بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    ماحدث للعراق في مارس 2003م من بشاعة وخرق لجميع المواثيق الدولية ، وإن يكن من ناحية عملية مرتبط بإدارة بوش الابن ، ولكن البعد النظري الجيوستراتيجي مخطط له منذ أكثر من عقدين من الزمن ، والذي نستطيع أن نؤكده بأنه منذ عام 1991م والدليل على ذلك ما قاله بوش الأب في نيوزويك العدد 146 : ” كنت أعتقد أن صدام سيلقي حتفه ، مثلما اعتقد كل زعيم عربي ، وأحس كل زعيم في الخليج بأنه سينتهي ، والبريطانيون والفرنسيون وكل شخص ” 0

    ونستطيع أن نحلل رأي بوش الأب بعدم المواصلة في التخلص من الرئيس صدام عام 1991م إلى ثلاثة عوامل متوقعة :

    أ  – حرب تحرير الكويت عام 1991م كسبت شرعية دولية تحت مظلة مجلس الأمن ضمن المادة 42 وجوب أن يكون التفويض من جانب مجلس الأمن 0 وبما أن الولايات المتحدة حصلت على تفويض شرعي من مجلس الأمن لتحرير الكويت ، وفي نفس الفترة كانت نهاية الحرب الباردة ، وبروز أمريكا كالقطب العالمي الأوحد في العالم ، لذلك يعتقد بأن أمريكا كانت تحترم قرارات مجلس الأمن بشكل كبير ، لأن من خلال ذلك كانت تريد المحافظة على السيطرة العالمية بطريقة قانونية  0
    ب – يعتقد أن العامل الثاني هو ثورة الأخوان الشيعة في الجنوب العراقي ، وكانت أمريكا ودول مجلس التعاون الخليجي متخوفين من مطالبة شيعة جنوب العراق الاهتمام مع أخوانهم الشيعة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وذلك سيخلق جيوبوليتيكية جديدة في المنطقة  0

    ج – العامل الأخير يعتقد بأن إدارة بوش الأب في عام 1991م اعتقدت حدوث انقلاب داخلي في مؤسسة الحكم العراقية ، علماً بأن هناك تقارير تدعم بأن الولايات المتحدة حاولت أن تدعم هذه النوعية من الانقلابات  0

    ولكن ما نستطيع أن نقوله لكم بأنه من شبه المؤكد أن إدارة بوش الأب اعتقدت بأنها ستنتصر في انتخابات عام 1992م ، وهذا سيعطيها الفترة الزمنية الكافية لوضع عدة سيناريوهات لأزمة الشرق الأوسط ، وكانت الإدارة الأمريكية تحاول أن تحافظ على الحلف العراقي معلقاً كمسمار جحا ، وهذا المسمار يعطيها الحق في التدخل في المنطقة متى شاءت  0

    ولكن الشيء الذي لم يكن في الحسبان بالنسبة للجمهوريين الأصوليين هو خسارتهم في انتخابات عام 1992م ووصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض في عام 1993م ، واستمرت سيطرتهم على البيت الأبيض إلى عام 2000م 0 وذلك مما جعل الجمهوريون يدخلون في انتخابات 2000م بكل ثقلهم لكي يصلوا إلى البيت الأبيض ، واستخدموا جميع أسلحتهم المشروعة وغير المشروعة ، والدليل على ذلك استطاع الجمهوريون إيصال بوش الابن إلى البيت الأبيض ليس بواسطة الانتخابات الشرعية ، وإنما بواسطة قانون المحكمة ومازال الجدال مستمراً حول مدى دستورية تنصيب بوش الأبن رئيساً على الولايات المتحدة  0

    والأمر المفجع بأنه على رأس قائمة الجمهوريون عندما وصولوا إلى البيت الأبيض هو ما قاله كولن باول في مارس 2001م :

    1- القدس عاصمة إسرائيل 0
    2- العراق سوف تعالج أزمته بأسلوب احتواء وقمع جديدين 0
    3- السودان يقسم إلى دولتين في الشمال والجنوب 0

    وبعد ذلك صرح المصدر الأمريكي بأن ذلك مجرد فرضيات ، ولا تعتبر قرارات رسمية  راجع آل ثاني ، فهد ، العالم الإسلامي ، ص 119 ، 120  0

    وفي منتصف مارس 2003م ظهر للملأ مبدأ بوش الابن الكلاسيكي لإستخدام القوة ، وهو عندما قال للرئيس العراقي : تنازل عن السلطة وأخرج أنت وأبنائك من العراق خلال 48 ساعة وإلا سنخرجك بالقوة  0 ما قاله بوش الابن يبدو ظاهرياً أنذار، ولكنه في الحقيقة قطع خط الرجعة بشكل كلي أمام العراق لمحاولة إيجاد مخرج من الاعتداء الأمريكي المحسوم عليها  0 وهذا بالفعل ما قالته الإدارة العراقية نحن جاهزون للمنازلة ؛ بغض النظر ما هي النتائج الختامية ؟  0

    وبدأت الكارثة الإنسانية والطبيعية على العراق بالأهداف الثمانية التي حددها رامسفيليد ، ونحن نسميها الموبقات الثمانية ضد القانون الدولي العام وهي خلع الرئيس العراقي ، وأربع نقاط منها بخصوص الارهاب وأسلحة الدمار الشامل ، ووضع حد للعقوبات المفروضة على العراق ، وتأمين حقول النفط ، ومساعدة إعادة تشكيل الجيش العراقي 0 وهذه المطالب السبعة الأخيرة جميعها أذعن لها العراق وفتح أبوابه على مصراعيها للأمم المتحدة ، وكل من تفوضه للبحث عنها ، ولكنهم فشلوا في إيجاد أي من المحظورات ، أو في مساعدة العراق فيما يمكن إصلاحه  0 وذلك يعود للضغوط المستمرة التي تتعرض لها المنظمة الدولية من قبل الولايات المتحدة لإفشال أي مسمى لإيجاد حل سلمي للأزمة العراقية  0

    خلاصة القول بأن ما حدث ويحدث للعراق مقرراً له أن يحدث منذ فترة زمنية طويلة ، وربما أكثر من عقدين عندما اعتدت إسرائيل على المفاعل النووي العراقي  0

    ويدعم ذلك ما تقوله النظرية الاستعمارية ، ففي مقالة نشرتها وول ستريت جورنال ، قال لونستون تشرشل حفيد الزعيم البريطاني تشرشل : ” كان جدي ، هو الذي صنع العراق ، وأسس معظم الشرق الأوسط الحديث منذ عام 1921م ، ورسم الحدود الدولية في المنطقة ، ونصب الحكام فيها ” 0 ولم يتبق للحفيد إلا أن يقول أن الشرق الأوسط من أملاك التاج البريطاني ، والولايات المتحدة وريثة المملكة المتحدة في الشرق الأوسط وفي العالم 0 وفي النظرية الاستعمارية هذا يعطي الولايات المتحدة الحق أن تتصرف في الشرق الأوسط كيفما تشاء  0

    وعموماً النظرية الاستعمارية ربما تجد من يذعن لها وكله آذاناً صاغية لما تقول في الشرق الأوسط ، وهم قلة طبعاً  0

    ولكن لإقناع الشارع المتحرر فكرياً في الغرب لابد من أن يستخدم له سلاح آني وعصري يمثل الخطر الذي يهددهم به المتخلفون في الشرق الأوسط وعالم الجنوب ، وهو ما قاله هنري كيسنجر لمجلة  باري ماتش  : ” الحرب ضد العراق جزء أساسي من مكافحة الارهاب ، وهي المرحلة الثانية من هجوم بدأ في أفغانستان ” 0

    وهذا يعطينا النظرية الأصولية لهنري كيسنجر وهو يوضح بأن حصان طرواده الأرهاب ظاهرياً ، ولكن بواطن الأمور تكمن في تغيير خارطة الشرق الأوسط ، وصناعة إسرائيل الكبرى  0

    ويدعم رأينا بالنسبة لما يحدث للعراق والشرق الأوسط المفكر الأمريكي مايكل كولينر بايبر في محاضرة ألقاها في مركز زايد ، وقال : ” هذه الخطة تتصل بحلم إسرائيل الكبرى ، الأمر الذي تعمل الإدارة الأمريكية على تشجيعه والترويج له ” 0

    وفي الختام ما قامت به الولايات المتحدة في العراق يعتبر انتهاك كامل للقانون الدولي وللتنظيم الدولي بشكل كلي وذلك لأنها لم تستخدم الطرق السلمية لحل النزاع ، والتهديد باستخدام القوة ، وبل استخدامها دون تفويض من مجلس الأمن 0 وكذلك استخدمت الولايات المتحدة الأسلحة المحرمة دولياً كالقنابل العنقودية والانشطارية والقنابل التي تزن أكثر من سبعة أطنان من المتفجرات والقنابل المساحية 0 ومن الانتهاكات الأخرى التي قامت بها الولايات المتحدة للقانون الدولي العام هو التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، وضرب المناطق المدنية ، وتحطيم التراث الحضاري للأمم0

    السؤال الذي يطرح نفسه الاعتداء الأمريكي على العراق انهى صلاحية كلٌ من المنظمات التالية : الجامعة العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، وعدم الانحياز ، وعلى رأس القائمة الأمم المتحدة  0

    السؤال هو : هل ستعيد الولايات المتحدة صياغة القانون الدولي ؟ والتنظيم الدولي ؟ 0 لأننا كقانونيين أعتقد بأننا لا نستطيع أن نعمل بهذا القانون الوضيع الذي يفتقد للشمولية ، لأنه يترك البعض ويطبق على البعض الآخر  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *