بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    أشرنا في مقابلة تليفزيونية ، مع الإعلامي القطري الأستاذ طلال الساده ، في برنامج آفاق ، في أواخر سبتمبر عام 2003م ، وكان موضوع الحلقة التنظيم الدولي ، بأن هناك

    فرق ما بين القوة ، والقيادة 0 فالقوة لعبة قصيرة المدى ويفترض لمن يدعي القوة أن تكون نتائجها حاسمة ، وذلك شبيه بالمعادلة الصفرية التي لا تقبل إلا فائز واحد ، أو لعبة الشطرنج ،

    أو لعبة الدومينو 0 ولكن القيادة لا تنجح إلا بعمل جماعي، يقوم فيه القائد بتوزيع الأدوار الفعلية التي تحافظ على روح الفريق في الاستمرارية ، وتحقيق نتائج جماعية جيدة 0 ومن هنا ليس

    بالضرورة أن تكون أهداف جميع اللاعبين واحدة ، ولكن المتعة في اللعبة الجماعية هي أن لكل لاعب دور في تحقيق الهدف ، وبالتالي المتعة في تحقيق الذات  0

    أما القائد الفاشل فيستمر في اللعبة الأحادية المتمثلة بالقوة ، مما يجعل اللاعبين الآخرين جميعهم يتحالفون ضده ، وإن لم يحدث ذلك يحاولون أن يعرقلوا أية خطوة من

    الممكن أن يحقق فيها تقدماً ، ومع مرور الزمن يؤدي ذلك إلى تلاشي إنجازاته وانهياره 0

    ومن هنا نعود إلى موضوع الحلقة أعلاه ، فكنا خلال تلك الحلقة نحاول أن نؤكد بأن أمريكا لابد لها من ممارسة دورها القيادي ، وفي المقابل كان الضيف الآخر من نيويورك

    يقول لا أخلاق مع السياسة  0 ونحن نؤيده في أنه لا أخلاق مع السياسة ولكن ليس دائماً بل أحياناً ، وهذا الموضوع بالفعل انتهى في الغرب في القرن التاسع عشر ، وكان روادها من

    ألمانيا بسمارك صاحب المدرسة الواقعية ، ومن بريطانيا غلارستون صاحب المدرسة الأخلاقية  0

    ولكن المدرستان تتفقان على فن القيادة 0 فالقيادة لعبة جماعية ، وهذا ما كنا ننتقد به مدرسة المحافظين الجدد في أمريكا 0 وعزز ما نقوله الأستاذ الجامعي الأمريكي الشهير

    ذبيغنو بريجنسكي عندما قال  ” علينا اشراك أوربا في حوار استراتيجي جاد ، نقوم من خلاله بالتفحص الدقيق لما يمكن لنا أن نفعله معاً بشأن الشرق الأوسط 0 ولو كنا أذكياء ، فإننا سنعقد

    صفقة جيدة نحصل من خلالها على المزيد من الدعم الأوربي والمال والسلاح في أفغانستان والعراق ، حيث ينشط الأوربيون، وفي النهاية على أمريكا رعاية اتفاقية السلام في الشرق

    الأوسط مقابل نقل سريع للمسؤولين إلى الأمم المتحدة في العراق ، واتفاق أوربي أمريكي صريح لحدود صيغة الحل السلمي للصراع ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين ”  0

    ويضيف بريجنسكي أن إدارة بوش فقدت مصداقيتها ، ويستدل بالتالي  (عندما واجه الرئيس كيندي أزمة الصواريخ الكوبية أرسل وزير خارجيته وين اتشيسون إلى أوربا

    للتحدث مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول ، وابلاغه بأن هناك صواريخ سوفيتية مزودة بأسلحة نووية موجهة للولايات المتحدة ، وأن أمريكا سوف تستخدم القوة لإزالتها إذا ما اقتضت

    الضرورة ، وهذا يعني حرباً نووية هائلة ما بين الشرق والغرب0 وقال اتشيسون لديغول  دعني أريك الدليل الآن 0 فما كان من ديغول إلا أن أجاب قائلاً  لا أريد رؤية الدليل الذي بحوزتك 0

    فأنا أثق برئيس الولايات المتحدة ، قل له أننا نقف بجانبه 0 والسؤال الآن  هل يمكن أن يفعل أي رئيس أجنبي هذا هذه الأيام ؟ على الأرجح لا 0 هذا ما تفتقر إليه قوتنا بالضبط )  0

    ونضيف هنا بأن جميعكم تتذكرون عندما قدم كولن باول الدليل الذي لديه لمجلس الأمن ، لكي يثبت بأن العراق يمتلك مختبرات متحركة لأسلحة الدمار الشامل ، لم يلاقي هذا

    الدليل أية مصداقية من مجلس الأمن 0 وهنا كان تركيز بريجنسكي على مصداقية القيادة ، مقارناً ما بين الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية ، والرئيس الراحل كيندي  0

    أما ريتشارد كلارك موظف الإدارة الأمريكية في عهدي كلينتون وبوش ، والذي قدم استقالته احتجاجاً على الغزو الأمريكي للعراق فيقول  نعم فقدنا المصداقية ويقصد إدارة

    بوش ، ( بدلاً من السعي للعمل مع الأغلبية في العالم الإسلامي لحشد الرأي العام الإسلامي ضد القيم المتطرفة ، قمنا بفعل الشيء نفسه الذي قالت القاعدة إننا نريد فعله 0 لقد غزونا

    واحتللنا دولة عربية غنية بالنفط لم تكن تشكل خطراً علينا، في الوقت الذي لم نكرس فيه سوى أقل قدر من الوقت والجهد للمشكلة الإسرائيلية الفلسطينية 0 وبذلك وفرنا للقاعدة أفضل

    دعاية يتصورها العقل لتجنيد أعضاء جدد ) 0

    وكذلك كلارك مثله ، مثل بريجنسكي يعطي مثالاً عن الإدارات الأمريكية السابقة ، وطريقة إدارة اللعبة ، فيقول كلارك  ” لابد من بذل جهد دولي لمواجهة أيديولوجية القاعدة ،

    فعندما حاربنا الفكر الشيوعي ، أوجدنا متحدثين وقادة وأبطالاً ومدارس وكتباً وأفلاماً وبرامج تنمية 0 وقد ساهمت هذه الجهود في كسب الحرب الباردة ، بالقدر نفسه الذي ساهمت فيه

    دبابات الجيش الأمريكي في ألمانيا الغربية 0 غير أنه لم تكن هناك أية محاولة لاتخاذ أي إجراء طموح من هذا النوع في العالم الإسلامي ”  0

    ونضيف هنا كما قال مايكل ايسيكوف ، بأن هناك صفعة كانت مجهزة للإدارة الأمريكية ، عندما رفضت أن تقدم كوندليزا رايس مستشارة الأمن القومي ، شهادتها أمام لجنة

    تحقيق أحداث 11 سبتمبر 0 وكانت اللجنة أعدت وثيقة لتصدم بها البيت الأبيض ، وهي تمثل تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 22 نوفمبر 1945م (تظهر الأدميرال ويليام روزفلت

    وهاري ترومان أمام لجنة خاصة تابعة للكونغرس كانت تحقق في الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر 0

    ويقول العنوان المطبوع فوق الصورة عن شهادة ليهي العلنية ، رئيس هيئة موظفي الرئيس يقدم شهادته 0 كانت النقطة واضحة  لم يعد بوسع البيت الأبيض الادعاء بأن

    ظهور رايس سيمثل تجاوزاً عميقاً للسوابق ) 0

    أما الآن فإدارة بوش تحافظ على أن تحصل على دور قيادي أخلاقي ، وليس دور بطولي من خلال استخدام مبدأ القوة والسيطرة 0 فنظرية الشرق الأوسط الكبير تعتبر التفاف

    للإدارة الأمريكية ، لغسلها في أحاديتها في الشرق الأوسط ، وخاصةً في العراق 0 ومن هنا تريد أمريكا أن تعطي دوراً لأوربا ، وروسيا الاتحادية ، والأمم المتحدة ، والثمان الكبار ،

    للمصادقة على نظرية الشرق الأوسط الكبير ، ولكن نعتقد أنها (Too Late) أي متأخرة جداً ، لأن إدارة بوش تحاول أن تمارس دوراً قيادياً مقبولاً، وهي من الأوراق المهمة لإدارة بوش ،

    للاستعداد لانتخابات نوفمبر  أولاً  التخلص من أحاديتها في الشرق الأوسط ، ثانياً  إعادة صياغة تحالفها مع الأتحاد الأوربي ، لأن كما يعترف كبار المفكرين الأمريكان وعلى رأسهم كاجان ،

    بأنه يجب على أمريكا أن تحصل على شرعية أية عمل من أوربا ، ثالثاً  ادخال الشركات النفطية الأمريكية في روسيا الاتحادية ، رابعاً  صياغة الاتفاقيات التجارية مع الصين، خامساً  تعديل

    الميزان التجاري مع اليابان 0 هذا كله مطلوب في السياسة الخارجية الأمريكية ، خلال فترة لا تتجاوز خمسة أشهر ، ومن هنا كنا نعتقد ومن أقوى الاحتمالات ، بأن جميع القوى العالمية

    ستحاول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن تماطل في تطور أية خطوات للسياسة الخارجية الأمريكية ، ولكي تكشف إدارة المحافظين أمام الناخب الأمريكي ، ويعود ذلك لأن معظم القوى

    العالمية وجدت صعوبة التعامل مع إدارة بوش الابن  0

    أما السياسة الداخلية فتعتمد على مستوى الاداء

    1- بالنسبة لصغار السن والنساء دائماً يكونون متعلقين بالشخصية الكاريزماتية الفاتنة ، وهذا ما يفتقده بوش ، أما بالنسبة لكيري فعليه أن يثبت في الأيام القادمة بأنه كريزماتي

    ، وسوف يساعد كيري في الأداء السحري نوعية الفريق الذي سوف يختاره  0
    2- الاقتصاد ، على بوش محاولة تجميد الاعفاءات عن العمل ، ومحاولة زيادة توظيف العاطلين عن العمل ، وعلى كيري وضع برنامج اقتصادي طموح لمعالجة الأزمة الداخلية ،

    وعلى شرط أن يكون البرنامج منطقياً ومن الممكن تطبيقه ، ووضع تصور إيجابي للعولمة الأمريكية عبر العالم  0
    3- الأمن ، الصفات التي قدمها كلارك لإدارة بوش تعتبر إيجابية لدعم كيري ، وخاصةً أن كيري حاول أن يبعد نفسه عن وحل التحقيقات الأخيرة ، وبالتالي ما حدث لبوش يعتبر

    آلاماً قوية ، وفي الوقت نفسه قوة للمنافس  0 ومن هنا يستطيع الديمقراطيين أن يستفيدوا من أخطاء بوش ، وأن يضعوا تصور أمن جماعي للنظام العالمي الجديد  0

    وفي النهاية اللعبة الانتخابية دائماً قابلة للمفاجآت ، أما حسابياً الآن ، فإدارة بوش تمر من خلال أسوأ مراحلها ، وإذا لم تستطع أن تحقق ما ذكرناه أعلاه من سياسة خارجية

    وداخلية ، فبدون شك أن أيام إدارة بوش باتت معدودة  0

    هذا ما يحدث للولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن ماذا عن عالمنا النامي ؟  سنترك الإجابة للقارئ الكريم  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *