بسم الله الرحمن الرحيم

    24/6/2004

    قبل فترة من الزمن دعانا للمشاركة في حوار مع (الأهرام العربي) الصحفي العربي المشهور الأستاذ العزب الطيب ، وكانت محاور النقاش تدور حول صناعة الديكتاتور في العالم الإسلامي 0 واعتذرنا عن المشاركة ، في الحقيقة ليس لعدم توفر المعلومات عن هذا الموضوع ، ولكن موضوع الديكتاتور في عالمنا المتخلف لا تعلم من أين تبدأ ؟ ولا تعلم من أين تختتم موضوعك ؟ أي بمعنى آخر سيكون كتاب له بداية ولا توجد له نهاية ، أو كما يقول الخواجات : (Am Ended Book) 0

    ولكن بعد تحرير مادة الديكتاتور في العالم النامي ، ونشرها في الأهرام العربي، تمنيت لو كنت من المشاركين في هذا الموضوع ، لأنه بالفعل غطى مجموعة من المحاور بطريقة فنية ، كان القارئ العربي بالفعل بحاجة ماسة لها ، لأنها تمس كثيراً من حياته اليومية : الاجتماعية ، والثقافية ، والسياسية ، والاقتصادية 00 إلخ 0

    وبعد أن تصفحت تقرير الديكتاتور تذكرت مقولة مشهورة لميكافيللي في كتاب الأمير : يجرد ميكافيللي العمل السياسي من أية معايير أخلاقية 0 بيد أن الصفات الأخلاقية تبقى مجدية للحفاظ على صورة الحاكم 0 وهكذا يقول أنه إذا كان غير ضروري أن يملك الملك هذه الصفات ، فإنه على العكس من الضروري أن يبدو وكأنه يملكها 0 أما إذا لم يتمكن من ذلك ، فيجب أن يختار أن يكون مهاباً بدلاً من أن يكون محبوباً  0

    وعندما تصفحت تقرير الأهرام عن الديكتاتور ، لفت نظري تلخيص محمد هلال لكتاب الأمير لميكافيللي مستعيناً بترجمات محمد الزقزوقي وإعداد وتحرير د0 سمير سرحان ، ود0 محمد عناني 0 وكان التلخيص كالتالي :

    1- الاستعانة بقوة أجنبية أذى يفوق الكارثة التي جاؤوا لمنع حدوثها والخلاص منها0
    2- اذلال المناصرين الوطنيين للمحتل بعد استتباب الأمور الجديدة ضرورة سياسية لابد منها 0
    3- إن الناس يحبون بإرادتهم ولكنهم يخافون برغبة الملك ، ومن هنا تظهر مشكلة المفاضلة والجذب ينبغي للمرء أن يكون محبوباً ومهاباً معاً ، فإن مهابته اسلم بكثير من محبته 0 لأنه يمكن القول عن البشر عموماً ، أنهم يجحدون المعروف ويهذرون في الكلام ويظهرون غير ما يبطنون ويطمعون في الكسب ، وطالما تفيدهم ، فهم أعوانك تماماً ، يفدونك بدمهم ومتاعهم وحياتهم وولدهم حين تكون الضرورة إليهم بعيدة 0 ولكن حين تقترب ينقلبون عليك ، ويهلك الملك الذي يعتمد إلا على وعودهم ودون أن يتهيأ بالعدد الأخرى 0 إن البشر يترددون في الاساءة إلى من يحبون أقل من ترددهم في إيذاء من يهابون 0

    وبالتالي مهابة الملك ومحبته 00 إن الناس يحبون بإرادتهم الحرة ولكنهم يخافون برغبة الملك ، والملك العاقل يجب عليه أن يركن إلى ما في سلطانه لا إلى سلطان سواه ، وما عليه سوى السعي إلى مجانبة ما يجلب عليه الكراهية 0

    4- إذا لاحظ الملك أن وزيراً يفكر في نفسه أكثر منه فعليه بالتخص منه فوراً 0
    5- يقول ميكافيللي لا ألوم الملك يستوثق من بناء القلاع والحصون ولا يهتم كثيراً بكراهية الشعب 0
    6- حين يستولي ملك على بلد ما فعليه بتخريبها ونهبها حتى لا يفكر أهلها في الثورة عليه إذا ما ظلت مواردهم آمنة وسليمة 0
    7- المدح والتملق آفة يقع فيها الكثير من الملوك والنجاة منها ميسورة ولكن بشروط0
    8- حين ينفق الملك من ثروة غيره ، يكون سخياً ، ولن يحط ذلك من سمعته بل يعلي من ذكره ولا يؤذيه سوى النفقة من ثروته الخاصة فحسب  0

    والسخاء ضروري جداً للملك الذي يسير مع جيوشه ويعيش على السلب والنهب والغنيمة والفدية وينفق من ثروة غيره ، لأن جنوده لن يتبعوه بدون سخاء 0 ويمكنك أن تكون بالفعل سخياً جداً بما ليس ملكاً لك 0 كما كان قورش وقيصر والاسكندر لأنك حين تنفق ثروة الآخرين فلن يحط ذلك من سمعتك بل يعلي من ذكرك ولا يؤذيك سوى النفقة من ثروتك الخاصة فحسب 0

    وهذا يذكرنا بما كان يردده دائماً في المحاضرات السياسية أحد أساتذتنا الأفاضل عن العالم النامي حين يستخدم المثل الشعبي : ” من دهنه سقي له ” ، فسأله أحد الطلاب الظرفاء ماذا تقصد ؟ فقال الأستاذ : اسلب خير الأمة ، وتكرم ببعضه على الأمة ، وتسجل نفسك بينهم على أنك جواداً ومعطاء وشهماً وكريماً  0

    أما عن حفظ العهود فيقول ميكافيللي : كل امرؤ يدري كم يثني الناس على ملك يحفظ العهد ويعيش مستقيماً ومن غير مكره ، ولكن التجربة تدل على أن أولئك الملوك الذين أتوا أعمالاً عظيمة هم الذين لم يراعوا الوفاء إلا قليلاً ، وهم من استطاعوا أن يشوشوا العقول بالمكر ، ومن تمت لهم الغلبة على هؤلاء الذين اتخذوا الأمانة قاعدة لهم 0

    وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح وما ذكر أعلاه كله وجله كلاماً مأخوذاً خيره ، لأن هذه النظريات ربما كانت تتوافق مع مجتمعات كوكبنا قبل 500 سنة ، ولكن بكل تأكيد لا تتطابق مع عصرنا الحالي ، وهو عصر ثورة المعلومات ، الذي أدى إلى تحويل الأرض من كوكباً إلى قريةً صغيرة 0

    ولكن للأسف الشديد هناك من بعض الشخصيات في العالم النامي التي مازالت غارقةً في بحر النظرية الميكافيللية التي أكل الدهر وشرب عليها ، والمشكلة الحقيقية ليست في النظرية ، ولكن في الأشخاص الذين يريدون تطبيقها وهم مكشوفون ، ولكن الملأ يتظاهر بأنه ليس بكاشف لعبتهم الساذجة 0

    ونذكركم بالمقولة المشهورة (انتهت اللعبة) التي ذكرها السفير العراقي السابق لدى الأمم المتحدة ( السيد الدوري ) يوم 10/4/2002م بعد أن احتلت أمريكا العراق ، وفي الحقيقة المباراة منتهية منذ 2 أغسطس 1990م 0

    المشكلة الحقيقية في الملعب الشرقي الأوسطي هو بأن بعض القادة لا يتعظون بما يدور حولهم ، ومن جشعهم يتظاهرون بأنهم لا يستوعبون أصول اللعبة 0 وأصول اللعبة هو أن تأخذ وتعطي ، ولا يوجد عندنا مشكلة أحياناً عندما يكون أخذك أكثر من عطاءك ، ونستطيع أن نجد لبعضهم مبرر حتى في القرآن الكريم :(وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما أتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه غفور رحيم)( الانعام : 165 ) 0

    ولكن مشكلتنا الحقيقية الجشعون الذين يريدون أن يأخذوا كل شيء ، ولا يعطون أي شيء ، وكأنهم لا ينظرون حولهم ، لأن من يريد كل شيء في النهاية يخسر كل شيء 0 ولكن من يأخذ بعض الشيء ويعطي بعض الشيء في النهاية تكون خسارته نسبية ، لأنه يخسر بعض الشيء ويكسب بعضاً  0

    والأهم من ذلك كله نذكر أنفسنا ونذكرهم هو رضى اللّه سبحانه وتعالى ، ورضى اللّه لن ينزل على العبد ذو السلطان ، إلا إذا رضوا عباده عنه  0

    أما بالنسبة لإدارة اللعبة الآن فهي كالتالي : تعتمد على مجموعة من البطاقات مثل بطاقة مشاركة المرأة ، وبطاقة الثورة الليبرالية ، وبطاقة الثورة التعليمية ، وبطاقة الخصخصة ، وبطاقة تداول السلطة ، وكله كلام مأخوذ خيره 0 لأن أصول اللعبة الحقيقية هو أن تشارك القاعدة في تحديد وظائف القمة لفترة زمنية محددة غير قابلة للتجديد وذلك لكي نقضي على المحسوبية ، إذا كنا نريد بالفعل ثورة إصلاحية ، أما وضعنا الراهن فهو كما نقول : ” ما أشبه اليوم بالبارحة ، وما أشبه المستقبل بماضينا السحيق ” 0

    هذا هو رأينا ومن عنده خيراً منه فليأتنا به  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *