أن الجماهير الأمريكية مع الانسحاب ، ولكن خلال ترتيبات خاصة ، ربما تفكيرهم لا يكون أثرها سلبي عليهم !! .

     وأخيراً سنتطرق بطريقة مقتضبة ، على الواجبات القانونية للسلطات المحتلة . (www.icrc.org.jan.1st.2007) :

     نجد واجبات السلطة المحتلة موضحة في اتفاقية لاهاي لعام 1907 (المواد 42 – 56 ) ، وفي اتفاقية جنيف ( المواد 27 – 34 و 47 – 78)، وفي أحكام البروتوكول الإضافي الأول . أما الاتفاقات التي تعقدها السلطة المحتلة مع السلطات المحلية ، فلا يمكن أن تحرم سكان الأراضي المحتلة ، من الحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني ( المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة ) . ولا يجوز للأشخاص المحميين أنفسهم ، التنازل عن حقوقهم ( المادة 8 من الاتفاقية الرابعة ) : وهنا سنعرض النقاط التي تعتبر مهمة بالنسبة للموضوع العراقي ، فالقواعد الرئيسية للقانون المنطبق على الاحتلال هي التالية :

    1- لا يكتسب المحتل السيادة على الأراضي .
    2- الاحتلال ليس إلا حالة مؤقتة ، وحقوق المحتل تنحصر في تلك الفترة .
    3- على المحتل أن يحترم القوانين القائمة التي تبقى سارية المفعول ما لم تكن مناقضة للمعايير الدولية أو تهدد المحتل .
    4- على القوة المحتلة أن تتخذ الإجراءات اللازمة لإعادة النظام العام والأمن وضمانها إلى أقصى قدر ممكن .
    5- على القوة المحتلة أن تؤمن الصحة العامة والشروط الصحية وأن توفر ، بأقصى ما تسمح به وسائلها ، الأغذية والعناية الطبية .
    6- لا يجوز إرغام المدنيين في الأراضي المحتلة على الخدمة في قوات المحتل المسلحة .
    7- يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للسكان داخل الأراضي المحتلة أو خارجها .
    8- تحظر العقوبات الجماعية .
    9- يحظر أخذ الرهائن .
    10- تحظر عمليات الانتقام ضد الأشخاص المحميين أو ممتلكاتهم .
    11- تحظر مصادرة الممتلكات الخاصة من جانب المحتل ( إلا لأسباب عسكرية قهرية ) .
    12- يحظر تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة ( إلا إذا اقتضت ذلك أسباب عسكرية قهرية ) .
    13- يجب احترام الممتلكات الثقافية .
    14- يجب أن توفر للمتهمين بفعل إجرامي جميع الضمانات القضائية (يجب أن يبلغوا سبب توقيفهم ، وأن توجه تهمة إليهم ، وتوفر لهم محاكمة عادلة في أسرع وقت ممكن ) .
    15- يجب السماح لموظفي الحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر القيام بأنشطتهم الإنسانية .

     المواد أعلاه ومواد قانونية أخرى ، لا مجال لذكرها هنا ، على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحققهم لضمان ، أمن وسلامة الشعب العراقي ، ووحدة وطنه قبل انسحابها ، ولكن إذا لم تتحقق هذه المواد ، وشعرت الولايات المتحدة أنها تتعرض لحرب استنزاف ، طبعاً مراكز التخطيط الاستراتيجي ، ستقدم للولايات المتحدة مجموعة سيناريوهات ، وبعضها يعتبر مركب للمنطقة بأكملها ، وليست للعراق فقط .

    تاسعاً : السيناريو البديل لحفظ الإمبراطورية الأمريكية :

     ربما يكون البديل للمساهمة لإخراج الإمبراطورية الأمريكية ، من المستنقع العراقي ، هو التعاون مع حلفاء أمريكا من الأنظمة الاتوقراطية في المنطقة ، ولكن حتى هذا البديل ، لا يعتبر مصدر ثقة وراحة بالنسبة للأمريكيين ، يقول روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى : أن الدرس الذي تعلمناه خلال الجيل الماضي ، هو أن الدول العربية في الشرق الأوسط ، ازدادت قوة لا ضعفاً . ويرجع السبب في ذلك حقيقة ، أن الزعماء العرب مهتمون بالبقاء في أماكنهم في المقام الأول ، ولذلك فهم يعملون بشكل دائم ، لحماية كراسيهم ومصالحهم ، ولا يشغلون أنفسهم كثيراً ، ما يحدث عن الرومانسيات الأيديولوجية ، والعقائد الدينية ، والانحيازات العرقية ، وإنما يقودون أنظمة تعرف جيداً ، كيف تعتني بنفسها. ومن هنا يرى الكاتب ما قاله جيتس ، بصدد تدخل الدول العربية في العراق ، دعماً للسنة ودفاعاً عنهم من التطهير العرقي ، على أيدي الميليشيات الشيعية كلاماً مبالغ فيه . الحقيقة قد تبعث للذهول لدى البعض ، هي أنه إذا ما حاولت الميليشيات الشيعية ، البدء في عمليات تطهير طائفي ضد السنة ، فإن على واشنطن أن لا تتوقع أن يفعل جيران العراق من العرب ، أي شيء سوى تشديد الحراسة على الحدود ، وإقامة المتاريس التي تحول دون حدوث نزوح واسع النطاق ، من اللاجئين العراقيين إليهم . إن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو ، أن الدولة الوحيدة التي ستهرع لإنقاذهم ، مما قد يفعله بهم إخوانهم في الدين ، وكما حدث في الكويت والبوسنة وكوسوفو من قبل ، ستكون هي : الولايات المتحدة الأمريكية نفسها )www.icaws.org.cec.24th.2006( .

     وتعليقنا هنا أن هذا الأمر طبيعي ، لأن الدول العربية مسلوبة الإرادة، ولكن إذا ضغط عليها ستشارك ، ومن هنا خطر حدوث حرب شيعية سنية ، كما سأعرف لاحقاً نظرية ، قوس الاحتواء وتداعياتها على المنطقة .

     والدليل على ذلك ، تحذير الرئيس بوش للدول السنية ، في الجوار العراقي : أن دولاً مثل : السعودية والأردن ودول الخليج ، يجب أن تدرك أن هزيمة أمريكية في العراق ستخلق ثورة جديدة للمتطرفين ، وتهديداً استراتيجياً لبقائها ( الراية العدد 9015) .

     وهنا مكمن الخطورة ، من حدوث هرمجدون في منطقة الشرق الأوسط ، كما ذكر سلفاً في القسم السابع في هذه الدراسة ، تحت العراق مفتاح الشرق الأوسط ، والذي ذكر بأن سيتقاتل في هذه المنطقة ، ما بين 400 إلى 200 مليون مقاتل ، كل فئة من المقاتلين لهم أهدافهم وأيديولوجياتهم ، التي تدفعهم للقتال !! .

     وخطورة الأمر لإمكانية حدوث أعلاه ، هو لأن فشل الولايات المتحدة في العراق ، ربما يعجل أيام غروب شمس الإمبراطورية الأمريكية، ففي دراسة في مجلة (F.P. Spt. Oct. 2006) النسخة العربية ، توضح عمر الإمبراطوريات عبر التاريخ ، فمثلاً الإمبراطوريات القديمة معمرة مثل : الإمبراطورية العثمانية (1453 – 1922م ) (469) سنة ، أما الإمبراطوريات الحديثة فهي سريعة الزوال ، ومتوسط أعمارها قصير يتراوح بين 6 سنوات الإمبراطورية النازية (1938 – 1945م ) ، والبلشفية 69 سنة (1922 – 1991م) (F.P.Nov.Dec.06, pp.32,33) ، ولذلك هذا الأمر يؤرق الولايات المتحدة الأمريكية ، ويذكر التقرير السبب الذي يهدد الإمبراطورية الأمريكية ، لتسريع زوالها هو (F.P. pp.34,35) :

     أولاً : نقص في القوات ، فحين أخمدت بريطانيا تمرداً عراقياً كبيراً عام 1920م ، كان هناك جندي بريطاني لكل 23 عراقياً . أما اليوم فإن للولايات المتحدة جندياً واحداً فقط مقابل كل 210 عراقيين .

     ثانياً : العائق الثاني للإمبراطورية الأمريكية غير المعلنة هو ، عجز ميزانية الولايات المتحدة . لقد زادت تكاليف الحرب في العراق عن تقديرات الإدارة ، إذ بلغت 290 بليون دولار منذ الغزو عام 2003م . وهو رقم لا يعني الكثير إذا ما أخذنا حجم اقتصاد الولايات المتحدة بالاعتبار ، فهو أقل من 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي ، لكن ثبت أنه غير كاف لتحقيق عملية إعادة البناء السريعة عقب الحرب ، والتي ربما كان بوسعها ، تجنيب البلد الحرب الأهلية الناشئة اليوم . وحالت بعض أولويات الإنفاق الأخرى ، مثل الرعاية الطبية المتزايدة التي لم تخصص موارد لها ، دون وضع خطة مارشال ، كان بعض العراقيين يأملون فيها في الشرق الأوسط.

     ثالثاً : الإمبراطوريات الماضية ، لم تواجه الكثير من المتاعب وهي تحافظ على الدعم العام ، للنزاعات طويلة الأمد . أما الولايات المتحدة ، من الجهة الأخرى ، فقد أصبحت أسوأ بكثير ، في هذا المجال . فغالبية الناخبين الأمريكيين لم يحتاجوا لأكثر من 18 شهراً ، لكي يبدأوا بإخبار مستطلع الرأي في منظمة غالوب ، بأنهم يعتقدون أن غزو العراق كان خاطئاً . ولم تبدأ مستويات مماثلة ، من خيبات الأمل بحرب فيتنام بالظهور قبل أغسطس 1968م ، أي بعد ثلاث سنوات من وصول قوات الولايات المتحدة بأعداد كبيرة ، وبعد أن كان عدد القتلى الأمريكيين ، في المعارك يقترب من 30.000.

     لذلك لاحظنا من الخوف من انحسار الإمبراطورية الأمريكية ، مجموعة سيناريوهات لإنقاذ الموقف الأمريكي في العراق :

    أولاً : توماس فريدمان وضع تصوره :

     لو قررنا الانسحاب من العراق ، من البديهيات أن يقول الجميع ، بأن الصراع سينفجر ما بين الشيعة والسنة ، وهذا الاحتمال ممكن وغير ممكن:

     السيناريو الأول : لو قررنا الانسحاب ، وحددنا موعده ، الحرب الأهلية ستكون أسوأ ، ولكن متى ؟ .. الآن وجودنا نوفر أرضية للحرب الأهلية ، وهذا يعطي بعض الميليشيات ، أن تقوم بأعمال جنونية وتقدم طلبات مستحيلة . لا لأنهم يعرفون أننا لن نترك الوضع ، يخرج من إطار السيطرة ، ألا تعتقدون بأنهم سيعيدون حساباتهم ، إذا عرفوا ثمن تصرفاتهم، سيدفعون الثمن غالياً . وكذلك لكثير من السنة ولبعض الشيعة ، ينظرون لنا بأننا مستعمرينهم وذلك يشرع لهم مقاومتنا ، لذلك ، ويضيف فريدمان ، سيتفاقم عنف وينتهي عنف آخر .

     السيناريو الثاني : ويقول فريدمان ، إيران وسوريا وبعض الدول العربية ، فشل الديمقراطية في العراق ، وانتشار الفوضى يسرهم ، حيث يقولون لشعوبهم ، هذا ما أحضرته الولايات المتحدة للعراق الفوضى . وبالنسبة لإيران وسوريا ، النزيف الدائم لأمريكا يضعف مقاومتها لطهران، ولكن لو انسحبت أمريكا يتوقع فريدمان التالي :

    1- لو حدثت حرب أهلية ، معظم شعب سوريا سني ، فتلقائياً سيقفون مع السنة ، وإيران ستقف مع الشيعة ، وهذا سيكسر التحالف السوري الإيراني ، لدعم التمرد في العراق ، وسيكونون أمام خيارين إما يقاتلون بعضهم البعض في العراق ، أو البحث عن حل سلمي .
    2- ويضيف فريدمان ، نحن العدو الأول ، ولكن بعد انسحابنا ، الشيعة العرب بقيادة الصدر ، سيقفون ضد الشيعة الفرس .
    3- ويضيف فريدمان ، وجودنا في العراق نعتبر هدف سهل لإيران ، ولكن في حالة انسحابنا ، سيكون هامش المناورة أكبر عندنا في حالة إذا قررنا ضرب إيران .
    4- بالنسبة للدول العربية التي لا تريد مساعدتنا في العراق ، في حالة انسحابنا ، سنترك لهم قضية أكبر وأخطر من الديمقراطية في العراق ، وهو تحول العراق إلى شظايا متناثرة (International Hearld Tribune. Dec.9th, 2006) .

    ثانياً : كنيث بولاك مركز سابان ( معهد بروكينغز ) :

     قال : لا تراهنوا على إيران ، معظم العراقيين يكرهون إيران ، في عام 2004 – 2005م عندما كان التصور بأن الولايات المتحدة ستنجح في بناء العراق ، السياسيين الشيعة ابتعدوا عن إيران ، لكي يثبتوا لدوائرهم الانتخابية بأنه لا نفوذ لإيران عليهم . وكذلك الآن أصبح هناك دخل كبير ، يتحقق للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، وجيش المهدي ، وحزب الفضيلة من خلال عوائد النفط المهرب خارج العراق ، والجريمة المنظمة . لذلك من الممكن أن يكون لإيران نفوذ ، على تصرفات شيعة العراق ، ولكن الاحتمال الصعب ، أن إيران تستطيع أن تجبرهم على أن يقوموا بعمل لا يريدون عمله! ، مثل : تفكيك الميليشيات الخاصة بهم ، أو الموافقة على اتفاقية تسوية محلية ، أو الموافقة على عدالة توزيع ريع النفط بين الأقاليم .. الخ . حتى لو قالت إيران بأنها ستوقف الدعم ، عن الأحزاب الشيعية ، للموافقة على أعلاه ، ستقول الأحزاب الشيعية لإيران ، لا نريد مساعداتكم. ويركز بولاك تصوره بأن إنقاذ العراق ، يأتي بمشاركة دول الجوار . مع تذكر ثلاث محاور رئيسية :

    1- ولا دولة مجاورة ستغير استراتيجيتها في العراق ، إلا إذا غيرت كل دول الجوار استراتيجيتهم .
    2- عمل أمريكا مع إيران يجب أن لا يأتي على حساب حلفاءنا في الدول السنية مثل : الكويت والسعودية والأردن وتركيا .
    3- مشكلة العراق معقدة ومستعصية لذلك نحتاج كل ذرة أو أونصة من التعاون (International Herald Tribune. Dec. 9th. 2006) .

    ثالثاً : روجير كوهين :

     الحرب مصطلح ممتاز ، ولكن في الدول التي فيها ديانات وطوائف وقوميات متعددة ، ويحكمها نظام شمولي بعد انهياره ، الجميع يدفع الثمن، مثلاً يوغسلافيا ، والاتحاد السوفيتي ، وفي عام 1947م تفكك الهند بعد انسحاب بريطانيا . إن انسحاب الولايات المتحدة من العراق ، النتيجة هو دولة القاعدة في الأنبار ، ودولة في كردستان ، حتى انفصال الدولة العراقية لن يمر بسلام ، لأن ربع سكان العراق متواجد في بغداد المختلطة ، وهذا لوحده كارثة في حالة الانفصال . ويلاحظ كوهين بأن عزل سوريا وإيران، يساهم في إضعاف موقف الولايات المتحدة في العراق ، ولكن إشراكهم يعتبر إسفين لسوريا وإيران ، لأن سوريا ستقف مع البعثيين السنة ، وإيران مع الشيعة (International Herald Tribune. Dec. 11th. 2006) .

     الخطر الذي أخشاه على منطقة الشرق الأوسط ، هو التركيب القومي والطائفي والمذهبي والديني والأيديولوجي للدول ، وكل دولة لها امتدادات حضارية ثقافية في الدول الأخرى ، وفي حالة اشتعال شرارة الفتنة ، ستكون كبداية النار في الهشيم ، لا تبقى ولا تذر مكان لا تصل إليه ، وخاصةً أن هذا السيناريو غير مستبعد ، لا سمح الله ، في حالة لانسحاب المفاجئ الأمريكي من العراق ، والصراعات الطائفية على الهوية مشتعلة فيه الآن ! . ومن الممكن هنا أن نختبر التركيب الحضاري للجوار ، وعمق العراق الجيوسياسي في ( غرب آسيا ) ، ومراكز الثقل لكل قومية ، ولكل طائفة .. الخ ..

     أولاً : العراق : التركيب القومي ما بين 80% إلى 75% من العرب، أما التركيب الطائفي للمسلمين 55% من الشيعة ، و 45% من السنة (IISS. P.189, 2006) .

     ثانياً : إيران التركيب القومي 40% فرس ، والملاحظ هنا القومية الفارسية في إيران ، من حيث النسبة نصف القومية العربية في العراق ، وهذا المؤشر يعطينا ، بأن الهوية العربية في العراق راسخة ، ولا توجد قوة في العالم تستطيع أن تلغي دورها أو تنهيها ، ولكن من الممكن من خلال ظروف مؤقتة تهميشها ، أما القوميات الأخرى في إيران فيشكل الاذريون والأتراك 30% ، و 14% الأكراد ، و 6% العرب ، و 5% بلوش ، و 0.3% تركمان .

     أما بالنسبة للمذاهب في إيران ، 75% مسلمين شيعة ، و 20% مسلمين سنة ، والباقي مذاهب مختلفة وديانات أخرى ( الكيالي وآخرون ، الموسوعة الجزء الأول ص 423 ، 454 ) .

    ثالثاً : المملكة العربية السعودية :

     مجموع المواطنين 73% من جملة السكان والذين ينتسبون للقبائل البدوية 10% ، و 6% من الشيعة ، والأجانب ، 20% آسيويين ، وعرب 6% ، وأفارقة 1% ، وأوربيين 1% .

    رابعاً : المملكة الأردنية الهاشمية :

     تبلغ نسبة الأخوة الفلسطينيين ما بين 60 إلى 50% من جملة سكان المملكة الأردنية الهاشمية (IISS2006, P.193) .

    خامساً : سوريا :

    95% من سكان سوريا من العرب ، وأكبر الأقليات الأخرى الأكراد، والشركس ، والتركمان ، والأرمن . ومعظم سكان سوريا هم من السنة ، وأقليات طائفية أخرى ، وديانات أخرى مثل المسيحيين ( الكيالي وآخرون موسوعة السياسة الجزء الثالث ص 288 ) .

    سادساً : تركيا :

     معظم السكان من القومية التركية ، وتوجد فيما بينهم أقلية كبرى من الأكراد تصل إلى 20% من جملة سكان تركيا ، و 95% من سكان تركيا مسلمين ( آل ثاني ، جغرافيا سياسية ص 139 ) .

    سابعاً : سلطنة عُمان :

     يمثل أصحاب المذهب الأباضي المسلمين ، أكثر من 70% من جملة سكان السلطنة ، و 25% أهل السنة ، و 5% من الشيعة ( الكيالي وآخرون موسوعة السياسة الجزء السابع ص 434) .

    ثامناً : باقي دول مجلس التعاون الخليجي :

     في الكويت المواطنين 35% من جملة السكان ، منهم 15% من المسلمين الشيعة ، والغير كويتيين 35% من العرب ، 35% من جنوب آسيا ، و 9% إيرانيين (IIss 2006 P.195) .

     أما العمق الاستراتيجي للعراق ، في دول مجلس التعاون الخليجي والأخرى ، فمملكة البحرين 64% مواطنين أكثر من 50% ، منهم من الشيعة المسلمين ، والغير بحرينيين 13% آسيويين ، و 10% من العرب ، و 8% إيرانيين ، والأوربيين 1% . والإمارات نسبة المواطنين من السكان 24% و 5% منهم شيعة ، والغير إماراتيين 76% من جملة السكان ، منهم 30% هنود و 20% باكستانيين ، و 12% عرب وآخرون ، وقطر 25% مواطنين ونسبة الشيعة المسلمين أقل من 5% منهم ، والغير مواطنين 18% هنود ، و 18% باكستانيين ، و 10% إيرانيين وآخرون (IIss 2006 PP.204-211) .

    تاسعاً : اليمن :

     ينقسم مسلمي اليمن ما بين طائفتين 50% من السكان من الشيعة أتباع المذهب اليزيدي ، و 50% من المسلمين السنة ( الكيالي وآخرون ، موسوعة السياسة ، الجزء السابق ص 434 ) .

    عاشراً : أفغانستان :

     التركيب القومي 38% باشتون ، و 25% طاجيك ، و 12 أوزبك ، و 0.5% بلوش ، والهزاره الشيعة المسلمين 19% (IISS 2006 P.228) .

     الذي عرض أعلاه ، يمثل التركيب القومي والطائفي للمنطقة ، واشتعال الفتنة الطائفية ، ليست من صالح المنطقة بأكملها ، لأن لكل دولة من الدول الموجودة في غرب آسيا ، شعوبها لهم امتدادات فوق قطرية ، أما من الناحية القومية أو الطائفية ، وحتى الدينية أحياناً .

     وبالإضافة للفتنة الملتهبة في العراق ، هناك أيضاً من عنده الطموح للتبشير لطائفته ، على حساب الطوائف الأخرى ، مثل بعض الشيعة يحاولون يشيعون بعض السنة ، وانتقد هذه الفتنة الشيخ القرضاوي قائلاً : محاولة نشر المذهب الشيعي في بلدان سنية مثل : مصر والسودان والمغرب والجزائر وغيرها ، بلاد خالصة للشافعية والمالكية ، وأن تحاولوا أن تكسبوا أفراداً للمذهب الشيعي ، مثل 100 أو 200 شخص ، ولكن بعد ستنجزون الفتنة ( الشرق الأوسط العدد 10281 ) .

     أما الإمام الشيعي المعروف آية الله تسخيري : أتهم إسرائيل بالوقوف وراء الفتنة المذهبية في لبنان والعراق قائلاً ( ينسى المسلمون إسرائيل ومخاطر الاستعمار ، ليعود السني ينظر إلى الشيعي ، وبالعكس ، باعتباره أكبر تحد له ، ولتعود حالات التكفير والتبديع تمزق جسد الأمة ) ( الشرق الأوسط العدد 10281 ) .

     ونلاحظ الفتنة ما بين السنة والشيعة المسلمين في طريقها للتصعيد ، ففي استطلاع للرأي بعد إعدام الرئيس صدام حسين ، في أول أيام عيد الأضحى المبارك ، وكان خلال الإعدام هناك بعض العبارات الطائفية ، التي توضح أن إعدام الرئيس ، ليس أجراء قانوني فحسب ، بل هو انتقام طائفي. ففي استطلاع للرأي في موقع الجزيرة : ماذا تعتبر إعدام صدام حسين في أول أيام عيد الأضحى المبارك ؟ . وشارك في الإجابة 40 ألف مشارك ، وكانت إجابة 93% مهيناً ، و 4.5% منهم مدعاة فرح لضحاياه، و 3% منهم إجراء قانوني .

     الذي يحدث الآن ليست من صالح المسلمين السنة والشيعة ، علماً بأن نسبة المسلمين السنة 94% من جملة المسلمين في العالم ، والمسلمين الشيعة الجعفرية 5% من جملة المسلمين في العالم ، وما تبقى يمثل الفرق الإسلامية الأخرى ( آل ثاني ، عالم إسلامي ، ص 89 ) .

     وقال الرسول (ص) : ( افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة ، وتفترق هذه الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) .

     ويقول الشيخ د. يوسف القرضاوي بأن الرسول (ص) أقر ، أن هذه الأمة أمته ، رغم افتراقها إلى 73 فرقة . إذاً رأينا هنا نحن المسلمين علينا أن نبحث عما يجمعنا ، ونترك ما يفرقنا ( آل ثاني ، عالم إسلامي ، ص 89، 90 ) .

     نحن الآن في غرب آسيا ، وبالتحديد في إقليم الخليج العربي ، نعيش نوع من الحرب الباردة ، بسبب أزمة العراق وخاصة ما بين الأقطاب الإقليمية الرئيسية ، في المنطقة وأقصد هنا من جانب المملكة العربية السعودية ، ومن الجانب الآخر الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، ففي قمة التعاون الأخيرة : أصدرت القمة أوامرها لإنشاء لجنة مشتركة ، ما بين دول مجلس التعاون الخليجي لتطوير برامج خليجية للتكنولوجيا النووية . وكذلك طالبت القمة إيران ، أن تستجيب للمعايير الدولية لاستخدام الطاقة النووية ، وطالبوا إسرائيل التوقيع على اتفاقية عدم انتشار الاستخدامات النووية ، وفتح منشآتها للتفتيش الدولي ، وأضاف تقرير (Financial Times) أن عدة دول عربية صديقة للغرب ، ومنها مصر ، أعلنت أن عندها الرغبة في تطوير التكنولوجيا النووية ، وذلك يعزز المخاوف من سباق تسلح نووي ما بين العرب السنة ، وشيعة إيران (Financial Times Dec. 11th. 2006) .

     أذكر قبل أن يصبح التصعيد في المنطقة كما هو حادثاً الآن 2006 – 2007م ، طالبنا في عام 2002م في المنطقة ، بمبدأ تبادل الثقة ، ما بين دول المنطقة ( دول إقليم الخليج العربي ) ، وكانت خلاصة الفقرة التي ذكرتها كالتالي : تنسيق الأمن الإقليمي الخليجي ، مع وجود اتفاقية إقليمية لحفظ توازن التسليح الاستراتيجي في الإقليم ( آل ثاني ، العالم الإسلامي ص 210 ) .

     وكنت أقصد بالفقرة أعلاه ، استخدام مبدأ تبادل الثقة مثلما حدث بين دول أوربا ، إلى أن وصلت معظم أوربا الآن ، إلى ما يشابه دولة فيدرالية واحدة ، تحت مظلة الاتحاد الأوربي . أما الأسلوب الذي طالب به مجلس التعاون ، لبداية تطوير تكنولوجيا نووية ، ومتزامناً مع الأزمة الطائفية الحادثة ، في كلاً من العراق ولبنان بشكل جلي ، وفي بعض الدول الأخرى من المنطقة هدير غلايانها يسمعه الجميع ، وخاصةً أن هناك من يقول أن توجه دول المجلس لتطوير التكنولوجيا النووية ، بتوصيات من حلفائهم في الغرب . فالذي نراه هنا ، وواضحاً ، أعتقد كما يعتقد الأغلبية ، هو بداية حرب باردة ، بين شقي الخليج العربي والفارسي ، ولكن في حالة التصعيد هل ذلك يصب في مصلحة إيران أو السعودية ؟ .

    طبعاً التصعيد ما بين الدولتين ، يعتبر كارثة إقليمية على جميع دول المنطقة ، فإيران لديها ما يكفيها من المشاكل ، من حيث تركيبها القومي وتركيبها الطائفي ، ومشاكل البطالة الكبيرة ما بين الشباب ، والسعودية لديها ما يكفيها من المشاكل ، وخاصة الاقتصادية ، فالخطر الأول الذي تواجه السعودية محلي 40% من السكان دون سن 15 سنة ، ونسبة البطالة تبلغ 30% من الذكور ، و90% من الإناث (F.P.Spt. Oct. P.39,2006) . وخاصة أن الحملات الإعلامية في أمريكا ، أدت إلى تصعيد الكراهية في الشارع الأمريكي ضد المنطقة بأكملها ، سواءً كان حليفاً لأمريكا أو عدواً لها ، ففي استطلاع للرأي للأمريكيين ، هل تعتقد أن السعودية دولة ممكن الثقة بها ؟ ( الطحان ص 150 ، 151 ) .. أجاب : في أكتوبر 1982م كان نسبة من يستطيعون الثقة بالسعودية 30% ، بينما بلغت نسبة الذين لا يثقون بالسعودية في عام 1982م 60% ، وفي عام 2003م ، 72% .

     هل تتعاون السعودية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، بقدر ما في الحرب ضد الإرهاب ؟ . الإجابة : بلغت نسبة التصويت 20% لصالح من يقول بتعاون السعودية مع أمريكا ، بينما بلغت نسبة من يقول بعدم التعاون 71% . والسؤال الأخير هل أصبحت انطباعاتك عن السعودية أفضل أو ظلت كما هي أو أسوأ مؤخراً ؟

    – أصبحت أفضل بنسبة 4% .
    – ظلت كما هي بنسبة 50% .
    – أصبحت أسوأ بنسبة 38% .

     النقطة التي من المفترض علينا جميعاً الإيمان بها ، من هي القوة المؤثرة في توجيه الرأي العام بهذه الصورة ، في الولايات المتحدة الأمريكية؟.

     الإجابة سهلة : الإعلام والإعلام ومن ثم الإعلام !! . ولكن لماذا الإعلام يوجه الرأي العام بطريقة عدائية لمنطقة الخليج العربي سواءً حلفاء أمريكا ، أو من يفترض أن يكونوا أعداءها ؟ .

     إجابة هذه النقطة الخطيرة ، يجب أن يتوقف عندها الجميع ، وأقصد الجميع في منطقتنا ، سواءً كانوا عرباً أو فرساً أو أكراداً ، مسلمين سنة أو شيعة ، أو حتى من الكتابيين الآخرين من أبناء المنطقة ، لأن ربما هناك تصوراً للمنطقة ، جميعنا ندفع ثمنه في آخر المطاف ، علماً بأننا ربما نكون من نصنع الأرضية المناسبة له ، من خلال رعونتنا ، وصراعاتنا الغير مبررة الباردة الآن ، وربما لا سمح الله أن تتحول إلى صراعات صلبة في المستقبل ! .

     السؤال الذي يطرح نفسه / في حالة هزيمة أمريكا في العراق ، هل ستنسحب الإمبراطورية الأمريكية وتترك المنطقة ؟ .

     أعتقد من أخطر السيناريوهات التي ممكن أن تستخدمها أمريكا في المنطقة ، هو ما يسمى بسيناريو قوس الاحتواء ( برز للوجود في عصر الرئيس ريغان ) ، ويقوم على أساس تدعيم قدرات أربع دول رئيسية هي مصر وإسرائيل وتركيا وباكستان ، على أن تنضم ( سابقاً ) الآن سيضم اليه تلقائياً السعودية والأردن ، وخاصة أن الولايات المتحدة يوجد عندها تسهيلات برية وبحرية وجوية في المنطقة )www.df-althani.com( . وهذا القوس سيساهم في احتواء إيران وإذعانها للشروط الأمريكية ، أو حدوث لا سمح الله حرب إقليمية ، يوظف فيها كل بطاقات الفتنة من الناحية القومية والدينية والطائفية والأيديولوجية ، وهذا السيناريو أعلاه لو حدث ، لا سمح الله ، سيصدق رواية ليندي وفلويل التي ذكرناها في القسم السابع من هذه الدراسة ( العراق مفتاح الشرق الأوسط ) بحيث يتقاتل في منطقة غرب آسيا ما بين 200 إلى 400 مليون مقاتل ويفنون جميعهم ، ومن ثم يؤول النصر للمحافظين الجدد (أو الصهاينة المسيحيين ) ، ويبقى أعداد قليلة من اليهود ويدخلون المسيحية أيضاً ، وعلى هذا المنوال نهاية التاريخ، بحيث يأتي المسيح عليه السلام ، ويحكم العالم لمدة 1000 سنة .. الخ . هل نحن سنكون حطب لنار غيرنا ، أو عندنا من القدرات ما يكفينا لعلاج أزماتنا ، وأعتقد أهمها ، لابد من كل دول الجوار العراقي من احتواء كارثة العراق ، ومحاولة علاجها من دون أية حسابات قطرية أو غيرها ، لأن إذا انفجرت العراق لا سمح الله ستنفجر المنطقة بأكملها !! .

     وأذكركم بما قاله داهية السياسة الأمريكية في أيام الحرب العراقية الإيرانية (www.df-althani.com) :

     طبعاً المقصود هنا هنري كيسنجر ، يقول عن الحرب العراقية الإيرانية ، في ثمانينيات القرن الماضي : إن الحرب العراقية الإيرانية فرصة ذهبية ، لإضعاف الطرفين ، وأن مصلحة أمريكا والغرب ضرورة العمل على استمرار هذه الحرب . وفي مقالة ثانية يقول كيسنجر : من الضروري منع أي من الطرفين المتحاربين ، من تحقيق انتصار غير مشروط ، وأن من مصلحة الولايات المتحدة أن تمنع انهيار الحكومات المعتدلة في العالم العربي ، وهذا يتطلب بدوره وجود إيران غير عاجزة ، بل جامحة ولكن تحت السيطرة حيث أن الاتحاد السوفيتي ( السابق ) سوف يستفيد فائدة كبيرة ، إذا خرجت إيران من الحرب وقد ضعفت ضعفاً مهلكاً، وتقطعت بصورة لا يمكن إصلاحها .

     هذا ما قيل عن الحرب العراقية الإيرانية ، علماً بأن صدام حسين في بعض فترات الحرب ، لقي دعم أمريكي ، ولو حدث لا سمح الله حرباً إقليمية مثلاً ، ما بين السعودية وإيران ، فسيقال ما قيل سلفاً عن العراق وإيران ، وننبه الجميع في حالة الحرب الإقليمية الشاملة ، من سابع المستحيلات أن تعود الأوضاع على ما كانت عليه قبل الحرب ، سواءً عند المنتصر أو المهزوم ، وأقوى مثال أمام الجميع الحرب العراقية الإيرانية بعد نهايتها ، كان هناك دولة منتصرة عسكرياً هي العراق ، ودولة مهزومة عسكرياً هي إيران ، ولكن في النهاية الجميع دفع الثمن ، هل تعلمون لماذا؟. الإجابة سهلة ، لأن هناك مصالح عالمية فوق إقليمية !! .

    عاشراً : خاتمــة :

     من خلال الخاتمة ، سنحاول أن نذكر مجموعة محاور رئيسية ، تناولناها من خلال الدراسة ، وهي تشكل قنابل موقوتة للفتنة :

    أولاً : رسائل التشييع والتي حذر منها حتى بعض علماء الأمة الإسلامية ومنهم الشيخ د. يوسف القرضاوي .
    ثانياً : الرسائل التي توضح أوضاع السنة في العراق ، وأشار له التقرير السعودي .
    ثالثاً  : رسائل النزعات الاثنية والقومية والدينية والطائفية والأيديولوجية في العراق ، وتداعياتها على المنطقة .
    رابعاً  :  السيناريوهات الأمريكية المختلفة ، في حالة عدم تحقيق أهدافها في العراق ، وخاصةً عندما تجبر أن تنسحب مهزومة من العراق.
    خامساً : خطر تداعيات هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق ، على دول المنطقة .

      وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *