بسم الله الرحمن الرحيم

    1/1/2007

    هذا كتابنا القادم ,ارجوا المشاركه بارائكم الكريمه بعد قرائة الموضوع كاملآ

    قمنا باختيار العنوان أعلاه من خلال إعجابنا الشديد بعنوان كتاب أحد أهم الرموز السياسية في القرن العشرين ، السيد نيلسون مانديلا ، وكان عنوان كتابه ( رحلتي الطويلة من أجل الحرية ) .

    أما بالنسبة للخليج العربي فلا أعتقد بأنه يحتاج إلى رحلة طويلة من أجل الحرية ، لأن الأنظمة الخليجية ( مجلس التعاون الخليجي ) هي نفسها تحاول أن توسع تدريجياً المشاركة الشعبية ، وإن يكن تحفظنا بأن الحراك الديمقراطي بطيء في التقدم إلى الأمام في الخليج ، ولكن أستطيع أن أؤكد لكم بأن هناك حياة ؛ لذلك أحبذ أن أشد انتباه القارئ الكريم بأننا من خلال هذا الموضوع ، لن نركز على المراحل التي قطعها الخليج نحو الديمقراطية ، لأن ذلك مغطى تغطية شبه كاملة ، بمشاركة مجموعة من الزملاء ، وربما أحدثها التقرير السنوي لمركز أبحاث الخليج ، تحت عنوان ( الخليج في عام 2005 – 2006م ) . وإنما سنركز في هذه الدراسة على الآليات التي من الممكن أن تعجل بفجر الديمقراطية في الخليج العربي ، وكذلك المؤسسات التي من الممكن أن تساهم في تعزيز وترسيخ الديمقراطية في الخليج ، وما هي أفضل التنظيمات ، التي أثبتت بأنها من الممكن أن تساهم ، في ترسيخ الديمقراطية في الشرق الأوسط ، وذلك من خلال المحاور التالية :

    أولاً  : آراء حول إمكانية إصلاح السلطة .
    ثانياً  : مؤسسات المجتمع المدني .
    ثالثاً  : الممارسة الديمقراطية في الخليج العربي .
    رابعاً : الضمان الاجتماعي لحفظ كرامة الإنسان في الخليج العربي .
    خامساً : الأحزاب الإسلامية الأكثر شفافية للحكم .
    سادساً : خاتمة .

    أولاً  :  أراء حول إمكانية إصلاح السلطة :

     يقول السيد تشيس انترماير – سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى دولة قطر : ” إذا كانت الحقوق الأساسية مازالت تخضع للاختبار في الولايات المتحدة ، بعد قرون من تضمينها في مستندات مثل : إعلان الاستقلال والدستور ، فإن علينا أن نتحلى بالصبر تجاه الصراعات في الدول التي تحررت حديثاً ، مثل : العراق ، وتلك الدول التقليدية ، التي بدأت اتخاذ خطوات متأنية ، نحو الديمقراطية ، مثل بعض دول مجلس التعاون الخليجي .

     إن رغبة الإنسان في الحرية قوية ، وهي أقوى من الرغبة الموازية لها في الأمن والاطمئنان . لهذا فإن الحرية ، هي الرابح دائماً في نهاية المطاف . إنها مهمة أطلق عليها آدمز : ” الجيل الحالي ” ليقوموا بواجبهم في الدفاع عن الحرية ، ونشرها حتى لا تتساءل الأجيال القادمة كلها ، عن مدى قدرتنا في اجتياز الاختبار ( الراية العدد 8824 ) .

     ولكن ما هي مشكلة الحرية في دول مجلس التعاون الخليجي ؟ أولاً : تتحرك بأسلوب بطيء جداً ، ولكن هذا الحراك البطيء من الممكن أن نقبله، لو كان هناك نمو تراكمي بطيء لهذا النمو ، ولكن الحقيقة هي أن هذا النمو البطيء ، يدور في حلقة مفرغة نحو الديمقراطية ، وكلما تطورنا ، عدنا من حيث بدأنا ، وهذا أمر كارثي بحد ذاته .

     وفي الحقيقة النمو الديمقراطي البطيء في دول مجلس التعاون الخليجي ، يجعلنا متخوفين من أن تكون هذه الديمقراطية مؤقتة ، مثل ما حدث في دول أوربا الشرقية ، فبولندا وتشيكوسلوفاكيا في عام 1919م دولتين ديمقراطيتين ، وبعد ذلك تجمدت عندهم الديمقراطية إلى عام 1990م ، أي بعد نهاية الحرب الباردة ( فوكوياما ص 65 ) .

     ومن هذا المنطلق نحن كشرق أوسطيين ، مصابين بهلع شديد من أن تصبح ديمقراطية مؤقتة ، وتدور في حلقة مفرغة !! . ثانياً : الديمقراطية الخليجية سواءً كانت تعاقدية أو هبة ، فجميعها تأتي من أعلى إلى أسفل ، أي من النخبة إلى القاعدة ، وفي هذه الحالة تكون الديمقراطية مشروطة من أعلى ، مقابل بعض المشاركات الهامشية للقاعدة !! ، ولكن ليس لهم أي دور لتقرير مصيرهم ، إذاً فهل هذه هي الديمقراطية التي ينادي بها عالم الشمال ، ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي ، وكذلك المنظمات الدولية مثل : الأمم المتحدة ، ومنظمات حقوق الإنسان المختلفة ، لكي تطبق عندنا ؟ !! .

     ومن خلال استقراءنا لبعض الكتّاب والمفكرين والناشطين الخليجيين نجد آراءهم عن السلطة الخليجية كالتالي : يقول زهير الحارثي : ” إن السلطة تمارس نهجاً أحادياً على شعبها ، الأمر الذي خلق مناخاً استعمارياً واستعبادياً إن جاز التعبير ، كان وما زال ضحيته المجتمع ، لذا نجد أن مفردات هذه السلطة أو تلك في عالمنا العربي ، تتمثل في السلطوية والاستبداد والديكتاتورية والاتوقراطية ، ويبدو أنه على مر الأزمنة ، بات هذا المناخ مألوفاً لدرجة أنه صار من النسيج المجتمعي ، رغم أن ضحايا السياسة عادة ما يكونوا هم الشعوب ” ( الشرق الأوسط العدد 10136) .

     أما المفكر تركي الحمد فيقول : ” كي تحدث المجتمع ، لابد من السلطة ، كي تحقق التنوير والنهضة والتنمية والاستقلال والحوار مع الآخر ومقارعته ، والديمقراطية والمساواة ، لابد من السلطة السياسية . بطبيعة الحال ، قد تكون السلطة السياسية منتجة وفعالة ووسيلة بناء لا هدم، ولكن في حالتنا العربية ! ، فإنها تنتمي إلى فضاء الاتوقراطية . وهذا ما يعني إلغاء لمفاهيم الديمقراطية من مشاركة سياسية وتعددية واحترام حقوق الإنسان ، وعندما يستند القرار .. قرار الفرد إلى جذور منبتها القبيلة أو الطائفة والمناطقية والشللية ، وما إلى ذلك من مصطلحات ، فإن النتيجة تقويض لدعائم علاقة طبيعية ما بين الدولة والمجتمع ، ومادام المنظم ينزع إلى السلطوية ، فإنه من الطبيعي أن يرتهن المنتج إلى كل ضروب الذل والهوان والخنوع ، فضلاً عن الاستسلام والسلبية ” ( الشرق الأوسط العدد 10136 ) .

     وكما يقال دائماً عندما تشتد حلكة الليل ، يقترب الأمل لمشاهدة بصيص بزوغ فجر يوم جديد ، وهذا أملنا في الحقيقة ، وما يجعلنا دائماً متفائلين بالمستقبل لأمتنا العربية والإسلامية ، وأدلتنا على ذلك كثيرة ومنها مثلاً عندما يأتي ابن زعيم عربي ، ومرشح لوراثة والده ، يعترف بأن الدولة التي يحكمونها منذ أربعة عقود من الزمن ، أصبحت دولة فوضى ، فأعتقد، فعلاً أن بزوغ الفجر العربي أصبح قريب . فأبن الرئيس معمر القذافي – رئيس ليبيا ، والمسمى بسيف الإسلام القذافي يقول : ” إن من ضمن برنامجه لليبيا ، مشروع إصلاح شامل يدشن ليبيا الجديدة ، وينتشل الجماهيرية من مرحلة دولة الفوضى ” ! . ويضيف : ” أنه أطلق سراح مئات السجناء في العام الماضي ( أغسطس 2005م ) ، واليوم معاً من أجل ليبيا الغد ” . وأشتمل برنامج السيد سيف الإسلام على التحول من الثورة إلى الدولة ، ومن الثورية إلى الوطنية ، ومن محاربة البرجوازية إلى التحول إلى مجتمع غني ، والتحول من تطهير رأس المال إلى تنميته وتوزيعه بعدل ، ومن المساواة في الفقر إلى المساواة في الفرص ، وأشار إلى الحاجة لوضع دستور دائم ، وانتقد ما يسمى بالديمقراطية المباشرة ، وسجن الشعب باسم الشعب ، والادعاء بأن الجماهيرية أرض الفردوس ، وهي تفتقر للبنية التحتية حتى في المدن الكبرى . وفي لفتة مميزة ، أبدى السيد سيف الإسلام إعجابه ، بنموذج المجتمع المدني الناجح في لبنان ، ممثلاً بحزب الله ، فقال سيف الإسلام عن ذلك : ” حزب الله لماذا انتصر على إسرائيل ؟ لأن ابن زعيمه حسن نصر الله مات شهيداً في معركة ، ولم يمت سكراناً في احدى خمارات أوربا ” !! .  ( الخليج 22/8/2006م ) .

     البرامج أعلاه تذكرنا بالمقولة المشهورة ( بأن النظام السياسي الجيد يجب أن يشبع رغبة الإنسان في الاعتراف بكرامته وقيمته ) ( فوكوياما ص 194 ) . وهناك أيضاً كلمة دائماً يتم ترديدها ، وأرجو أن تنتبه الأنظمة الاتوقراطية في الشرق الأوسط لأهميتها وهي : ( بأن إحدى معايير قياس قيمة الدولة المعاصرة ، هو مقدار النفع الذي يعود به وجودها على شعب ما، وليس رهناً بأهمية دورها في تاريخ العالم . أما الرسالة السامية فيقوم بها الشعب ، بعد أن يصل إلى درجة الإشباع ) ( هتلر ص 218 ) .

     ومن هنا يجب أن ننتبه لنقطتين هامتين وهما : إذا أردنا أن ندخل التاريخ لابد من التالي : أولاً : توفير مجالات الإشباع لشعوبنا . وثانياً : توفير آليات الإبداع للشعوب ، وإذا توفر هذين المحورين ، خرج من رحم الأمة المبدعين ، الذين بدورهم يدخلونهم التاريخ ، أما كما يحدث الآن يأتي نظام سلطوي معين ، ويصدر مجموعة قرارات لكي يدخل التاريخ من خلالها ، وتقوم البطانة الانتهازية ، وتصادق عليها على أن هذه القرارات من صميم الإبداع ، ومن خلال هذه المصادقة يضمنون عنصرين رئيسيين: أولاً : بأن النظام السلطوي أسير دعمهم ، وثانياً : يستطيعون أن يحافظوا على مصادر تغذية جشعهم واستنزاف موارد الأمة !! .

     ويذكرنا ذلك بما يقوله الدكتور إسماعيل : ” بأن نمط شائع من الشرعية بدأ يسود خصائص العلاقة السياسية ، والأنظمة العربية ، يعتمد على ( كتلة الثلج الشعبية ) ، إذ تشكل ما يمكن تسميته ( شرعية اللامبالاة)، ذلك أن السلطة جعلت وما زالت تجعل من نمط الممارسة بالشكل الطوعي بما يعد مدخلاً لتكوين اللامبالاة ، وتجعل ذلك من قمة فعاليتها في الحكم وضمان استقرارها . اللامبالاة مناخ تتهيأ فيه آليات النظام باغتصاب القول باسم الجماهير ، والتعبير عن روحها . تتبنى هذه النظم القاعدة التي تشير بالسكوت علامة للرضا ، ومن ثم للشرعية ، إلا أنها تهمل قاعدة أهم ، مفادها ألا ينسب قول أو موقف لساكت ” ( الجنحاني ص 209 ، 210) .

     ولكن أملنا الحقيقي هو الوعي الذي بدأ يبرز عند الشباب ، لأهمية المشاركة في صناعة القرار الوطني ، فمثلاً في المملكة العربية السعودية في انتخابات البلدية لمنطقة الرياض عام 2005م ، كان عدد المسجلين كناخبين 148.304 فرد ، كانت نسبة الشباب منهم ما بين 21 – 24 عاماً تمثل 17% ، وهي أعلى نسبة مشاركة ما بين الفئات المختلفة ، وهذا يعطي مؤشراً إيجابياً ، أن فئة الشباب لديهم رغبة قوية للمشاركة في صناعة القرار الوطني ، وهذه نقطة تبعث على التفاؤل للمستقبل !! . ( مركز ص 68 ، 69 ) .

     ومن هنا يفترض منا كشعوب شرق أوسطيين ، المطالبة السلمية المستمرة من حكوماتنا ، بضرورة فتح جميع القنوات لتكريس الديمقراطية الحقيقية التي يتمناها كل مواطن ، ونحن نؤكد لكم بأن استمراركم بالمطالبة سيؤدي إلى الإحلال التدريجي ، للقبضة الحديدية التي تمارسها الحكومات الشرق أوسطية على شعوبها ، لأننا نؤكد للحكومات بأن الحرية وانتصاركم الحقيقي هو بمشاركة الشعوب ، وألا الأمر سيبقى كلعبة القط والفأر ، إذا وجد القط الفرصة حاول اقتناص الفأر ، وإذا وجد الفأر الفرصة حاول اقتناص حصته من الغذاء ، وفي النهاية الاثنين أسيرين الشك والريبة والتوجس والخوف !! .

      يقول زعيم المناضلين السياسيين في القرن العشرين نيلسون مانديلا عندما كان في المعتقل : ” لقد كنت أعلم علم اليقين أن حاجة الظالم إلى الحرية أشد من حاجة المظلوم . فالذي يسلب إنسان حريته يصير هو نفسه أسير للكراهية والحقد ، يعيش وراء قضبان التعصب وضيق الأفق . فكيف لي أن أشعر بحقيقة الحرية ، وقد حرمت إنسان آخر من حريته ؟ إن الظلم يسلب كل من الظالم والمظلوم حريته ” ( مانديلا  ص 585 ) .

     لا نستطيع أن ننكر كما ذكر سلفاً ، أن المستبد بالسلطة يخلق عند الناس روح اللامبالاة ، وينفذون الأوامر حتى لو كانت تتعارض مع إرادتهم. أذكر أن سارتر يشبّه الجمهور المسلوب إرادته بممثلي المسرح : ” لا نملك سوى ترديد الكلمات والمفاهيم ، ربما بمقاطعها ، وغالباً بمعانيها، وكأننا صدى صوت يأتي من بعيد أو من قريب ، وغاية فاعليتنا بها في الحركة أن نعيش تلك المفاهيم ، كمفاهيم مسرح نمثل بها ، لا نعيشها أو نعايشها ” ! . (الجنحاني وآخرون ص 81 ) .

     إذاً ما يحدث لنا كشعوب شرق أوسطية من تهميش وسلب لإرادتنا ، حدث لكثير من الحضارات من قبلنا ، ولكن لابد للشعوب من الاستمرار ، وبطرق سلمية ، المطالبة للمشاركة في أوطانها ! . ولن يحدث ذلك إلا من خلال الديمقراطية الحقيقية ، وليست أشباه الديمقراطية ، التي تخطط في بعض الأنظمة الشرق الأوسطية !!.

     ومن هنا لابد للمبدعين ، كلٌ في مجاله ، من كسر سلاسل الأنظمة الاتوقراطية ، وكسرها سهلاً ، ولا يتطلب مجهوداً خرافياً ، وإنما يكون بطرق سلمية ، من خلال تثقيف الناس بحقوقهم وواجباتهم الوطنية ، من خلال القنوات المختلفة ، سواء كان الإعلام بشتى أنواعه ، وخاصة الشبكة العنكبوتية ، التي من السهل الآن على معظم الشباب ، التعامل معها ، وكذلك من خلال أماكن الأنشطة المختلفة ، مثل الأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية ، والجمعيات المهنية المختلفة .. إلخ .

     فالقول المشهور عن المبدعين هو : ” بأن الدولة أكثر الوحوش الباردة برودة ، وبكل البرود تكذب أيضاً ، تخرج من فمها الأكاذيب قائلة : أنا الدولة ، أنا الشعب ، وهذا كذب ، فالمبدعين هم خالقي الشعوب ، وهم من منحوها الإيمان والحب حتى تستمر الحياة ” . ( فوكوياما ص 239 ) .

     نعم أن ما تطالب به الشعوب الشرق أوسطية ، حقاً مشروعاً لها أقرته جميع التشريعات الدينية العقائدية والوضعية ، ففي ديننا نحن المسلمين ، توجد بعض الآيات القرآنية الكريمة التي تحثنا على ممارسة الديمقراطية ، قال تعالى : ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) ( الشورى : 38 )  .

     أما بالنسبة للقوانين الوضعية لحقوق الإنسان ، ففي المؤتمر العالمي الأول لحقوق الإنسان ، المنعقد بطهران عام 1968م ، أقر الحقوق الجماعية للشعوب مثل : حق تقرير المصير ، والسيادة الوطنية ، واختيار النظام السياسي والاجتماعي ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة ذات السيادة . ( الجنحاني وآخرون ص 160 ) .

     وكذلك أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1991م أن : (الانتخابات الدورية والنزيهة ، عنصر ضروري لا غنى عنه ، في الجهود المتواصلة المبذولة ، لحماية حقوق الإنسان ، ومصالح المحكومين ، وأن التجارب العملية ، تثبت أن حق كل فرد في الاشتراك في حكم بلده ، عامل حاسم في تمتع الجميع فعلياً ، بمجموعة واسعة التنوع ، من حقوق الإنسان والحريات الأساسية الأخرى ، تشمل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ) . ( الجنحاني وآخرون ص 178 ، 179 ) .

     ربما تأخذ الحماسة البعض ويقول بأن الشرق الأوسط وبالتحديد العالم العربي ، يوجد به ديمقراطية ، طبعاً سنقول له بالفعل يوجد حراك بطيء ، ويميل للستاتيكية للديمقراطية ، ويمكن أن نشبهها بلعبة القط والفأر السالفة ، فالأنظمة الشرق أوسطية عندما تشعر بالقوة ، ويصبح لها نفوذ بارز على الشارع ، يتجه كل نظام للصراع ما بين أعضائه ، لكي يصبح النفوذ محدود في يد نخبة سلطوية محددة ، وأحياناً نفس هذه النخبة السلطوية عندما تشعر بالضعف أمام الشارع ، ويتقلص نفوذها عليه ، تعود كرةً أخرى لكي توسع من دائرة الأعضاء في السلطة ، وزيادة عدد الأعضاء في هذه الحالة ، يساعد النخبة السلطوية لامتصاص نقمة الشارع، ويقلل الضغط عليها ، وهذا بشبه الأنظمة الدكتاتورية ، فهي تؤمن سلطتها من خلال ( إذا قل عدد الأنصار .. يجب زيادة عدد الأعضاء العاملين .. والعكس بالعكس ) . ( هتلر ص 315 ) .

     ولكن مهما حدث من تلاعب من الأنظمة الشرق الأوسطية بمصطلح الديمقراطية ، فعلى الشعوب التشبث بالأمل الحقيقي ، والذي نعرفه جميعاً ، فإن المستقبل لحرية الشعوب ، وليس لاستبداد الأنظمة ، ويجب على الشعوب الاستفادة الكاملة من جميع البرامج الديمقراطية ، التي تعرض عليها سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي !! . هنا سيقول البعض بأن بعض هذه البرامج الأجنبية لتحقيق أهداف محددة . سنقول لكم بأن الشعوب الشرق أوسطية ليست إمعّات ، ولكن في هذا الزمن تمتلك معظم الشعوب العربية القدر الكافي من التعليم والخبرة ، وبالتالي تستطيع الشعوب أن تختار ما يناسبها ، وتترك ما يتعارض مع قيمها ومبادئها ، وهذا أمر طبيعي ، فكل شيء في هذه الدنيا له منافع ومضار !! . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : الولايات المتحدة الأمريكية ، والاتحاد الأوربي، والثمانية الكبار ، تقدموا بمجموعة برامج للديمقراطية في الشرق الأوسط ؛ لماذا لم تستفد الشعوب من هذه البرامج ؟ .

     الإجابة على هذا الاستفسار سهلة جداً ، وسنقدمها من خلال عرضنا التالي :  إحدى المبادرات الأمريكية للإصلاح في الشرق الأوسط ، كانت المبادرة التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول في ديسمبر 2002م بعنوان : ( مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط بناء الأمل للسنوات القادمة ) . والهدف تحويل رؤية الإدارة الأمريكية من إطارها النظري إلى واقع عملي ، على طريق الدمقرطة والإصلاحات في الشرق الأوسط الكبير ، بما في ذلك منطقة الخليج .  وقد تم تخصيص مبلغ قدره 300 مليون دولار أمريكي للمبادرة للإصلاحات في أربعة مجالات هي : الإصلاح السياسي ، والإصلاح الاقتصادي ، والإصلاح التعليمي ، وتمكين المرأة والإصلاحات المتعلقة بحقوقها . ولم تكن هناك مساواة في الإنفاق على المجالات الأربعة منذ بداية إطلاق عملية تمويل مبادرة الشراكة . فما بين عامي 2002 – 2004م ، فنحو 33% من الأموال رصدت للإصلاح السياسي . وعلى الرغم من ذلك انتهى الأمر بعدم وجود أي دور للمبادرة في الضغط على الأنظمة من أجل العمل على انتهاج إصلاح حقيقي على طريق الديمقراطية . ونحو 70% من أموال المبادرة خصصت لمشاريع لمصلحة الحكومات العربية ومؤسساتها ، أو لدورات تدريبية ، وحلقات دراسية لمسئولين حكوميين وبيروقراطيين وبرلمانيين وقضاة . ( مركز ص 86 ) .

     إذاً توقفوا معنا هنا لبرهة ، وراجعوا ما ذكرناه أعلاه ، أي المبادرة الأمريكية الموجهة نحو تثقيف الشعوب للمشاركة في تقرير مصيرها ، وتطوير أوطانها ، استنفذت الحكومات العربية ما يزيد على 70% ، هل تعلمون لماذا يحدث ذلك ؟ . الإجابة سهلة ، فهو بسبب الحكومات العربية (الغت) الآخر ، أي الأنظمة السلطوية أصبحت هي الراعي الرسمي لجميع الأنشطة السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والثقافية ، والرياضية … الخ .

     وللأسف الشديد ، قامت بالأدوار المذكورة من دون أي منازع ، لأنه لا توجد مؤسسات مدنية وأهلية مستقلة استقلالاً كاملاً عن الحكومات الشرق أوسطية ، لكي تشارك في تدريب كوادرها ، ومن خلال كوادر هذه المؤسسات ، يتم نقل الخبرات إلى الشعوب ، لكي يستفيدوا من برامج الإصلاح المختلفة : السياسية والاقتصادية والتعليمية وحقوق المرأة !! .

     ويذكر ( مركز الخليج ص 86 ) دراسة هامة لثامار كوفمان ويتس ، وسارة بركس ، عيوب مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية أعلاه :
    1- إن دورها في دعم الإصلاحات في المجالات المختلفة متباين وغير متساو .
    2- إنها تركز وبشكل كبير على دعم الحكومات .
    3- عدم وجود الاهتمام الذي يثبت عمق عدم الاكتراث بتطبيق استراتيجية الحرية المتقدمة .

    أما بالنسبة لمبادرات الثمانية الكبار (G.8) ، وذلك من خلال تأسيس منتدى المستقبل ، وانعقد المؤتمر الأول في عام 2004م في المغرب ، حيث أصر الجانب العربي على أن التقدم بخطى الإصلاح ، سيكون مستحيلاً ، قبل حل أزمة الصراع العربي الإسرائيلي ( مركز ص 87 ) .

     وهنا استغرب من هذه الرواية الهزلية ، فإذا أردنا أن نجد حل ناجح ودائم لقضايانا الاستراتيجية ، فلابد لنا من الإصلاح أولاً وثانياً وأخيراً !!.

     أما بالنسبة للمؤتمر الثاني ، فعقد في مملكة البحرين في نوفمبر 2005م ، وانتهى من دون بيان ختامي بسبب رفض مصر بمساندة المملكة العربية السعودية ، تقديم دعم مالي لمنظمات المجتمع المدني غير المرخصة، مما أغضب الأمريكيين ، خصوصاً أن مصر تتلقى دعماً مالياً يصل إلى نحو ملياري دولار سنوياً من الولايات المتحدة الأمريكية . ( مركز ص 87) . وهنا حدث جدل بيننا وبين بعض الزملاء ، حول عملية التمويل الأجنبي لمؤسسات المجتمع المدني . فقلنا لهم إذا كانت مؤسسة المجتمع المدني مستوفية لجميع الشروط المطلوبة منها لنشأتها ، ويوجد لديها عجزاً لتطبيق برامجها ، وحصلت على تمويل من جهات أجنبية لدعم برامج المؤسسة المدنية الإصلاحية ، وليست لدعم برامج الجهة الأجنبية الداعمة ، فما المشكلة في ذلك ؟ . فالحقيقة نحن لا نجد مشكلة في هذا الأمر ! . وخاصةً الأنظمة السلطوية الشرق أوسطية ، تتلقى دعماً مالياً وأمنياً من الجهات الأجنبية ، وأحياناً كثيرة تستمد حتى شرعيتها من جهات أجنبية !!. فأين المشكلة في ذلك ؟ ألا تتفقون معنا ؟ .

     ولكننا نعود ونكرر ما قلناه سابقاً ، وسنعيده لاحقاً ، أن الديمقراطية الحقيقية يجب أن لا ينتظرها الأهالي ، أن تقدم لهم كهدية مغلفة مع المناسبات الاجتماعية ، وإنما يجب أن تكون مطلب شعبي ، للمشاركة في صناعة قرار وطنهم ، من خلال مؤسسات مدنية قانونية مستقلة ، لا تخضع لنفوذ السلطة ولا حتى لتمويلها المباشر ، وكذلك السلطات أجهزة سيادة قانونية ، مفصولة بعضها عن بعض ، والجميع سواسية فيها في الحقوق والواجبات .

     أما المبادرات الأجنبية لحقوق الإنسان والديمقراطية ، فهي مبادرات مؤقتة ، ولكن يجب علينا أن ندرك بأن حتى الدول الأجنبية ، التي تحاول أن تدعم الديمقراطية في أوطاننا ، لها مصالح استراتيجية عليا ، وعندما تتعارض هذه المصالح مع الدعم الذي تقدمه للشعوب في الشرق الأوسط ، ستقف مع مصالحها ، وهذا لا يحدث للشرق الأوسط فقط ، بل حتى على مستوى العالم ، فمثلاً في عام 1993م طبق الرئيس الأمريكي كلينتون عقوبة تجارية على الصين ، لانتهاكها حقوق الإنسان في ساحة تينيامين ، ولكن في ربيع 1994م لم تذعن الصين للشروط الأمريكية ، أكبر شريك تجاري لهم ، وخاصة أن هناك قوى اقتصادية أخرى ستحل محل الفراغ الأمريكي ، مثل دول الاتحاد الأوربي ؛ لذلك قرر كلينتون فصل العقوبات التجارية عن حقوق الإنسان ، وفضل كلينتون الاستمرار في التجارة مع الصين (Political P.281) .

     إذاً إذا كانت حقوق الإنسان هذه تتعارض مع المصالح الأمريكية العليا ، فلن تصادق عليها الولايات المتحدة . فهناك مجموعة اتفاقيات دولية لم تصادق عليها الولايات المتحدة منها : اتفاقية تحريم استخدام الألغام الأرضية ، وكذلك رفضت التوقيع على اتفاقية عدم تجنيد الأطفال ، لأن من ضمن برامج الولايات المتحدة الأمريكية ، تجنيد الأطفال الشباب دون سن 17 سنة ، ولم تصدق الولايات المتحدة أيضاً على اتفاقية منع التمييز ضد المرأة ، ولم تصدق على اتفاقية حقوق الطفل ، ولم تصدق على الاتفاقية للمحاكم الجنائية الدولية ، على الرغم من أنها مؤيدة لها ضد الغير ، ولكنها تخشى أن تطبق عليها يوماً من الأيام (Political pp.385-386) .

     وفي دراسة لمركز الخليج للأبحاث ، ترى الديمقراطية الأمريكية والأوربية والروسية ، ومعهم الأمم المتحدة ، مزدوجة المعايير ، أي أنهم يريدون أن يعطوا المنطقة ديمقراطية ، ولكنها ذات مواصفات خاصة ، فالصدمة للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها هي : إن نتائج الانتخابات التي جرت في السنوات الأخيرة في العالم العربي ، والتي شهدتها دول مثل: المغرب واليمن والأردن والكويت والعراق ومناطق السلطة الفلسطينية ، وحتى في الانتخابات البلدية التي جرت في السعودية ، فإن النتيجة المشتركة المدوية التي أكدتها الانتخابات في هذه الدول أن الأحزاب الإسلامية هي الأكثر تنظيماً ، والأكثر قدرة على التأثير في المشهد السياسي ( مركز ص 89 ) . والدليل على قوة تأثير الأحزاب الإسلامية في المشهد السياسي ، استطلاع الرأي الذي قامت به مؤسسة زغبي الدولية في عام 2005م ، والذي نشرت نتائجه في نوفمبر 2006م ، وقد جرى في ست دول عربية بينها دولتان خليجيتان ، هما : السعودية ، والإمارات العربية المتحدة ، بالإضافة إلى مصر والمغرب والأردن ولبنان . وتؤكد نتائج الاستطلاع ، أن أكثر من 50% من المستطلعة آرائهم في هذه الدول الست يثقون في الحكومات الإسلامية ، إذا ما وصلت إلى السلطة عن طريق الاقتراع . وعلى مستوى الدول فرادى ، وصلت هذه النسبة إلى 72% في السعودية ، و 70% في الإمارات ، كانت لديهم ثقة في الحكومات الإسلامية ( مركز ص 90 ) .

     ولعلاج الوضع أعلاه ، يرى الباحث جريجوري غوز المتخصص في شؤون الخليج التالي : على الولايات المتحدة الأمريكية أن تساند القوى الليبرالية والعلمانية ، وتدعمها وتقويها في المجتمعات العربية ، قبل مطالبة الأنظمة والضغط عليها ، لإجراء انتخابات سيستفيد منها الإسلاميون بالدرجة الأولى ، لعدم وجود بديل مقنع منافس لهم . كما يقترح على واشنطن إعادة النظر في مبادراتها وسياستها ، تجاه نشر الحريات والديمقراطية والإصلاح في المنطقة ، حتى تتم إقامة مؤسسات سياسية يمكن لها أن تنافس الأحزاب الإسلامية . وعندها ستتوفر فرص أكبر ، لأن نتائج الانتخابات في المنطقة ، أقرب للتطابق مع المصالح الأمريكية وأهدافها . وألا فإن سعي أمريكا للدفع باتجاه الإصلاح والديمقراطية ، سيفضى إلى نتائج ، ستقوض مصالح أمريكا نفسها ، حيث ستفسح المجال لطبقة من الإسلاميين في السلطة ، سيكون في الأغلب أقل تعاوناً من الحكام الاتوقراطيين الحاكمين اليوم (مركز ص 90 ) .

     إذاً ما ذكر أعلاه ، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط ، إذا لم تتعارض مع مصالحها ، ولكن إذا كان هناك تعارض بين مصالح أمريكا والديمقراطية ، فمن الأفضل على أمريكا أن تحتفظ بالحكام الاوتوقراطيين في الشرق الأوسط .

     ولكننا نؤكد للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي وروسيا والأمم ، بأنه إذا كان هناك نية صادقة من أعضاء اللجنة الرباعية ، لدعم عملية السلام في المنطقة ، بدون ازدواجية في المعايير ، في إدارة عملية السلام ما بين الفلسطينيين وإسرائيل ، أو في مرحلة متقدمة أخرى إن شاء الله ما بين العرب وإسرائيل ، ونية صادقة لإقامة ديمقراطية ، تقوم على تداول السلطة ، وعدالة توزيع الدخل ، وعدالة توزيع الوظائف ، والشفافية في إدارة المال العام ، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، وسهولة إنشاءهم مؤسساتهم المدنية والأهلية ، والفصل الحقيقي لا الصوري ما بين السلطات.. إلخ . فنؤكد مرةً أخرى للجنة الرباعية المذكورة ، أنهم سيجدون التنظيمات الإسلامية المعتدلة ، والتنظيمات الليبرالية المعتدلة ، الأكثر نزاهةً لإدارة العملية الديمقراطية ، من الحكومات الاتوقراطية ، وسنحلل لكم ذلك لاحقاً في قسم ( الأحزاب الإسلامية أكثر شفافية للحكم ) .

     وكما تتلاعب الحكومات الاتوقراطية محلياً ، بتخويف الدول العظمى من صعود ما يسمى بالإرهاب الإسلامي ، إذا فقد الحكام الاتوقراطيين تسلطهم على دولهم ! . أيضاً هناك لعبة أخرى ، تستخدمها الحكومات الاتوقراطية ، للضغط على الولايات المتحدة ،  لتعزيز التحالف معهم من خلال استغلال الملف العراقي . ففي دراسة نشرتها مجلة (Foreign Affairs )  تقول : أن الحكومات السنية الديكتاتورية ، استغلت طموح طهران ، كذريعة لمقاومة المطالب التي يقدمها مواطنيهم الشيعة ، ومطالب واشنطن للإصلاح السياسي . فمنذ عام 2003م ، قادة مصر والسعودية والأردن ، اتهموا إيران بأنها المسئولة عن الفوضى الحادثة في العراق ، وحذروا بأن إيران سيكون لها نفوذ كبير في الإقليم ! ، إذا الشيعة في العراق سيطروا على السلطة في بغداد . ومن أخطر تصريحات السيد مبارك الرئيس المصري في أبريل 2006م عندما قال : ” بأن الشيعة ولائهم الحقيقي لإيران وليست لأوطانهم التي يقطنون فيها ” . ومن خلال مثل هذه التصاريح ، يستطيع الزعماء الاتوقراطيين السنة تبرئة أنفسهم عن الفوضى الحادثة في العراق . وكذلك حجة قوية يقدموها للولايات المتحدة الأمريكية ، إن الوقت الحالي غير مناسب للإصلاح السياسي . فالزعماء السنة يرسلون رسالة غير مباشرة لواشنطن ، وهي بأنه إذا دعمت الولايات المتحدة الديمقراطية في الشرق الأوسط ، فذلك سيقوي الشيعة وإيران ، لذلك من الأفضل لأمريكا أن تتحالف مع الأنظمة الاتواقراطية السنية (Foreign Affairs P.67) .

     ومن هنا أقول للمتابعين الكرام ، بأننا فعلاً قمنا بدراسة التاريخ السياسي ، لأول تشكيل سياسي قام على وجه الأرض ، إلى يومنا هذا ، ولم أرى نظام سياسي يتلاعب ويتلون على كل الأطياف ، مثل النظام الشرق أوسطي ، وبالتحديد العربي الحالي ! . ولكننا نقول لهم إلى أين أنتم ذاهبين بالأمة ؟ . ونكرر ونقول لهم ، أرحموا أمة محمد (ص) ، فالتاريخ لا يرحم، وكل ما فعلتموه الآن سيضاف إلى رصيدكم في التاريخ ، وستخسرون الدنيا والآخرة !! .

     وكذلك يجب أن نحذر أنفسنا وإياكم هنا ، بأنه مهما حصلنا على دعم أجنبي أو محلي أو إقليمي ، لتطبيق الديمقراطية في أوطاننا ، فإنها لن تحدث ما لم تكن نابعة عن إرادة صادقة منا ، ومطلب حقيقي منا لتطبيق الديمقراطية !! .

     ففي دراسة لمؤسسة كارينغي عن التدخل العسكري الأمريكي ، تحت ذريعة نشر الديمقراطية ، في ثمانية عشرة حالة منذ بداية القرن الماضي ، لم تنجح إلا في خمس دول ، لكل منها ظروفها الخاصة ، هي : ألمانيا واليابان وايطاليا وبنما وغرينادا ( مركز ص 89 ) .

     وكذلك هناك تحفظات في مصداقية الغرب ، في دعم المجتمعات المدنية ، ويتهم العالم الصناعي الغربي بأنه عالم عنصري ، فتقول دراسة عن المجتمعات الأهلية : إن الديمقراطية الغربية ، ديمقراطية عنصرية ، وكذا مفاهيم حقوق الإنسان الأساسية ، وما هي إلا لحقوق الإنسان الغربي فقط لا غير ، إذ لو كانت هذه المرجعية تؤمن حقاً بحقوق الإنسان ، لما تمت جريمة إبادة شعب الأمريكيتين الأصلي ، وطالت شعوباً وثقافات وحضارات ، إنها عملية إبادة للبشر ، وتصفية للثقافات على نطاق واسع ، وليست مجرد جريمة فردية يمكن محاكمة من قام بها ، من ثم فهي وصمة لا تمحي ، في مصداقية المفاهيم والقيم الغربية ، والأمر نفسه في جريمة إبادة أهل استراليا الأصليين الأبوبرجيين ، وكذلك مسألة استرقاق السود (حوالي 100 مليون أسود،  مات 80% منهم في عملية القنص ذاتها ، وعمليات النقل تحت القيود ، وقمع ثوراتهم أثناء النقل ، وسوء التغذية ) . مع العلم بأن عدد سكان انجلترا وقتها كان 3 مليون نسمة ، أي ما أبيد من هنود حمر ، وأبوبرجيين ، وما استرق من السود ، ومن مات منهم ، يصلون إلى اضعاف عدد سكان انجلترا في ذلك الوقت ، وبعملية حسابية بسيطة ، فإن مقارنة الرقم بعدد سكان انجلترا حالياً ، يعني أن الرقم يمكن أن يصل إلى ما يعادل 3 مليار إنسان ، قد تمت إبادتهم ( شكر وآخرون ، ص 120 ) .

     وفي ختام محور آراء حول إمكانية إصلاح السلطة ، يقول الشايجي : لا شك في أن دول المنطقة ، تشهد عملية مؤسسة ، وتحول يبدو من الصعب التراجع عنها ، وهي تتحرك إلى الأمام نحو الإصلاح والمشاركة السياسية ، بناءً على معطيات وتفاعلات ديناميكية ، داخلية اجتماعية وسياسية ، يجب دراستها في كل دولة على حدة . إن ازدياد دخول النفط لدى دول المجلس ، قد تساهم في تأخير سرعة التغيير ، وبخاصة إذا لم يتم فرض ضرائب على المواطنين ، وذلك لا يبدو قريباً .

     ولكن وقوف النظام العربي ككل في عام 2005م ، في وجه المساعي الأمريكية الغربية ، المترددة في أن تذهب إلى النهاية في الضغط ، ومع رفض الاعتراف بدور خارجي في الإصلاحات ، والإصرار على أن التغيير نابع من الداخل ، ومن الأنظمة من ( القمة )  وليس من الشعوب (القاعدة ) ، فإن مجمل ذلك الحراك السياسي ، سيبقى على حاله ، وذلك مع استمرار التزاوج ، الذي يلعب دوراً في تآكل سيادة وسلطة الأنظمة ، وبافتراض استمرار الضغط الخارجي من إدارة أمريكية ، تعقب إدارة الرئيس بوش ، ولا يكون لديها نفس الحماس ، فسيظل ما هو موجود لدينا في المنطقة ككل ، ليس ديمقراطية ، وإنما كما يقول أحد الباحثين الأمريكيين ” شيء يشبهها ” . ( مركز ص 91 ) .

     إذاً ما هو الحل ؟ . نعتقد أن الحلول للخروج من هذه المعضلة ، هو إيجاد آليات لصناعة مؤسسات مجتمع مدني وأهلي مستقلة عن الحكومات استقالاً كاملاً ، ومن خلالها يمكن أن تنشأ صناعة الرأي ، وتدريب الشعوب على آلية المشاركة في صناعة القرار ، وتثقيفهم بأهمية المشاركة الشعبية ، في إدارة الأوطان !! .

    ثانياً : مؤسسات المجتمع المدني :

     قال فوكوياما عن الديمقراطية : ” يبدو له أن الجنس البشري ، كما لو كان قطاراً طويلاً من العربات الخشبية ، التي تجرها الجياد ، متجهاً إلى مدينة بعينها ، عبر طريق طويل ، في قلب الصحراء ، بعض هذه العربات قد حددت وجهتها بدقة ، ووصلت إليها بأسرع وقت ممكن ، والبعض الآخر اعترضه الهنود الحمر ، فضل الطريق ، والبعض الثالث أنهكته الرحلة الطويلة ، فقرر اختيار مكان وسط الصحراء ، للإقامة فيه ، وتنازل عن فكرة الوصول إلى المدينة . بينما من ضلوا الطريق ، ذهبوا يبحثون عن طرق بديلة ، للوصول إلى المدينة ، وفي النهاية يجد الجميع أنفسهم ، مجبرين على استعمال نفس الطريق ، ولو عبروا طرق فرعية مختلفة للوصول إلى غايتهم ، وفعلاً تصل أغلب هذه العربات إلى المدينة في النهاية ، وعندما تصل هذه العربات ، لا تختلف عن بعضها البعض ، إلا في شيء واحد ، وهو توقيت وصولها إلى المدينة ، سرعة أو بطء وصولها إلى … الديمقراطية الليبرالية … ومن ثم نهاية رحلتها الطويلة .. نهاية التاريخ ) . ( فوكوياما ص 279) .

     ولكن فوكوياما أقر أن الديمقراطية الحرة تعاني من مجموعة مشكلات مثل : البطالة والتلوث والمخدرات والجريمة ( فوكوياما ص 275 ) .

     إذاً نحن نستطيع أن نأخذ إيجابيات الديمقراطية ، ونترك سلبياتها باحتفاظنا بعقيدتنا الإسلامية السمحاء ، ونكرر ونشدد هنا ، بأن العقيدة ستكون الدرع الواقي لشعوبنا من الانحلال في البطالة ، لأن الإسلام حريص على وجود المسلم القوي ، والمجتمع الذي يوفر الضمان الاجتماعي لجميع شرائحه ، وتمسكنا بعقيدتنا الإسلامية ضد التلوث ، لأن رسولنا الكريم (ص) أمرنا بصيانة البيئه فمثلآ بإماطة الأذى عن الطريق ، وأن لانسرف في الماء حتى لوكنا على نهر جاري الخ.. فما بالك بالسموم البيئية التي تهد كامل الأمة والمخلوقات الأخرى على كوكب الأرض ، أما المخدرات والجريمة ، فهي تحريم قطعي في عقيدتنا السمحاء ، ولها حدود وعقوبات واضحة وصريحة !! . إذاً نقول لجميع شعوبنا في الشرق الأوسط لا خطر على ديننا من الديمقراطية ، وإنما الخطر الحقيقي الذي نعايشه ، هو الأنظمة السلطوية التي عملت إطار للدول الشرق أوسطية ، على القياسات التي تناسبها ، لكي تضمن تسلطها ونفوذها على المجتمع ، ومهما كان نوع هذا الإطار ، فليس هو المهم ، بل المهم الديمومة الجينية لابتزازها مقدرات الأمة !! .

     عموماً مصطلح نهاية التاريخ ، الذي استخدمها فوكوياما ، نعتقد بأنه مقتبسها من المدارس المختلفة ، مثل تصور أفلاطون ، كانت عنده فكرة القارة المفقودة ( اتلانتس ) في القرن الرابع قبل الميلاد ( موسوعة ص 232 ) . وكذلك جويه في أواخر القرن التاسع عشر ، وضع تصور أن العالم ينتظم في ثلاث مجموعات مزدوجة واحدة إلى الشمال ، والثانية جنوبها ، وأن الشمالية تعطي الجنوبية حضارتها ومدنيتها ، كما أنه يعتقد أن آسيا كانت مهد الحضارة ، وأن أوربا المكان الذي نضجت فيه الحضارة، وأن أمريكا الشمالية هي نقطة النهاية العظمى ، لهذه العملية الحضارية . ( رياض ص 78، 79 ) .

     وجاء بعد أفلاطون بـ 2400 سنة ، وبعد جويه بأكثر من 200 سنة ، فوكوياما ووضع نظرية نهاية التاريخ ، على أن كل العالم سيتحد في نهايته على نظرية الديمقراطية الليبرالية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية الآن ، ونعتقد أن جويه تناسى ثقافات العالم ، والتي جذورها تغوص في عمق التاريخ ، وعليه أن يتذكر إذا كانت أمريكا اللاتينية التي تشترك في التقسيمة الجيوسياسية ، مع الولايات المتحدة في العالم لم تتأثر بالثقافة التي يدعو لها فوكوياما ، والأدلة على ذلك كثيرة ، مثل : كوبا وفنزويلا .. إلخ. فكيف إذاً ستؤثر الثقافة الأمريكية على العالم القديم ؟!. والمدهش حقاً ، بأن الثقافة التي ينادي بها فوكوياما ، هي ليست ثقافة مطلقة في الولايات المتحدة الأمريكية ، وأعتقد أن الجميع يلاحظ الصراع الدائم ما بين الحزب الجمهوري الأمريكي المحافظ ، والحزب الديمقراطي الأمريكي الليبرالي ، فكل واحد من هذين الحزبين ، يحتوي على نصف عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية ، ودائماً صراعهم في الانتخابات على البقية المتبقية ، التي لم تحدد مسارها مع المحافظين أو الليبراليين ، من خلال الإغراءات المادية التي يقدمونها لهم . والسؤال الذي يطرح نفسه ، كيف أنه في النهاية سيتحد العالم على الديمقراطية الليبرالية ، وهي لم تعمم على الولايات المتحدة الأمريكية أصلاً ؟ .

     إذاً يجب أن نقر هنا جميعاً ، أننا مع الديمقراطية التي تصون وتحفظ الإرادة الجماعية للشعوب ، وتقرير المصير بالنسبة لهم ، وفي الوقت نفسه تصون عقائدهم وقيمهم ومكتسباتهم التاريخية الإيجابية !! .

     أما بالنسبة متى سيكون لدينا ديمقراطية حقيقية ؟ . نعتقد أن ذلك لن يتحقق قبل أن تصبح لدينا مؤسسات مدنية مستقلة ، لها الحق في الدفاع عن أعضاءها ، وأعضاءها لهم الدور في الدفاع عن حقوق أنصارهم ، بطرق سلمية متحضرة !! . ربما يثار هنا استفساراً يقول ، ما هو المجتمع المدني؟ هذا المصطلح نفسه عليه خلافات ، فمنهم من يقول أن المجتمع المدني هو المجتمع الأهلي ، ومنهم من يقول أن المجتمع المدني ليس المجتمع الأهلي ، ولكنه أحد فروع المجتمع الأهلي ، وسنطرح مجموعة محاور منها ، تعاريف المجتمع المدني ، وأهمية مؤسساته ، ودوره في تنمية المجتمع ومعوقاته :

    أولاً : انطلقت هذه الكلمة مع أرسطو ، وراجت عند المنظرين السياسيين الغربيين ، حتى القرن الثامن عشر ، بمعنى مجتمع المواطنين الذين لا تربطهم علاقات استلزام بعائلات أو عشائر سياسية . بعدها فصل هيغل مفهوم المجتمع المدني عن مفهوم الدولة ، وتبعه في هذه الخطوة الماركسيين ، الذين رأوا في المجتمع المدني ، طرفاً مختلفاً عن الدولة ومناقضاتها ، في توجهاته السياسية . أما اليوم ، فإن المجتمع المدني مناهض ، ومعارض للدولة التي يتهمها بالهرم والتحجر . ( الرشيدي ص 238، 239 ) .

     ثانياً : هذا التعريف يرى أن المجتمع المدني ، هو مجتمع مستقل إلى حد كبير ، عن إشراف الدول المباشر ، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي ، وروح المبادرة الفردية والجماعية ، والعمل التطوعي ، والحماسة من أجل خدمة المصلحة العامة ، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة ، رغم أنه يعلي من شأن الفرد ، إلا أنه ليس مجتمع الفردية ، بل على العكس ، مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات . وتزداد أهمية المجتمع المدني ، ونضج مؤسساته ، لما يقوم به من دور في تنظيم وتفعيل مشاركة الناس في تقرير مصائرهم ، ومواجهة السياسات التي تؤثر في معيشتهم ، وتزيد من إفقارهم ، وما يقوم به من دور في نشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية، وثقافة بناء المؤسسات ، وثقافة إعلاء من شأن المواطن ، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي ، وجذبهم إلى ساحة الفعل التاريخي ، والمساهمة بفعالية في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات ، حتى لا تترك حكراً على النخب الحاكمة . ( شكر وآخرون ص 41 ، 42 ) . بالنسبة لتصورنا ، نرى أن هذا التعريف هو الأقرب إلى أهدافنا ، من حيث تشكيل مجتمع مدني حر ، يضيء الطريق لنا ، لكي نسير نحو الديمقراطية، في الشرق الأوسط !! .

     ثالثاً : أما المؤسسات الرئيسية للمجتمع المدني ، فمنها ما يكون ذا أغراض سياسية ، كالمشاركة في صنع القرار ، على المستوى الوطني ، ومثال ذلك الأحزاب السياسية ، ومنها ذا أغراض نقابية ، كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة ، ومنها أغراض ثقافية ، كما في اتحادات الكتاب والمثقفين ، والجمعيات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي ، وفقاً لاتجاهات أعضاء كل جمعية ، ومنها أغراض اجتماعية ، للإسهام في العمل الاجتماعي ، لتحقيق التنمية .  وبالتالي يمكن القول إن الأمثلة البارزة لمؤسسات المجتمع المدني هي : الأحزاب السياسية ، النقابات العمالية ، النقابات المهنية ، الجمعيات الاجتماعية والثقافية (الجنحاني ص 89 ) ، والأندية إذا استطاعت أن تتحرر من الأنظمة الاتوقراطية !! .

     رابعاً : أهمية مؤسسات المجتمع المدني : مؤسسات المجتمع المدني مثل : الجمعيات والروابط والاتحادات والنقابات وغيرها ، تمثل مرتكزات لتعزيز عملية الإصلاح السياسي ، والتحول الديمقراطي . فهذه المؤسسات تعمل كحلقات وصل مؤسسية ، بين الدولة والمجتمع ، وتدريب أعضاءها على المشاركة .. إلخ ، وبالتالي فإن توفير الأطر المؤسسية والقانونية اللازمة لتعزيز دور منظمات المجتمع المدني ، يعتبر من العناصر الرئيسية ذات الصلة ، بمستقبل التطور السياسي والديمقراطي في القطر نفسه ، وكذلك من الممكن أن تكون علاقات إقليمية قوية ، بين مؤسسات المجتمع المدني ( مركز ص 60 ) .

     خامساً : هناك من يدعم رأينا ، ويعتقد أن مؤسسات المجتمع المدني هي الطريق نحو الديمقراطية ، ولكنهم يقولون آراءهم ، وهم حذرين ، فمثلاً منهم من يرى : أن الحل الناجح ، لا ينبعث من الحيز السياسي وتنظيماته ، بل من الفضاء المدني ومجتمعه وجمعياته ، وفي هذا الكثير من الصحة ، لأن المجتمع المدني بآليته وطبيعته ، سيخلق حالة من التناغم بين الدولة والمجتمع . وستفرز ديناميكية تتفاعل بعضها مع بعض ، للوصول إلى تلك المنظومة ، ذات المعادلة المرنة ، ولذلك تبدو ظاهرة المجتمع المدني ، والتي تنمو الآن بشكل مذهل بسبب العولمة ، مطلباً رائجاً ، وحلاً ناجحاً لتجديد روح المجتمعات ( الشرق الأوسط العدد 10136) .

     أما البعض فيرى أن المغالاة في تنمية المجتمع المدني ، لن يحقق التوازن المطلوب ، وستطفو الإشكالية على السطح من جديد ، بين الدولة والمجتمع ، وبالتالي ندور في تلك الحلقة المفرغة (الشرق الأوسط العدد 10136).

     هنا نود أن ننبه القارئ الكريم ، أن لعبة الحلقة المفرغة ، هي لعبة السلطة الاتوقراطية ، كما ذكرنا سابقاً ، وستكرر لاحقاً ، لأننا سنركز على تحذير شعوبنا الكريمة ، من اللعبة القذرة ، التي تمارسها الأنظمة الاتوقراطية ، على أية نوعية من التنظيمات الشعبية الحديثة ، وذلك لكي تقتلها في مهدها ، أو تحويل هدفها إلى مجموعة من المسارات الرخوة ، أو تشويه القواعد ، أو بعض القواعد الرئيسية ، التي تعتمد عليها في مرحلة الانطلاق !! . ولكننا نعيد ونكرر ، أن مؤسسات المجتمع المدني السليمة والمتعافية ، هي الحل ، لكي نبدأ أول خطوة نحو الديمقراطية الحقيقية ، وليست الصورية !! . والدليل على ذلك أن الدول التي تقود العالم ، تكنولوجياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً ، الآن يوجد بها أقوى تنظيمات المجتمعات المدنية !! .

     سادساً : لكي يصبح لدينا في الشرق الأوسط ، ديمقراطية حقيقية ، لابد لنا من احتكاك مباشر ، ما بين قيادات الفكر الاجتماعي والمواطنين ، وهذا الاحتكاك لن يتم ، إلا من خلال مؤسسات المجتمع المدني ، هذه المؤسسات المدنية عليها المساهمة بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، بتثقيف وتدريب شعوبنا ، على شروط انتقال المجتمع للديمقراطية ( شكر ص 15 ) :

    1- إشاعة الثقافة المدنية الديمقراطية في المجتمع .
    2- الاهتمام بتربية المواطنين ، لتتمثل هذه الثقافة وقيمها في حياتهم اليومية ، وفي علاقتهم مع الآخرين .
    3- تدريب المواطنين عملياً على الممارسة الديمقراطية .

    سابعاً : بعد مرحلة تأسيس جمعيات المجتمع المدني ، وتقديم التدريب الكافي للمواطنين ، كما ذكرنا سلفاً ، نستطيع أن ننتقل بمجتمعنا تدريجياً ، للمشاركة في صياغة القوانين والدستور ، الذي يوضح المقومات الأساسية للديمقراطية ، وهنا لا أخفيكم علماً ، بأن هذا الأسلوب التدريجي ، اقتبسته من النصائح التي صاغها نيلسون مانديلا ، في رحلته الطويلة للحرية .

     أما المقومات الأساسية للديمقراطية ( شكر ص 23 ) :

    1- إقرار مبدأ سيادة القانون ، ودولة المؤسسات ، استقلال السلطة القضائية .
    2- الاعتراف بمجموعة الحريات العامة ، وحقوق الإنسان كأساس لمجتمع مدني وإعلام حر ، بما يكفل حرية تكوين الأحزاب السياسية، والمنظمات النقابية ، وحرية الرأي ، والعقيدة ،  والاجتماع .
    3- الاعتماد على مبدأ الانتخاب العام ، لعناصر السلطة التشريعية والتنفيذية ، كأساس لتداول السلطة ، من خلال انتخابات دورية حرة، تجسد نتائجها بصدق إرادة الناخبين .
    4- الاعتراف بالتعددية السياسية والحزبية ، بكل ما يترتب عليها من نتائج .

     ثامناً : الأمثلة التي يطرحها التاريخ الحديث والمعاصر ، تقول بأن الدولة التي تمتلك مؤسسات مجتمع مدني قوية ، هي الدولة التي لا تقهر أمام الغزو الأجنبي ، والأمر سهل ، لأن هذه الدولة تملك إرادة شعبية متكاملة ومتماسكة ، عكس الدولة الاتوقراطية ، التي أصبحت إرادتها في كف زمرة غاصبة للإرادة الشعبية ، وقوتها قائمة على التهميش الكامل ، لجميع القطاعات الشعبية ، فأمام أية أزمة تنهار بدون مقاومة .  فمثلاً ، القاهرة دخلها الإنجليز عام 1882م ، من غير مقاومة ، بدأت المقاومة من جديد ، بعد أن ظهرت الجماعات الأهلية ، بفضل نشاط جمال الدين الأفغاني ، وعبد الله هندي ، وعمر لطفي ، ومصطفى كامل ، ومحمد فريد، وتمخض ذلك عن ثورة 1919م ( الجنحاني ص 12 ) .

     الأمر نفسه نلمسه ، في كل حالات الكفاح ضد المستعمر ، فثورة المقراني الحداد في الجزائر عام 1870م ، ولالا فاطمة 1874م ، وغيرها من الثورات ، وأشكال المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر ، كان من خلال حركات دينية ، أو جماعات أهلية ، والدور الذي لعبته جمعية العلماء بقيادة عبد الحميد بن باديس ، في المحافظة على الهوية العربية والإسلامية للجزائر ، هو دور هام في الإعداد للثورة في الجزائر ونجاحها . وكذلك في فلسطين ، لعب عز الدين القسام ، وهو أحد رجال الدين المستقلين ، دوراً في تفجير ثورة عام 1935م ، كانت هي الثورة الأم ، والنموذج الأساسي لكل حركات المقاومة في فلسطين فيما بعد . ( الجنحاني ص 162 ) .

     تاسعاً : حزب الله اللبناني ، يعتبر رقماً صعباً ، وفي الحقيقة نادراً ، على مستوى العالم العربي ، وحقق هذا الحزب إنجازات في المقاومة ضد الاعتداء الإسرائيلي على لبنان ، عجزت عن تحقيقه جميع الدول العربية الاتوقراطية . هل تعلمون لماذا ؟ طبعاً الإجابة سهلة ، فهو حزب يمثل مجتمع مدني مستقل عن الفساد ، الذي أصاب الدولة العربية ، والميزة التي فاز بها هذا الحزب ، عن أغلب المؤسسات الأهلية العربية ، هو بأن الأنظمة الاتوقراطية العربية ، لم تستطع أن تخترقه إلى الآن ، وأكرر مرةً أخرى ، نحن لا نخاف على حزب الله ، من أن تهزمه إسرائيل ، ولكن خوفنا الحقيقي عليه ، من اختراق النظام العربي الاتوقراطي له !! . أما آليات العمل في حزب الله فهي كالتالي : بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005م ، كان اللبنانيون يحتفلون بالانسحاب ، وكان حزب الله قلقاً من أن تقلع أنيابه من خلال التحالف الأمريكي – الفرنسي ، ويدعمهم قرار الأمم المتحدة 1559 ، الذي من ضمن بنوده ، على جميع الميليشيات اللبنانية التخلي عن أسلحتها ، وتسليمها إلى الحكومة ، ولكن ميزة لبنان بأنه يوجد فيه ، مجتمع مدني أفضل من الدول العربية الأخرى ، وإذا وجد المجتمع المدني المتعافي ، أصبح هناك مرونة اللعبة السياسية لجميع شرائح المجتمع السياسي ، على شرط أن يكون الهدف الأسمى هو ، بقاء الوطن والمحافظة عليه . ومن الخطوات التي اتخذها قادة حزب الله للمحافظة على قوته وتماسكه ، هو الدخول بقوة في الانتخابات البرلمانية ، لكي يسيطروا على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية 128 .

     وبالفعل دخل الحزب الانتخابات ، وفاز مباشرة بـ 11 مقعداً برلمانياً، وبتحالف الحزب مع القوى الشيعية الأخرى ، استطاع الحصول على تحالف شيعي ، يمثل 35 مقعداً في البرلمان ، وذلك يعني 27% من مجموع مقاعد البرلمان .

     جرت العادة ، أن يكون حزب الله قابع في مقاعد المعارضة ، ولكن بتفوقه هذه المرة ، أصبح عنده الفرصة للدخول من ضمن الحكومة ، لذلك حزب الله ومجموعته ، قبلوا الدعوة للدخول من ضمن حكومة ائتلاف ، وحصلوا على مقعدين وزاريين هما : وزارة الطاقة ووزارة العمل . وكان لتحالف حزب الله شروط على حركة المستقبل ، التي يقودها السيد سعد الحريري ، لتشكيل ائتلاف حكومي معهم ، هي : القرارات الحكومية الاستراتيجية ، وقضية سلاح حزب الله ، أن لا تخضع للتصويت المباشر في مجلس الوزراء ، وإنما تخضع للاتفاق التضامني في الائتلاف ! . وكذلك حزب الله استطاع ممارسة دوره السابق ، من خلال الحكومة ، بحيث كان قبل أن يدخل في الائتلاف ، كان يعتبر أفضل من يقدم خدمات اجتماعية لأبناء منطقته ، حتى أفضل من الخدمات الحكومية ، وعندما دخل حزب الله من ضمن الحكومة ، استطاع أن يقدم لأبناء منطقته مجموعة من المشاريع منها : محطات لمعالجة المياه بقيمة 35 مليون دولار ، ومشروع للتخلص من النفايات بقيمة 35 مليون دولار ، ومشروع طريق في منطقة البقاع بـ 68 مليون دولار . وهذا الطريق سيسهل الدخول للمناطق السياحية في البقاع مثل : المعبد الروماني ، وذلك يمثل دعم للسياحة والعمل ، في المناطق التي أغلب سكانها من الشيعة المسلمين . أما بالنسبة لشروط حزب الله أعلاه ، لدخوله الائتلاف مع تيار المستقبل لسعد الحريري ، لتشكيل الحكومة اللبنانية ، استفاد منها حزب الله ، وهو عندما أعلن رئيس الحكومة السنيورة عمل تصويت على إنشاء محكمة دولية ، لمحاكمة المتهمين باغتيال السيد رفيق الحريري ، رئيس الحكومة اللبنانية السابق ، فاحتج الوزراء من حزب الله ، وحلفاءهم ، وانسحبوا من الجلسة ، لأن ذلك يعتبر خرق لشروط الائتلاف . مما اضطر الرئيس السنيورة ، أن يقايض حزب الله ، وساهم معهم بالالتفاف على قرار مجلس الأمن 1559 ، لنزع سلاح الميليشيات اللبنانية ، وذلك من خلال تسمية حزب الله ، حركة مقاومة ضد العدو ! .

     وكذلك استطاع حزب الله أن يعقد صفقة ميشيل عون ، الذي كان أحد أهم استراتيجياته ، نزع سلاح حزب الله ، وكذلك أعطى عون وعود لأمريكا وفرنسا ، بأنه إذا حصل على الدعم الكافي ، فسوف يساهم في نزع سلاح حزب الله ، ولكن الحزب الشيعي استطاع عقد صفقة مع السيد ميشيل عون ، بعدم المطالبة بنزع سلاح الحزب ، وفي المقابل ، سيدعم حزب الله السيد عون عندما يترشح لرئاسة لبنان (The Wall Street Journal July 10th. 2006)  .

     الأغرب من ذلك ، أن لهذه المنظمة المدنية الصغيرة ، دوراً ليس في لبنان فقط ، وإنما دوراً أصبح مؤثراً ، على المعادلة الدولية العليا ، في الشرق الأوسط ، بحيث أنه بدون القضاء على حزب الله ، سيكون التحالف الأمريكي الإسرائيلي ، قلقاً من خطورة ، إذا ما حدث اعتداء أمريكي على إيران ، لا سمح الله ، وقام حزب الله ودخل في حرب مع إسرائيل ، فسوف يجذب ذلك تعاطف معظم العالم الإسلامي ، لكي يقف ضد الاعتداء الإسرائيلي على دولة إسلامية ( لبنان ) ، وهذا التعاطف سيشمل إيران ضد أمريكا ، فهناك اعتقاد سائد بأن ما يقوم به حزب الله ، ضد إسرائيل ، هو حرب بالوكالة عن إيران !! . وفي النهاية نجد المجتمعات المدنية العربية ، دائماً متفوقة على الحكومات ، فهناك منظمات مدنية إلى الآن لم تصل إلى مستوى الأداء لحزب الله ، ولكنها أيضاً أفضل من الحكومات العربية (The Wall Street Journal July 10th. 2006)  .

     أعلاه يعطينا مثال قوي ، إلى أن وجود منظمات مجتمع مدني قوي في الدولة القوية ، يعتبر رافداً لها بالكفاءات الوطنية ، على المستوى السياسي ، والثقافي ، والأمني ، والاجتماعي ، والرياضي ، … الخ . ولكن ضعف الأنظمة الاتوقراطية العربية ، حطمت هذه التنظيمات ، وما تبقى منها شوهت بنيته !! .

     عاشراً :  الغريب في الأمر ، بأن المجتمع المدني العربي ، انعكس على ضعف التنظيمات الأهلية الأخرى ، وأكثر من تأثر بذلك ، هم مواطني الدول التي معظم سكانها من السنة المسلمين ، ويعتبر ذلك أيضاً من عوامل ضعف المجتمعات المدنية ، في الدول السنية ، فتدخل الحكومات السنية في الهيئات الوقفية ، وتحويلها إلى وزارات حكومية ، أدى إلى تفشي الفساد السائد في الدول الاتوقراطية ، في المنظمات الوقفية ، مما أدى إلى تسيسها وإضعافها في الوقت نفسه . وذلك على عكس وضع المسلمين الشيعة ، قاموا بدعم الهيئات الوقفية ، مما جعل مجتمعاتهم المدنية قوية ، وتعتبر رافداً قوياً ، لدعم قضاياهم السياسية .

     وأقوى مثال أعلاه ، هو حزب الله ، وكذلك هناك منظمة مدنية قوية في العراق ، وتسمى مؤسسة أهل البيت ، ومن أقوى الداعمين لها ، آية الله محمد علي تسخيري ، أحد مستشاري آية الله خاميني، المرشد الروحي الإيراني ، وأصبح دور هذه المؤسسة بارزاً في النجف وجنوب العراق بشكل عام ، بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين ، واستثمرت عشرات الملايين من الدولارات في مشاريع عمرانية ، وفي البنية التحتية ، والمستشفيات ، وكذلك تركز لتقوية التبادل التجاري والثقافي بين العراق وإيران (Foreign Affair P.62) .

     ندرك جيداً ، بأن المواضيع المثارة أعلاه ، سوف تشكل الكثير من الجدل ، وإنما كل هذه المشاريع ، تدعمها الاستراتيجية الإيرانية ، لتشكيل هلال شيعي من إيران إلى البحر المتوسط ! . ولكن لو آمنا جدلاً ، بأن هناك استراتيجية إيرانية ، وهذا أمر طبيعي ، لأن من حق كل أمة أن تضع مجموعة من الاستراتيجيات ، قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى ، ولكن المدهش في الأمر ، والذي لا أجد له تفسيراً على المستوى العربي ، أو حتى على مستوى مجلس التعاون الخليجي ، أين الاستراتيجية العربية الإسلامية ، أو أين الاستراتيجية الخليجية العربية الإسلامية ، لدعم مجتمعاتنا المدنية ، وبدور هذه المجتمعات تنشأ كفاءات لها دور قيادي : سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وأمني ورياضي .. الخ .

     صدقوني أيها الأعزاء ، أرحام النساء عندنا لم تعجز عن إنجاب الأبطال ، الذين يستطيعون أن يغيروا مجرى التاريخ ، ولكن الأنظمة الاتوقراطية ، قتلت أحلام الأجيال ، باختطافها مقدرات الأمة ، والسيطرة عليها !! .

     هنا سأطرح اختبار بسيط للأنظمة الاتوقراطية العربية ، فإذا كنا جادين لعمل مجتمعات مدنية مستقلة عن الدولة ، وسلطانها المباشر ، لابد من إصدار التشريعات التي تسهل هذه المهمة ، فلابد من توفير الدعم المادي المستقل لها . وهنا ستثار مسألة الأوقاف مرةً أخرى ! . ولنبدأ ونضع تصور للأوقاف المستقلة ، عن سلطان الدولة المباشر ، ونوفر لها تمويل من المصادر المختلفة : الزكاة ، الصدقات ، التبرعات ، سنجد مثلاً زكاة الكنز سنوياً تصل إلى العشر أي 10% من صافي دخله ، وإذا اعتبرنا النفط والغازالطبيعي بحكم الكنز(الجزيري ص469) ، ومولنا المؤسسات الوقفية بـ 10% ، أو حتى 5% من زكاة الكنز الهايدروكاربوني العربي ، تصوروا كم المبالغ الخيالية التي ستمول مؤسساتنا الوقفية ، وهذه المؤسسات بدورها تقوم باستثمار هذه المبالغ ، في القطاعات المختلفة ، الأولية والثانية والثالثة ، فتصوروا كم من ملايين الشباب ستوظفهم هذه المؤسسات ، ومن دخل هذه المؤسسات سواءً كان ريعياً أو أرباحاً أو فوائد ، يستثمر جزء كبير لدعم المجتمعات المدنية المختلفة ، فتخيلوا ما هو الوضع الذي ستصبح عليه مجتمعاتنا المدنية ، وتخيلوا كم من الكفاءات التي ستخرجها هذه المجتمعات؟ ( المؤسسات الوقفية سنتحدث عنها في قسم الضمان الاجتماعي ، والخاتمة ) .

    الحادي عشر : لماذا إسرائيل متفوقة على العرب ؟ :

     إسرائيل يوجد بها مجتمع مدني قوي ، وهو الذي يدرب القيادات ، ويقدمهم للتنافس لقيادة الوطن ، ومن يفشل منهم ، ينسحب أو ينحى ، وتقدم القيادة لقائد جديد ، فمثلاً خيبة الأمل التي شعر بها مناحيم بيغن – رئيس وزراء إسرائيل السابق ، من تحقيق أهدافه في غزو لبنان عام 1982م ، أدت إلى اتخاذه قرار التنحي ، واستقالة وزير دفاعه شارون آنذاك . وخسر شيمعون بيريز رئيس وزراء إسرائيل السابق ، انتخابات عام 1996م ، لأنه عجز عن وقف هجمات حزب الله الصاروخية آنذاك ، وخسر رئيس وزراء إسرائيل السابق يهود باراك الانتخابات عام 2001م ، لأنه وصف عندما انسحب من لبنان عام 2000م ، بأنه كان متعجلاً ، وذلك سيشجع قيام انتفاضة فلسطينية ، والآن بدأت شعبية يهود اولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي تتناقص في استطلاعات الرأي ، من 75% عند بداية غزو لبنان في يوليو أغسطس 2006م ، إلى 50% في الأيام الأخيرة من الحرب، وحكومته مهددة بالسقوط . ( القدس العربي العدد 13287 ) .

     الآن سنعود لأمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وخاصة القسم العربي منها . كم نكبة حدثت للأمة خلال تسلط الحكومات الاتوقراطية على الحكم ؟ هل أي من هذه النكبات أدت إلى تنحي أو عزل أي من الزعماء الاتوقراطيين ؟ . طبعاً يوجد لدينا كشف كامل يشمل جميع نكبات الزعماء الاتوقراطيين في العالم ، وقمنا باختبار هذه النكبات ، ووضع الزعيم بعدها، وجدنا أن جميع الزعماء بعد أية نكبة ، يتعاملون معها وكأنها لم تكن، ويوجهوا أنظار الجمهور إلى مشروع آخر ، ويحولوها إلى نصر ، ويحتفلوا بها !! . ومن هنا أذكر أحد المحللين ، عندما كنا طلبة في بريطانيا في بداية التسعينيات ، يقول : كل الأمم تعشق الزعيم المنتصر ، إلا العرب، تعشق الزعيم المهزوم ! . ومن هنا أقول له الأمة العربية ، سلبت إرادتها ، وهمشت ، ولا مجال عندها حتى لكي تعشق أو تكره ، زعيم منتصر أو مهزوم !! .

     الثاني عشر :  ما الذي حافظ على المقاومة الفلسطينية ، مع العلم بأنه لا توجد لهم حتى الآن دولة رسمية ؟

     القوة التي حافظت على المقاومة الفلسطينية ، هي قوة مجتمعاتها المدنية ، فنلاحظ حتى وسط الحصار ، والاعتداءات التي يتعرضون لها الفلسطينيون ، بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية ، وتشكيل حكومتها في عام 2006م ، إلا أن الشعب الفلسطيني ، مازال ملتفاً حول قياداته المدنية ، ونستطيع أن نختبر ذلك ، من خلال استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي ، على عينة تبلغ 1050 شخص من كافة شرائح المجتمع الفلسطيني ، ذكور وإناث ، وكان رأيهم كالتالي ( الشرق الأوسط العدد 10094) :

    1- 65.1% من الفلسطينيين ، مع استئناف عملية السلام ، وكان لابد من رفع نسبة العينة ، أي تشمل أكثر من خمسة آلاف شخص ، وإذا كانت نسبة العينة الثانية المفترضة ، هي نفس النسبة التي تؤيد عملية السلام أعلاه ، فذلك يعني بأن عملية السلام للفلسطينيين مصيرية ، ولا بديل عنها ، ومن هنا لابد للإدارات الفلسطينية ، من الانطلاق في عملية السلام .
    2- 96.3% من الفلسطينيين ، يؤيدون إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير في غزة ، مقابل إطلاق سراح السيدات الفلسطينيات السجينات لدى إسرائيل ، والأطفال دون سن 18 سنة . وهنا لابد لإسرائيل من الانتباه ، بأن مقايضة الجندي الإسرائيلي بأسرى فلسطينيين مطلب شعبي ، وليس مطلب منظمة أو فئة فلسطينية محددة كما تدعي إسرائيل ، ومنه لا بد لإسرائيل من الاستجابة إلى هذا المطلب !! .
    3- ورغم الحصار الإسرائيلي لحماس ، والدعم الأمريكي والأوربي الكبير لها على هذا الحصار ، إلا أن 58.5% من الفلسطينيين ، ضد استقالة حكومة السيد هنية ، وهذا دليل على شرعية هذه الحكومة ، رغم أن ما يقارب من 92% من الشعب الفلسطيني ما بين قلق جداً وقلق على لقمة عيشه ، بسبب الحصار الظالم ، ووقوف الشعب الفلسطيني الحر مع حكومة هنية ، دليل على أن الشعب الفلسطيني فضل كرامته ، على لقمة العيش ، التي يتبعها الهوان !! .
    4- وكذلك رغم خسارة فتح الانتخابات التشريعية ، في بداية عام 2006م ، إلا أن رصيد أبو مازن كرئيس فلسطيني مازال مرتفعاً ، حيث وصل عدد المؤيدين لاستمراره في الرئاسة إلى 74.9% .
    5- وحول دعوة الكاتب محمد حسنين هيكل ، عندما دعا حماس للاستقالة من الحكومة ، والبقاء في المجلس التشريعي ، أيد هذه الدعوة 53.9% من المستطلع آراءهم ، وعارضها 42.3% . إذاً هنا نسبة التأييد والمعارضة متقاربتين ، والحل في مثل هذه المعضلة هو تشكيل حكومة ائتلاف !! .

     ولكن قبل تشكيل حكومة ائتلاف ، لابد من الاتفاق على برامج عمل ، وألا بقاء الوضع على ما هو عليه ، أفضل من حكومة ائتلاف متجمدة ، بسبب كثرة خلافاتها ! .

     أرجو منكم مراجعة النماذج أعلاه التي تشكل مجتمعات مدنية قوية مثل : حزب الله ، وإسرائيل ، والفصائل الفلسطينية ، وبعد ذلك ، أرجو أن تقارنوا ما بين مجتمعات مدنية مستقلة ، أو دولة احتلال ، وتملك مجتمع مدني قوي ، وما بين جميع الدول العربية الاتوقراطية ، والتفكير أيهما أفضل ، والإجابة عليه في موقعنا الإلكتروني !! .

    الثالث عشر : من أقوى أمثلة انتصار المجتمع المعاصر على نظام عنصري قهري ، هو انتصار السود المناضلين في جنوب أفريقيا ، فبعد 75 سنة ، وحمل الشعلة من جيل مناضل إلى جيل مناضل آخر ، استطاعت تنظيمات المجتمع المدني الأفريقي ، أن تهزم نظام البيض العنصري ، في جنوب أفريقيا . وفي يوم 2 فبراير 1990م ، أعلن اف دبليو كليرك رئيس النظام العنصري في جنوب أفريقيا ، بعبارة مثيرة ، هي كالتالي : ( رفع الحظر على حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ، وحزب المؤتمر القومي الأفريقي ، والحزب الشيوعي ، وإحدى وثلاثين منظمة سياسية أخرى كانت ممنوعة . وأعلن عن الإفراج عن السجناء السياسيين المحتجزين ، في قضايا لا تتعلق بالعنف ، وأعلن إلغاء عقوبة الإعدام ، ورفع الإجراءات المفروضة في إطار حالة الطوارئ ) ،  ثم قال خاتماً تصريحه ( لقد حان وقت المفاوضات )  ( مانديلا ص 521 ) .

    هذا الانتصار التاريخي يقول أن الحقوق لا تضيع إذا كان هناك مطالب لها ، ولكنها لا تأتي إلا بالنضال !! .

     الرابع  عشر :  توجد دول تقول ، لا يوجد عندنا مانع من وجود مجتمع مدني ، ولكن على شرط ، أن لا يمارس أي دور سياسي ، وطبعاً هناك تحفظات كبيرة ، على المجتمع المدني ، إذا لم يمارس أي دور سياسي ، ونحن نتفق مع القائلين ، بأن قوى المجتمع المدني ، لا تستطيع أن تؤدي رسالتها ، إذا بعدت عن العمل السياسي ، فهو سمة أساسية من سماته، فلا غرو أن تسعى كثير من النظم السياسية العربية ، إلى تهميش مؤسسات المجتمع المدني ، وتحويلها إلى هياكل خاوية ، لا يقبل عليها الناس ، بمنعها من الاهتمام بالعمل السياسي . ( الجنحاني ص 242 ) .

     وكذلك السلطات ، إذا صادرت حق تشكيل الجمعيات المدنية السياسية ، تصبح سلطة مستبدة ، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الديمقراطية في بلد يحكمه العسكر ، أو تحكمه الطائفة الدينية ، أو يحكمه نظام تسلطي مستبد ، أو نظام الحزب الواحد الشمولي .. إلخ . ( الجنحاني ص 253 ) .

    الخامس عشر : الدولة الضعيفة ، هي الدولة القامعة للمجتمع المدني :

     ذكرنا سلفاً أن الدولة القوية ، نجد بطريقة طردية ، المجتمع المدني قوي معها ، وضربنا أمثلة على ذلك ، دول العالم المتقدم ، أما الدولة الضعيفة ، فهي الدولة التي يكون المجتمع المدني فيها ضعيفاً ، فالسلطة الاتوقراطية سلطة ضعيفة الامكانيات ، وبالتالي تصمم المؤسسات الدستورية ، وشرعية السلطة على قياسها ، ولأنها دائماً تشعر بالريبة والضعف ، تقوم بقمع المجتمع المدني ، وكلما ازداد الضعف ، تقلصت مظاهر الدولة الحديثة ، وازدادت أجهزة القمع ، بحجة المحافظة على الدولة ( الجنحاني ص 53 ) . وهنا تكون الصورة واضحة بسبب ضعف المجتمع المدني ، تكون الدولة ضعيفة ، أما العكس ، فكلما كان المجتمع المدني ضعيفاً ، كانت الدولة قوية ، فهو يمثل مقولة خاطئة !! . ( الجنحاني ص 28 ) .

     ويرى الحكيم البشري ، أن الدول الحديثة عملت على تصفية مؤسسات المجتمع المدني التقليدية ، ليس لإحلال المؤسسات الأهلية الشعبية الجديدة محلها ، وهنا قضت تباعاً على التكوينات الأهلية التقليدية ، لا لتفسح لتكوينات شعبية أهلية أحدث وأكفأ ، من حيث الإدارة اللامركزية، واتخاذ القرارات الذاتية ، ولكنها قضت على القديم ، لتنهي الوجود الذاتي لمؤسسات تعتمد على ، فكر وأعراف وصلات اجتماعية راسخة ، ولتنشئ واجهات مؤسسات حديثة ، تنشأ وتعمل ، تحت الهيمنة السيادية ، لجهاز الدولة القابض . ( الجنحاني ص 125 ) .

     وأخيراً ، لابد لهذه الدول التسلطية ، من إيجاد آليات لدعم المجتمعات المدنية ، بجميع أشكالها ، مع توفير البيئة الصحية ، لتلك المجتمعات ، لإعادة تشكيل نفسها ، وحتى يكون لها دور تدريجي ، في خدمة الوطن . ويجب أن نقر جميعاً ، بأنه لن تكون عندنا دولاً قوية ، من دون وجود مجتمعات مدنية قوية ، نحن لسنا مفرطين بالتفاؤل ، بحيث نقوم بمطالبة الأنظمة المستبدة ، أن تعمل لنا مثل ما فعل الفرانكو في أسبانيا ، فمثلاً بعد وفاة فرانكو في نوفمبر 1975م ، كان قسم لا يستهان به ، من نظامه الحاكم مهيأ لقبول شرعية عدد من القوانين ، التي حلت بطريقة سلمية ، كل مؤسسات فرانكو الهامة ، وسمحت بانتخاب المجلس التأسيسي ، الذي كلف بوضع دستور ديمقراطي كامل ( فوكاياما ص 36 ) .

     ونحن أيضاً لسنا متشائمين ، من عدم تطبيق الديمقراطية ، في إقليمنا الشرق الأوسطي ، ولكننا نطالب الحكومات المتسلطة ، القيام بالإصلاح الحقيقي ، لا المكياجي ، وكذلك إعطاء الشعوب فرصة مشاركتها في عملية الإصلاح ، من دون التلاعب بكفاءات المجتمع ومقدراته !! .

    ثالثاً : الممارسة الديمقراطية في الخليج العربي :

    في بداية هذه الدراسة ، ركزت على التنبيه ، بأننا لن نعيد ما هو موجود فعلاً ، وبوفرة في مراكز البحوث الخليجية ، التي تحاول أن تغطي شتى الممارسات الديمقراطية في الخليج ، وربما أحدثهم كما ذكرت سابقاً ، هو التقرير السنوي لمركز أبحاث الخليج ( الخليج في عام 2005 – 2006م ) . وكذلك سنتجنب تحليل المواد الدستورية الخليجية بدقة ، وذلك لحساسية الموقف ، عند تحليل هذه المواد بطريقة مباشرة ، ولكن توجد لنا مجموعة من التحاليل الخاصة للدساتير الخليجية ، ومدى مرونتها لتوفير الديمقراطية الفعلية ، التي نتمناها أن تحدث في الخليج العربي .

     أما تركيزنا هنا ، فسوف ينصب بالدرجة الأولى ، على مجموعة من الأفكار العالمية ، التي قادت بالفعل للديمقراطية ، وثانياً : على الممارسات الديمقراطية الفعلية ، في الخليج العربي .

    أ – وسوف نسرد لكم في بداية هذا الموضوع ، أهم تجارب الآخرين ،  في التحذير من العقبات ، التي تعيق الديمقراطية ، وهي كالتالي :

     أولاً : التلاعب بالقوانين : يقول نيلسون مانديلا ، عندما عجزت الحكومة العنصرية ، في إيقاف الحركات الشعبية ، في جنوب أفريقيا ، قدمت قانون يسمى ، قانون مكافحة الشيوعية ، بحيث أصبح الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا بموجبه ، منظمة غير شرعية ، كما أصبح الانتماء له ، والدعوة للأفكار الشيوعية ، جريمة بحكم القانون ، عقوبتها السجن (10) سنوات ، وبادر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ، بعقد مؤتمر استثنائي في جوهانسبرغ . فصيغة ذلك القانون كانت فضفاضة ، حيث شمل المنع جميع أنواع الاحتجاج ، على سياسات الدولة تقريباً ، وأحال جريمة نشر أي فكر أو مذهب ، من شأنه الدعوة إلى أي تغيير سياسي أو صناعي أو اجتماعي أو اقتصادي ، داخل اتحاد جنوب أفريقيا ، بالتحريض على القلاقل والشغب . وبذلك أعطى القانون الجديد في الواقع ، للحكومات صلاحيات بمنع أي تنظيم ، والحد من نشاط أي شخص معارض، لسياسات الدولة . ( مانديلا ص 114 ) .

     ثانياً : السجن الأخطر ليست زنزانة السجن ، وإنما السجن بواسطة التشريعات : يقول مانديلا ، الحظر لا يكبل المرء بدنياً ، ولكنه يحجر على روحه وأفكاره ، ويولد لديه شعوراً بالضيق النفسي ، لا يجعله يحن لحرية الحركة البدنية فحسب ، بل إلى الحرية الروحية كذلك . كان الحظر لعبة خطرة ، لأن وسائل العزل والتكبيل ، لم تكن السلاسل والأغلال والقضبان، بل القوانين والتشريعات التي يمكن مخالفتها ، والخروج عنها بكل سهولة . ( مانديلا ص 140 ) .

     نحذر هنا الحكومات الشرق أوسطية ، عندما تبدأ الشعوب بمخالفة التشريعات الجائرة ، تبدأ الفوضى تدريجياً ، تسود في المجتمع ، إلى أن ينهار النظام الاتوقراطي !! .

     ثالثاً : التحذير من محاولة ضرب إسفين ما بين القوى الشعبية : يقول مانديلا : أن حكومة البيض العنصرية ، حاولت أن تلعب سياسة فرق تسد ، بمحاولاتها التفريق بين الأفريقيين والملونين والهنود . وفي استفتاء أجري في نوفمبر عام 1983م ، ساند البيض خطة بي دبليو بوتا لإنشاء برلمان ، من ثلاث غرف يضم ، إضافة إلى البيض ، ممثلين عن الهنود والملونين . وكان الهدف من ذلك استيعاب الهنود والملونين ، في النظام السياسي ، وفصلهم عن الأفريقيين ، غير أن العملية كلها كانت صورية ، لأن قرارات وأعمال الهنود والملونين البرلمانية ، خاضعة للنقض من قبل البيض . ومن أهداف تلك الخطة أيضاً ، إيهام العالم الخارجي بأن الحكومة تسعى ، إلى إدخال إصلاحات على النظام العنصري ، ولكن حيلة بوتا لم تنطل على أفراد الشعب ، فقاطع أكثر من 80% من الناخبين الهنود والملونين الانتخابات البرلمانية ، في جنوب أفريقيا لعام 1984م ( مانديلا ص 485 ، 486 ) .

     ومن هنا نحذر الشعوب في الشرق الأوسط ، من لعبة ضرب الإسفين في منطقة الشرق الأوسط ، وهي من أشهر اللعبات التي تلعبها الأنظمة الاوتقراطية ، وذلك من خلال خلق توتر دائم ، ما بين القبائل ، أو الطوائف ، أو الديانات ، أو القوميات ، ومن هنا يسهل على النظام الاتوقراطي ، تفكيك المجتع ، وبالتالي ذلك يسهل على الأنظمة الاتوقراطية، الحفاظ على مكاسبها السياسية ، لأطول وقت ممكن !! .

     رابعاً : لا ديمقراطية بدون جمعية تأسيسية ، تمثل جميع فئات المجتمع : يقول مانديلا : عندما وصلنا إلى مرحلة الانفراج ، وطالبنا بجمعية تأسيسية عامة منتخبة ، لوضع دستور للبلاد ، وأن يختار أعضائها أبناء الشعب جميعاً . ولكن قبل ذلك ، لابد من تشكيل حكومة مؤقتة ، تشرف على الفترة الانتقالية ، التي تنتهي باختيار حكومة منتخبة . لا ينبغي للحكومة أن تكون الحكم ، وطرفاً في المباراة ، كما هو الحال سابقاً . ولذا طالبنا بإنشاء مؤتمر تفاوضي ، متعدد الأحزاب ، يتولى تشكيل الحكومة المؤقتة ، ويحدد المبادئ العامة ، لمهام وأعمال الجمعية التأسيسية ( مانديلا ص 543 ) .

     بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ، لن نكون مفرطين بالتفاؤل ، أكثر مما هو مطلوب ، ولكن لابد من إيجاد آلية ، تحرك المجتمع المدني ، لكي ينطلق إلى الأمام ، ويبدأ بالمشاركة التدريجية في التشريعات ، وصناعة القرار .  وذلك الحراك التدريجي ، سيولد لدى المواطنين حب الوطن ، والتضحية من أجله ، وأن الوطن حق للجميع ، للمشاركة فيه وبنائه ، وجميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات ، والأفضلية لمن يقدم خدمات أفضل للوطن عن أقرانه ، وليست الآلية السيئة التي تستخدمها الأنظمة الاتوقراطية الآن ، عندما تسيطر على جميع مراكز القوة في الأمة ، الوظيفية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والتشريعية ، والأمنية ، وعندما يقدم لهم السؤال ، على أي أساس تسيطرون على هذه المراكز ، أو ما هو معياركم للسيطرة ؟ . يقولون : إننا نبحث عن الأشخاص الأكثر كفاءة وجودة . وما هو معيار الأشخاص الأكثر كفاءة وجودة ؟ . وطبعاً ، ليس لديهم إجابة ، إلا من خلال تملقهم بسياسة الحرباء.

     ومن هنا نحذر الجميع ، في الشرق الأوسط ، بأننا نسير نحو كارثة سياسية حقيقية ، إذا بقينا على أسلوب التلاعب السمج ، الذي أصبح معروفاً عند جميع المثقفين ، وبدورنا سنوصله كاملاً لشعوبنا . وكذلك نقول للاتوقراطيين ، بأن عملية تدارك الكارثة ، مازالت في أيديكم ، وهو من خلال الإصلاح الحقيقي ، لا الإصلاح الصوري !! .

    ب –   أهمية السلطة التشريعية في الخليج العربي :

    ومن هنا ، كما يقول الدكتور حسنين إبراهيم ، أن العلاقة بين السلطتين ، التنفيذية والتشريعية ، يحكمها في المقام الأول ، ثلاثة عوامل هي : أسلوب تشكيل المؤسسة التشريعية ، وهل هو بالانتخاب أو التعيين ؟ وحجم وطبيعة السلطات والصلاحيات ، التي تتمتع بها السلطة التشريعية . ففي الدول التي لا تمتلك فيها البرلمانات ، صلاحيات تشريعية ورقابية حقيقية ، ويغلب على دورها الطابع الاستشاري ، ويتم تشكيلها من خلال التعيين ، كما هو الحال في كل من : المملكة العربية السعودية ، والإمارات العربية المتحدة ، وقطر. في هذه الدول ، تنتفي التوترات والتجاذبات الحادة، بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ، حيث تسيطر السلطة التنفيذية ، في ظل عدم امتلاك البرلمان لصلاحيات ، تمكنه من موازنتها ، ولو بشكل نسبي . وعلى الرغم من أن هناك منتخباً في سلطنة عمان ، فصلاحياته تعتبر بصفة عامة محدودة ، كما أنه لا يمارسها بشكل فاعل ومؤثر . ( مركز ص 45 ) .

     وفي المقابل ، فإنه في الدول التي تتمتع فيها البرلمانات ، بسلطات تشريعية ورقابية يعتد بها ، والتي لم يتم تشكيلها عن طريق الانتخاب المباشر ، كما هو الحال في الكويت والبحرين ، فإن العلاقة بين السلطتين التشريعية والرقابية ، لا تسير على وتيرة واحدة من التعاون ، بل تكون عرضة لتوترات وخلافات ، وبخاصة في ظل وجود قوى وجماعات معارضة ، ممثلة في البرلمان ( مركز ص 45 ) .

     إذاً هنا نستطيع أن نجتمع ونتفق ، بأن المنتخب أفضل من المعين ، لأن المنتخب غالباً يمثل آراء الأشخاص ، الذين أعطوه صوتهم ، وفي هذه الحالة ، كل فرد منتخب في السلطة التشريعية ، يمثل رأي شريحة من المواطنين ، وهذا التمثيل النيابي ، يعتبر جزء من المشاركة الوطنية ، في صناعة القرار ، وغالباً ما يكون القرار أو القانون ، الذي يمر من خلال مجلس النواب المنتخب ، يكون له رضا شعبي أكثر ، من القانون الذي يصدر من سلطة مركزية أو اوتقراطية ، ولم تختبر مدى رضا الشارع ، عن مشروع القانون أو القرار … إلخ .

     أما أبرز النماذج الخليجية ، لمجالس النواب في ممارسة الديمقراطية، فهي كالتالي :

     أولاً : في الكويت : في ابريل 2005م ، قدم وزير الصحة محمد الجار الله استقالته ، وذلك بعد يوم واحد ، من تعرضه لاستجواب حاد ، تمكن مقدمه النائب الإسلامي ضيف بورمية ، من الحصول على تأييد العدد المطلوب من النواب ، لطلب سحب الثقة عن الوزير ، حيث وقعه النواب الشيعة ، ونواب قبيلة العوازم . كما قام النائب أحمد المليفي ، وعلي الراشد باستجواب نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون مجلس الأمة والوزراء ، محمد ضيف الله شرار ، في الحادي عشر من أبريل 2005م ، وذلك على خلفية اتهامه بالفساد . كما توترت العلاقة بين الجانبين بسبب مطالبة المجلس بإسقاط الديون عن المواطنين ، وموافقته على مشروع قانون ، بإسقاط الفوائد على ديون المتقاعدين ، وهو المشروع الذي رفضته الحكومة بشدة ، باعتباره سيحمل ميزانية الدولة فوق طاقتها . ولذلك ، قامت برده إلى المجلس ، وكان يتطلب موافقة ثلثي الأعضاء ، حتى يتسنى إعادة مناقشته ، وهو أمر لم يتحقق في الجلسة ، التي عقدت بتاريخ 26/12/2005م ( مركز ص 47 ) .

     وفي مايو 2005م ، عندما أصبح هناك نزاعاً ، بين الحكومة ومجلس الأمة ، على عدد الدوائر الانتخابية ، بحيث تقترح الحكومة ، أن يكون عدد الدوائر الانتخابية ، عشرة بدلاً من 25 دائرة ، ويقترح النواب الإصلاحيين ، أن يكون عدد الدوائر خمسة دوائر فقط ، وبعد نزاع ما بين السلطتين ، واستخدام حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت حقه الدستوري ، وقام بحل المجلس في مايو 2006م ، ودعا لانتخابات في يونيو 2006م !. واستطاع النواب الإصلاحيين ، تنظيم أنفسهم ، والفوز بغالبية مقاعد مجلس الأمة الكويتي ، بحصولهم على 35 مقعد ، من أصل 50 مقعد في البرلمان ، مقابل 29 مقعد في البرلمان السابق ، وبالمقابل تراجع عدد النواب الموالين للحكومة ، إلى 13 مقابل 19 في المجلس السابق ! (آل ثاني ، رؤيتي: سيادة الشعب www.df-althani.com ).

     أما بالنسبة للمسألة الحزبية ، في الخليج العربي ، ففي يناير 2005م، أعلن إسلاميون كويتيون ، عن تأسيس حزب الأمة ، ليكون أول حزب سياسي في الكويت ، ودول مجلس التعاون الخليجي ، بصفة عامة . وأكد مؤسسو الحزب بالتزامهم العمل بالوسائل المشروعة ، من خلال الإطار الدستوري ، كما أنه سيكون حزب مفتوح للجميع ، وفي مايو 2005م ، تقدم أعضاء الحزب لمجلس الأمة ، بمشروع قانون لتنظيم الأحزاب السياسية في الكويت ، مؤكدين أن عدداً من النواب ، وافق على تبني المشروع ودعمه . ( مركز ص 50 ) .

     وقد أثار تأسيس هذا الحزب ، معضلة سياسية وقانونية ، على صعيد الحياة السياسية في الكويت . فالحكومة لا تعترف بالأحزاب السياسية ، ولا يوجد قانون ، ينظم إشهار الأحزاب وعملها . ولذلك ، تمثل رد الفعل الحكومي ، في إحالة مؤسسي الحزب الخمسة عشرة للتحقيق ، وقد وجهت لهم النيابة العامة ، ثلاثة تهم : مخالفة قانون المطبوعات ، ومخالفة قانون التجمعات ، وتأسيس حزب يدعو إلى تغيير نظام الحكم ، وتقويض النظم السياسية والاقتصادية للدولة ( مركز ص 51 ) .

     والدعوة لإنشاء الحزب المذكور ، أثار جدلاً حتى داخل أروقة مجلس الأمة الكويتي ، فرئيس مجلس الأمة الكويتي السيد جاسم محمد الخرافي قال : ” أعتقد أنه لابد أن يكون لدينا في المستقبل ، قانون للأحزاب السياسية ، لأهميته في تنظيم العمل السياسي ” ( مركز ص 51 ) .

     أما النائب السيد محمد جاسم الصقر قال : ” أنه لا توجد ديمقراطية كاملة من دون أحزاب ، وأنا أؤيد ، أن تتحول التكتلات الموجودة ، داخل المجلس وخارجه إلى أحزاب ، لأن العمل الحزبي هو من صميم العمل الديمقراطي .. ” . وأعتقد أنه إذا تمت إصلاحات سياسية في الكويت ، فإن أحد أهم هذه الإصلاحات ، سيكون السماح بإنشاء أحزاب سياسية .. هناك خلاف كبير داخل الكويت ، حول هذا الأمر ، فالحكومة تقول أنه لا يجوز إشهار الأحزاب ، لأن القانون يمنع ذلك ، وهناك من يقول أن الدستور لم يمنع قيام الأحزاب ، لكن حتى لو كان الخلاف قائماً ، فإننا نستطيع أن نجد له مخرجاً . ( مركز ص 51 ) .

     وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك ، فيؤكد أن طبيعة الحكم في الكويت ، وغياب مبدأ تداول سلمي للسلطة ، يجعلان قيام الأحزاب ، لا معنى له . ( فكيف يمكن لحزب سياسي يملك الأغلبية داخل البرلمان ، وهو لا يملك السلطة التنفيذية ، أن يثبت جدارته السياسية ) ؟ . وهل يستطيع المشرع قيام أحزاب بعيداً عن الدين – المسيس ؟ . إن قيام الأحزاب السياسية في الكويت ، قد يؤدي إلى حدوث إشكالات سياسية واجتماعية (مركز ص 51 ) .

     خلاصة القول ، يفترض على السلطات الاتوقراطية ، احتواء الموقف ، وتعجيل الإصلاحات السياسية ، ودعم المجتمعات المدنية ، التي تساهم في توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، بطرق سلمية ، وبهذا نستطيع أن نحقق بأن الوطن فعلاً ، وطناً للجميع ، ومتساويين في الحقوق والواجبات ، والأفضل فينا يتقدم لخدمة أمته ، من خلال وسائل سلمية ، لتداول السلطة !! .

    ثانياً : الحياة النيابية في مملكة البحرين :

    بالنسبة للحياة النيابية في البحرين ، فهي موازية ، أو تفوق أحياناً ، زميلتها في الكويت ، ومن هنا يقول د. حسنين إبراهيم : ( أن التطور السياسي في الكويت والبحرين ، وما يتسم به من تفاعلات ، وتطورات كثيفة ، وحادة في بعض الأحيان ، سواء بين الحكم وقوى المعارضة ، أو بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، إنما يرجع إلى اعتبارات عدة منها : وجود قوى سياسية متبلورة في البلدين ، وهي تتمثل في الجمعيات السياسية في البحرين ، والتجمعات أو التكتلات السياسية في الكويت ، وهي في الحالتين أقرب ما تكون ، إلى الأحزاب السياسية ، مما يعزز أدوارها وأنشطتها . كما أن الصلاحيات التشريعية والرقابية ، التي يتمتع بها البرلمان في البلدين ، مقارنة بدول المجلس الأخرى ، تجعله طرفاً فاعلاً ومؤثراً ، في الحياة السياسية ، مما ينعكس على طبيعة علاقته بالسلطة التنفيذية . وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الحراك السياسي في البلدين ، وبخاصة فيما يتعلق بقضايا الإصلاح ، تؤثر بدرجة أكبر ، في ديناميكية وتفاعلات العملية السياسية ، في كل منهما . ( مركز ص 26 ) .

     أما بالنسبة للمعارضة ، في مملكة البحرين ، فنجد أقوى صراع سياسي معاصر ، نشأ في البحرين ، هو رفض ما يسمى بجمعيات التحالف الرباعي ( الوفاق الوطني الإسلامية ، والتجمع القومي الديمقراطي ، والعمل الإسلامي ، والعمل الوطني الديمقراطي ) دستور 2002م ، ومنذ صدروه ، والجمعيات المعنية تواصل نضالها السياسي ، من أجل تعديله ، بل إنها قاطعت الانتخابات التشريعية ، التي جرت في عام 2002م بسببه ، مما جعلها غير ممثلة في مجلس النواب . وخلال عام 2005م قامت جمعيات التحالف الرباعي ، بإجراءات عدة بهذا الخصوص ، منها ما يلي : تنظيم مؤتمر دستوري ، في العاشر من فبراير 2005م . وقد أنصبت أعماله على مناقشة التعديلات الدستورية المطلوبة ، والحوار بين الحكومة والمعارضة ، بشأن الدستور ، وتقييم أداء البرلمان الحالي ، واستفادت جمعيات التحالف الرباعي من العريضة ، التي وقع عليها نحو 75 ألف مواطن بحريني ، والتي يطالبون فيها بالإصلاح الدستوري . ( مركز ص 36، 37 ) .

     وأيضاً تضمن المؤتمر أعلاه ، برفع العريضة للديوان الملكي البحريني ، وتناشد الملك تعديل الدستور ، وقد رفض الديوان الملكي استلام العريضة ، معتبراً أن البرلمان هو الجهة المنوط بها ، تعديل الدستور (مركز ص 37 ) .

     وفي خلال فترة الصراع ، الذي تديره جمعيات التحالف الرباعي ، لتعديل الدستور البحريني ، صدمت بصدور قانون الجمعيات السياسية ، الذي صادق عليه الملك في يوليو 2005م ، بعد أن أقره مجلس الشورى والنواب البحريني . ووفقاً للقانون الجديد ، بعد ثلاثة أشهر من صدوره (نوفمبر 2005م ) ، إذا لم تقم الجمعية بتوفيق أوضاعها ، طبقاً لأحكام القانون الجديد ، وإعادة التسجيل لدى وزارة العدل ، التي أصبحت بمقتضاه مسئولة عن الجمعيات السياسية ، بدلاً من وزارة الشؤون الاجتماعية . وبعد انتهاء المهلة ، ستتحول الجمعيات السياسية ، التي لم توفق أوضاعها، إلى جمعيات ثقافية أو اجتماعية ، وسيحظر عليها ممارسة العمل السياسي (مركز ص 38 ) . وذلك جعل جمعيات التحالف الرباعي ، أمام معضلة حقيقية، حيث أنها ترفض دستور 2002م البحريني أصلاً ، وبالتالي فإن قبولها للتسجيل ، وفق قانون الجمعيات السياسية ، سيعني إقرارها ضمناً بهذا الدستور ! . وذلك شكل إذعاناً لهذه الجمعيات الأربع ، بعد صراع واستقالات ما بين أعضاءها ، ومنهم من احتكم إلى تصويت الجمعيات العمومية ، لرفض أو قبول التسجيل ، ولكنهم في النهاية سجلوا رغماً عنهم، حتى لا يفقدوا صفتهم ، كجمعيات سياسية ، حسب القانون الجديد . ومهما يكن من أمر ، فإن قانون الجمعيات السياسية ، سوف يظل يشكل إحدى قضايا الخلاف ، بين الحكم والمعارضة في البحرين ، خصوصاً أن الجمعيات السياسية ، تتطلع إلى قانون للأحزاب السياسية ، يتيح لها التحول إلى أحزاب ( مركز ص 39 ، 40 ) .

     وفي ختام هذا القسم ، أولاً : يجب أن نكون جميعاً حذرين ، مما يمكن أن يسفر عنه خطورة ، عدم دعم المؤسسات المدنية ، في دول مجلس التعاون الخليجي ، لأن الحركات المدنية والأهلية ، إذا لم تحصل على مطالبها بطرق سلمية ، ربما تنتقل إلى طرق ، يوجد فيها شيء من التطرف، وهذا يولد فوضى تدريجية ، في دول الخليج ، وخاصةً أن دولنا صغيرة السكان والمساحة ، وتشكل مطمع للقوى الأخرى ، لأنها تملك احتياطيات هيدروكاربونية ضخمة ، وتوجد في موقع استراتيجي ، وغير مستقرة في جوارها الجيوسياسي ، والدليل على ذلك ابتلاع النظام العراقي لدولة الكويت ، في 2 أغسطس 1990م ، في فترة لم تتجاوز ال24 ساعة ، ويوجد عليها صراع عالمي ، لأهميتها الاستراتيجية أعلاه ، وتوجد بها عمالة أجنبية كبيرة ، حيث يصل بعضها أكثر من 85% من السكان هم الأجانب .. الخ .

     ثانياً : نظام العولمة ، وقانون العمل الجديد ، أعطى الحق للعمالة الأجنبية في الدولة المضيفة ، أن يشكلوا جمعياتهم العمالية ، وهم بالأحرى التفاف على مصطلح نقابات عمالية . وخلال الاجتماع الإقليمي الآسيوي الرابع عشر لمنظمة العمل الدولية ، في مدينة بوسان الكورية الجنوبية ، قال د. علي الكعبي وزير العمل الإماراتي ، رئيس الدورة الحالية لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية : ” إن الدول الأعضاء في مجلس التعاون ، تسعى إلى صون المبادئ والحقوق الأساسية في العمل ، ودعم جهود العمال ، لإنشاء وتطوير منظماتهم التمثيلية ، من خلال النظم والتشريعات ، التي أتاحت حرية تشكيل تلك المنظمات ، في إطار من التدرج ، بالإضافة لما تضمنته النظم والتشريعات ، حول حظر أي شكل من أشكال العمل الجبري ، وتنظيم المفاوضة الجماعية ، وحق الإضراب ، وتحقيق المساواة ، وعدم التمييز في العمل ” . ( الشرق الأوسط العدد 10138 ) .

     نرجو من أرباب السلطة ، في دول مجلس التعاون الخليجي العربي ، أن ينتبهوا لخطورة الوضع أعلاه ، بحيث يسمح للعمالة الأجنبية في الخليج، التي أعدادها تصل أحياناً إلى أكثر من 85% ، من عدد سكان الدول الخليجية المضيفة لهم ، أن يشكلوا منظماتهم المدنية الخاصة ، ويحرم من ذلك أهل البلاد الأصليين !! .

     هل تدركون خطورة ذلك ؟ وهل تعلمون إلى أين نسير ؟ . أرجو أن تراجعوا تاريخ نشأة سنغافورة ( الكيالي وآخرون ، موسوعة ، الجزء الثالث ص 243)، وراجعوا أيضاً كم نسبة اليهود في فلسطين ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ونذكركم أن نسبة اليهود في فلسطين ، في أواخر القرن التاسع عشر كانت لا تتعدى 2% ، وعند إعلان دولة إسرائيل في فلسطين ، كانت نسبة اليهود ، تمثل 33% من إجمالي عدد السكان في فلسطين ( الخلايله ص 102 ) . هل نتعظ من الدرس ؟ أم سنبقى على أنانيتنا المميتة ، إلى أن نضيع، وتضيع أوطاننا معنا !! . أرجو أن تراجعوا المطابخ السياسية العالمية ، ستجدوا اليوم مثل البارحة ، ولكن من يتعظ !! .

    رابعاً : الضمان الاجتماعي لحفظ كرامة الإنسان في الخليج العربي :

    في سلسلة مقالات منشورة لنا ، في أواخر عام 1997م ، وبداية عام 1998م ، في صحيفة الراية القطرية ، ركزنا في إحدى محاورها على المشكلة السكانية ، في دول مجلس التعاون الخليجي ، وفي عام 2000م كانت نفس هذه السلسلة ، من ضمن كتابنا ” دراسات في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا ” ، وكانت مواضيع الكتاب ، عبارة عن تطبيقات ، على دول مجلس التعاون الخليجي .

     وذكرنا في المشكلة السكانية ، أن نسبة متوسطي ، أو من هم في سن العمل في دول مجلس التعاون الخليجي ( 19 – 59 سنة ) 48% من سكان الخليج ( آل ثاني ، فهد ص 51 ) .  ومجمل عدد سكان دول المجلس 33 مليون نسمة ( التقرير الاستراتيجي ص 294 ) . وافترضنا أن نصفهم مواطنين ، أي عدد المواطنين الخليجيين ، سيكون 16.5 مليون نسمة ، واستخرجنا منهم متوسطي العمر ما بين 19 – 59 سنة ، كما ذكرنا أعلاه نسبتهم 48% ، أي عددهم المطلق 7.92 مليون نسمة .

      وكما نعلم جميعاً ، أن العمود الفقري لاقتصادنا ، هو المصدر الريعي من النفط والغاز الطبيعي ، أي بمعنى آخر ، هبة المولى سبحانه وتعالى علينا ، وأعطانا احتياطيات كبيرة من الثروة الهايدروكاربونية ، أي نستطيع على المستوى الوطني ، أن نحقق دخل كبير من الثروة الهايدروكاربونية ، أي نستطيع على المستوى الوطني ، أن نحقق دخل كبير من دون التوظيف الكلي لطاقتنا البشرية ، ولعدم وجود برامج استراتيجية كبرى ، لضخ السيولة المحققة ، من وراء ريعنا الهايدروكاربوني الكبير ، في مشاريع إنتاجية وخدمية ، بحيث تساهم هذه المشاريع في التوظيف الكلي ، لطاقتنا البشرية ، ذلك الأمر خلق عندنا مشكلة وظيفية كبرى ، وهي البطالة في الخليج العربي ، حيث يصل معدل البطالة 10% ، من جملة من هم في سن العمل ، أي الرقم المطلق للبطالة ، من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي ، يصل إلى 792.000 (سبعمائة واثنان وتسعون ألف ) مواطن عاطل عن العمل .

     وأذكر في كتابي المذكور أعلاه ، بأنه لابد من صرف أجور ، لهذه الشريحة السكانية العاطلة عن العمل ، كضمان اجتماعي ، بحيث ذكرت في كتابي ، نقطة مهمة من المفروض أن ننتبه لها كخليجيين ، لأن العلاوة الاجتماعية في الدول المتقدمة ، ليست فقط للأرامل والمطلقات وكبار السن والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة ، بل وحتى للشباب من الذكور والإناث ، تصرف لهم علاوة اجتماعية ، كراتب أسبوعي أو شهري ، إلى أن يجد عمل ، أو ينهي تعليمه ويوظف . ( آل ثاني ، فهد ، ص 54 ) .

     ولكن هذه المشكلة ، إلى الآن ، لم تجد لها من مجيب ، في دول مجلس التعاون الخليجي ، رغم أن دولنا في الطفرة النفطية الأخيرة ، دفعت المليارات من الدولارات كمساعدات ، ومشاريع مشتركة على شكل مساعدات ، لشتى بقاع الأرض ، والمشكلة الحقيقية التي تحتاج إلى حل جذري ، لم نحرك لها ساكن ، كأنها موجودة في كوكب آخر . ونعتقد بصدق المثل الخليجي القائل ( عين عذارى تسقي البعيد وتخلي القريب ) ، وعين عذارى في هذه المرة هي دول مجلس التعاون الخليجي . انظروا إلى دول العالم الصناعي المتقدم ، وكيفية الاهتمام بكرامة الإنسان ، المادية والمعنوية ، ففي المملكة المتحدة ، كانت نسبة الضمان الاجتماعي 32% من الإنتاج الحكومي عام 1996 – 1997م ، ويمثل 100 مليار جنيه إسترليني ، أي لو قسم على الشعب البريطاني ، لأصبح نصيب كل فرد 2000 جنيه إسترليني (McKay pp.1,2) ، أي لو حولنا هذا المبلغ إلى دولار لأصبح نصيب كل منه 3681 دولار سنوياً ، انظر إلى تقرير التنمية البشرية لعام 2005م ، الضمان الاجتماعي في بريطانيا ، فقط يعادل الدول المصنفة من متوسطي الدخل ، مثل الاتحاد الروسي ، وجنوب أفريقيا ، والجماهيرية العربية الليبية ( تقرير التنمية البشرية ص 364 ) . ونجد ما ينفق كمساعدات للعاطلين عن العمل في بريطانيا ، من إجمالي 100 بليون جنيه إسترليني المذكورة 9% ( 9 بليون جنيه إسترليني ) (McKay p.86) .

     والفكرة هنا لصيانة كرامة الإنسان ، حتى لا يضطر للتسول ، أو تقهره الظروف ، ويتجه للجريمة والانحراف ، والظواهر المذكورة من الممكن أن تكلف المجتمع ، أضعاف المعونات الاجتماعية ، الذي يقدمها للعاطلين عن العمل ، إذا لم يتم مساعدتهم ، وإعادة تأهيلهم للعمل ! .

     هدف الضمان الاجتماعي في المملكة المتحدة (McKay,p.5) :
    1- مساعدة العاطلين عن العمل .
    2- مكافحة الفقر ، ومساعدة منخفضي الدخل .
    3- إعادة توزيع الموارد على المواطنين .
    4- إعادة توزيع الموارد من الأغنياء إلى الفقراء .
    5- تقديم تعويضات للأسر ، التي يرتفع عندها الإنفاق الضروري ، مثلاً للأطفال ، أو إذا وجد في الأسرة ذوي احتياجات خاصة .
    6- توفير مساعدات مالية للأسر في حالة النزاعات أو الطلاق أو التفكك.

     وأخيراً ، الأشخاص الذين يستفيدون من الضمان الاجتماعي البريطاني ، شرائح أخرى مثل : الأطفال ، والمرضى ، والمتقاعدين ، ومساعدات السكن ، وأصحاب الدخول المنخفضة . (McKay, p.93) .

     النقطة التي لفتت نظرنا في الأهداف المذكورة ، النقطة رقم (1) وهي وضع العاطلين عن العمل ، لأنهم بالفعل أخطر شريحة اجتماعية ، ويعتبرون العمود الفقري للمجتمع ، وهم في سن العائلون أصلاً ، أي عندما يصبحون عاطلين عن العمل ، فمن الممكن أن ينعكس تعطلهم سلباً ، على فئات اجتماعية أخرى ، مثل أسرهم . لذلك مساعدة هذه الشريحة ، من الممكن أن تنعكس على مساعدة أطفالهم وزوجاتهم .. الخ . رغم أنه توجد مساعدات في المملكة المتحدة ، خاصة بالأطفال ، وللأسر في حالة الطلاق.. الخ .

    أما أهم شروط العاطلين عن العمل ، في المملكة المتحدة ، هو بعد أن يصبح اسم الشخص ، من ضمن كشف العاطلين عن العمل ، يصبح مستحقاً لمساعدة العاطل عن العمل ، وتستمر هذه المساعدة ، إلى ستة شهور ، ولكن إذا لم يجد الشخص عمل ، بعد ستة أشهر ، تستمر المساعدة، على شرط أن يكون الشخص ، جاد في البحث عن عمل ، ومستعد لقبول العمل إذا توفر له (McKay, p.204) ، وكذلك وضعت بريطانيا حد لأدنى أجر 3.6 جنيه إسترليني في الساعة (McKay, p.204) ، أي ما يعادل 6.6 دولار أمريكي في الساعة . وهنا نحن في دول مجلس التعاون الخليجي ، يفترض أن نلزم القطاع الخاص ، أن يوظف نسبة من المواطنين ، على أن نضع قانون ، يوضح أدنى أجر للمواطن في الساعة ، وذلك لأن العمالة الأجنبية ، وخاصة من جنوب شرق آسيا ، تقبل العمل بأجور منخفضة نسبياً ، في دول مجلس التعاون الخليجي ، يكون لها قيمة في القوة الشرائية في دولهم ، دول المصدر ، ولكن بالنسبة للمواطن ، الأجر المنخفض لا يمثل له شيئاً ، في مواجهة القوى الشرائية المرتفعة ، والقابلة للتضخم بشكل سريع ، وذلك يجعله يحجم عن العمل ، في القطاع الخاص ، وحتى القطاع المختلط أحياناً !! .

     وكذلك يوجد في بريطانيا ، أشخاص آخرون يستحقون الضمان الاجتماعي ، وهم لم يصنفوا من ضمن الفئات المذكورة ، في الضمان الاجتماعي (McKay, p.204)  :

    1- ضحايا الإجرام ، ممكن أن يحصلوا على تعويضات .
    2- مسئولي التعليم المحلي ، يساعدون بعض الطلبة لشراء الملابس .
    3- طلاب التعليم العالي ، يحصلون على مساعدات أثناء دراستهم .
    4- تقديم مساعدات للأهالي للقيام بصيانة منازلهم .
    5- مساعدات للأسر التي عندها أطفال .
    6- الوقف العائلي ، الذي يمول بواسطة الحكومة ، يقدم مساعدات للأسر التي عندها حالات خاصة .

     أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، إذا أصبح الشخص عاطل عن العمل ، أي فقد عمله من دون أخطاء منه ، أصبح يستحق المساعدة ، وفي حالة تخفيض ساعات العمل ، من الممكن أن يتقدم بطلب للحصول على مساعدة ، تغطي أجره الذي خفض ، بسبب تخفيض ساعات العمل ، ومن حق العاطل عن العمل ، المستحق للمساعدة ، أن يحصل عليها لمدة لا تتجاوز 26 أسبوع ، ولكن أقصى حد يستحقه الشخص العاطل عن العمل ، هو ما يعادل 26 ضعف أجره الأسبوعي (Correspondence Praveen) . أما في فرنسا ، من خلال مقابلة (Interview) راتب العاطلين عن العمل 1000 يورو شهرياً(4500ريال قطري) ، و 700 يورو(3150ريال قطري) مساعدة للسكن شهرياً ، ومساعدة الأطفال 200 يورو(900ريال قطري) للطفل الأول ، وبعد ذلك كل طفل يولد للعائلة يصرف له 100 يورو(450ريال) ، وراتب الشباب الطلبة 300(1350ريال) يورو للطالب مع توفير السكن (Interview 24th.July2006) .
    حتى لانكون سلبيين في دول الخليج العربي توجد ضمانات اجتماعيه , على سبيل المثال في دولة قطر يوجد قانون رقم 38 لسنة 1995م , يحدد الفئات العشره الستهدفه بمساعدات الضمان الاجتماعي ,وتم زيادة مساعدات الضمان بنسبة 100% في 18\أكتوبر\2006م , ولكن نرجوا من الاخوه العاملين في هذا القطاع , من اعادة دراسة الزياده اعلاه , حتى تتناسب مع التضخم الكبير الذي حدث في السوق القطري وخاصه في الفتره 2003م-2006م, حتى تتناسب هذه المساعدات مع وضع السوق الحالي خريف 2006م لتوفير الحياه الكريمه مثل المسكن والمأكل و الكسوه و العلاج و التعليم و المواصلات و الخدمات الاخرى . وكذلك نرجوا أن تضم من ضمن هذه الشريحه ابناء القطريه من أب غير قطري . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي , ماذا عن الشريحه الواقعه مابين (19-59 سنه) وهي تمثل اهم شريحه اجتماعيه على وجه الاطلاق .

     خلاصة القول ، أن دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2006م ، وصل ناتجها المحلي إلى 466 مليار دولار(1,7تريليون ريال قطري) ( التقرير الاقتصادي الخليجي ص 23 ) بسبب القفزة الكبيرة في أسعار النفط ، وكما ذكرنا سلفاً ، لو خصصنا زكاة المعادن(الجزيري ص469 : المعدن هو كل ماتولد من الارض ,وكان من غير جنسها , سواء كان جامدآ , كاالذهب والفضه والعقيق والنحاس , اومائعآ كاالزنيخ والنفط..الخ , فيجب على من استخرج شيئآ من ذلك وملكه العشر ) وهي 10% ، من صافي الريع الهايدروكاربوني ، واستثمرناه ، ومن ريع وأرباح وفوائد الاستثمارات ، مولنا الضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل ، تحت شروط محددة ، وكذلك عملنا استراتيجية ، لدعم النمو الطبيعي للمواطنين الخليجيين ، لأننا توجد عندنا مشكلة سكانية خطيرة ، وعلاج هذه المشكلة على المدى القصير ، هو استقبال الهجرة بالحصص من مختلف مناطق العالم ، لفترات زمنية محددة ، مع التركيز على العرب، حتى لا تفقد المنطقة هويتها ، وعلى المدى الطويل ، لابد لنا من تشجيع النمو الطبيعي للسكان , وذلك من خلال الزواج المبكر للشباب ، وتسهيل توفير ضروريات الحياة لهم ، ودفع معونة لكل طفل يولد ، وهذا ما يطبق في الدول الغنية المتقدمة ، ودول الخليج ليست بأقل ثراءً من الدول المتقدمة، من حيث نصيب الفرد ، من الناتج المحلي !.
    كذلك اتفق مع ماطالب به معظم الشعب الكويتي وهو اسقاط الديون عنهم البالغه 5 مليار دولار(18,3 مليار ريال قطري ) ويدعم مطالب الشعب الكويتي 60% من  نواب البرلمان(الرايه العدد 8970) .
    وهنا ايضآ بامكان السلطات التشريعيه في الخليج العربي تبدأ في مناقشة ملف شائك مثل زواج الخليجيه من اجنبي , فهذا الملف لابد من ايجاد له حلول جذريه , فمثلآ بامكان الخليجيه التزوج من غير مواطن اذا توفرت فيه شروط الزواج مثل اجازة ولي امر المرأه وان يكون ذو كفاءه , ومكان الاقامه بعد الزواج. فاذا اكتملت الشروط اعلاه وكان من ضمن الاتفاق ان تقيم الخليجيه في موطنها الاصلي لاارى مبرر لعدم استلام ابناءها الجنسيه,ففي اندونيسيا مثلآ اقر بقانون جديد اعطاء ابناء الاندونيسيه المتزوجه من اجنبي الجنسيه الاندونيسيه ضمن شروط محدده(الرايه العدد 8965).اذآ نحن في الخليج العربي لماذا لانبحث عن حلول لمثل هذه المشكله المستعصيه؟. وتكون الحلول تتناسب مع واقع مجتمعنا وعادتنا وتقاليدنا , ولوجدنا حل لهذه المشكله , فذلك سيساهم في علاج مشكلة الفقر السكاني التي لدينا في الخليج العربي .
    ويضاف الى اعلاه قضيه خليجيه تعتبر كالبركان الذي قارب على الانفجار وهي قضية البدون وسبق وحذرنا منها في عام 1997م,ومذكوره في كتابنا الجفرافيا السياسيه(ص35,34,33,32).وعلاجها سيساهم في علاج الفقر السكاني الخليجي , وتركها سيزيد مشكلة الخلل السكاني الخليجي سوءآ.
    علاج قضية ابناء الخليجيه المتزوجه من غير مواطن,وقضية البدون,سيساهم في ضخ دماء مواطنه جديده في سوق العمل الخليجي لواستطعنا تداركها!.ولو اضفنا الى ذلك محاولة تشجيع الزياده الديموغرافيه الطبيعيه من اولآ دعم وتشجيع الزواج وتعدد الزواجات اذا امكن في حدود من التفهم ضيقه ,ثانيآ اضافة علاوه اجتماعيه لكل طفل يولد لاسره خليجيه مثل ماهو معمول به مثلآ في دولة الامارات العربيه المتحده , بحيث لكل طفل يولد راتب وقدره 600 درهم (165 دولار امريكي)(جريدة الخليج 30\نوفمبر\2006م).لذلك الحلول لعلاج مشكلة الفقر السكاني,وزيادة مواردنا البشريه مازالت في ايدينا,واذا لم نعالجها الان,فنحن مهددين بالنموذج السنغافوري لاسمح الله .واذا طبقنا برامج معالجة المشكله السكانيه ,واستطعنا أن نؤوسس رافد مالي وقفي قوي يساهم في الضمان الاجتماعي  , ودعم تأسيس منظمات المجتمع المدني ,كل ذلك سيدفع الديمقراطيه الحقيقيه لاالصوريه الى الامام .

     نحن لم نأت ببدعة ، ولكن هذا هو المطبق عالمياً ، فالدول الغنية المانحة تعهدت ، أن تدفع ما يعادل 7, 0% ، من قيمة ناتجها المحلي ، كمساعدات للدول الفقيرة . ( تقرير التنمية البشرية ص 84 ) . وإذا وفرت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ، هذا التعهد ، فذلك سيصل إلى أكثر من 84 مليار دولار ، لمساعدة العالم الخارجي .

     أما المخاوف الآن في دول الخليج ، أن الطفرة النفطية لن توظف لحل المشكلة أعلاه ، ولكن من الممكن أن تؤدي هذه الطفرة ، في الأسعار والعائدات ،  إلى تجميد عملية الإصلاح السياسي ، حيث أنها تعزز الإمكانيات ، للنظم الحاكمة ، مما يدعم استقلاليتها أمام المجتمع ، وكذلك يدعم قدرتها على السيطرة ، ولكن في المقابل ، فإن هناك من يرى أن هذه الطفرة النفطية ، تشكل عاملاً مساعداً ، على الإصلاح السياسي ، حيث تمكن الدول المعنية من مواجهة مشكلاتها ، ومتاعبها الاقتصادية ، وبخاصة فيما يتعلق بعجز الميزانية ، ومشكلة البطالة ( مركز 58 ) .

     بعد حدوث الارتفاع الكبير ، في أسعار النفط ، والهايدروكاربون بشكل عام ، ومشتقاته ، وأصبح دخل دولنا أكثر من ضعف ما كانت عليه ، في عام 2000م ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، إلى أين يذهب هذا المال العام ؟ وخاصةً أنه لا يوجد شفافية واضحة ، توضح لنا الدخل السنوي لدولنا ، والنفقات العامة ، والاحتياطي ، والآلية التي توظف بها الأموال الفائضة . ففي النرويج مثلاً ، بعد أن أصبح لديهم فائض ، أعلن البنك المركزي النرويجي ، أن قيمة استثمارات الصندوق الحكومي ، لادخار الثروة النفطية ، لأجيال المستقبل ، نمت إلى 241 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2006م ، وأسست الحكومة الصندوق عام 1996م ، لادخار جزء من الثروة النفطية ، لأجيال المستقبل ، وتخفيف الضغوط التضخمية على الاقتصاد . ويدير البنك المركزي الصندوق ، ويستثمر أمواله في السندات والأسهم الأجنبية ( الشرق لأوسط العدد 10130 ) .

    وفي ختام هذا القسم ، نقول لن يتحقق الضمان الاجتماعي الحقيقي ، الذي لا يتبعه لا جميل ولا منة من أحد ، إلا بعملية إصلاح حقيقية بمنطقتنا، تخرجنا من هذا النفق الدامس الظلام ، وإن كنت أرى في آخر النفق ، بصيص من النور ، وهو الأمل إن شاء الله !! .

    خامساً : الأحزاب الإسلامية الأكثر شفافية للحكم :

     نحن نستغرب ، عندما يتم في بعض الدول الشرق أوسطية ، إنشاء أحزاب إسلامية ، تقام الدنيا ولا تقعد ، علماً بأن الحزب الجمهوري ، الذي يحكم العالم الآن ( سبتمبر 2006م ) هو حزب ديني ، وقادته المحافظون الجدد . وفي ألمانيا أكبر دولية أوربية ، يحكمها الحزب الديمقراطي المسيحي ، وهو ذو صبغة دينية . طبعاً نحن هنا ضد التطرف ، بجميع أشكاله ، سواءً كان مسيحياً ، أو يهودياً ، أو قومياً ، أو طائفياً ، أو إذا كان يشمل أية أيديولوجية أخرى . وأعتقد لتجنب هذا اللفظ ، لابد لنا من الاحتكام للدستور ، ولكي نحتكم للدستور ، لابد أن يؤسس الدستور من خلال إرادة شعبية كاملة ، وذلك لا يتم إلا من خلال ، جمعية تأسيسية منتخبة ، تقوم بتشكيل الدستور ، بما يتوافق مع الأمة وأهدافها ، ويوضح فيه بدقة ، الواجبات والحقوق المفروضة ، على كل مواطن ، وجميع السلطات تعتمد على الصلاحيات الدستورية ، المصرح لها باستخدامها . وبعد ذلك يتم استفتاء شعبي ، على جميع مواد الدستور المشكل ، من خلال الجمعية التأسيسية المنتخبة ، ويفترض أن يكون الدستور مرن ، وقابل للتعديل بطريقة دورية ، في فترات زمنية محددة ، حتى نتجنب الجمود الدستوري ، وذلك الجمود يشكل أحياناً في بعض الدول ، مشاكل تصل في بعضها ، إلى حالة من الفوضى !! .

     أعجبتني مقالة كتبها د. سعد الدين إبراهيم ، رغم أنه علماني ، وأتهم في فترة من الفترات ، بأنه عميل للولايات المتحدة الأمريكية في مصر ، وعلى أثر ذلك زج به إلى السجن ، ولكن سعد الدين إبراهيم أثبت من خلال مقالته التالية ، بأنه صاحب مبدأ ، وليس عميلاً لأحد ، وأنه يقول رأيه بكل صراحة ، حتى لو تعارض ذلك ، مع فكره الأيديولوجي ، فيرى د. إبراهيم ( أن الحركات الإسلامية ، استطاعت أن تتجاوز الأمراض السياسية المهلكة ، في الشرق الأوسط . لقد تغلبت على مظلة اختيار القيادات ، ومشكلة الفساد ، فالأخوان المسلمون مثلاً ، توالى على قياداتها ، ستة مرشدين ( حسن البنا ، حسن الهضيبي ، عمر التلمساني ، حامد أبو النصر، مأمون الهضيبي ، وأخيراً مهدي عاكف ) . وحزب الله توارد على قيادته ، ثلاثة أمناء ، خلال 24 سنة ، أي بمعدل زعيم كل 8 سنوات . ونفس الشيء حماس ، خلال العشرين سنة التي هي كل تاريخها ، تداول السلطة فيها ، ثلاثة رؤساء : ياسين ، والرنتيسي ، وإسماعيل هنية . وهذه النزعة في الإحلال والإبدال السلمي للقيادات ، هو عملة نادرة ، لا فقط بين رؤساء الدول ، بل رؤساء الأحزاب في عالمنا العربي . فالقذافي على قمة السلطة الليبية منذ 37 سنة ، وعلي عبد الله صالح على قمة السلطة اليمنية منذ 27 سنة ، والرئيس مبارك منذ 25 سنة . وينطبق نفسي الشيء على الأحزاب العلمانية مثل : الوفد ، والتجمع ، والعمل في مصر ، والاتحاد ، والاستقلال الاشتراكي في المغرب . وعدم تغيير وتبديل القيادات دورياً ، هو أحد أسباب إصابتها بتصلب الشرايين ، وفقر الخيال والإبداع ، ونضوب الشجاعة ، لذلك انفضت الناس عنها . أما مشكلة الفساد ، فقد تجاوزتها الأحزاب الإسلامية ، فقيادات الأحزاب الإسلامية ، رغم الزيادة المفردة للموارد المالية ، للأحزاب الإسلامية ، إلا أن قيادتها تتسم بأسلوب حياة بسيط ومتواضع ، وكذلك بقيت هذه القيادات في قلب الأحياء الشعبية ، التي نشأت فيها . لذلك فإن ملاهي الحياة ، لم تغرهم بالفساد أو الانحراف . تبقى مسألة الديمقراطية ، وهنا تقاطع غريب ، بين ما يريد الرئيس بوش ، وما يمارسه معظم الإسلاميين بالفعل ، فحزب الله ، وحماس ، والأخوان المسلمين ، وحزب العدالة والتنمية في تركيا والمغرب ، قد قبلوا ومارسوا الديمقراطية الانتخابية ) ( الراية العدد 8871 ) .

     والمتابع لهذه الدراسة ، يمكنه أن يلاحظ أننا استخدمنا خلالها شهادتين ، لأصحاب أيديولوجيات أخرى ، غير المدارس السياسية الإسلامية ، ففي بداية الدراسة ، شهادة السيد سيف الإسلام القذافي من ليبيا، وشهادة د. سعد الدين إبراهيم من مصر .

     أما بالنسبة للشارع العربي ، وتعاطفه السياسي ، فنجده أيضاً يؤيد التيارات السياسية الإسلامية ، ففي استطلاعات للرأي ، نقلته محطة تلفزيون العربية ، عن مراكز أخرى ، لآراء الجماهير الإسلامية ، عن أهم القياديين المسلمين ، في أغسطس 2006م ، كانت الإجابة كالتالي :

    1- السيد حسن نصر الله ( حزب الله ) الأول .
    2- السيد أحمد نجاد ( الرئيس الإيراني ) الثاني .
    3- السيد خالد مشعل ( حركة حماس الفلسطينية ) الثالث .
    4- السيد أسامة بن لادن ( زعيم تنظيم القاعدة ) الرابع .

     وفي استطلاع للرأي ، نشرته الجزيرة نت ، في الفترة من 23- 26/8/2006م ، كان السؤال كالتالي : هل تؤيد أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي ، مقابل الحوافز الأوربية ؟ .

     كان عدد المشاركين : 30036 شخص ، وكانت إجابة الرافضين عن تخلي إيران عن برنامجها النووي ، أي القائلين (لا) للعرض الأوربي 92.7% من العينة الكبيرة أعلاه .

     ومن هنا نخاطب الإدارة الأمريكية ، بأننا متجهون نحو كارثة ، وأسلوب الضغط والعنف والتهميش ، لبعض الحركات الإسلامية ، وخاصة المعتدل منها ، سيولد ردة فعل قاسية ، وسيكون نتيجتها ، إفشاء ثقافة التطرف والعنف ، في المجتمعات الإسلامية ، وخلق عداء مباشر ما بين الشعوب الإسلامية ، والشعوب الأوربية والأمريكية ، بسبب أخطاء سياسية من إدارة أمريكية ، أو بعض الإدارات الأوربية ، التي لم تضع التصورات الاستراتيجية المناسبة للمنطقة ، للتعامل معها ، ومع الاضطهاد والظلم الذي يعانيه سكانها ، وكذلك عملية الكراهية ، التي تنمو تدريجياً ما بين الشعوب، في العالم الإسلامي والعالم الغربي ، مستفيد منها الأنظمة الاوتوقراطية التي لا يهمها ، إلا مصالحها الذاتية الآنية ، وكأنها لا تعلم بأن البركان إذا انفجر ، فإنه سيحرق الجميع !! .

     وفي استطلاع للرأي نشرته بيو غلو بال أتيتيودز بروجيكت ، اثبت استطلاع للرأي ، بأن الهوة بدأت تتسع ، ما بين العالم الإسلامي ، والعالم الغربي ، والعداء بدأ يزداد طردياً ، وسنعرض عليكم بعض النتائج :

     أولاً : هل نخاف من تصاعد التطرف الإسلامي ؟ .. ، 72% من المستطلع آراءهم في أمريكا ، أجابوا بنعم ، و 70% من المستطلع آراءهم في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا ، أجابوا بنعم ، خائفين من التطرف ، و 60% من المستطلعة آراءهم في أسبانيا والأردن ومصر ، خائفين من التطرف ، وهنا نلاحظ دولتين عربيتين إسلاميتين ، شاركتا في استطلاع الرأي ، وأبدوا تخوفهم من التطرف ، وذلك يدل على أن الاستراتيجية ، الأمريكية البريطانية الإسرائيلية ، في المنطقة خطأ ، وتجر المنطقة تدريجياً إلى كارثة ، لأن العنف في التاريخ ، لا يزيد إلا العنف والكراهية !! .

     ثانياً : هل أنتم معادون للإسلام ؟ .. أجاب 63% من الألمان بنعم ، 60% من الأسبان بنعم ، و 56% من الفرنسيين بنعم ، و 40% من البريطانيين بنعم .

     ثالثاً : طرح نفس السؤال ، على عينات في العالم الإسلامي كالتالي : هل تشعرون أن الأوربيون يكرهون المسلمين ؟ .. كانت الإجابة 63% من المصريين بنعم ، و 61% من الباكستانيين بنعم ، و 57% من الأتراك بنعم، و 50% من الأردنيين الذين شملهم استطلاع الرأي بنعم .

    إذاً نتيجة الحرب على الإرهاب ، في أفغانستان ، وحرب الحرية والديمقراطية ، في العراق ، واضحة وصريحة ، بدلاً من اللعبة السياسية ، التي كانت تديرها الإدارات ، في الدول المتقدمة ، ضد الأنظمة الاتوقراطية، مثل الطلب منهم أحياناً ، إعطاء الديمقراطية ، وصيانة حقوق الإنسان ، في دولنا في العالم العربي والإسلامي ، وذلك حتى يجعل الأنظمة الاتوقراطية دائماً ، مذعنة للشروط التي تملى عليها ، من العالم الغربي ، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى ما هو أسوأ من ذلك ، وهو العنف المستخدم في منطقتنا ، ولد الكراهية ما بين الأمم ، وهذا الطوفان إذا هاج ، لن يستطع أن يوقفه ، لا إدارات غربية ، ولا إدارات اوتوقراطية ، وإنما سيكون كالفيضان الجارف ، الذي يغرق الجميع ، لا سمح الله !!

     خلاصة القول ، يا سيد بوش ، العراق بعد عملية الحرية ، أصبح فوضى ، وبحار من الدماء تسيل فيه يومياً ، وهذا الخطر لا يهدد العراق وحده ، بل يهدد جميع دول جواره الجيوسياسي ، والشرق الأوسط بأكمله .

     وفي استطلاع للرأي ، نشرته محطة (CNN) الأمريكية ، يقول أن 61% من الأمريكيين ، مع الانسحاب من العراق ( نقلاً عن تلفزيون العربية 23/8/2006م ) . يا سيد بوش ، إذا تم انسحابكم من العراق ، والمنطقة في حالة فوضى . ما هو تصوركم الاستراتيجي للمنطقة ، هل هي الفوضى الخلاقة ؟! .

    سادساً : الخاتمـــة :

     نظرية الفوضى الخلاقة ، نظرية خاصة بالإدارة الأمريكية ، بعد تحرير العراق في عام 2003م ، وخلاصة تصور النظرية ، هو الدولة الفاسدة أو الاتوقراطية أو المركزية ، لا تصلح ، إلا بعد تفكيك جميع البني التحتية للدولة ، من مؤسسات اوتوقراطية ، سواءً كان سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً أو ثقافياً ، ومن ثم يعاد بناءها من جديد ، على النظرية الديمقراطية الليبرالية ، التي تؤمن بها الولايات المتحدة الأمريكية ، وضرب مثلاً على ذلك ، هو تفكيك وإعادة بناء دول شرق أوربا ، مثلاً ، يوغسلافيا كانت دولة واحدة ، وللذكرى أصبحت صربيا ، وكرواتيا ، والبوسنة والهرسك ، وماسا دونيا ، والجبل الأسود ، وكوسوفو ، والبقية تأتي ، إذاً أيها العرب الخليجيين ، إذا كنتم تريدون الفوضى الخلاقة ، فقد بدأت في العراق !! .

     أما قول النازية عن الفوضى الخلاقة ، فقد بدأ منذ أكثر من قرن من الزمن تقريباً ، فهدفها إشاعة الفوضى ، والدمار في العالم ، ليتسنى إلى الشعب المختار ، أن يستغل هذه الحالة ، ويفرض مشيئته في كل مكان . (هتلر ص 80 ) . طبعاً نحن نرفض كل البرامج العنصرية ، التي كانت عند النازيين ، ولكن وجدنا في وثائقهم ، ما هو شبيه لما يحدث لعالمنا العربي ، فهل إدارة السيد بوش مازالت تعتقد أن الفوضى الخلاقة ، مازالت العلاج الناجح للمنطقة ؟! .

     أخيراً ، إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ، والاتحاد الأوربي ، والمنظمة الدولية ( الأمم المتحدة ) جادين في مساعدة الخليج العربي ، والشرق الأوسط ، للدخول إلى عصر الديمقراطية ، فعليهم دعم القطاع الأهلي والمدني ، معنوياً ، وإذا تطلب ذلك مادياً ، لا يوجد مانع ، من خلال قنوات شفافة . ولم لا ؟ .. فالدول العربية بها نسبة لا بأس بها ، تتلقى دعم مادي وأمني مباشر من الخارج ، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية!! . أما الحل الآخر للمساهمة ، في دعم وتمويل المجتمع الأهلي ، والمدني محلياً ، فيجب أن توجد مؤسسة وقفية أهلية ، وتشرف عليها لجنة وطنية منتخبة شعبياً ، وتقوم هذه اللجنة بالإشراف على مؤسسات المجتمع المدني ، ولنقل نسبة من عائدات الهايدروكاربون ، نوقفها لدعم المجتمع المدني والأهلي ( كما ذكرنا سابقاً عن زكاة الكنز ) .

     أما في وضعنا الحالي ، فالحكومات العربية تملك ملكية مطلقة الموارد الطبيعية ، وكذلك تتلقى دعماً مادياً ومعنوياً من الدول الأجنبية ، بمعنى أن كل عوامل التسلط والسيطرة ، في القبضة الحديدية للحكومات العربية ، طبعاً القبضة الحديدية على شعوبها فقط ، للأسف !! . أما إذا بقينا على الوضع الحالي ، فمن أين إمكانية أن نجد مجتمع مدني وأهلي ، يتدرج إلى أن يصل بطريقة سلمية ، إلى قمة الديمقراطية ، التي نتمناها لأمتنا ، وهي التي ستخرج من حالة الجمود التي نحن فيها !! .

     أما محاور الديمقراطية التي ننشدها لأمتنا هي :

    أولاً : إنشاء جمعية تأسيسية منتخبة لصياغة الدساتير .
    ثانياً : تداول السلطة .
    ثالثاً : عدالة توزيع الدخل .
    رابعاً : عدالة توزيع الوظائف .
    خامساً: توسيع قاعدة المشاركة الشعبية .
    سادساً: الشفافية في إدارة المال العام .
    سابعاً : الشفافية الكاملة في القطاع الإداري العام .
    ثامناً : صياغة حقوق الإنسان كاملة واحترامها .
    تاسعاً : إيقاف العنصرية والاستبداد إيقافاً مطلقاً .

     ولكن هل الطفرة النفطية التي تشهدها المنطقة ، ستساهم في مساعدة الخليج العربي ، في تطبيق الديمقراطية ؟ .
    هنا لها محورين , اولآ في يوم 13\نوفمبر\شاهدنا في تلفزيون الكويت برنامج فيه نقاش حول الفائده من الثوره النفطيه وركز في ه المشاركين على ثلاثة محاور رئيسيه هي:اولآ مشكلة البطاله بين شباب في ثالث اغنى دوله نفطيه,واثار احدى المشاركين بأنه مندهش بعامل البطاله مابين الشباب المواطنين والقطاع النفطي يوظف مايقارب 35000 مابين موظف وعامل اجنبي,ثانيآ وتناقش المشاركين حول صندوق الكويت للاجيال القادمه (استثمارات الصندوق 100 بليون دولار امريكي ) بحيث يوجد في الكويت مطالب 1- عمل شفافيه كامله حول ادارة الصندوق 2- توزيع 25% من صافي ارباح الصندوق السنويه على المواطنين فوق 18 سنه ,ثالثآ وهي من اخطر النقاط وهي ,بانه اذا انخفض سعر برميل النفط الى 34دولار , فخلال خمس سنوات , ستكون عجز الميزانيه الخليجيه 100 بليون دولار, بمعنى اخر سيكون ذلك كارثه اقتصاديه حلت على اهل الكويت,وماينطبق على الكويت ينطبق على جميع دول مجلس التعون الخليجي العربي.

     المحور الثاني (ايضآ يقول أن ارتفاع النفط سيشكل كارثه على مواطني دول مجلس التعاون الخليجي , اذا لاتوجد ديمقراطيه حقيقيه في الخليج العربي) ، فا مايكل أل روس ، من جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس : عمل دراسة إحصائية على 13 دولة بين 1971 ، و 1997م ، استنتج روس أن اعتماد دولة على الصادرات النفطية ، يجعلها إجمالاً أقل ديمقراطية ، وأن هذا التأثير ، ليس ناتجاً عن أي نوع آخر من الصادرات الأساسية ، وأنه ليس محصوراً في شبه الجزيرة العربية ، أو الشرق الأوسط ، أو أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، وأنه لا يقتصر على الدول الصغيرة . أما الآليات التي يراها روس ، والتي يعيق الثراء النفطي المفرط ، من خلالها الديمقراطية : أولاً : ما يسمى بالتأثير الضريبي ، فحكومات الدول الغنية بالنفط ، تميل إلى استعمال عوائدها ، للتخفيف من الضغوط الاجتماعية ، التي كانت سوف تؤدي إلى مطالبات ، بأن تكون النخبة الحاكمة ، أكثر مسؤولية تجاه الشعب ، أو بتمثيل أكبر في تلك السلطة . بعبارة أخرى ، شعار الثورة الأمريكية ، لا ضرائب من دون تمثيل ، وشعار الدول النفطية الاستبدادية ، لا تمثيل من دون ضرائب . فالأنظمة المدعومة نفطياً ، غير مضطرة لفرض ضرائب على شعبها ، لكي تستمر ، لأنها بكل بساطة ، تستطيع حفر بئر نفط . ثانياً : تأثير الإنفاق، فالثراء النفطي يؤدي إلى إنفاق دعائي أكبر ، يضعف بدوره الضغوط ، لنشر الديمقراطية . ثالثاً : التأثير على نشوء المجموعات ، عندما توفر عوائد النفط ، ربحاً نقدياً مفاجئاً ، لدولة الاستبدادية ، يمكن أن تستخدم الحكومة ثروتها الجديدة ، لمنع نشوء المجموعات المستقلة ، لاسيما المجموعات الأكثر ميلاً ، إلى المطالبة بحقوق سياسية . رابعاً : التأثير القمعي ، لأنها تتيح للحكومات ، أن تنفق بإسراف على الشرطة ، وقوة الأمن الداخلي ، والاستخبارات ، لقمع الحركات الديمقراطية . خامساً : تأثير التحديث ، فالتدفق الهائل من الأموال النفطية ، يمكن أن يخفف من الضغوط الاجتماعية ، للتخصص المهني والتمدن ، وبلوغ مستويات تعليمية أعلى ، وهي نزعات تترافق عادة ، مع نمو اقتصادي واسع النطاق، وتجعل الشعب أكثر فصاحة ، وقدرة على التنظيم والمساومة والتواصل ، ويتمتع بمراكز قوة اقتصادية خاصة به . ويؤكد روس بأنه هناك علاقة طردية ما بين ارتفاع أسعار النفط ، وتباطؤ الحريات . (F.P May, Jun,2006, pp.19-20) .

     وفي ختام موضوعنا ، نتمنى في خليجنا العربي ، أن نثبت عكس تنبؤ روس ، ويكون ارتفاع أسعار النفط ، دعماً لحرية الأمة ، ومشاركتها في إدارة الأمور العامة !! . وأن يكن تشائم الخليجيين يشارك تصور روس حول الديمقراطيه , ففي ااستطلاع للرأي اجريته في موقعنا الالكتروني وشارك فيه 230 شخص , وكان السؤال:هل حقوق المواطنه مصانه في الخليج العربي , اجاب 65% من العينه (لا) واعتقد أن ذلك لايحتاج تعليق اكثر منا.

     وفي الختام ، هذا اجتهاد ، فإن كان خيراً ، فهو من الله ، وإن كان غير ذلك ، فهو من نفسي .

      وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله 0

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *