بسم الله الرحمن الرحيم

    27/12/2005

    تلقينا دعوة كريمة من مركز البحوث في وزارة الأوقاف القطرية للمشاركة ببحث للمرة الرابعة على التوالي في كتابهم السنوي الموقر ، علماً بأننا قد شاركنا في السنوات الماضية بثلاثة بحوث هي : النظام الإقليمي الخليجي ، وجدلية الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط ، ودور مسلمي الغرب في تطوير العالم الإسلامي ! .

    وتتسم الدعوة هذه المرة بنكهة وطابع خاص ، حيث أنها تركز على فن الخطاب ، ولقد شعرنا منذ اللحظات الأولى بأن هذه الدعوة للكتابة في هذا الموضوع ، متوازية للأهمية التي أوليها لكتابنا الذي عقدنا العزم على نشره إن شاء الله في القريب العاجل ، وعنوانه : الملف الأسود في السياسة! .

    ومن هنا سنحاول أن نبدأ معكم بطرح بعض المصطلحات الفلسفية في اللغة السياسية ، ربما يتفق البعض معنا فيها ، أو لا يتفق ، ولكن هذه الحقيقة التي نعاصرها ، وربما تستمر لأجيال قادمة .

    أولاً : البيعة : البيعة نفسها ليست انتخاباً أو يمين ولاء ، ولكنها تتم على مرحلتين ، أن يثبت الشخص نفسه بطرق شرعية أو غير شرعية ، ويكون فيها طرفين : الحاكم نفسه وهو لا يتغير ، والطرف الآخر يوصف في كتب الشريعة بأنه المسلمون عموماً ، لكن عند التنفيذ يتكون عادة من جماعة صغيرة من الناس ، كضباط البلاط والجيش والبيروقراطية ، وكما هو متوقع القيادة الدينية في مركز القوة .

    ثانياً : الشوكة : سنجد هنا أن البيعة لا بد أن يسبقها السيطرة الكاملة على الموقف ، ويصبح السواد الأعظم من الأمة أمام أمرين ، إما أن يؤدوا البيعة عن بد وهم صاغرون فيقوا أنفسهم الشر القادم إليهم حتى ولو كان مؤقتاً ، أو أن يعترضوا فيعرضوا أنفسهم للتهلكة . وفلسفة الشوكة كالتالي :

    إذا خلا الوقت من إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها ، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف ، انعقدت بيعته ولزمت طاعته لتنظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم ، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقاً في الأصح !! ، وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده ، انعزل الأول وصار الثاني إماماً .. إلخ.

    هنا أجد تفسيراً للشوكة عند بعض فقهاء المسلمين ، في القانون الدولي المعاصر ، أو ربما القانون الدولي اقتبس ذلك من فقهاء المسلمين ، وذلك في حالة قيام انقلاب في دولة ما ، استطاع الثوار السيطرة بشكل مطلق على الدولة ، وبعد ذلك أعلن الثوار بأنهم يحترمون جميع الحقوق المدنية لمواطنيهم ، ولم يقوموا بسفك جماعي للدماء ، وإنما حاولوا السيطرة على من حاول أن يعارضهم ، بدون سلاح ، وكذلك استطاعوا أن يقهروا بالقوة معارضيهم المسلحين ، ويأسروا معارضيهم الآخرين ، وأعلنوا بأنهم سيعرضون جميع الأسرى أمام قضاء مستقل ونزيه ، وكذلك أعلنوا بعد أن يستقر لهم الأمر بأنهم سيرفعون إعلان حالة الطوارئ ، وسيصدرون عفواً عاماً ، هذا من الناحية الداخلية ، وإضافة بعض الشكليات عن إعلان حكومة للإنقاذ مؤقتة …. الخ . أما من الناحية الخارجية ، أعلنوا اعترافهم بجميع المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقع عليها النظام المخلوع ، في هذه الحالة يرى بعض فقهاء القانون الدولي بأن الثوار أصبحوا حكومة شرعية !! . ولكن لو فشل الثوار في السيطرة على الأمن ، أصبحوا خونة ومجرمين . أرجو من القارئ الكريم أن ينظر إلى هشاشة الخط الفاصل في السياسة ما بين : الشريف والنزيه والبطل الوطني  ، والمجرم والخائن للوطن !! .

    أخيراً ، حتى لا أقوم بحرق المواد العلمية السياسية في بحثنا الذي سنشارك به إن شاء الله مع مركز البحوث في وزارة الأوقاف ، وكذلك بعض المواد العلمية السياسية في كتابنا القادم إن شاء الله ، سأقوم بعرض بعض فنون فلسفة اللغة السياسية عليكم ، كما أعتقد :

    أ  –        اذكر للشاعر راكان بن صقلين أحد زعماء  قبيلة العجمان عندما نما إلى علمه بأن أحد زعماء القبائل الأخرى عاقد العزم على غزوه (الاعتداء) على المناطق الجيوسياسية التي يسيطر عليها . سنقتبس لكم هنا لغة الدبلوماسية في السياسة :

    كزيت لك نور السلف والجهامة                        باغية ذخر في مقاديم الأيام

    وهنا يذكّر الشيخ أعلاه أعدائه : أنني قد استخدمت معكم جميع الوسائل السلمية لكي احتفظ معكم بعلاقات سلمية ، ولكنكم على ما يبدو أنكم تتنصلون عن الطرق السلمية !! .

    ب –       ويقول الشريف بركات لأبنه :

    وطالع ترى مكة ولاها ابنا خيك                لو تطلبه خمس ملاليم ما أعطاك

    وهنا رسالة غير مباشرة من خلال نصائح الأب لأبنه للسلطان بأنه قد بلغ من الجور والظلم حداً لا يطاق !! .

    ج  –       ويقول الأمير أحمد السديدري :

    يا عل قصرن ما يجي له ظلالي                ينهار من عالي مبانيــــه للساس

    لا صار ما هو من هل للرجالي       وملجا لمنهو يشكو الظيم والباس

    أو ربما يعكس صورة شعرية لبعض معارفه من شدة الظلم والطغيان من أصحاب نفوذ أعلى منه ، والمهانة التي وقعت عليهم !

    طبعاً ونختم لكم بأن المعنى في قلب الشاعر ، ونراكم في كتابنا : الملف الأسود في السياسة !! .

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *