بسم الله الرحمن الرحيم

    24/6/2004

    عندما نلقي نظرة على متوسط النمو السكاني في الدول الغربية ، سنجد بأن متوسط النمو السكاني ما بين 10 إلى 5 في الألف كل سنة ، والعمر الوسيط في الدول المتقدمة أصبح قريباً من الـ 40 سنة ، ( أي أن نصف السكان أكثر من 40 سنة) ، وذلك يعني بأنه بعد ربع قرن سيصبح أكثر من 50% من سكان أوربا من المتقاعدين ، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فستفقد بعض الدول الأوربية في عام 2100م أكثر من 75% من سكانها ، ويتوقع أن تفقد اليابان أكثر من 50% من سكانها 0

     أما بالنسبة للعالم الإسلامي ، فانظروا للإيجابية التي يسجلها ، فمعدل النمو الطبيعي ما بين 25 إلى 20 في الألف سنوياً ، والعمر الوسيط 18 سنة تقريباً ، ويتوقع أن يتضاعف السكان المسلمين كل 36 سنة ، أي لو بقيت الإحصائيتين الغربية والإسلامية على ما هم عليه ، فسيصبح في عام 2100م معظم سكان الكوكب من المسلمين  0 وهذا الأمر ليس بغريب ، فلو ألقينا نظرة مستعجلة في كتابنا للعالم الإسلامي ص 70 ، لوجدنا بأن نسبة المسلمين كانت تشكل 12% من سكان الكوكب عام 1900م ، وكانت نسبة المسيحيين في نفس الفترة ثلاثة أضعافها تقريباً أي 33%، وفي عام 2000م أصبحت نسبة المسلمين تمثل 25% من سكان الكوكب ، وتقلصت نسبة المسيحيين إلى 30%  0

     ولكن من هنا هل سيترك الإسلام على حاله ؟ طبعاً كما يرى الجميع الآن لن يترك لأن النظرية الغربية تعتقد بأن الحل الوحيد الباقي لمعالجة مشكلة العجز السكاني هو استيراد الشباب من العالم الإسلامي ، ولكن لابد من تهجينهم فكرياً قبل استيرادهم إلى أوربا وأمريكا 0 فكانت الاستراتيجية الغربية متعددة الجوانب كالتالي : (أ) زرع حكاماً موالين للغرب (ب) عمل تغيير جذري للمناهج الإسلامية ، وانظر ليس للمناهج العلمية 00 وإنما للمناهج الإسلامية  (ج) التحرير التدريجي للمرأة المسلمة إلى أن تصل – لا سمح اللّه – إلى الحالة الليبرالية التي تعيشها المرأة الغربية ، وذلك سيجعل نسبة خصوبة المرأة المسلمة تنخفض بشكل كبير من 5 أطفال لكل أمرأة تقريباً إلى طفل أو أقل لكل امرأة تقريباً ، وذلك سيؤدي أيضاً إلى تفكيك نظام الأسرة الإسلامية مما سينعكس سلباً على الترابط الاجتماعي والثقافي الإسلامي 00 إلخ 0

     من هنا نرجو أن لا يستغرب القارئ الكريم مما ورد أعلاه ، فأوربا وأمريكا والشرق الأقصى الآسيوي يمر الآن في مرحلة انحسار سكاني فيقول مارتن وولف – المهتم بالدراسات الديموغرافية والاقتصادية والسكانية في مقالة في صحيفة (Financial Times 7th. January,2004) ” قبل 200 سنة كان أمد الحياة ( العمر الذي يتوقع أن يتوفى فيها معظم السكان ) في أوربا (36 سنة ) والآن أصبح 80 سنة ، وكانت وفيات الرضع الأقل من سنة قبل 100 سنة تصل إلى 181 رضيع لكل 1000 شخص ، وانخفضت الآن إلى 4 أطفال لكل 1000 شخص ، ولكن هذا التطور الديموغرافي في أوربا ، أصبحت القارة تدفع سلبياته الآن ، وهو أرتفاع نسبة كبار السن ، وانخفاض نسبة التعويض من القاعدة بسبب تحرير المرأة 0 فخلال العقدين الأخيرين من الزمن يقول وولف : ( ما بين 1980م و 2004م ارتفع امد الحياة بمعدل 20 سنة أي قفز من 60 سنة إلى 80 سنة في أوربا )  0

     وكذلك يقول وولف : ( بسبب ارتفاع معدل كبار السن وتحرير المرأة ، أصبحت نسبة المواليد أقل من الوفيات ، وذلك أدى إلى صعوبة تعويض السكان المفقودين من القاعدة ، ونفس المشكلة التي تعانيها أوربا أصبح يشاركها الصين ، ويعتقد وولف بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي أفضل حالاً من خلال التعويض السكاني عن الأقطاب السالفة الذكر ) 0

     ولكن في مقالة للباحث روبرت جيه صامو يلسون في نيوزويك العربية العدد 187 يقول : ( الميزانية الفيدرالية تتجه إلى مستقبل من ارتفاعات غير مسبوقة للضرائب ، وعجوزات هائلة ، أو كلتاهما معاً 0 وليس هذا سراً لأن القوة المحركة الكبرى لهذا التغيير هي التقاعد المرتقب (77 مليون نسمة من مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية) 0 ما قاله صامو يلسون أي يعني بعد ما يقارب عقدين من الزمن سيصبح أكثر من 25% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية من العجائز المتقاعدين ، وسينطبق عليها نظرية القارة العجوز التي تعاني منها أوربا ، وكذلك يضيف صامو يلسون : ( أن الرئيس بوش منح فوائد جديدة للمشاركين في برنامج الرعاية الطبية لكبار السن ، وهذا البرنامج الجديد مكلف جداً بحيث يصل إلى 400 بليون دولار على مدى العقد المقبل ، غير أن تقرير مكتب الميزانية يقول أنه حين تقديم هذه الفوائد الطبية بالكامل ، فإن هذا البرنامج سيكلف ما نسبته 1% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي سنوياً بحلول عام 2030م ، وهو ما يساوي 110 بليون بدولارات اليوم  0 ومن هنا يتساءل صامو يلسون : ماذا سيحدث لو افترضنا أن الصين ستقوم بنشر أسلحة في الفضاء ؟ كم ستكون كلفة الرد الأمريكي على ذلك ؟ وماذا سيحدث لو تفشى داء جديد يكون الايدز مرضاً بسيطاً مقارنة به ؟ 00) 0

     وخلاصة القول أن تحول الدول المتقدمة إلى أمماً تعاني الهرم ، له بعض النتائج الاستراتيجية السلبية للدول المتقدمة مثل :

     أولاً اقتصادية : وكما ذكر وولف بأن معدل العائلون ( النشيطون اقتصادياً ما بين 20 إلى 65 سنة ) مقارنة مع معدل المتقاعدون كل 5ر3 يعملون يقابلهم شخص واحد لا يعمل ، ولكن مع انخفاض نسبة النمو في العائلين بمعدل 5ر0% سنوياً وزيادة امد الحياة بالنسبة للمتقاعدون من 15 سنة إلى 20 سنة ، فنتيجة ذلك معدل العائلون سيخفض إلى 6ر2 وبذلك سيصبح معدل الاعالة في العالم المتقدم شبيه بمعدل الاعالة في العالم الإسلامي والنامي ، ولكن الميزة في العالم بأن معظم الأشخاص المعالون (الأشخاص المستهلكين) هم من صغار السن عكس الوضع في أوربا ، حيث أن معظم المعالون هم من كبار السن ، وكذلك بالنسبة للعالم الإسلامي انخفاض معدل العائلون فيه ليس بسبب مشكلة ديموغرافية كما هو في أوربا ، ولكن بسبب مشكلة سوء الإدارة السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي ، مما رفع نسبة البطالة ما بين الشباب في سن الإنتاج ( 20 – 65 سنة ) إلى 50% ، وذلك يمثل بطالة سافرة ومقنعة في العالم الإسلامي  0

     ويتوقع في المستقبل القريب أن يصبح معدل العائلون في أوربا 9ر1 لكل شخص من كبار السن ، وهذا يعني بأن ما يزيد على 50% من الناتج المحلي الأوربي سيخصص لخدمة الأشخاص الذين يوجدون خارج العمل ، وفي هذه المرحلة ستكون أوربا تمر في مرحلة انهيار اقتصادي وديموغرافي 0 ففي تقرير نشر في ( F.P. نوفمبر – ديسمبر 2003م ) يقول بأن عدد سكان ألمانيا سينخفض من 80 مليون نسمة إلى 25 مليون نسمة عام 2100م وذلك يعني بأن ألمانيا ستفقد 75% من سكانها 0 وللحفاظ على موازين اليوم بين صغار وكبار السن فإن ألمانيا بحاجة إلى قبول 4ر3 مليون مهاجر سنوياً على مدى 50 عاماً المقبلة ، وهي تقبل حالياً 200 ألف مهاجر كل عام 0 وكذلك أورد التقرير بأن نظام التقاعد الألماني على وشك الانهيار بفعل ثقل العدد المتزايد من كبار السن 0 ونود أن نوضح لكم تعليقنا على هذا التقرير بأن المخططين الألمان لن يقبلوا الحل الديموغرافي بزيادة عدد المهاجرين إلى ألمانيا ، لأن معظم هؤلاء المهاجرين سيكونون من العالم الإسلامي ، وألمانيا تحاول أن تقلص عدد المسلمين الــ 3 مليون الموجودين أصلاً لديها وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م0

     ثانياً : الديموغرافيا : يرى مارتن وولف لمعالجة المشكلة الاقتصادية أعلاه ، فعلى الأوربيين أن يختارو ما بين ثلاثة حلول هي :

    أ  – رفع سن التقاعد من سن 65 سنة إلى 73 سنة 0
    ب – الحل الثاني محاولة توظيف جميع الشباب الواقعين في سن العمل ما بين 20 –  65 سنة ذكوراً وإناثاً وذلك كحل ديموغرافي لمعالجة مشكلة الاعالة الاقتصادية 0
    ج – الهجرة ، ويقصد هنا كما ذكر في تقرير (F.P) أعلاه كحل لألمانيا ، ولكن مارتن وولف عنده بعض التحفظات على هذا الحل : (1) بأن أوربا أصلاً الكثافة السكانية فيها عالية والهجرة ربما تجعل الأمر أكثر سوءً (2) الهجرة سيكون معظمها من المناطق الإسلامية المجاورة التي تعاني من انفجار سكاني  0

     في الخاتمة المولى عز وجل وهبنا في القرن التاسع عشر الممرات الاستراتيجية في العالم ولم نستغلها ، وأدى ذلك إلى تكريس الاستعمار في أرض الإسلام ، وفي القرن العشرين ، وهبنا المولى عز وجل الهايدروكاربون والموارد الطبيعية ، ولم نستغلها وخسر المسلمين وتمزقت أوطانهم ، وفقدنا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وفي القرن الواحد والعشرين ، وهبنا المولى عز وجل موهبة طبيعية فطرية وهي القنبلة الديموغرافية ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل القائمين على ولاية أمر المسلمين سياسياً واقتصادياً وتخطيطياً يستوعبون أهمية هذه القنبلة ؟ وإذا كانت الإجابة لا : فهل هم على استعداد للانسحاب من الملعب بشرف وإعطاء المؤهلين من أبناء الأمة ليخططوا مستقبل أمتهم ؟ 0

     الإجابة على السؤالين الأخيرين سنتركها للتاريخ 0

     وسبحانك اللّهم وبحمدك ، ونشهد ان لا إله إلا أنت ونستغفرك ونتوب إليك 0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *