بسم الله الرحمن الرحيم

    20/7/2005

    في دراسة ستنشر لنا في بداية اغسطس 2005م في مجلة اراء (مركز ابحاث الخليج دبي) عن  اسباب ارتفاع اسعار النفط ، ومن خلال الدراسه قلنا لابد من التطرق الى ثلاثة محاور رئيسيه لكي يسهل علينا تحليل الارتفاع الكبير الذي حدث للسلعه الاستراتيجيه لتوليد الطاقه العالميه ، والمحاور كما هو واضح هي :

    أولاً : الاحتياطي النفطي .
    ثانياً : التضخم العالمي والأنظمة البيئية .
    ثالثاً : دور العملاق الصيني .

    الموضوع الأول : الاحتياطي النفطي في العالم :

    توجد دراسة قيمة للجيولوجي ديفيز من خلال تطبيق المنحنى الجرسي على التوسع في الاكتشافات النفطية ، ومن صفات المنحنى الجرسي أنه في نهاية المطاف يبلغ الذروة ، ثم سرعان ما يبدأ الانحدار ، وعندما طبق النظرية الإحصائية عام 1989م على امدادات النفط العالمية صعق لرؤيته أن نقطة الذروة لم تعد على بعد عدة عقود كما كان يعتقد ، بل مجرد سنوات قليلة ( في الفترة ما بين عامي 2004م و 2008م) (آل ثاني ، فهد ، المستقبل العربي ، ص 108 ، 109) . الميزة في هذه المعادلة أنها أجريت قبل 15 سنة ، وتوقعت أن امدادات النفط ستصل إلى الذروة في عام 2004  وهذا ما حدث بالفعل فقد وصلت امدادات النفط إلى ما يقارب 90% في أبريل 2004م.

    وفي المقابل فإن السيد علي النعيمي وزير البترول السعودي له رأي مغاير عن ما يقوله هذا المنحنى ، فالسيد النعيمي يطمئن الأمريكان قائلاً : إن مخزون السعودي من النفط كان يقدر في السبعينيات بحوالي 88 مليار برميل ، أما الآن فإن المخزون يقدر بحوالي 261 مليار برميل ، وأن السعودية يمكنها أن تزيد الإنتاج بدون صعوبة تذكر من5 , 10 مليون برميل في اليوم إلى 12 و 15 مليون برميل في اليوم بل وتستطيع أن تحافظ على هذا المستوى من الإنتاج لمدة خمسين عاماً ( الشرق الأوسط العدد 9283) .

    ولكن الجيولوجي البريطاني كولن كامبل المتخصص في الشؤون النفطية له رأي علمي مختلف بشكل كلي عن ما قاله السيد النعيمي ، فالسيد كامبل يقول في (Daily Star, March 17th 2004) : إن الاحتياطيات النفطية المؤكدة في دول الخليج أقل من الكميات المؤكدة المعلن عنها ، فالاحتياطي السعودي المؤكد 210 مليار برميل وليس ما قيل أعلاه ، والاحتياطي العراقي 90 مليار برميل وليس المعلن الآن 112 مليار برميل من النفط ، والاحتياطي الكويتي 55 مليار برميل وليس 94مليار كما هو معلن ، والاحتياطي الاماراتي 60 مليار برميل وليس 98مليار برميل من النفط كما هو معلن ، ويضيف كامبل قائلاً بأن المستخدم من الطاقة النفطية الآن أكثر من 90% ومع نمو الطلب 2% سنوياً على النفط فإنه في عام 2010م ستكون الأسواق امتصت جميع الامدادات النفطية ، وستكون أسعار النفط تشكل أرقاماً فلكية .

    وكذلك بول كروجمان في (Harald Tribune May 15th 2004) : أن الاحتياطي النفطي في العالم 5 , 2 مليون برميل والمتوقع في عام 2004م أن يزيد الطلب على النفط في العالم بمعدل 2 مليون برميل أكثر من عام 2003م . وبالفعل زاد معدل إنتاج النفط في العالم أبريل 2004م بمعدل 2 مليون برميل ( الوطن القطرية العدد 3173) ، وكما ذكرنا أعلاه إذا كانت أقصى طاقة إضافية للامدادات النفطية 5 , 2 مليون برميل كما تؤكد الدراسات العالمية ، فذلك يعني لو حدث فعلاً طلب امدادات نفطية إضافية تعادل 4 مليون برميل فذلك يعني أن الدول النفطية ستنتج أقصى حد لديها من الامدادات النفطية وسيبقى عجزاً في العرض يعادل 5 , 1 مليون برميل من النفط وذلك سيدفع النفط إلى أرقاماً فلكية أو انهيار النظام الاقتصادي العالمي ، أو تغييراً جذرياً في موازين القوى العالمية ربما سيؤدي إلى حرباً عالمية لا سمح الله .

    الملاحظ أن تحليل الدراسات العالمية أعلاه يتنافى مع ما يقوله وزراء النفط في كلا من السعودية والكويت والإمارات من خلال محاولة زيادة الامدادات النفطية في الربع الثالث من 2004م ، وذلك كما يبدو لرفع المخزون الاحتياطي الأمريكي من النفط الذي وصل إلى أدنى من 38% (الشرق العدد 5686) وذلك ربما يمثل أحد الأسباب الرئيسية لأرتفاع أسعار النفط ، ولكن المشكلة الحقيقية التي سببت أرتفاعاً في أسعار النفط ، ليس الزيادة في العرض مع ثبات الطلب ، بل هي الزيادة في العرض إلى أن وصلت إلى أقصى حد ممكن في مقابل زيادة في الطلب تفوق زيادة العرض .

    وهنا نسجل استغرابنا من الدول النفطية الرئيسية في العالم لماذا تريد تخفيض سعر البرميل من النفط ؟ . أولآ : فسعرالنفط الذي وصل إلى 41 دولار في مايو 2004م ، قيمته الحقيقية تعادل 20 دولار ، إذا ما عدنا 25 سنة للوراء إلى عام 1979م ، وإذا ما قسنا التضخم العالمي ما بين 2 و4 % سنوياً في الفترة 1979م – 2004م ، علماً بأن سعر النفط وصل إلى 40 دولار في عام 1979م والقيمة الفعلية لــ 40 دولار آنذاك 80 دولار اليوم ، إذاً ذلك يعني أنه إذا استمر سعر النفط 40 دولار للبرميل ، فنحن نتقاضى فقط 50% من القيمة الحقيقية لأسعار النفط عندما نقارنها مع أسعار عام 1979م  .

    ثانيآ :  يفترض ان نكون حريصين في التعامل مع السوق الدولي سواء في حالة ارتفاع الاسعار اوانخفاضها , وهنا حتى لاننجر وراء العاطفه اوالمصالح الانيه اوبعض التفسيرات السياسيه على اطلاقها (مثل نظرية المؤامره ) .  ولكن يفترض ان نكون واقعيين في عملية تسعير النفط ، ففي عام 2003 – 2004 م كان وزراء اوبك يقولون ان سعر النفط مابين 28 الى 25 دولار هو السعر المقبول للنفط ، وكنا من خلال متابعتنا للتبادل السلعي في العالم نرفض عرض اوبك انذاك ونقول بأن متوسط سعر البرميل في تلك الفتره يفترض ان لايقل عن 35 دولار للبرميل .

    وفي عام 2005م ومن خلال مراقبتنا للتبادل السلعي في العالم نجد ان اوبك عدلت متوسط سعرها القديم للنفط ، وتقترح ان متوسط الاسعار 35 دولار للبرميل وهو السعر القديم الذي افترضناه العام الماضي ، ولكن من الناحيه العلميه هذا السعر نرفضه هذا العام !. لان التضخم اصاب جميع السلع في عام 2005 ، ولذلك يفترض ان يكون سعر النفط ان لايقل كمتوسط عن 50 دولار للبرميل , لان لوعرضت اوبك سعر نفطها كما نقترح اعلاه ، فنصيب الدول النفطيه سيرتفع 0,5% من الدخل العالمي . ويعزز تحليلنا هذا بعض المحللين الاقتصاديين في البنك الدولي بحيث يعتقدون وصول سعر النفط الى 100 دولار للبرميل يبقى مقبول عالميآ !.

    أما بالنسبة للاحتياطيات التي تقدرها الشركات العالمية ، فآخر دراسات لها تؤكد بأن هذه التقديرات قابلة للتلاعب ، فهناك عدة فضائح حدثت لشركة شل العالمية ، واحداها مشروع ( اورمن لانج ) للغاز بين النرويج وبريطانيا تم بتقديراحتياط الغاز فيه بحدود 400 بليون م3 ، ثم جرت انقاص الاحتياط بنسبة 20% ( الوسط العدد 637 ) .

    وكذلك ذكرت (Daily Star March 17th. 2004): بأن شركة شل بالغت في ذكر الاحتياطي العماني بأكثر من 40% ، وكذلك حدثت صدمة أخرى للاحتياطيات النفطية العالمية عندما اثبتت الدراسات الحديثة عدم جدوى الحفر الأفقي في الآبار النفطية القديمة لاستخراج كميات من النفط أكثر من الحفر الرأسي في الآبار النفطية.

    وخلاصة القول بأن طريقة حساب الاحتياطيات النفطية يخضع إلى ثلاثة أنواع من المعايير ( الوسط العدد  63( :

    الأول : الاحتياطي المثبت : وهو نفط يمكن استخراجه بمعدل 95% ضمن الشروط الاقتصادية الحالية وضمن امكانات التكنولوجيا الموجودة ، والغريب هنا بأن السيد كامبل شكك حتى في الاحتياطيات النفطية المثبتة في العالم ، بحيث قال السيد النعيمي أن الاحتياطي السعودي 261 بليون برميل ، في حين أن كامبل أكد على أن الاحتياطي السعودي لا يزيد على 210 بليون برميل كما ذكر سلفاً .

    الثاني : الاحتياطي المرجح : ونسبة استخراجه والحصول عليه تصل إلى50 % .

    ثالثاً : الاحتياطي الممكن : ونسبة الحصول عليه تصل إلى 5% .

    والنسبتين الأخيرتين الثانية والثالثة نعتقد بأنه من الصعب الاعتماد عليهما في أي تصور استراتيجي للاقتصاد العالمي ، لأنه كمن يشتري السمك في الماء .

    الموضوع الثاني : التضخم العالمي والأنظمة البيئة :

    مارتن وولف في (Financial Times April 12st. 2004) قال: أن زيادة الطلب على السلع يعتبر أمراً طبيعياً وذلك لأن الاقتصاد العالمي يمر في مرحلة انتعاش فمؤشر نمو الاقتصاد العالمي في أبريل 2004م وصل إلى7, 3 % وكان في سنة 2003 م 6, 2 % فقط . فنمو الناتج المحلي في دول المحيط الهادي الآسيوية قفز من 8 , 3 % عام 2003م إلى3 , 4 % في عام 2004م ، ومن ضمنها الصين والهند التي يصل نمو الناتج المحلي فيها إلى أكثر من 3 , 8 %  ، واليابان 3% ، والولايات المتحدة الأمريكية كان نمو الناتج المحلي فيها عام 2002م 1 , 3 % وقفز في عام 2004م إلى 6 , 4 % ، والاتحاد الأوربي بعد الركود المزمن في معدل النمو ، كان نمو الناتح المحلي في عام 2003م 4 , 0 % قفز إلى    6, 1% عام 2004م .  وهذا النمو انعكس على رفع مستوى الطلب على السلع الإنتاجية والاستهلاكية ، وارتفاع الطلب أدى إلى التضخم في الأسعار ، فمنذ عام 2001م قفزت أسعار السلع بنسبة تصل إلى 59% ، فمثلاً أسعار بعض المواد الخام الصناعية قفزت إلى 73 % ، وسعر الغذاء بشكل عام قفز إلى 6 , 5 % ، وبعضها قفز بأرقام فلكية ففول الصويا قفز سعره خلال الثمانية أشهر الأخيرة إلى ما يقارب من 80% ، وأسعار بعض المعادن خلال الاحدى عشرة شهراً الأخيرة قفزت إلى 50% .

    أما بالنسبة للنفط فيعتبر أقل السلع التي شهدت أرتفاعاً في السعر مقارنةً مع السلع الأخرى ، فبرميل النفط كان في ديسمبر 2001م أقل من 20 دولار ، ووصل سعره في مايو 2004م إلى 41 دولار وذلك يمثل أرتفاعاً في سعره بنسبة 100% ، ونحن لا نستغرب هذا الأمر لأنه من الطبيعي أن يرتفع سعر سلعة استراتيجة مثل النفط في ظل الارتفاع في أسعار معظم السلع الاستراتيجية في العالم خلال الثلاث سنوات الأخيرة .  فقد أرتفعت أسعارها بنسبة تصل إلى أكثر من 100% ولم يحتج العالم على ذلك ، في حين أنه عندما ارتفع سعر النفط الذي يوجد أكثر من 70% من احتياطياته في العالم الإسلامي ، قامت أمريكا بأمر الدول النفطية الرئيسية في العالم بإعادة النظر في الأسعار ، ولن نستغرب إذا ما جاء يوماً على العالم الإسلامي يقوم فيه بعمل سعرين لنفطه الأول سعر مخفض لأمريكا ، والثاني سعر حسب العرض والطلب في الأسواق الدولية يباع على باقي دول العالم .

    وهنا يفترض اننا ندرك عنصرين اسراتيجيين ، أولآ : بأن التضخم الذي حدث لاسعار النفط يعتبر تضخم عالمي اصاب جميع السلع الاستهلاكيه والخدميه الاخرى ومن ثم انعكس على اسعار النفط ،  ومن اكثر المتأثرين بهذا الارتفاع هم الدول الناميه الغير الصناعيه .

    ثانيآ : في عام 2005م لم يعد هناك نقص في الامدادات النفطيه بالنسبه للدول الرئيسيه في استيراد الطاقه في العالم وعلى رأسهم الولايات المتحده الامريكيه ،  وانما المشكله الحقيقيه للمستهلك في امريكا هي اللوبيات القويه لحماية البيئه !.

    فالمنظمات البيئيه الامريكيه وقفت ضد انشاء مصافي جديده للبترول مما ادى الى وجود عجز كبير في الطاقه التكريريه في امريكا تصل الى 10% من حاجة السوق الامريكي اليوميه ، والذي يتم تعويضه عن طريق استيراد المنتجات النفطيه من الخارج والتي قد لاتكون دائمآ بالمواصفات المطلوبه.

    كما ان هذه الانظمه البيئيه تجعل من الصعب احيانآ مواجهة الطلب في بعض الولايات على بعض انواع البنزين ، وذلك يؤدي الى عدم وجود مخزون كاف من بعض المنتجات . هذه الاختناقات والمشاكل ، أدت الى ارتفاع اسعار البنزين بشكل كبير، مع وجود عجز في في بعض انواع البنزين في بعض الولايات ، وهذا بدوره ساهم في ارتفاع أسعار الزيت الخام !.

    الموضوع الثالث : دور العملاق الصيني :

    رغم أن قيمة الناتج المحلي الصيني لا يصل حتى إلى 15% من قيمة الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية (Financial Times March. 31st. 2004) ، إلا أن نمو الناتج المحلي الصيني وصل إلى أكثر من 3 , 8 % سنوياً انعكس إلى زيادة الطلب الصيني على كثير من السلع ، مثلاً الطلب الصيني على فول الصويا قفز من 11% من الاستهلاك العالمي عام 1997م إلى 19% عام 2003م ، واستهلاك الصين من القطن في العالم قفز من 25% عام 1999م إلى 32% في عام 2003م ، واستهلاك الصين من النحاس قفزمن 11% عام 1999م إلى 20% في عام 2003م . وبعد أن كانت الصين دولة مصدرة للنفط إلى عام 1993م ، تحولت إلى دولة مستوردة للنفط ، واستهلكت عام 1998م ما يقارب 5 , 5 %  من الإنتاج العالمي وقفز ذلك إلى 8% في عام 2004م . والأخطر من ذلك كله بالنسبة للولايات المتحدة هو بأن الصين جيوبوليتيكياً اخترقت أماكن كانت تعتبرها أمريكا حكراً عليها وعلى حلفائها من دول الناتو ، فنجد الصين في عام 2004م تستورد 17% من حاجياتها النفطية من المملكة العربية السعودية ، و 10% من وارداتها النفطية من عُمان و 6% من روسيا ( الشرق الأوسط العدد 9282) . والأكثر من ذلك بأن الصين بالفعل يمثل نصيبها من النفط العالمي 8 % فقط الآن ، ولكنها في الأربع سنوات الأخيرة ساهمت بـ 37% من نمو الطلب العالمي على النفط ، وإذا استمرت الصين في هذا النمو إلى عام 2025م فذلك يعني أن حصتها من النفط العالمي ستتجاوز نسبة الولايات المتحدة الأمريكية من الاستهلاك العالمي من النفط ، بل لو حافظ الناتج المحلي الصيني على نفس معدل النمو الذي يوجد عليه الآن فمن المحتمل أن يتوازى الناتج المحلي الصيني في عام 2020م مع الناتج المحلي الأمريكي ، لكن السؤال الذي يطرح : هل الولايات المتحدة ستترك الصين على نفس معدل النمو من دون أن تفتعل كارثة تعيق النمو العملاق لدى الصين؟.

    وكذلك نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين قد وصلوا إلى عنق زجاجة في التنافس على النفط ، فأمريكا في عام 2001 م تستهلك 25 % من النفط العالمي وكانت تعتمد على استيراد 52 % منه ، وكانت قبل ذلك المملكة العربية السعودية تمد الولايات المتحدة بــ 25% من نفطها المستورد وانخفض ذلك كثيراً بعد أحداث سبتمبر 2001 م ، والآن أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط السعودي ، وبدأ النفط السعودي يتجه إلى الصين كما ذكر أعلاه ، وتعتمد الولايات المتحدة على 48 % من استهلاكها على إنتاجها المحلي ، أما في عام 2020 م فيتوقع أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد ما يقارب 66 % من احتياجاتها من النفط ، ويوفر لها إنتاجها المحلي  34 % من النفط فقط ( الوسط العدد 67 ) .

    الى اللقاء دائمآ ان شاء الله

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *