بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ، ظهرت منظمة إسماعيلية منشقة على فرقة الإثنا عشر الشيعية ، وهذه المنظمة أثارت الرعب في قلوب جميع مراكز القوى في

    الشرق الأوسط 0

    وهذا الموضوع القديم المتجدد تناولته معظم الموسوعات السياسية ، وتناولته أيضاً بشكل غريب ومثير للدهشة المؤرخ المشهور فيليب حتي في كتابه الجدلي تاريخ العرب 0

    ومما يؤكد أهمية هذه الحركة المتطرفة من الناحية السياسية في التاريخ العالمي ، هو مسمى الاغتيالات السياسية في اللغة الأنجلو ساكسونية حشاشين ( (

    Assassination) 0

    وما أثار أنظارنا نحو هذا الموضوع القديم المتجدد هو الأسلوب الراقي الذي تناولاه الكاتبان المشهوران بأسلوبهم المميز وهم د0 تركي الحمد ، والأستاذ خالص جلبي في

    سبتمبر وأكتوبر 2002م ، وبالطبع تناوله كُلاً منهم بطريقته وأسلوبه التحليلي، وإن كنت أجد بأن أسلوب الربط الموضوعي بينهما متشابه ، أي أن تنظيم القاعدة شبيه بحركة الحشاشين  0

    المؤسس الفعلي لهذه المنظمة هو الحسن بن الصباح بن علي الإسماعيلي (1037 – 1124م ) الذي ولد شيعياً إثنا عشرياً وانتهى به المطاف إسماعيلياً باطنياً ، بل ومؤسساً

    لمذهب وفرقة خاصة به من فرق الإسماعيلية 0 والحقيقة يهمنا هنا أسلوب ابن الصباح في التخلص من خصومه ( الشرق الأوسط العدد 806 ) 0

    ونحن نتفق بأنه من أخطر ما قامت به حركة الحشاشين لكي تصل إلى السلطة هي محاولتها الخبيثة لاغتيال القائد الإسلامي الشهير صلاح الدين الأيوبي ، كما ذكر الأستاذ

    جلبي بأسلوبه الراقي : ” في ليلة الأحد 11 ذي القعدة 571هـ – 1176م ، كان القائد صلاح الدين الأيوبي على موعد مع رسل الموت من الحشاشين ، فبينما كان في خيمة الأمير الكردي

    جاولي الأسدي قائد أركانه ، وهم يستعرضان الخرائط الحربية ضد الصليبيين ، اقتحم الخيمة شاب مفتول العضلات وكأنه جني لخفة حركته يلمع في يمناه خنجر هوى به على رأس صلاح

    الدين ، ولكنه كان محظوظاً فقد صدم النصل المسموم الزردية من الحديد التي تغطي رأسه ، فأدرك المجرم أنه أخطأ هدفه فقام بتوجيه طعنة إلى الخد فجرحه وأنقض الضباط الأكراد على

    الرجل فقتلوه ” ( الشرق الأوسط العدد 8702 ) 0

    ويرى د0 الحمد بأن التنظيم في مثل هذه المنظمات ليس كالتنظيم في أية منظمة سياسية أخرى ، سرية كانت أو علنية 0 فمن ناحية هو تنظيم شبه مغلق ، أو هو مغلق فعلاً ، لا

    يمكن الدخول فيه إلا لمن كان هو والثقة صنوان لا يفترقان ، وذلك لا يتم إلا بعد أن يكون قد ( تربى ) تربية معينة ، فكرية وتنظيمية ، بعكس معظم التنظيمات ، حتى السري منها ، التي يكفي

    الاقتناع بالفكرة سبباً في الانخراط مبدئياً ( الشرق الأوسط العدد 8713 ) 0

    أما ما أشار إليه د0 الحمد من ناحية فكرية وتنظيمية لتنظيم القاعدة مشبهاً إياه بتنظيم الحشاشين ، فهي فكرة جدلية ، ولكن ما نستطيع أن نؤكده لكم بأنه لا يوجد تنظيم أو

    دولة في هذا الكوكب إلا ولها الأيديولوجيا الفكرية الخاصة به أو بها  0

    ويضيف د0 الحمد : ” إن مثل هذه الجماعات غالباً ما يكون تركيزها على الغض من الشباب ، وذلك لأنه من الأسهل إعادة تشكيل عقول هؤلاء وفق الأهداف التي يحددها

    الزعيم ، أو تحددها القيادة 0 بل وكلما كانت إعادة التربية في سن أبكر ، كان ذلك أفضل 0 ومن هنا فإن مثل هذه الجماعات لا تبحث عن أعضائها المحنكين في الشوارع أو بين مختلف

    فئات وطبقات الناس ، بل يكون التركيز في تلك المؤسسات التي تحتوي على الغض من الفتيان 0 فقد تكون دعوة التنظيم عامة من خلال البيانات والأعمال ، ولكن الانخراط فيه ليس بمجرد

    الاقتناع ” 0

    أيضاً من رأيي أن هذه النقاط الأخيرة أثارت بعض الجدل ، ولكن كما نعرف بأن أي تنظيم ثوري لا يبحث لجهازه الأمني عن القادة ، ولكن يبحث عن الشباب الصغار الذين هم

    بالفعل عندما يقنعون بأيديولوجية التنظيم يصبحون هم العمود الفقري الأمني للتنظيم من ناحية استخباراتية ومن ناحية قتالية  0

    ولكن الملفت للنظر عندما قال الأستاذ جلبي ” بأن حسن الصباح قام بتطوير العمل على نحو عبقري ، حيث رأى أن العمل السري المسلح لا يحتاج لجيوش كثيرة بل عناصر

    قليلة حسنة التدريب شديدة الولاء إلى حد العبادة ، وبتنظيم خاص غير قابل للاختراق ينتشر مثل انتشار السرطان 0 وبعدد محدود من صغار الشبان الذين يتم غسل أدمغتهم بالتعصب

    والحشيش  ” 0

    عرضنا لرأي الأستاذين الكبيرين ليس لغرض المزايدة ، ولكن يوجد لنا رأيا يخالف رأيهم وهو كالتالي :

    1- الحركة السلفية التي يتبعها السواد الأعظم من المسلمين ، خاصة أن هناك أرتباط مباشر وغير مباشر ما بين المسلمين السنة والحركة السلفية ، فالمسلمين السنة يشكلون

    94% من مجموع المسلمين في العالم 0 ومعظم الأفغان العرب من أتباع الحركة السلفية السنية ، وتعاليمها أصلاً مأخوذة من السلف الصالح وسيد البشرية جمعاء محمد نبي اللّه ورسوله

    ص ، أما الجماعة الإسماعيلية فهي لا تشكل حتى 1ر0% من نسبة مسلمي العالم ، ويوجد خلافات كثيرة بيننا وبينها لا مجال لذكرها الآن ( آل ثاني ، العالم الإسلامي ص 89 ) 0

    2- منذ عام 1980 – 1989 كان المجاهدين الأفغان العرب مدعومين من جميع الدول الإسلامية والعربية ، وعلى رأسهم حليفة العرب والمسلمين آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية

    ، وذلك لمحاربة أمبراطورية الكفر ممثلة بالأتحاد السوفيتي ، ومجموع المساعدات المالية التي وصلت إلى المجاهدين في الفترة المذكورة كانت تزيد على (30) بليون دولار  0 طبعاً بالنسبة

    للولايات المتحدة الأمريكية كان الهدف ظاهرياً لمحاربة الكفر والألحاد ، وباطنياً لتعزيز مبدأ سياسة الاحتواء على الأتحاد السوفيتي  0

    3- الجهاد فرض عين على كل مسلم قادر ، وخاصةً عندما يعتدى على مقدسات المسلمين وأنفسهم وأرضهم وأموالهم ، والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة لا مجال لذكرها الآن ،

    ويدعم ذلك آيات من القرآن الكريم كقوله تعالى :  إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل

    والقرآن ومن أوفى بعهده من اللّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم  ( التوبة آية 111 )0

    4- ما حدث من صراعات سياسية وأمنية في الشرق الأوسط ما بين الحكومات ، والتيارات الثورية الإسلامية السنية ، في رأيي الشخصي لا يوجد ما بينها وبين الحركة

    الإسماعيلية ( الحشاشين ) أي وجه من التشابه 0 وإنما نستطيع أن نسميها بأن الثورة دائماً تأكل أبنائها ، والأمثلة على ذلك كثيرة :

    4-1 إنفصال باكستان عن الهند في عام 1948م كان ذلك لإنشاء دولة إسلامية ، وانتهى المطاف بإنشاء دولة للمسلمين 0 ومعظمنا ربما يتذكر المقولة المشهورة للشيخ أبو الأعلى

    المودودي رحمه اللّه : ” هل هي دولة للمسلمين ؟ أم هي دولة إسلامية ( آل ثاني ، نفس المصدر ، ص 45 ) 0

    4-2 الحركة الوهابية السلفية في الجزيرة العربية ، انتهى بها المطاف إلى صراع ما بين الوهابيين الإصلاحيين ( السلطة ) ، والوهابيين المتشددين ( الأخوان ) 0

    4-3 الثورة الإسلامية الشيعية في إيران أصبح التنافس الآن ما بين الإصلاحيين بقيادة الرئيس محمد خاتمي ( السلطة التنفيذية ومجلس الشورى ) ، والمتشددين من أركان الثورة

    وهم مرشد الثورة ، ويشرف على الجيش والحرس الثوري والسلطة القضائية ومجلس صيانة الدستور ( آل ثاني ، نفس المصدر ، ص 193 ) 0

    4-4 الثورة المصرية ، كانت بدعم كامل من الأخوان المسلمين ، وكان لهم تأثير بشكل كبير لتحريك الشارع المصري ضد الملكية ، وبعد أن حدث الانقلاب عام 1952م بقيادة

    مجموعة من ضباط الجيش ، أصبح الضباط نظام حكم ، وأدى ذلك إلى وجود صراع ما بين النظام والتيار الإسلامي مازال مستمراً إلى الآن  0

    4-5 حكومة الأنقاذ في السودان ، والتي قامت بانقلاب أواخر الثمانينيات بتحالف ما بين الجيش بقيادة الرئيس البشير ، والشيخ حسن الترابي 0 وانتهى المطاف بصراع ما بين

    أركان السلطة فبقي حسن البشير رئيساً للجمهورية ، وأودع د0الترابي في غياهب السجن  0

    4-6 الجمهوريات العربية التي قدمت الغالي والنفيس للتيارات التحررية الشعبية لكي تقوم بانقلابات في الدول الملكية أو كما يسمونها الرجعية 0 وكان هناك دور بارز للتيارات

    الرديكالية العربية في الدول الملكية الشرق الأوسطية مثل البعث العربي ، والقوميين العرب في فترة الخمسينيات ، والستينيات ، والسبعينيات ، وأنتهى المطاف بمعظم الجمهوريات العربية

    إلى جمهوريات وراثية ( ملكية معدلة ) وذلك شكل صدمة عنيفة للتيارات الريديكالية المذكورة ، وخاصةً لامتدادها فوق القطري  0

    وفي الختام نقول شهد العالم في القرن العشرين ميلادي أربع حركات وكلها كان عندها طموح عالمي مثل البلشفية والفاشية والنازية والرأسمالية الليبرالية 0 وكل ما يسقط

    تيار من الحركات المذكورة ، يقول المنتصرون عليها انقذ الخالق هذا الكوكب من ديكتاتورية كانت ستهلك الحرث والنسل ، وتأكل الأخضر واليابس فيه  0

    وأنتهى المطاف إلى انتصار الحركة الرأسمالية الليبرالية ، وتقول عن نفسها بأنها هي الحركة المنقذة للإنسانية  0 ولكن يؤسفني بأن أقول لكم بإن الذي نراه هو عكس ذلك ،

    فالحركة الصهيونية عززت اضطهادها واذلالها للشعب الفلسطيني بتأييد تام من قائد العالم الأوحد الولايات المتحدة الأمريكية 0 والأدهى والأمر من ذلك بأن بوش أتى بمصطلح جديد كما

    يحلو للبعض بتسميته مبدأ بوش وهو ما يسمى بالحرب الاستباقية الاجهاضية ، وذلك أدى إلى بروز ما يسمى بمحاور الشر في العالم وهي : إيران ، وأفغانستان ، والعراق ، والسودان ،

    وسوريا ، وليبيا ، وروسيا ، وكوريا والبقية تأتي  0

    وأخيراً بدلاً من التشكيك في الحركات الجهادية الإسلامية ، هو السؤال الذي تعودنا مراراً وتكراراً تقديمه لمتخذي القرار في الشرق الأوسط ، أن يوضحوا لنا برامجهم قصيرة

    ومتوسطة وطويلة المدى لإنقاذ هذه المنطقة من وضعها المتردي ؟  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *