بسم الله الرحمن الرحيم

    24/6/2004

    من أ ، ب العلوم الاستراتيجية ، هو عندما يسدد لك العدو ضربات موجعة ، فعليك أن لا ترد عليه في أماكن قوته ، لأن ذلك سيزيد من قوته ، وإنما عليك بالرد عليه في نقاط ضعفه لأن ذلك سيوجه له ضربات مؤلمة ، وفي النهاية سيكون النصر عليه وسحقه ، أو توقف الخصم عن الضربات الموجعة والبحث عن طرق أخرى لإدارة الصراع ، مثل عملية التفاوض


    من أ ، ب العلوم الاستراتيجية ، هو عندما يسدد لك العدو ضربات موجعة ، فعليك أن لا ترد عليه في أماكن قوته ، لأن ذلك سيزيد من قوته ، وإنما عليك بالرد عليه في نقاط ضعفه لأن ذلك سيوجه له ضربات مؤلمة ، وفي النهاية سيكون النصر عليه وسحقه ، أو توقف الخصم عن الضربات الموجعة والبحث عن طرق أخرى لإدارة الصراع ، مثل عملية التفاوض  0

    وهذا بالفعل ما فعلته المقاومة الشعبية المباركة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الثمانينيات من القرن الماضي ، فكانت النتيجة كالتالي : مؤتمر مدريد ، وبعد ذلك في عام 1993م اتفاقية اوسلو والاعتراف العالمي بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، وقبول الاسرائيليين التفاوض من أجل قيام دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967م أو كما يسمى الخط الأخضر في الضفة الغربية وقطاع غزة  0 الاتفاقية أعلاه أسهمت في وجود هدوء نسبي في عمليات المقاومة إلى عام 2000م وهو عندما فشلت جولة تسوية الأراضي تحت المظلة الأمريكية في أواخر عهد كلينتون ، وكان وفدي الصراع ممثلين بالسيد ياسر عرفات ، وباراك رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق 0

    وبعد فشل جولة السلام في 2000م قام العنصري اريل شارون بجولة في الحرم الشريف في القدس ، وكان رد الفعل على ذلك هو انفجار الانتفاضة الثانية ، هذه الانتفاضة المباركة وصلت إلى درجة من الخطر تكاد تنهي أسطورة الحلم الصهيوني  0

    فـ (ED Blanche, Daily Star November 22,2003) يقول في مقالة الافق الاستراتيجي التالي : قبل الانتفاضة الثانية في عام 2000م كان عدد الإسرائيليين في الخارج لا يتجاوز 550 ألف نسمة ، ولكن بعد الانتفاضة وصل هذا العدد إلى 760 ألف نسمة 0 وفي التسعينيات استقبلت إسرائيل ما يقارب من 1 مليون روسي يفترض أنهم يهود ، وذلك لكي يكون هناك توازن ديموغرافي ما بين سكان فلسطين المحتلة اليهود والعرب الفلسطينيين 0 ولكن الآن اليهود الروس يفضلون الهجرة إلى المانيا بدلاً من إسرائيل ، وحتى اليهود الذين قدموا إلى إسرائيل من روسيا يفضلون الهجرة إلى خارج إسرائيل عندما تسنح لهم الفرصة لذلك 0 والسبب هو طبعاً بعد اللّه سبحانه وتعالى الانتفاضة المباركة وانعكاساتها على الشارع الإسرائيلي من عدة نواحٍ أمنية واقتصادية وسياسية  0 ويعني ذلك بداية التلاشي للأسطورة الصهيونية في أراضي فلسطين  0

    ولكن كما ذكرنا في المقدمة لابد للتحالف الصهيوأمريكي ، أو كمصطلح أفضل التحالف الصهيوني والمحافظين الجدد في أمريكا لابد لهم من ابتكار آليات جديدة لإدارة الصراع في الشرق الأوسط  ، وذلك بعد أن فشلوا بفضل اللّه سبحانه وتعالى في اشعال حرب أهلية ما بين الفلسطينيين أصحاب المنهج الإسلامي السياسي ، والفلسطينيين أصحاب المنهج العلماني السياسي  0

    فإدارة الصراع الجديد هي كالتالي : البحث عن محور مشترك تتفق عليه الشعوب الإسلامية مع التحالف الصهيو أمريكي ، على أن يشترك هؤلاء الفريقان المتعاديان ضد هذا المحور المشترك ، وفي هذه الحالة وجد التحالف الصهيو أمريكي أفضل محور مشترك هو القيادات المستبدة في العالم العربي والإسلامي 0 ومن هنا انطلق التحالف الصهيو أمريكي يضغط على هذه القيادات مطالباً اياها بالسماح بتداول السلطة ، والسماح لابتكار مؤسسات ديمقراطية ، والسماح بتأسيس مجتمعات مدنية ، ويطلب من هذه المؤسسات أن توفر للشعوب العربية والإسلامية عدالة توزيع الوظائف ، وعدالة توزيع الدخل ، وعدالة المشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان ، وتحرير المرأة ، وتطوير النظام التعليمي ، وإعادة تشكيل الأسرة الإسلامية على أن تتوافق مع المنظور العلماني 0

    ولكي تتحقق التكتيكات الجديدة لابد من استخدام آلية الضغط المباشر على الحكومات الإسلامية والعربية الفاسدة ، وإذا لم ينجح هذا السلام يقوم التحالف الصهيو أمريكي باحتلال الدول التي لم تذعن لهم ، والآن أمامكم التجربة العراقية ، وبعد العراق بدأ التحالف بالضغط على دول الجوار العراقي وهم إيران وسوريا والمملكة العربية السعودية  0

    وربما يلاحظ القارئ الكريم أن تكتيك الضغط المباشر بدأ يؤتي ثماره ، وذلك ممثلاً بالاذعان الليبي بحيث قدموا كلما طلب منهم التحالف الصهيو أمريكي من معلومات أسلحتهم الغير تقليدية وأسلحتهم التقليدية ، بل الأكثر من ذلك شحنوا أسلحتهم الغير تقليدية إلى أمريكا ، وقاموا بتفكيك أسلحتهم التقليدية  0

    السؤال الذي يطرح نفسه ماذا استفادت المدرسة الصهيونية من ذلك ؟

    أولاً :  استطاعت أن تخفف ضغط الانتفاضة على الأسطورة الصهيونية ممثلةً بدولة إسرائيل 0
    ثانياً : استطاعت إسرائيل أن تبعد أمريكا عن الشعوب العربية والإسلامية ، ويقابله على المدى القصير ازدياد قوة التحالف الأمريكي الإسرائيلي 0
    ثالثاً : مدرسة المحافظين الجدد الأمريكية تعتقد بأنها حققت مكاسب استراتيجية ثمينة وهو اقترابها من إعادة تشكيل الشرق الأوسط ، أو كما اسموها الشرق الأوسط الكبير ، وذلك سيعزز أحادية أمريكا القطبية 0

    ويدعم رأينا مجموعة من الباحثين من مدارس استراتيجية مختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكذلك في إسرائيل :

    أولاً : (Shibely Telhami University of Many Land , and Brookings Institution, Saban Centre for Middle East Policy).

    في مقالة في مجلة Foregn Affairs March, April 2004 يقول : انعدام الأمن الإسرائيلي أدى إلى تقارب إسرائيلي أمريكي ، وكل ما تقترب الولايات المتحدة من إسرائيل ، ينعكس ذلك سلباً على علاقتها مع العرب والمسلمين 0 وفشل المفاوضات العربية الإسرائيلية في صيف 2000م كان رد الفعل الطبيعي عليه هو انفجار الانتفاضة ، كحركة مقاومة شعبية فلسطينية 0 والانتفاضة جعلت الإسرائيليين في موقف معقد جداً 0 لأن استراتيجية الأسطورة الصهيونية قائمة على قوة الردع لأي دولة عربية تحاول التحرش بإسرائيل 0 ولكن الإسرائيليين غير جاهزين ، أو بالاصح لا يوجد عندهم المعدة الكبيرة لكي تهضم صراع المقاومة الشعبية ، وهو ما يشبه حرب استنزاف 0

    ويضيف الكاتب بأن المقاومة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي ، وضعت الإسرائيليين في موقف حرج من خلال تواجدهم في غزة ، وكان لابد لهم من اختلاق سيناريو للهروب من غزة ، لأن هروبهم بطريقة مباشرة يعني ذلك هزيمة الأسطورة الصهيونية ، وهذه الهزيمة تعني نقطة التلاشي لما يسمى بحلم إسرائيل 0

    وذلك مما جعل رابين يعجل صفقة أوسلو عام 1993م لكي يثبت أن انسحابه من غزة ، يعتبر احتراماً لاتفاقية السلام ، وليست ذعراً من المقاومة الفلسطينية 0

    ونفس المأزق وقع فيه اليهود في لبنان ، حيث كان الصهاينة مذعورين من المقاومة الشعبية ، ولكنهم كانوا يبحثون عن صفقة سلام لكي تحفظ لهم ماء الوجه ، وتبرر انسحابهم من أرض لبنان 0 فباراك مارس ضغوطاً على سوريا لكي توقع معه صفقة سلام لكي ينسحب من لبنان ، ولكن المقاومة اللبنانية وضعت باراك في عنق زجاجة وكان لابد له من تعجيل الانسحاب من لبنان ، وهذا ما حدث بالفعل بأن الصهاينة انسحبوا مذعورين من لبنان دون عقد أي صفقة لتبرر عملية انسحابهم 0

    ويرى السيد تليهامي أن هذا ارسل رسالة إلى الآخرين بأن الحل لتحرير أوطانكم هو المقاومة الشعبية ، وهذا ما حرك المنظمات الجهادية الفلسطينية الإسلامية منها وغيرها بتشديد عملية المقاومة على إسرائيل 0

    ومن هنا ننبه القارئ الكريم للجزء الأول من هذه المقالة ، بحيث إذا واجه العدو ضغط شديد من الخصم معنى ذلك بأن الخصم إذا استمر في أسلوبه الدفاعي ، فإنه سينتهي بهزيمته وسحقه 0 وفي هذه الحالة الهزيمة أمام المقاومة ستكون بانتهاء الأسطورة الصهيونية بوجود وطن قومي لليهود في أرض الإسلام يمتد من الفرات إلى النيل 0 فلابد من إعادة إدارة الصراع في ميدان آخر خارج العمق الإسرائيلي ، وهذا ما حدث بالفعل في عام 2003م للعراق والتصور بأنه سيحدث لجميع مناطق الشرق الأوسط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة  0

    من الطبيعي بأننا لا نستطيع أن ننكر بأن الاستراتيجية الإسرائيلية كما يقول السيد تليهامي قائمة على : إذا استطعت أن تهزم الولايات المتحدة الأمريكية فإنك تستطيع أن تهزم إسرائيل ، وكذلك الصورة كانت واضحة للجميع في تسعينيات القرن الماضي بأن الطريق إلى أمريكا من خلال إسرائيل ، وهذا بالفعل ما استعانت به الكثير من الدول العربية لكي تسجل تقارب استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية  0

    ولكن ذلك كله كان ذو نتائج سلبية على الولايات المتحدة الأمريكية كدولة ذات قطبية أحادية في الكوكب إلى يومنا هذا على أقل تقدير لأن استطلاعات الرأي تقول بأن 60% من الأمريكان يفضلون حكومتهم أن تتجنب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، و 70% من الأمريكان يعتقدون بأن سبب الاعتداء عليهم هو بسبب قربهم أو قرب حكومتهم من إسرائيل ضد العرب ، ويرى 50% من الأمريكان الذين شملهم الاستطلاع بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو صراع قومي على الأرض ، ويرى 17% إلى 13% من العينة الأمريكية بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو جزء من الصراع ضد الارهاب مثل حرب أمريكا ضد القاعدة 0 ونستطيع أن نستنتج من هذا الاستطلاع بأن أغلبية الشعب الأمريكي ضد التقارب الأمريكي الإسرائيلي ، وهذا يهز من وزن الأسطورة الصهيونية 0

    وكذلك نتائج استطلاع الرأي تغيرت في منطقة الشرق الأوسط ضد الولايات المتحدة الأمريكية ويعود ذلك بسبب التقارب الأمريكي الإسرائيلي ، قضية شملها استطلاع الرأي في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في ربيع 2000م كان 60% منهم يثق بأن أمريكا ستساهم في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية 0 وبعد قيام الانتفاضة وتجمد عملية السلام كان نسبة الثقة في نفس العينة انخفضت إلى 35% ، وبعد الاعتداء الأمريكي على العراق انخفضت نسبة الثقة في الأمريكان بالنسبة للعينة السعودية إلى 4% ، وبالنسبة للعينة الإماراتية انخفضت نسبة الثقة فيها في الأمريكان إلى 9% 0

    رغم الكراهية التي ولدها التقارب الأمريكي الإسرائيلي ، لأمريكا ، إلا أن الصهاينة على المدى القصير هو المنتصر الحقيقي لأن كلما تضغط أمريكا على المسلمين والعرب ، كلما العملية طردية أكثر بالنسبة للتقارب الإسرائيلي الأمريكي 0 أما على المدى البعيد فيعتمد الأمر على نجاح الأمريكان في العراق ، فإذا استطاعت أمريكا أن تحقق مكاسب على الأرض ، فالأمر سيقوي إسرائيل ، أما إذا انسحب الأمريكان ذعراً من المقاومة العراقية ، فذلك يعني أن المجاهدين الفلسطينيين سيحققون النصر على الصهاينة ، وسينتهي الحلم الصهيوني  0

    ثانياً : رأي الخبير الصهيوني المتخصص في مستقبل الحروب البروفيسور مارتين فان كرفيلد ( مجلة البيان العدد 197 ص 86 ) : من الصعب أن نجد جيشاً نظامياً نجح في مواجهة انتفاضة شعبية ، ما يحدث لإسرائيل ، حدث للأمريكان في فيتنام ، ومع الجيش الإسرائيلي في لبنان ، ومع الروس في أفغانستان ، وهذا ما سيحدث الآن مع الأمريكان في أفغانستان 0 ويضيف كرفيلد : إسرائيل تدير حرباً للطرف الثاني فيها كل الإيجابيات ، فإسرائيل تقاتل في ملعبه ، والجيش الإسرائيلي موجود في الجهة الغير صحيحة ، وهذه الجهة سيحكم عليه فيها بالاخفاق ) 0

    ويضيف : إسرائيل لديها قوة ، ولكن معظم هذه القوة لا يمكن استعمالها ، وحتى لو استعملت فثمة شك في نجاحها ، فالأمريكيون انزلوا ستة ملايين طن من القنابل على الفيتنام ، وهذا الأمر لم يساعدهم 0 وإسرائيل كانت تملك قوة هائلة في لبنان ولكنها هربت من هناك ، أن هذه المواجهة الذكي لا يقتحمها ، ومن اقتحمها فعليه أن يجد الطريق بسرعة للخروج من وحلها ، فإسرائيل دخلت في مواجهة خاسرة ضمناً ، وهذه المواجهة ستنهيها 0 ويرى كرفيلد أن سقوط خسائر كبيرة في صفوة الشعوب إنما الخاضعة للاحتلال مقارنة بالقوات المغتصبة لا يؤثر في حسم نتيجة المعركة ، ولا يعطي أفضلية للقوات المحتلة ، ويضرب مثلاً في ذلك ما حدث للالمان في يوغسلافيا ، حيث قتل الألمان في الحرب 800 ألف مواطن يوغسلافي ، ولكن الأمر لم يساعدهم في النهاية ، لأنهم لم يستطيعوا الصمود أمام المقاومة الشعبية اليوغسلافية 0 وخلاصة ذلك بأن حجم الخسائر ليس العامل الحاسم في حرب المقاومة الشعبية ، فقد قتل خمسون ألف أمريكي مقابل 3 مليون فيتنامي ، وقتل عدة آلاف فرنسيين مقابل 300 ألف جزائري ولكن أنتهى الأمر بهزيمة القوات المحتلة  0

    ويختم كرفيلد : أن القوي الذي يقاتل الضعفاء مصيره إلى الضعف ، ومن يتصرف كخائف ويقاتل الضعفاء ، مصيره أن يتصرف كجبان وخائف 0 إن إسرائيل تقترب من نقطة سيفعل الفلسطينيون بها ما فعله المجاهدون الأفغان بالجنود السوفييت في أفغانستان 0

    ومن عرضنا عليكم رأيين للسيد تيلهامي وللبروفيسور كرفيلد ، وهما يتفقان مع ما ذكر في الجزء الأول بأن استمرار المقاومة الفلسطينية يعني نهاية الأسطورة الصهيونية في أرض فلسطين  0

    إذاً لا تتفقون معي بأن الحل الصهيو أمريكي هو إخراج الصراع من العمق الإسرائيلي إلى جميع مناطق الشرق الأوسط كما يحدث الآن وذلك لتخفيض الضغط على العمق الإسرائيلي  0

    ونختم قائلين بأننا نطلب وإذا أرادوها رجاء نرجوهم ، وإذا أرادوها التماساً نلتمس من جميع القائمين على السلطة في المنطقة العربية والإسلامية ، إذا لم يستطيعوا دعم أعمال المقاومة الفلسطينية لا مادياً ولا معنوياً ، فعليهم أن يساهموا على أقل تقدير بالمساهمة السلبية ، وهو ترك مبادراتهم لهم ، لأنها ستوهن المقاومة المشروعة ، أو ستؤدي إلى تشتيت المجهود الجماعي للمقاومة 0 وفي النهاية هذه المبادرات ستخدم العدو ، ولن تساهم في تحرير فلسطين والمقدسات الإسلامية 0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *