بسم الله الرحمن الرحيم

    26/9/2004

    من أهم القضايا التي تدور في الخليج وما حوله في الـ 25 سنة الأخيرة هو الغزو السوفيتي لأفغانستان ، والتخوف الأمريكي من هذا الغزو لأنه من الممكن أن يطبق سيناريو الكماشة على دول الخليج النفطية من خلال محور شرقي : أفغانستان وبلوشستان ، ومحورغربي في البحر الأحمر : أثيوبيا ومدن الصومال ، والشمال : العراق وسوريا ، ويدعمه العمق الليبي في شمال أفريقيا ، وكذلك عملية الاختراق من أفغانستان لكان وصول الاتحاد السوفيتي السابق إلى المياه الدافئة في بحر العرب ، وذلك يعني خطاً أحمر للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها ، لأنه لو استطاع السوفيت فعل ذلك ، لكان هذا يعني انتهاء سياسة الاحتواء المطبقة ضده ، واستطاع السوفيت أن يخترق أهم مجال أمني غربي والوصول إلى منابع النفط في الخليج الذي يمثل آنذاك ثلثي واردات أوربا من النفط ، وربع واردات الولايات المتحدة الأمريكية


    عند تلقينا الدعوة الكريمة من المجلس الوطني للثقافة ، أعجبتني عبارة ملحقة مع الدعوة ، عن مفهوم السلام الذي تروج له منظمة اليونسكو تحت مصطلح ( عالم بلا حروب ) 0

     وهذا المصطلح استخدم بعد الحرب العالمية الثانية التي كان ضحاياها أكثر من 40 مليون نسمة 0 ولكن للأسف الشديد منذ إعلان عالم بلا حروب إلى يومنا هذا خريف عام 2004م ، شهد العالم أكثر من 200 حرباً ، عدد ضحاياها يفوق 40 مليون إنسان ! 0

     ولكن بالنسبة لنا كمراقبين للأحداث والقضايا العالمية ، نلاحظ أنه في الخمسين سنة الأخيرة ، كانت معظم الصراعات العالمية تدور في منطقة الشرق الأوسط ، وقلب هذه الصراعات الخليج العربي ، أو كما يسمينا الغرب دول النفط (The Oil States)  0

     وعلى سبيل المثال لا الحصر ، من أهم القضايا التي تدور في الخليج وما حوله في الـ 25  سنة الأخيرة هو الغزو السوفيتي لأفغانستان ، والتخوف الأمريكي من هذا الغزو لأنه من الممكن أن يطبق سيناريو الكماشة على دول الخليج النفطية من خلال محور شرقي : أفغانستان وبلوشستان ، ومحورغربي في البحر الأحمر : أثيوبيا ومدن الصومال ، والشمال : العراق وسوريا ، ويدعمه العمق الليبي في شمال أفريقيا ، وكذلك عملية الاختراق من أفغانستان لكان وصول الاتحاد السوفيتي السابق إلى المياه الدافئة في بحر العرب ، وذلك يعني خطاً أحمر للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها ، لأنه لو استطاع السوفيت فعل ذلك ، لكان هذا يعني انتهاء سياسة الاحتواء المطبقة ضده ، واستطاع السوفيت أن يخترق أهم مجال أمني غربي والوصول إلى منابع النفط في الخليج الذي يمثل آنذاك ثلثي واردات أوربا من النفط ، وربع واردات الولايات المتحدة الأمريكية ، وهذا السبب الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تستنفر جميع القوى في المنطقة : المادي والبشري والروحي لهزيمة السوفيت في أفغانستان ،فمثلآ المملكه العربيه السعوديه ودول مجلس التعاون الاخرى بدرجه اقل شاركوا بطريقه غير مباشره في حرب افغانستان ضد السوفيت  ويقدر المحللين بان ماانفقته دول المجلس على الحرب اعلاه في فتره الثمانينات من القرن الماضي اكثر من 28 مليار دولار ,ويقال ان هذا المبلغ الذي انفق على افغانستان في فتره زمنيه اقل من  عشرة سنوات اكثر مما انفق على القضيه الفلسطينيه في فترة ستة عقود من الزمن    , وكما نعلم جميعاً انهزم السوفيت ، وكان هذه الهزيمة إحدى أهم أسباب انهياره ! 0

    وأيضاً من القضايا الاستراتيجية المهمة التي هزت الأمن الخليجي الثورة الإيرانية في عام 1979م ، والحرب العراقية الإيرانية في عام 1980م ، واحتلال أمريكا لأفغانستان والعراق عام 2001م ، 2003م ؛ والقضايا المصيرية التي شهدتها دول المجلس على المستوى المحلي حركة جيهمان في المملكة العربية السعودية ، وفشل مجلس التعاون الخليجي الذي انشأ عام 1981م على تقديم أية توازن استراتيجي لدول الخليج العربي والذي أكد ذلك : المثال الأول : عندما بدأت حرب الناقلات لم تستطع دول المجلس عمل شئ غير الاستعانة باستخدام اعلام الدول العظمى لكي تحمي ناقلات النفط الكويتية مثلاً 0 والمثال الثاني : احتلال العراق للكويت عام 1990م وتلا ذلك تحرير الكويت عام 1991م 0

    ومن العمليات التي أثرت على دول المجلس في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي ، واستمرت إلى الآن الإرهاب في ا لمملكة العربية السعودية ، وتواجد الأسطول الخامس الأمريكي بصفة رسمية في مياه الخليج ، والقواعد الأمريكية في جميع دول المجلس تبدأ شمالاً من الكويت ، والمملكة العربية السعودية ، والبحرين ، وقطر ، وبعد أحداث سبتمبر 2001م في أمريكا ، أصبح للأمريكان تواجداً رسمي في الإمارات وعُمان ! ، وانتهى الأمر في عام 2003م بالاحتلال الأمريكي المباشر للعراق 0 وكذلك من القضايا الحساسة في المنطقة القلاقل في الكويت وفي البحرين بين فترة وأخرى وقضية احتلال إيران للجزر الإماراتية منذ عام 1971م 0

    ومن أخطر هذه القضايا جميعاً حسب رأينا والذي من المتوقع أن تحدث في أية لحظة هو التجهيز الصهيوأمريكي للاعتداء على إيران ، وهذا المحور سنلقي عليه كثيراً من الضوء في هذه الدراسة ! 0

    وكما نكرر دائماً بأن الأمم تتقلص وتتفاقم همومها ، لا الخليج مشكلته المزمنة والتي حاولنا أن نرصدها منذ قرن ونصف من الزمان هي الأمن 0 فالاستراتيجية البريطانية لأمن الخليج منذ عام 1852م كانت قائمة على التفتيت والحماية 0

    وهذا جعل بريطانيا تضم إلى حمايتها مشايخ الخليج العربي من ساحل عُمان جنوباً إلى الكويت شمالاً ، وتعزز الموقف البريطاني بعد انسحاب تركيا من المنطقة في عام 1913م 0 ولكن نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ أفول بريطانيا بطريقة عكسية وبزوغ نجم الولايات المتحدة بطريقةطردية ، ولكن بريطانيا في بداية عام 1950م استطاعت أن تعزز موقفها بعد عمل حلف بغداد في المنطقة بمشاركة وبمباركة أمريكية ، ولكن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م اثبت للأمريكان بأن هنا تكتيك بريطاني فرنسي إسرائيلي لإبعاد أمريكا عن الكعكة الشرق أوسطية ، وانعكس ذلك على عدم نجاح نظرية حلف بغداد وذلك أدى إلى تقليص القشة الأخيرة لكي تثبت بريطانيا استراتيجيتها للبقاء في الخليج العربي ، وتلا ذلك أن جاءت الصدمة الكبرى عندما أعلنت حكومة هارولد ويلسون ( العمال ) الإعداد للانسحاب من الخليج ، وذلك شكل صدمة لحلفاء بريطانيا في المنطقة ، وحتى المشايخ كانت متخوفة من الفراغ السياسي الذي سوف تتركه بريطانيا في المنطقة ! 0

    وكان السيناريو البريطاني قبل الانسحاب هو مساعدة الإمارات الخليجية على إعادة التجميع بعد التفتيت ، هو إقامة اتحاد يشمل الإمارات العربية التسع وهي تمثل الإمارات السبع التي تشكل دولة الإمارات الآن ، بالإضافة إلى دولة قطر ودولة البحرين 0 ولكن  هذا الاتحاد لم ينجح ، إلا ما بين ما يعرف بدولة الإمارات العربية المتحدة الآن ، أما قطر والبحرين فقد حصلا على استقلالهما من بريطانيا عام 1971م ، مع احتفاظ المشايخ المستقلة بمعاهدات تعاون خاصة مع المملكة المتحدة!0

    الدور الأمريكي في إقليم الخليج العربي :

     الولايات المتحدة كان لها تحالف استراتيجي مع شرق الخليج العربي مع إيران في عهد الشاه منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي ، وتشكيل الحلف المركزي الذي كانت إيران اللاعب الرئيسي فيه ، وكانت تسمى شرطي المنطقة ، وكذلك كان هناك تواجداً أمريكياً في الخليج منذ حصول شركة سوكال (أرامكو لاحقاً) امتياز النفط في المملكة العربية السعودية في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي 0 ولكن أمريكا كانت تراعي الحساسية الخاصة ببريطانيا بعدم الاقتراب من المشايخ المحمية بواسطة بريطانيا ، ولكن بمجرد إعلان بريطانيا انسحابها من المنطقة استطاعت أمريكا أن تعقد صفقة مع دولة البحرين للحصول على قاعدة لهم في الجفير في البحرين منذ بداية سبعينيات القرن الماضي 0

     ولكن مسؤولية أمريكا في هذه المرحلة بدأت تنقسم إلى قسمين : القسم الأول لحماية الحمائم في الخليج العربي من الصقور ، أي حماية إقليمية للدول الخليجية الصغيرة من أي اعتداء من الممكن أن تتعرض له من السعودية أو إيران أو العراق0 أما القسم الثاني : حماية نفط الخليج العربي من أية اختراق سوفيتي للمنطقة 0

     في بداية السبعينيات من القرن الماضي لم ترغب أمريكا في التدخل مباشرةً في شؤون الدول الأخرى ، وذلك بسبب الضغوط التي تتعرض لها الحكومة الأمريكية من الكونغرس بسبب الفشل الأمريكي الذريع في فيتنام ، وتبنى الكونغرس قرار الحد من صلاحيات الرئيس في إرسال قوات أمريكية للقتال خارج الأرض الأمريكية دون الموافقة المسبقة من الكونغرس 0

     ومن هنا كان لابد للإدارة الأمريكية من سيناريوهات بديلة للحفاظ على أمن المنطقة 0

     السيناريو الأول : مبدأ نيكسون العمودين المتساندين عام 1969م : وهو من خلال التعاون السعودي الإيراني لصد أي هجوم محتمل من الشمال سواءً من الاتحاد السوفيتي السابق أو من إحدى حلفائه في المنطقة على إحدى أو كل دول النظام الإقليمي الخليجي 0

     وفي فترة النصف الأول من السبعينيات في القرن الماضي كانت استراتيجية دول الخليج الأمنية قائمة على توازن الصراع ما بين العراق وإيران ، ولكن الصدمة الخليجية هو عندما حدث تقارب عراقي في إيران في اتفاقية الجزائر عام 1975م من خلال صفقة ما بين العراق وإيران ، على أن تتخلى بغداد عن مطالبها في مياه شط العرب مقابل توقف طهران عن دعم الثوار الأكراد شمال العراق ، الأمر الذي أتاح لإيران فرصة توسيع نفوذها في الخليج مستعينة بالدعم الأمريكي لها 0 ولكن في نفس الاتفاقية كان هناك تصوراً لإنشاء منظومة أمنية إقليمية تضم جميع دول النظام الإقليمي الخليجي ، وكانت إيران تدعم هذا التصور عام 1976م ، إلا أن هذا التصور لم تقبله الأطراف المعنية في الخليج باستثناء سلطنة عمان 0

     ولكن الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979م قلبت جميع سيناريوهات النظام الأمني الأمريكي في الخليج خلال السبعينيات من القرن الماضي رأساً على عقب ، وهذه الثورة أعطت أمريكا مؤشرين الأول انتهاء المصالح الأمريكية في إيران ، والثاني على أمريكا إعادة النظر في حماية مصادر النفط من دول الخليج الأخرى ، وعمل سيناريو استراتيجي لحماية مضيق هرمز الذي يعتبر البوابة التي تصدر ما يقارب من 85% من نفط الخليج 0 وهذا مما جعل أمريكا تقدم تصوراً جديداً لأمن الخليج العربي 0

     السيناريو الثاني : مبدأ كارتر قوة التدخل السريع عام 1979م : الذي يقوم على تعدد الخيارات والبحث عن قواعد في المنطقة ودعم بناء القوة الذاتية لدول المنطقة وتعزيز دور إسرائيل في المنطقة وقيام باكستان بلعب دور إيران في المحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة 0
    وبعد الثورة وظهور مبدأ كارتر بدأت في خريف 1980م – 1988م الحرب العراقية الإيرانية ، وأعتقد أفضل ما ألخص به هذه الحرب هو ما قاله هنري كيسنجر عن هذه الحرب : ( إن الحرب الإيرانية العراقية فرصة ذهبية لإضعاف الطرفين ، وأن مصلحة أمريكا والغرب ضرورة العمل على استمرار هذه الحرب ) ، وفي مقالة ثانية لكيسنجر ( من الضروري منع أي من الطرفين المتحاربين من تحقيق انتصار غير مشروط ، وأن من مصلحة الولايات المتحدة أن تمنع انهيار الحكومات المعتدلة في العالم العربي ، وهذا يتطلب بدوره وجود إيران غير عاجزة ، بل جامحة ولكن تحت السيطرة حيث أن الاتحاد السوفيتي ( السابق ) سوف يستفيد فائدة كبيرة إذا خرجت إيران من الحرب وقد ضعفت ضعفاً مهلكاً ، وتقطعت بصورة لا يمكن إصلاحها ) 0 وخلاصة ذلك بأنه كان واضحاً أن السياسة الأمريكية إزاء حرب الخليج الأولى هدفها إضعاف الطرفين وانهاكهما لأقصى درجة ، واستنزاف قدراتهما ومواردهما معاً ، والحيلولة دون تحقيق أي من الطرفين لانتصار حاسم ، وأن هذا يتحقق من خلال العمل على إطالة أمد الحرب لأقصى ما يمكن ، وهو ما تحقق فعلاً في الواقع العملي 0

     ومن إفرازات انهيار النظام الأمني الخليجي في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ، نشأة مجلس التعاون الخليجي العربي في عام 1981م ، وكانت أسباب نشأة المجلس :

    أولاً : الثورة الإيرانية وسياسة تصدير الثورة 0
    ثانياً : الغزو السوفيتي لأفغانستان 0
    ثالثاً : الحرب العراقية الإيرانية 0
    • سنحلل لاحقاً النتائج التي حققها المجلس 0

    السيناريو الثالث : مبدأ ريغان : قوس الاحتواء ، ويقوم على أساس تدعيم قدرات أربع دول رئيسية هي :  مصر وإسرائيل وتركيا والباكستان ، على أن تنضم إليهم لاحقاً : السعودية والأردن ، وقد حصلت الولايات المتحدة بموجب اتفاقات مع عدة دول في المنطقة على تسهيلات برية وبحرية لقواتها العسكرية لتعظيم قدرة الردع لقوة التدخل السريع 0

    وخلال مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي ، كانت الصورة واضحة بالنسبة للاتحاد السوفيتي السابق بأن رمانة المحور هو نفط الخليج ، فمن يسيطر على الطاقة تؤول له السيطرة على ديناميكية العالم ، أو بمعنى آخر يستطيع أن يصبح القطب الأوحد في العالم 0 ولكن الصورة واضحة بالنسبة للسوفيت بأن نفط الخليج بالنسبة للناتو مسألة حياة أو موت ، أو بمعنى آخر ستتحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة ما بين السوفيت وأمريكا ، لأن نفط الخليج يعتبر نقطة مفصلية لأمريكا ولن توظف فيها أحد لكي يقوم بالحرب بالوكالة مثل ما حدث في أفغانستان وغيرها ! 0 إذاً المبادئ السوفيتية كانت تميل دائماً لتحييد الخليج من خلال المبادئ التالية :

    أولاً : مبدأ بريجنيف ديسمبر 1980م وهو ينص على التالي :
    أ  – الدعوة إلى عدم إقامة قواعد عسكرية أجنبية في منطقة الخليج والجزر القريبة0
    ب – الدعوة إلى عدم استعمال القوة العسكرية أو التهديد بها ضد دول المنطقة 0
    ج  – الدعوة إلى احترام الصفة الحيادية وغير المنحازة لدول الخليج 0
    د  – الدعوة إلى احترام حق السيادة الذي يكفله القانون الدولي لدول المنطقة 0
    هـ – الدعوة إلى عدم إقامة أية عراقيل ، أو افتعال تهديدات لعمليات التبادل التجاري الطبيعي بين دول المنطقة الخليجية والخارج 0

    ثانياً : مبدأ جورباتشوف عام 1986م :

    جاء ليسد بعض الثغرات في مبدأ سلفه بريجنيف ، وكان تركيز جورباتشوف على عقد اتفاقيات متعددة الأطراف لضمان أمن الطرق البحرية والجوية حول المحيط الهندي 0 ولكن الاتحاد السوفيتي خسر الحرب في أفغانستان ( كما سنوضح لاحقاً ) ، وانسحب منها وغرق في مشاكله الداخلية إلى أن أدت إلى انهياره التام وخروجه من الصراع على نفط الخليج 0

    السيناريو الرابع : مبدأ بوش الأب : وهو قائم على تعزيز الوجود الأمريكي في المنطقة وتعزيز العلاقات الثنائية مع جميع دول مجلس التعاون الخليجي عوضاً عن التركيز السابق على السعودية بصفتها المركز ، والالتزام الفعلي بالوضع السياسي القائم ، ترجمه بوضوح في أزمة الكويت في 2/8/1990م ، وتلا ذلك توقيع اتفاقيات عسكرية ثنائية مع جميع دول المنطقة 0

    وهذا المبدأ أعتقد بأنه هو أسوأ نظريات الأمن الأمريكية التي قدمت للمنطقة ، وذلك من خلال التواجد المباشر الأمريكي في دول المنطقة وهذا يضمن لها السيطرة الكاملة علي 45% من احتياطيات النفط في العالم ، وعندما نضيف العراق إلى دول المجلس ستصبح أمريكا مسيطرة بطريقة مباشرة علي 55% من احتياطيات العالم من النفط 0

    السيناريو الخامس : مبدأ كلينتون الاحتواء المزدوج : العمل على إضعاف قدرات كل من إيران والعراق ، ودفعهما لتغيير سياساتهما التي تعتقد الولايات المتحدة بأنها تهدد مصالحها الحيوية ، وتتبع الولايات المتحدة في ذلك سياسة العزل والتشويه والإضعاف في وقت واحد مع كلا الدولتين 0

    وهذا ما طبقته أمريكا في المنطقة خلال تسعينيات القرن الماضي إلى أن انتهى في أبريل 2003م بكارثة الاحتلال الأمريكي للعراق ، وحصار إيران سياسياً واقتصادياً وتهديدها بالاعتداء العسكري مازال مستمراً إلى الآن سبتمبر 2004م ، وهذا ما سنحلله لاحقاً لأنه يمثل القشة التي ستقصم ظهر البعير ! 0

    السيناريو السادس : مبدأ بوش الابن : باحتلال أمريكا لأفغانستان ، استطاعت الإدارة الأمريكية ضرب عصفورين بحجر واحد وهو عزل قوى الشمال والجنوب الآسيوي ، عن أهم منطقتين نفطيتين هما وسط آسيا ، وغرب آسيا ( الخليج العربي ) ، وإبعاد أي طموح عنهما من الدول الآسيوية التي تبحث عن دور استراتيجي إقليمي أو عالمي مثل : الصين وروسيا وإيران وباكستان والهند 0 واختيار العراق هدفاً تالياً يضع إيران ودول الشرق الأوسط بأسرها تحت سيطرته 0 وهذا السيناريو يعتبر تعديلاً لنظرية ماهان للقوى البحرية التي قدمها لأمريكا في أواخر القرن التاسع ، ونظرية ماكيندر القارية التي قدمها لبريطانيا أوائل القرن العشرين  0

    نتائج السيناريوهات الأمريكية على دول مجلس التعاون الخليجي والعربي :

    أولاً : تسعيرة النفط في دول المجلس تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية ، وربما يحتج البعض ويقول إذاً أين دول المجلس من ارتفاع أسعار النفط الآن ؟ والإجابة بالطبع إن ارتفاع أسعار النفط في عام 2004م خارج عن سيطرة دول المجلس ، لأن هناك عدة عوامل ساهمت في هذا الارتفاع منها نمو السكان في العالم ، وزيادة الطلب في الصين ودول جنوب شرق آسيا ، واحتلال العراق مما أدى إلى تقليص صادراته النفطية ، ومشاكل الإرهاب في السعودية ، ومشاكل الأمن بشكل عام في بر الخليج ومياهه ، ومشكلة شركة يوكوس في روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط بعد السعودية ، والقلاقل في كلٌ من نيجيريا وفنزويلا ، وبالإضافة إلى ذلك انتهاء العمر الافتراضي لكثير من المنشآت النفطية في بعض الدول النفطية مما يؤدي إلى ارتفاع كلفة عمليات الصيانة ، أو تجديد الجيل بالنسبة للمنشآت  0

    ثانياً : الدين العام : الناتج المحلي الخليجي 332 مليار ويبلغ الدين العام منه 75% وذلك ما يعادل 246 مليار دولار وأذكر أن أحد الخبراء الاقتصاديين قال بأنه إذا تجاوز الدين العام 65%  فذلك يعطي مؤشراً خطيراً بأن الدولة اقتربت من الخطر، وطبعاً دول المجلس دينها أعلى من ذلك 0 ولكن أحد الخبراء الصهاينة يقول : نعم دول الخليج مديونة ، ولكن دينها لا يعادل شيئاً يذكر عندما نقارنه مع الكنوز الهايدروكاربونية التي عائمة عليها دول مجلس التعاون الخليجي ، ونقف هنا للتذكير بأن تكاليف حرب الخليج الأولى ما بين 200 إلى 500 مليار دولار، وتكاليف حرب الخليج الثانية 65 ملياردولار، وتكاليف حرب الخليج الثالثة وصلت إلى الآن 120مليار دولار ومازالت عجلة الأنفاق عليها مستمرة !0 إذاً  أموال الخليج استنزف معظمها في الحروب ، وما بين 35% إلى 15% من ناتجها المحلي على شراء الأسلحة التي غير ذات جدوى أمنية تذكر ، وما تبقى منها ينفق على الدول وحتى نضعكم في الصورة ما ينفق منها على دول المجلس نستطيع أن نوضحه من خلال النسبة التالية : كل دولار ينفق على التعليم يقابله 66 دولار ينفق على الأسلحة 0 ولكن الصدمة التي أعتقد أنها سوف تحدث للبعض ، ولا أدري إن كانت إيجابية أو سلبية هو عندما أقول لكم أن ما يقارب من 1.5 تريليون دولار من أموال القطاع العام والخاص الخليجي موظف معظمها في الولايات المتحدة الأمريكية ، ويليها أوربا الغربية ، وجزء بسيط منها بدأ الانتقال إلى اليابان ، وهذا المبلغ أعلاه يعادل ما يقارب خمسة أضعاف الناتج المحلي لدول المجلس الست ، وهو أيضاً حتى أكثر من جملة الناتج المحلي في جميع دول العالم الإسلامي الـ 56 دولة والتي يبلغ جملة عدد سكانها أكثر من 1.4 مليار نسمة ! 0 لكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل مازالت هذه الأموال المهاجرة يملكها القطاع العام والخاص الخليجي أم مجرد أرقام فقط ؟ ! 0

    ثالثاً : الأمن الإقليمي الخليجي : أصل نشأة مجلس التعاون الخليجي كانت لتحقيق الأمن 0 واستمر المجلس في فترة الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات من القرن الماضي مراقباً أحياناً ومبتزاً أحياناً من إحدى طرفي الحرب ، وكذلك هذه الحرب أرغمت دول المجلس على تقديم تنازلات مباشرة للقوى العالمية ، وفي النهاية وإن لم تشارك هذه الدول في الحرب الساخنة بطريقة مباشرة ، ولكن كان لها دوراً كبيراً في لعبة التوازن ما بين طرفي الحرب 0 ومع نهاية الحرب في عام 1988م كانت الفاتورة المقدمة لهذه الحرب لا تقل عن الخسائر التي تكلفها طرفي الحرب بطريقة مباشرة وغير مباشرة 0

     ولكن الصدمة الحقيقية التي واجهها المجلس هو يوم 2 أغسطس 1990م عندما احتل العراق الكويت ، ولم تستطع دول المجلس أن تقوم بأي عمل عسكري يذكر للدفاع أو لتحرير الكويت ، إلى أن تمت عملية التحرير الشهيرة بتصريح مجلس الأمن وتحت المظلة الأمريكية 0 ولكن ماذا فعلت هذه الدول لتعزيز دفاعاتها بعد صدمة عدم نجاح التوازن ما بين العراق وإيران ؟ ! 0

     بدأت دول المجلس تنظر بعملية جدية لتجنيد قوة محلية إقليمية خليجية ، فكان في البداية هناك كوكبة رمزية لا يتعدى عددها خمسة آلاف عسكري 0 وجاء اقتراحاً من السلطان قابوس بعمل جيش خليجي قوامه 100 ألف مقاتل ، ولكن هذا الاقتراح لاقى الكثير من الشكوك منها أنه سوف تسيطر عليه الدول الأكثر سكاناً مثل : السعودية وعمان ، وهناك من يقول بأن هذا الجيش من الممكن أن يكون نواة لنشأة قوة عسكرية خليجية إقليمية تفقد الأنظمة السيطرة عليها بالتدريج مما يشكل خطراً على الأنظمة الخليجية ، وكذلك الدول الخليجية الصغيرة تخشى في حالة توحيد الجيش من الاندماج الاتحادي القهري على غرار ما فعله اليمن الشمالي باليمن الجنوبي ! 0 وخاصةً أن بعض المحللين يرون بأن الأنظمة الخليجية لا تثق إلا في بعض العشائر المحدودة لكي تنضم إلى الجيش أو تستلم قيادته ، وبعض الدول الخليجية تفضل المرتزقة في جيوشها وذلك يعطي الأنظمة أكثر أمناً من تجنيد أبناء الوطن 0

     وهذا يثير نقطة استراتيجية مهمة قالها أحد الخبراء العسكريين : ” بأن عدد سكان الخليج أكثر من 30 مليون نسمة ، طبعاً ثلثهم من الأجانب ، والمجندين في الجيوش الخليجية لا يتجاوزون 1.1% ، والنسبة المتعارف عليها وخاصةً في حالة الأزمات هي 11% ” 0

     ولعلاج ذلك فلابد من زيادة عدد الاحتياط الذي من الممكن أن يستفاد منه في حالة الأزمات ، ولكن بعض المحللين يقول بأن الأنظمة الخليجية تخشى من عسكرة المجتمع ، لأن ذلك سيؤدي إلى حدوث توزيع جديد لمصادر القوة ( البستكي ص 114) 0 وعموماً تمخض الجمل وولد فأراً ، فقد اتفقت دول المجلس في أكتوبر 2000م على زيادة الجيش الخليجي إلى 22 ألف مقاتل ، كما تم الاتفاق على الإنفاق على الحزام الأمني أو التغطية ا لرادارية الموحدة ونظام الاتصالات المؤمنة اللذين يتكلف بنائهما 150 مليون دولار ، وطبعاً ذلك لا يفي حتى ولو بواحد في المائة من النظام الأمني المطلوب للخليج العربي 0

     أما دور العمق العربي في المساهمة في أمن دول مجلس التعاون الخليجي ، فنستطيع أن نقسمه إلى قسمين :

    أ  – كان هناك اتفاقية تسمى الدفاع العربي المشترك عقدت ما بين دول الجامعة العربية منذ عام 1950م ، وكانت المادة الثانية فيها تنص على ” تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح على أية دولة أو أكثر منها ، أو على قواتها ، اعتداء عليها جميعاً 0 ولذلك فإنها عملاً بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن كيانها ، تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها ، وبأن تتخذ على الفور ، منفردة أو مجتمعة ، جميع التدابير ، لرد الاعتداء ، ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما ” 0 وتعتبر هذه المعاهدة منتهية وملغاة ، منذ زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل، وعقده معاهدة سلام معها عام 1979م 0 والذي يؤكد وفاة معاهدة الدفاع العربي المشترك هو تباين الرؤى في الصف العربي إزاء التعامل مع احتلال الكويت في 2 أغسطس 1990م ، وهذا التباين انعكس على تصويت الدول العربية على المشاركة عسكرياً في تحرير الكويت ، حيث أن القرار لم يكن جماعياً ، فلم توافق عليه سوى 12 دولة عربية من مجموع 20 دولة 0
    ب – إعلان دمشق : لقد جرى التوقيع على هذا الإعلان في دمشق في مارس 1991م بين دول مجلس التعاون الخليجي من ناحية ، وسوريا ومصر من ناحية أخرى ، وفق صيغة 6 + 2 ، وينص الإعلان على أن تقدم دول مجلس التعاون الخليجي دعماً نقدياً يصل إلى 10 بلايين دولار لكل من سوريا ومصر مقابل الدعم العسكري كليهما لدول مجلس التعاون الخليجي 0 ولكن هذه المعاهدة الإقليمية قتلت في مهدها والأسباب الرئيسية لذلك هي  :

    1- اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية عليه ، باعتبار أن أمن الخليج مسؤوليتها هي دون سواها 0
    2- اعتراض إيران على هذه المعاهدة ، باعتبار أن أمن الخليج مسؤولية الدول المطلة على الخليج 0
    3- اعتراض إسرائيل التي رأت أن أمن الخليج مرتبط ارتباطا وثيقاً بأمن الشرق الأوسط ككل ، ورأت في الاتفاق تهديداً جدياً لأمنها 0

    والنتيجة طبعاً وفاة إعلان دمشق دون رجعة ، واستفردت أمريكا بالمنطقة باتفاقيات 1 + 1 ، أي كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي وقعت مع الولايات المتحدة الأمريكية معاهدة فردية ، وذلك ما يعزز تفتيت أهمية التقارب ما بين دول مجلس التعاون الخليجي 0
    رابعاً : الخلل السكاني وبطالة الشباب : دول مجلس التعاون الخليجي تعاني من فقر سكاني مزمن ، وبسبب الهجرة العمالية الكبرى إلى دول المجلس , أصبحت نسبة الأجانب من جملة سكان المجلس ما بين 90 إلى 32% في أفضل دول المجلس حالاً ، ونسبة العمالة الأجنبية من جملة العمالة في دول المجلس أيضاً تتباين ما بين دول المجلس من 86% إلى 50.2 %  في أفضل دول المجلس حالاً 0 ومعظم هذه العمالة الأجنبية من الدول الآسيوية ، وتبلغ نسبة العرب ما بين العمالة الأجنبية 1%  في البحرين و 6%  في السعودية و 12%  في الإمارات ، و35 % في الكويت 0 هنا علينا الوقوف لبرهة ومراجعة أنفسنا ، فعندما نقارن أنفسنا بالآخرين من حيث نسبة الأجانب مقارنةً مع جملة السكان فنجد ثلاث دول من أعضاء الثمانية الكبار التي تسيطر على الاقتصاد العالمي وهما ألمانيا وايطاليا ، فعندما وصلت نسبة الأجانب عندهم ما يقارب 5% من جملة السكان بدأ المفكرين الألمان والطليان يصفون أنفسهم بأنهم أمة تنتحر ،وكذلك بالنسبه للولايات المتحده التي يبلغ نسبة الاجانب من قواها العامله 12,5 % يعتبرون هذا المؤشر ليس ايجابيآ بالنسبه لهم ولمعالجة ذلك يلجأون لنظام الحصص مابين القارات حتى لايتم تركيز اقليه تتشكل من ديانه واحده اوقوميه واحده اوسلالاه واحده الخ(نيوزويك 224).  إذاً ماذا نقول نحن وبعض دولنا وصل فيها نسبة الأجانب إلى 90% من جملة السكان ؟ وما هو موقفنا أمام التعديلات التي ستفرضها العولمة على القانون الدولي من حيث حقوق الإنسان ، وتشبيه نظام الفيزا والكفالة الشخصية بالعبودية المعاصرة ؟ وهل دولاً صغيرة ومتفرقة ومعظم سكانها من الأجانب تستطيع أن تضع استراتيجية أمنية للمحافظة على كياناتها وسيادتها ؟ 0 هذه الأسئلة سنتركها للتاريخ ّّ 0 وربما ما سنعرضه الآن يشكل الصدمة الكبرى لبعض المتابعين لقضية السكان في الخليج 0 فالخليج الذي يستورد معظم عمالته من الخارج ، توجد به بطالة تصل إلى 10% في عمان والسعودية ؛ و8%  في الإمارات ، والبطالة ما بين الشباب الخليجي في المرحلة السنية ما بين 15 و 29 سنة تصل إلى 30%   في المملكة العربية السعودية ، ودول المجلس الأخرى توجد بها بطالة شباب كبيرة ولكنها أقل من المملكة العربية السعودية 0 وذلك يعود لأن دول الخليج لا تعتمد على منهجية التخطيط الكمي والنوعي لاستيعاب الطاقات المتجددة ، وخلق قطاعات تنموية تتناسب مع توجهاتهم 0 ويفترض أن يشارك في هذا التخطيط القطاع العام والمختلط والخاص 0

    خامساً:  عدم وجود الثلاثية المقدسة لنهضة كل أمة في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، وعدم وضوح آلية اتخاذ القرار ، وصعوبة صناعة الرأي ؛ مما جعل دول المجلس تستعين عند الحاجة إلى اتخاذ قرارات مصيرية تمس مصالح استراتيجية للشعب على الطريقة الاستخباراتية الشهيرة الموجودة منذ حضارات ما قبل التاريخ ، وهو أسلوب الإشاعة فإذا كان رد الفعل إيجابي اتخذ القرار وإذا كان رد الفعل سلبي أوقف القرار ، وأرجئ ، أو رشد ثم اتخذ 0 وإذا كانت شعوباً قراراتها المصيرية تتخذ بهذه الطريقة ، فكيف تريدون منهم أن يستشعروا بأهليتهم الكاملة في الحق في المواطنة ؟ وكيف تريدون منهم أن يكونوا عقيدة لأهمية الدفاع عن أوطانهم ؟ 0

    • أعتقد الآن السؤال الذي يطرح نفسه في ذهن معظمنا ماذا بعد احتلال العراق؟

    السيناريو الأول : بعد احتلال العراق مجلس التعاون الخليجي 1 + 1 : هذا التصور قدمته الشركات الأمريكية المتخصصة في مجال الدفاع والسلاح ، فقد تبنت شركات الدفاع الأمريكية مشروعاً أطلق عليه الحلف الخليجي الغربي وأسمته مشروع الجي سي سي 1 + 1 في إشارة لدول مجلس التعاون الخليجي دون السعودية ، وإضافة الأردن إلى هذه البلدان 0 وتكوين تحالف أمريكي جديد يضمن المصالح الأمريكية في المنطقة 0

    السيناريو الثاني : بعد احتلال العراق لمجلس التعاون الخليجي ، وهذا تصور وضعناه في كتابنا جيواستراتيجية العالم الإسلامي في عام 2002م ، وكان تركيزنا هو إذا لم تصلح دول مجلس التعاون الخليجي شأنها وتعمل إصلاحات مؤسساتية رأسية وأفقية والاتجاه إلى التقارب فيما بينها مثل إنشاء دولة فيدرالية خليجية بدلاً من الاعتماد على المنظمة الإقليمية المتهالكة المسماة بمجلس التعاون الخليجي 0 فلن تشعر يوماً بالأمن ، وسنبقى تحت نظام الحماية إلى أن ينضب النفط أو تكتشف أقاليم نفطية أغنى من الخليج العربي ، أو يوجد له بديل 0 وكذلك قلنا بأن دول المجلس على شكلها الحالى دائماً مهددة بالخطر الفعلي أو السيكولوجي ، وذلك مثل أن تقوم بتجربة وهي وضع حاجز زجاجي شفاف ما بين ذئب وحمل ، فالحمل حتى لو أن الذئب لا يريد أن يلتهمه فهو دائماً يبقى مهدداً بالخطر الفعلي أو النفسي ، والذئب حتى لو أعلن برائته ففي ذهن الجميع بأنه لا محالة في يوماً ما سينقض على الحمل0 وهذا مما يشكل قلق دائم للحمل والذئب أيضاً 0

    إذا ما هو الحل ؟

    الحل الوحيد هو أن تتقارب الدول الخليجية الصغيرة ، وتشكل تكتلاً جديد تحت مسمى يتفق عليه لاحقاً كدولة فيدرالية أو كونفيدرالية على أسوأ تقدير ، وبعد ذلك تمد يدها لكي تحقق تعاون إقليمي مع الجيران ، وتصورنا للتقارب الإقليمي كما وضعناه في عام 2002م  :
    أ  – إيجاد تسوية جذرية لقضية الجزر الإماراتية ، طنب الكبرى ، وطنب الصغرى ، وأبو موسى 0
    ب – تنسيق الأمن الإقليمي الخليجي ، مع وجود اتفاقية لحفظ توازن التسليح الاستراتيجي في الإقليم 0
    ج  – إيجاد آلية مناسبة لتسوية النزاعات السياسية ما بين دول النظام الإقليمي الخليجي 0
    د  – عمل سيناريو استراتيجي تشترك فيه الكتل الخليجية الثلاث : الدولة الخليجية الفيدرالية المفترضة ، وإيران ، والعراق ، ومن الممكن التوسع لاحقاً وضم اليمن ، ومقابل ذلك يبدأ الانسحاب التدريجي للقوى الأجنبية من المنطقة 0

     وأعتقد إذا لم نجد حل جذري وعملي لقضية الأمن في النظام الإقليمي الخليجي ، فسيبقى الوضع على ما هو عليه الدول الصغيرة تحت الحماية والدول الكبيرة مهددة ، والمتضرر يلجأ إلى أمريكا ، ونقصد هنا أمريكا وحدها بدون المجهود الشكلي للأمم المتحدة أو مجلس الأمن ! 0

     ما قلناه في 2002م ، وجدت أجزاء شبيهة له في مقال لمجموعة من المثقفين الإيرانيين بحيث ركزوا على ( أن المنطقة العربية الواقعة جنوب إيران هي منطقة أزمة ، وهي لا تملك مفتاح الأمن والاستقرار ، أو أنها ضعيفة ، فيما تمتلك دول الغرب قدراً كافياً من عوامل الضغط والعناصر المؤيدة لها في المنطقة 0 إن عدم الأمن والاستقرار في الدول المشاطئة للخليج ، جعل إيران تتحمل تكاليف باهظة لتوفير الأمن) 0 وذلك يؤكد ما قلناه سابقاً بأن جارك الضعيف في العلاقات الدولية لا يعني مصدر قوة دائمة بالنسبة لك ، ولكن من الممكن أن يكون الحلقة الضعيفة في حيزك المكاني التي فيها تدخل عليك المصائب من كل حدب وصوب ! 0

     إذاً لو أننا كنا أقوياء فذلك سيعطينا الثقة في أنفسنا أولاً ، ومن صالح جيراننا ثانياً ، وسنؤدي رسالتنا التي خلقنا الله سبحانه وتعالى لها في هذا الكوكب ! 0

     وهنا من الممكن أن يثير البعض تساؤلاً مفصلياً وهو : إذا كانت إيران من صالحها أن تتعامل مع جيران أقوياء ، فلماذا رفضت أن تستقبل الوفد الذي شكله مجلس التعاون الخليجي بشأن الجزر الإماراتية ؟ 0 ومن هنا سألقي سؤالاً على المتسائلين سابقاً : لماذا لم ترفض إيران استقبال وزير خارجية الإمارات للتفاوض بشأن الجزر ؟ والإجابة طبعاً لأن الإمارات دولة فيدرالية ، ولو كانت دول مجلس التعاون الخليجي فيدرالية ، وأرسلت وزيراً واحداً بدلاً من ستة ، لاستقبلت إيران مندوب الدولة الخليجية الفيدرالية المفترضة ، لأن هذا المندوب يمثل أهم عمق استراتيجي لإيران من الناحية المكانية والبشرية والاقتصادية والثقافية ، فهذا المندوب المفترض يمثل الجوار الإيراني امتداداً من شمال غرب الخليج العربي ويمتد جنوباً إلى بحر العرب ( المحيط الهندي ) 0

    السيناريو الثالث لمجلس التعاون الخليجي بعد احتلال العراق : وهذا التصور وضعه كينيث بولاك  مدير مركز سابان لأبحاث الشرق الأوسط في مؤسسة بروكينغز ووضع ثلاث سيناريوهات لأمن الخليج العربي من الممكن مراجعتهم في موقعنا الالكتروني ، أما السيناريو القريب من تصورنا أعلاه هو السيناريو الثالث لكينيث بولاك ويسميه إقامة حكم مشترك (condominiuon)  الحكم المشترك الذي طبق في أوربا خلال الحرب الباردة تحت شعار السيطرة على التسلح 0 فمنذ بداية السبعينيات من القرن الماضي ، قام حلفاء الأطلسي ووارسو بإعداد جملة من ترتيبات الأمن الهادفة إلى بناء الثقة بين الطرفين ، وإلى معالجة المسألة الأمنية الأوربية ككل 0  المفاوضات على هذه الترتيبات استغرقت أكثر من عقدين من الزمن ، ولكنها أدت في النهاية إلى استقرار أوربا 0

     وهنا يأتي التصور الذي نشره معهد بوركينغز في عام 2003م ، وهو شبيه بالتصور الذي نشرناه في عام 2001م ! 0 وينص على إمكانية قيام الحكم المشترك في دول الخليج العربي ، من خلال ترتيبات تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية ، ودول مجلس التعاون  الخليجي ، والعراق ، وإيران 0 وهذه العملية قد تبدأ بإقامة منبر إقليمي يناقش كل المشاكل الأمنية ، ويتم من خلال تبادل المعلومات ، وإبرام الاتفاقات 0 وبعدها يمكن للدول الأعضاء الانتقال إلى مرحلة بناء الثقة ، مثل الإبلاغ سلفاً عن المناورات العسكرية ، وتبادل المراقبين 00 إلخ 0

     وانطلاقاً من هذه الترتيبات يمكن التقدم نحو اتفاقات الحد من التسلح التي ستتضمن منطقة منزوعة السلاح ، وخفض متوازن للقوات من جانب كل الأطراف ، وحظر الأسلحة المثيرة لعدم الاستقرار ، خصوصاً أسلحة الدمار الشامل 0

     وما جعلنا أن نعيد ونلخص لكم تصور الحكم المشترك لمعهد بروكينغز ، لأننا بالفعل نمر في مرحلة تحتاج تحكيم العقل ، فالعالم أعتقد أنه لم يصل إلى هذا المستوى من التقدم إلا بعد أن حكم العقل ووضع مجموعة من السيناريوهات إلى أن وجد النموذج الذي يجعل الجميع آمنين ، وهو نموذج الأمن الجماعي الذي جعل دولة مثل ألمانيا عدد سكانها يفوق 85 مليون نسمة تجاور دوله مثل لوكسمبورغ التي لا يتعدى سكانها بضع المئات من الآلاف ، ولكن الدولتين تعيشان في أمن والحدود مفتوحة فيما بينهما بدون حسيب ولا رقيب 0 ونحن في النظام الإقليمي الخليجي لن يتعدل حالنا إذا لم نستطع أن نبتكر النموذج الإقليمي المناسب لجميع دول المنطقة !0

     السيناريو الرابع لدول مجلس التعاون الخليجي بعد احتلال العراق : ماذا لو أمريكا وإسرائيل انتقلتا إلى مرحلة القوة الصلبة مع إيران ؟ 0

     فالبروبجاندا الإسرائيلية والأمريكية بدأت بالتجهيز لاستخدام  القوة الصلبة ضد إيران ، وذلك بعد أن استنفذت جميع بطاقات القوة الرخوة ، والدليل على ذلك بأن بوش في بداية 2002م صنفها من ضمن ( محاور الشر ) في العالم ، وفي 10/3/2003م قال جورج بوش ” إن إيران تشكل خطراً على أمن العالم بأسره ” ، وفي 19/6/2003م قال شيمون بيريز ” أن إيران تشكل خطراً ليس على إسرائيل فحسب ، ولكن على المنطقة برمتها وكذلك على أوربا ”  0

     وفيما تكررت زيارة وفد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران ، وبعض هذه الزيارات انتهت بأزمة في العلاقة مع المسؤولين الإيرانيين بعد رفضهم تفتيش مواقع بذاتها ، وبالتالي انسحاب الوفد قبل إتمام مهمته 0 وذلك كله وسط ضغوط أمريكية محمومة لاستصدار تقرير يدين إيران ، ويمهد لرفع الملف إلى مجلس 0

     ولكن لا سمح الله في حالة اعتداء أمريكا على إيران ، والقواعد الأمريكية منتشرة في دول مجلس التعاون الخليجي ، والأسطول الخامس الأمريكي بعض قطعه موجودة في المياه الإقليمية الخليجية 0 هل تعتبرون دول المجلس مشاركة مع أمريكا في حالة استخدام أمريكا للحيز المكاني لدول المجلس ؟ أم هل تستطيع دول المجلس أن تعلن الحياد وأراضيها ومياهها الإقليمية تعتبر قاعدة الانطلاق لأمريكا ضد إيران ؟ 0 من هنا علينا أن نذهب إلى القانون الدولي العام ، ونبحث عن شروط الحياد في حالة الحرب 0

    واجبات الدول المحايدة وحقوقها :

    أ  – واجبات تقضي بمنع أي من المحاربين من القيام بأي أعمال من أعمال الحرب فوق إقليمها، وتسمى واجبات المنع 0
    ب – واجبات امتناع تفرض على الدولة المحايدة أن تمتنع عن تقديم أية مساعدة لأحد الأطراف المحاربة ، وتسمى واجبات الامتناع 0 وفي حالة مخالفة الدول المحايدة لهذه الواجبات ، فالنتائج تكون على نوعين :
    1- إمكانية مطالبتها بعد الحرب بالتعويض عن الأضرار التي سببتها المخالفات0
    2- إمكانية إعلان الحرب عليها من جانب الدول المحاربة 0

     ومن هنا علينا أن ننبه بأننا نمر في مرحلة حرجة ، وأمريكا وإسرائيل إذا أرادوا أن يقوموا بأي عمل ضد إيران ، لن يضعوا في حساباتهم لأية خسائر بشرية أو اقتصادية أو غيره إلا إذا كانت أمريكية او اسرائيليه ، والمثال الآن قائم أمام الجميع ، فنحن لا نسمع عن أية إحصائيات للشهداء في العراق ، علماً بأن عددهم أكثر من 50 ألف قتيل منذ اعتداء أمريكا على العراق في مارس 2003م ، ولكن نسمع يومياً وبكل دقة الإصابات ما بين الجنود الأمريكيين ، ونعرف بكل دقة إلى نهاية سبتمبر 2004م بأن القتلى من الجنود الأمريكان أكثر من 1000 قتيل وأكثر من 7000 مصاب 0 وجميعكم يذكر أن أمريكا عندما احتلت العراق في 9/4/2004م ، وانهارت الدولة العراقية ، فكان هم الأمريكان الذهاب وحماية وزارة النفط العراقية ، وذلك لكي يسيطروا على جميع العقود والوثائق والمعلومات الخاصة بالثروة الهايدروكاربونية العراقية ، وكذلك وفر الأمريكان الأمن الكامل لجميع المنشآت النفطية العراقية ، أما ما تبقى من الدولة العراقية فترك في حالة فوضى ، مع أن القانون الدولي الذي ساهمت في وضعه أمريكا يلزم المحتل أن يضبط الأمن في المناطق المنكوبة !! 0 ومن هنا على دول المجلس أن تحاول أن تمنع أمريكا من استخدام أراضيها ومياهها الإقليمية في حالة الاعتداء على إيران لا سمح الله ، حتى لو اضطرت أن تلغي المعاهدات الأمنية مع أمريكا وخاصةً أن الاعتداء الصهيو أمريكي ضد إيران لا يوجد ما يبرره أطلاقاً في جميع الأعراف ، باستثناء الضربة الاستباقية التي ابتكرها محور بوش شارون ! 0

     فأمريكا وحلفاءها لا ينظرون إلى هذه المنطقة إلا أنها إقليم عائم على بحيرة من النفط ، ولكننا نحن أبناء إقليم الخليج الذي يجمعنا أكثر من الذي يفرقنا ، فالذي يجمعنا الدين الإسلامي الحنيف ، والتاريخ المشترك ، والمصالح الاستراتيجية المشتركة ، وواجبات وحقوق الجوار ! 0

     أما بالنسبة لأمريكا فاسمنا عندها الدول النفطية (The Oil States)  وأفضل ما يدعم رأينا هذا الدراسة التي كتبها ثلاثة باحثين أجانب ( سوكولسكي وآخرون عن أمن الخليج العربي ، وركزوا على تحسين مساهمات الحلفاء العسكرية ) ، طبعاً هنا المقصود بالحلفاء دول الناتو ، وركزت الدراسة على أهمية الخليج لأن أهم بحيرة نفطية موجودة في العالم ، وذلك لأن بها ما يقارب 65% من احتياطيات النفط العالمية ، فخلاصة الدراسة تقول بأن دول الناتو من الممكن أن تستغني عن نفط قزوين الذي يبلغ 2% من احتياطيات العالم ، ومن الممكن أن تستغني عن نفط شمال أفريقيا الذي لا يتجاوز 7% من احتياطيات العالم ، أما بالنسبة لنفط الخليج فيؤكد سوكولسكي وزملاءه بأنه مسألة حياة أو موت لدول الناتو ! 0

     وفي الختام ، هل نستفيق من سباتنا العميق ؟ ونؤثر مصالح اوطاننا على مصالحنا الشخصية

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *