الدولة السعودية الرابعة ما بين الجاهلية والعلمانية
     الفرق ما بين الدولة السعودية الثالثة والدولة الرابعة هو بأن الدولة الثالثة كان إنتقال السلطة فيها أفقي من الأخ إلى الأخ، أما الدولة الرابعة في عهد الملك سلمان أصبح الإنتقال للسلطة رأسي من الأب إلى الإبن!.
     وكنا نتمنى مع بزوغ فجر الدولة الرابعة أن نرى مشروع دولة وبرامج تنمية معاصرة، ولكن للأسف الشئ والأمر المدهش الذي أصبح ظاهر للعيان مع بزوغ فجر هذه الدولة الرابعة بأن عندها أطماع طوبائية توسعية اتجهت إلى ثلاثة مشاريع خطيرة، أولهما تزكية النعرات القبلية والطائفية، وثانيهما التدخل في شؤون الدول، وثالثهما تطبيق مشوه للعلمانية، وإنعكاسات هذا الأمر سيكون له تداعيات خطيرة ومريرة على مستقبل الدولة الرابعة!.
     وإثارة النعرات القبلية تذكرنا بالحديث الشريف الذي حذر الرسول (ص) أمته خلاله، وهو العودة إلى الجاهلية في الإسلام “أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والإستسقاء بالنجوم، والنياحة”!.
     ولكن الغريب في الأمر أن إنطلاق الدولة الرابعة، بدأ بإزكاء روح الجاهلية قبل الإسلام، وهو إثارة النعرات القبلية وأكثر من سينكوي بهذه النار هو من يستخدمها كسيناريو للسيطرة الإقليمية!.
     وتفجير هذه النعرات سيكون له إنعكاسات خطيرة على الدولة الرابعة، فإذا كان مخططي الدولة الرابعة في إعتقادهم بأنهم إذا استخدموا النعرات القبلية تقليداً للمدرسة الفرنسية عندما وظفت الصراع ما بين التوتسي والهوتو، فهذا التصور خطأ، لأن فرنسا تعاملت مع هذا المشروع وبحذر في رواندا ما بين ستينيات القرن الماضي إلى عصرنا الحالي!. وذلك لأن رواندا تبعد عن فرنسا آلاف الكيلومترات!. ونلاحظ بأن فرنسا نفسها التي تلعب بالأوراق القبلية والطائفية في مستعمراتها في القارات الأخرى وخاصة أفريقيا.
     ولكن عندما ينشأ أية صراع ذو طابع عرقي أو طائفي أو قومي داخل الإقليم السياسي الفرنسي الأصلي، تحاول فرنسا بكل ما أوتيت من قوة وسلطان أن توأد هذا الصراع في مهده، أو تبحث له عن حل سريع جداً لأنهم يدركون جيداً إنفجار هذا النوع من الصراعات على مستقبل الأمة الفرنسية ووحدتها الإقليمية!.
     وإذا كان مخططي الدولة الرابعة يريدون أن يلعبوا بالورقة الفرنسية في رواندا التي من خلالها دعمت فرنسا 15% من السكان الذين من قبيلة التوتسي، ضد قبيلة الهوتو الذين يمثلون 84% من السكان، ووصلت المجازر ما بين القبيلتين ما يزيد على 1.5 مليون نسمة، إلا أن هذا الصراع كما ذكرنا سلفاً يبعد عن الإقليم الفرنسي آلاف الكيلومترات!.
     ولكن الصراع الذي يخطط له مستشارو الدولة السعودية الرابعة سيكون صراع في قلب الجزيرة وستكتوي به كامل الجزيرة العربية!.
     وهذا يذكرنا بالبيت الذي قاله شاعر بني أمية نصر بن سيار عندما اقترب إنهيار الدولة الأموية:
    “أرى تحت الرماد وميض جمر- ويوشك أن يكون له ضرام- فإن النار بالعودين تزكى- وأن الشر مبدؤه كلام”.
     فالمستشار السعودي السيد سعود القحطاني “عندما قدح” وحاول إحياء النعرات القبلية البائدة من خلال أخطاء متكررة على الشيخ طالب بن شريم شيخ شمل المرة في السعودية، الخطأ الأول من خلال تسجيله حديث مجلس في جلسة بطريقة غير قانونية وقام بنشر هذا الحديث بطريقة غير قانونية مما عرض شيخ المرة في السعودية لكثير من الحرج أمام أفراد قبيلته وعند أصدقائه الكثر في دول الخليج العربي بما فيهم دولة قطر، والخطأ الثاني عندما حرض شيخ المرة في السعودية أن يصدر تصاريح فيها طابع تهديدي ضد دولة قطر في مكتب رسمي سعودي في محافظة الإحساء وهنا وقع مستشارو الدولة الرابعة في إنتهاك واضح وصريح للقانون الدولي، وأن ذلك خطأ قانوني فادح يخالف جميع الأعراف الدولية وهو : “كيف شيخ قبيلة في الدولة السعودية الرابعة يصدر تصاريح وتهديدات من مكتب رسمي ضد دولة أخرى ذات سيادة!؟”.
     ذلك لا يوجد له إلا تفسير واحد في القانون الدولي، وهو بأن الدولة الرابعة تهدد دولة قطر حفظها الله!.
     والخطأ الثالث عندما نسق مستشارو الدولة الرابعة مؤتمر لقبيلة يام المحترمة، لإعادة الجنسية القطرية لبعض الأفراد من قبيلة يام التي تم سحبها منهم أصلاً بطلب من شيخ شمل المرة في الدولة الرابعة وهو من خلال تصريحه لجريدة الأنباء الكويتية “ما قيل عن إسقاط الجنسية أن الهدف منه هو مخطط لإعادة تركيبة الشعب القطري من أجل الإنتخابات هذا كلام غير صحيح، وأن السبب هو إزدواجية الجنسية”.
     والتصريح هذا إقرار من الشيخ طالب بن شريم أن من حق قطر بدون منازع بسحب جنسية الشيخ طالب ابن شريم وبعض أفراد القبيلة لأنهم يخالفون قانون الجنسية القطري رقم 38 لسنة 2005 مادة 11/5 “إذا تجنس بجنسية دولة أخرى”.
     وكل ما يحدث للشيخ طالب للأسف هو من خلال الضغط عليه لإستخدامه كورقة للضغط على دولة قطر لأغراض لا يعلمها إلا الله في نفس الدولة السعودية الرابعة!.
     وإذا كنا بالفعل نريد أن نطالب بحقوق يام، فحق يام مهضوم منذ عهد الدولة السعودية الثانية، بحيث يام بقيادة شيخها المرظف تحالفت مع الأمير سعود بن فيصل جد الملك عبد العزيز مؤسس الدولة الثالثة، وكان هذا التحالف من خلال معركة الوجاج في عام 1870م، ضد شقيق سعود، عبد الله بن فيصل، وبواسطة يام تم تنصيب الأمير سعود بن فيصل إمام على الدولة السعودية الثانية، ولكن يام لم تخرج بأية فائدة من بعد التضحيات الجسام التي قدمتها، فأين يام وبالتحديد المرة من المناصب العليا في الدولة السعودية!؟، أين المرة من حقوقهم الجيوإقتصادية بحيث أن أغنى مناطق النفط والغاز في الدولة السعودية هي مناطق يام مع القبائل والطوائف الأخرى في الدولة الرابعة!؟ أين يام والقبائل الأخرى في الجزيرة العربية من حقوقهم الجيوإقليمية مثل إنشاء إقليم خاص بقبيلة يام ، وكذلك إنشاء أقاليم خاصة بالقبائل الأخرى المؤهلة لذلك، وخاصة أن كبر مساحة الدولة السعودية بالإمكان يكون لكل قبيلة إقليم إداري، وممكن أن نرفع من سقف الطموح لتسهيل عملية إدارة الأقاليم هو تحويل هذه الأقاليم إلى أقاليم فيدرالية، والتقليل من نفوذ الدولة المركزية عليها إدارياً!.
     المبادرات الجديدة التي قدمتها الدولة الرابعة خلق شرعية عرفية جديدة للقبائل وللطوائف في الجزيرة العربية، وذلك أسوة بإخوانهم من قبيلة يام المذكورة سلفاً، فأصبح من حق جميع القبائل والطوائف الإجتماع لإبداء مطالبهم السياسية ، وخاصة أن المبادرة أعلاه قدمت سابقة من خلال تسهيل وتحريض قبيلة يام للإجتماع لمناقشة أمر خارج إختصاص الدولة الرابعة وقبيلة يام نفسها!.
     والمبادرة المذكورة أعطت جميع القبائل والطوائف الحق في الدولة السعودية للتجمع والتظاهر والمطالبة بحقوقهم السياسية وربما المطالبة بأقاليم فيدراليةأو الإستقلال بأقاليمهم وخاصةً أن الجزيرة العربية عبارة عن فسيفساء من ممالك قبلية ودينية وطائفية، وعلى سبيل المثال لا الحصر:-
    أ- إمارة جبل شمر من 1834 إلى 1921م بعد مجازر وبحوراً من الدماء سقطت هذه الإمارة، ولكن الثأرات مازالت والطموح يتأجج بين فترة وأخرى!.
    ب- مملكة الحجاز بعد نجاح الثورة العربية الكبرى التي دعمها الإنجليز عام 1916 وخسارة الدولة العثمانية للحجاز، أسس الهاشميون مملكة الحجاز، وتلى هذه المملكة معاهدة سايكس بيكو التي قسمت المستعمرات في المنطقة، وفي عام 1925م من خلال إعادة تقسيم الخارطة الجيوسياسية لصناعة نظام إقليمي آنذاك بعد الحرب العالمية الأولى، سلم الشريف علي بن الحسين الحجاز للملك عبد العزيز آنذاك، ونشأة مملكة نجد والحجاز!.
    ج- بنو خالد وسيطروا على مناطق كبيرة في الجزيرة العربية وخاصةً المنطقة الشرقية وبعض أقاليم الخليج العربي الأخرى من 1692م إلى 1796م!.
    د- قبائل الجنوب وحدود اليمن المتداخلة مع الدولة الرابعة، مازال اليمنيين يطالبون بإستعادة عسير وجيزان ونجران، التي اقتطعت من اليمن بموجب معاهدة الطائف عام 1934م وتتجدد كل 20 عام، وهو مالم يحدث واعتبره اليمنيون تفريط في أراضيهم، وتم تسوية الأمر في معاهدة جدة 2000م مع اليمن الشمالي، ولكن بعد الهجوم من الدولة الرابعة على اليمن نكأ الحوثيون هذا الإتفاق واعتبروه كأن لم يكن!.
    ه- دولة القرامطة (الشيعية) في البحرين (أوال) والبحرين في تلك الفترة تشمل معظم المنطقة الشرقية بمافيها القطيف والإحساء…. إلخ. واستمرت ما بين القرن التاسع الميلادي إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، ولكن التعاطف الشيعي مازال مستمراً مع ذكريات الماضي، بما فيها مطالبهم بتشكيل جمهورية القطيف والإحساء، وفي عام 2016م قامت الدولة السعودية الثالثة بإعدام إحدى زعماء الشيعة البارزين المسمى بالشيخ نمر!.
     هنا يعطينا خطورة التجمعات التحريضية التي تقوم بها الدولة الرابعة من خلال تحريض القبائل المحلية على دول الجوار، وهذا سيتكرر لأن هذه القبائل لها إمتدادات في جميع دول الجوار، قطر، والكويت، والبحرين، والعراق، وسوريا، والأردن، واليمن، والإمارات، وسلطنة عمان….. إلخ.
     ولكن في نهاية هذا الأمر سينقلب هذا الأمر التحريضي الخطير على الدولة الرابعة، وسينكأ جروحاً أو بؤر بركانية كانت في مرحلة هدوء وسيعيدها لمرحلة النشاط مرةً أخرى، وهو مما سيعلن إعادة تشكيل جزيرة العرب لا سمح الله “كما ذكرنا في نكبة اليونيو، فرع النظام الإقليمي الجديد”!.
    ثانياً: تدخل الدولة الرابعة بطريقة تحريضية في شؤون دول الجوار، وأكبر دلالة على ذلك التصريح الذي أدلى به الجنرال السعودي المتقاعد ومدير مركز الشرق الأوسط للدراسات في السعودية أنور عشقي “العمل على إيجاد كردستان الكبرى بالطرق السلمية لأن ذلك من شأنه أن يخفف المطامع الإيرانية والتركية والعراقية التي ستقتطع الثلث من كل دولة من هذه الدول لصالح كردستان!”.
     ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل ستبقى هذه الدول صامتة أمام المخطط السعودي الظبياني!؟، أقل شئ ستتحرك إيران وبطرق رسمية لمطالبها القديمة وهو وضع الحرمين تحت إشراف إسلامي مستقل، وسوف تقوم إيران والعراق بدعم المطالب الإستقلالية للطائفة الشيعية في إقليم القطيف والإحساء، وبدعم مطالب الحوثيين في عسير ونجران وجيزان، وربما ستتحالف تركيا والشريف عبد الله في الأردن لإستعادة نفوذهم على مناطق الحجاز، وبمجرد تحرك أقاليم الجوار للإنتقام من الدولة الرابعة، فذلك سيحرك الطموح والمطالب التاريخية للطوائف والقبائل في الجزيرة العربية من خلال إحياء مطالبهم السياسية وإنتمائاتهم الأيدلوجية أو الطائفية وكذلك ستتحرك الأيدلوجيات المكبوتة في الدولة الرابعة سواء كانت أيدلوجيات دينية أو ليبرالية، لأن الدولة الرابعة وبرعونة لم تحافظ على الطابع الديني الوسطي الذي كان يمثلها ظاهرياً، وانتقلت إلى طابع علماني شكله مشوه وغريب!.
    ثالثاً: التطبيق المشوه للعلمانية:-
     سعادة المستشار سعود القحطاني الذي تقول في تغريدتك “وتعتقد أني أقدح من رأسي دون توجيه؟ أنا موظف ومنفذ أمين لأوامر سيدي الملك وسمو ولي العهد الأمين”.
     مفهوم العلمانية، هو بأنكم ستوقفون إستخدام القوانين الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، وسينتهي مصطلح دستور الدولة السعودية المستمد “من القرآن الكريم” وذلك من خلال تصريح ملوك السعودية بأن دستورهم هو “القرآن الكريم”، وستتجهون إلى دستور وضعي، ومن أساسيات الدستور الوضعي هو الجمعية التأسيسية المنتخبة شعبياً، وتصيغ قوانين وتشريعات وضعية ويتم التصويت عليها شعبياً، ومن ثم ينشأ عندكم ما يسمى الملكية الدستورية العلمانية، فهل أنتم فعلاً مستعدين لذلك!؟.
     وفي الختام السيد القحطاني، والسيد سفير خادم الحرمين الشريفين في المملكة الأردنية الهاشمية، أنتم أسأتم لقطر حفظها الله، وكانت إسائتكم بدون أن تدركوا بأنكم أسأتم لجميع دول مجلس التعاون الخليجي، فعندما يصرح السفير “قطر حارة من حواري الرياض” وعندما يصرح المستشار أن “سكان قطر 120 ألف نسمة” فهذه التصريحات أولاً هي إحتقار لأنفسكم، لأن قطر حفظها الله مساحتها الجغرافية البرية والمائية تزيد على37100 كم وإذا كانت هذه المساحة القطرية ويقدح المستشار والسفير بأنها حارة في الرياض، إذاً ماذا تقولون في حليفتكم مملكة البحرين الشقيقة التي مساحتها 600كم2 أي ما يقارب 1.5% مساحة دولة قطر، وماذا تقول عن الدولة الفيدرالية الشقيقة “الإمارات” التي تتكون من سبع مشايخ ومساحتها بالكاد ضعف مساحة قطر، هل تمثل حارة وربع في الرياض، وبالنسبة لعدد السكان، مجموع سكان قطر 2.6 مليون نسمة “مواطنين ومقيمين” نعم مواطنين ومقيمين لأن تميم المجد وقف كالأسد في منبر الأمم المتحدة قال أحيي أهلي في قطر من مواطنين ومقيمين، وإذا كنتم أنتم عنصريين أو تحتقرون الآخرين فهذا يعتبر مشكلة خاصة بكم، أما نحن فكل من وضع يده في أيدينا وبصدق وأمانة لخدمة قطر ورفع رايتها ما بين الأمم فنعتبره منا وفينا، ولا يفرق بيننا وبينه إلا ما حرم الله!.
     السيد المستشار والسيد السفير، دعونا نختبر عامل تنمية واحد، ويعتبر معيار بدائي وذلك بما أن عنوان الموضوع ما بين الجاهلية والعلمانية، فلن أذهب إلى أعلى من هذا السقف، دعونا نقيس، الكثافة السكانية مابين دولة قطر حفظها الله، والدولة السعودية، الكثافة السكانية لدولة قطر حفظها الله 217 شخص للكم2، والكثافة السكانية للدولة الرابعة 9 أشخاص للكم2، إذاً أيهما أكثر سكاناً!؟. ومقابل المساحة الشاسعة في الدولة الرابعة 90% من السكان لا يملكون بيوت خاصة، وقطر الحبيبة رغم الكثافة السكانية العالية كل مواطن يملك منزل خاص به، وأخيراً أود أن أذكر السيدين اللذان لا يقدحان إلا بإذن ولي الأمر، بأنكم من دولة فقيرة سكانياً وجرداء، وحاولوا أن تتذكروا دائماً بأنكم لولا العمالة الأجنبية لتوقفت الحياة عندكم ونسبتهم تصل أكثر من 70%من القوى العاملة في القطاع الخاص رغم محاولتكم تقليصهم ولكن ذلك انعكس سلباً عندكم في التنمية مما أدى إلى توقف الآداء في كثير من القطاعات.
     إذاً أنتم لستم بالصين أو الهند من حيث الكثافة السكانية، ولستم بسويسرا أو النرويج من حيث التحضر، فأنتم دولة من دول العالم الثالث ومازالت تتخبط في برامج التنمية!.

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله.

      أضف تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *