بسم الله الرحمن الرحيم

    10/10/2004

    كنا في جلسة مع مجموعة من المثقفين العرب ، وكان الموضوع المطروح فيما بينهم هو : لماذا يصبح من هو أقل خبرةً أو علماً أو كفاءة من زملائه رئيساً عليهم أو على مجموعة معينة !

    وكان رأينا في هذا الموضوع الذي يفترض بأنه شيء مفروغا  منه ، أن الشخص الغير مؤهل ، ويسوقه القدر إلى السيطرة على مجموعة ، بالطبع لا يستطيع أن يترك المجموعة تتطور بطريقة تلقائية كما هي مع المحافظة على مصادرقوته0 فقفز أحد المثقفين وقال : إذاً ما هو الحل ؟

    اولآ        هل سمعت بلعبة تغيير مراكز القوى ؟ 0 هذه اللعبة الديناميكية تتم بطريقة إعادة توزيع المجموعة ، وهذا التغيير يتم من خلاله التغيير التام لمراكز القوى الطبيعية وإظهار مراكز قوى جديدة مصطنعة ، لكي تسير دفة الأمور ، ونتيجة ذلك أن الشخص المسيطر أعلاه من خلال تغيير المجموعة يستفيد من التالي : (أ) إعطاء الفرصة لأشخاص غير مؤهلين ، فيشعرون دائماً بأن المسيطر أعلاه صاحب فضل عليهم ، (ب) تأجيج روح الصراع ما بين المجموعة لأن الغير مؤهل يقود المؤهل ، وذلك يعطي الفرصة للمسيطر الأول الاستقلالية الكاملة بالسلطة العليا ، تحت مبدأ المثل القائل حط حيلهم بينهم ، أو يا نار كلى حطب 00 الخ 0 ومن هنا ربما يتساءل البعض ويقول : كيف ستتطور المجموعة وبالتالي المؤسسة التي ينتمون لها إذا كان هناك صراعات ما بين أفرادها ؟ 0 الإجابة هي يا عزيزي في العالم النامي المسيطر الأول همه يقول : أنا ومن بعدي الطوفان ! 0

    وبعد ذلك قفز أحد المثقفين وقال : إن هذه المجموعات أعلاه من الممكن إعادة إصلاحها من خلال ضم لاعبين جدد ، يعتقد الزميل المثقف بأن عملية ضم لاعبين هي عملية تلقائية تدور مع الزمن ، ولا يوجد لأحد دور للتأثير عليها ، حتى المسيطر الأول ! 0 فرددنا عليه وقلنا له العب غيرها 0 هناك لعبة جديدة للمؤهلين الجدد تسمي في العالم النامي لعبة الحلقة المفرغة ! 0

    وذلك من خلال التالي : عندما ينضم لاعبين جدد وعندهم طموح العطاء بلا حدود ، والمشاركة في عملية الإصلاح في أوطانهم 0 فأول سؤال يسألهم عنه المسيطر الأول : ما هي القطاعات التي تشعرون بأن عطاءكم فيها سيئاً بشكل محطم للآمال ؟ والسؤال الثاني : ماهي القطاعات التي تتوقع ان تحقق احلامك فيها ؟0 طبعاً بعد الإجابة على الأسئلة أعلاه سيزج باللاعب المؤهل الجديد إلى القطاع المحطم للآمال ، وذلك لكي يثبت أنه فاشل أمام جميع موظفي المؤسسة ، وهنا قال أحد المثقفين : وإذا كان اللاعب الجديد مؤهلاً فعلاً ، فسيتكيف ويثبت وجوده سواءً كان في قطاع وظيفي يرغب العمل فيه أو في قطاع وظيفي محطماً للآمال ولا يرغب العمل فيه ؟ 0 فأجبنا الزميل المثقف بنعم ، لكن طرحنا عليه سؤالاً ثانياً : ألم تسمع بلعبة الحلقة المفرغة ؟ 0 قال لنا الزملاء ما هي لعبة الحلقة المفرغة ؟ 0 فقلنا عندما ينجح المؤهل أعلاه في مكان العمل الذي زج فيه ويكرهه أصلاً ، تعمل لعبة جديدة تسمى الحلقة المفرغة (Vicious circle)  أي أن يبقى الشخص مستمراً في العطاء وهو يدور في حلقة مفرغة بدون أية ترقية أو زيادة في الأجر أو تكريم ، وكلما يزيد في العطاء، يقوم المسيطر الأول بالتقليل من قدر الشخص المؤهل إلى أن تصل طاقة الشخص المؤهل إلى التلاشي والانحسار 0 فقام أحد المثقفين وقال إذا كان الشخص مؤهلاً فعلاً فسيجد مخرجاً ! 0 فقلنا له في لعبة الحلقة المفرغة لا يوجد مخرج أطلاقاً ، إلا إذا جاء أمراً من الله سبحانه وتعالى وأدى إلى تغيير الأمور بشكل جذري ، ولكننا نرى إذا كان الشخص مؤهلاً فعلاً ، فيقوم بلعبة نسميها بلعبة التجديد والمقاومة ، فالرسول (ص) قال : “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه  ، وإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ” 0 وهنا نعتقد أن هناك عدة طرق للمقاومة ، فمقاومة اليد تحتاج إلى قاعدة اجتماعية عريضة وهذه بسبب صعوبة صناعة الرأي في المؤسسات المتخلفة ، فهي مفروغ منها ومن الصعب تشكيلها 0 والعنصر التالي اللسان ، وربما يقصد هنا الفكر ، ومن خلال الفكر من الممكن أن تحطم كل تفاهات المسيطر الأول في العملية الآنية وإبراز فشلها أمام الجميع ، وطبعاً المسيطر الأول أحد أحلامه ليست السنوات التي سيقضيها فقط ، وإنما همه هو الخلود الأبدي لكي يبقى لامعاً من جيل إلى آخر ، ولكي تحرمه هذه الفرصة أعتقد لابد لكل مؤهل إذا كان مؤهلاً فعلاً ومحروماً ، هو إتباع فلسفة أخوان الصفا لكي يتقي شر المسيطر الأول ، وفي نفس الوقت حرمانه من خلوده الأزلي من خلال مؤلف ممتاز ومحكم وموثق ، وأن تكون معلوماته صادقة ، ينشر كوثيقة مستقبلية عن المسيطر الأول تحت مسمى ( الكتاب الأسود ) !! 0

    للأسف الشديد هذا وضع المؤهلين والمثقفين في العالم النامي إلا ما ندر ، ونسأل الله العلي القدير أن يفرج همنا وهمكم وهموم جميع المسلمين!0

    ولكن بعد الإحباط أعلاه ، دعونا نقودكم إلى فن اللعبة السياسية في عالم الشمال المتقدم 0

    أولاً ،  فرنسا : لعبة شيراك ساركوزي ، فالهرم شيراك يميل كثيراً لدوفيلبان ، ولكن ساركوزي خطف الأنظار عن دوفليبان 0 فساركوزي بعد أن كان ساعد شيراك الأيمن ، عندما فكر في ترشيح نفسه لرئاسة الاتحاد من أجل الحركة الشعبية هدد بالطرد من منصبه الوزاري ، ولكن ساركوزي لم يعد يهمه إلا أن يرشح نفسه لرئاسة فرنسا أمام معلمه جاك شيراك 0

    فساركوزي بعد أن همشه جاك شيراك في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، توسط له دوفيلبان وأعاده إلى الملعب وزيراً للعدل ، ولكن الصدمة الكبرى عندما أصبحت نسبة الرضا عن ساركوزي وزير العدل 60% ، وعن رئيس الجمهورية 40% 0 فكانت اللعبة الأخرى من شيراك تعيين ساركوزي وزيراً للمالية عام 2002م وذلك لكي يخفت بريق ساركوزي ، ولكن الصدمة الكبرى عندما نجح ساركوزي في إدارة ملف المالية الفرنسية ، وزاد بريقه .ا ما المشكلة الآن إذا طرد شيراك ساركوزي وهو محبوب شعبياً ، فذلك يهدد عرش شيراك الرئاسي لأن هناك احتمال أن يتعاطف الحزب مع ساركوزي ، وإذا حاول شيراك أن يوجج الصراع ما بين دفيلبيان وساركوزي ، كل المؤشرات تقول بأن ساركوزي سينتصر ومجرد انتصار ساركوزي على دوفيليبان  ، معنى ذلك أن على شيراك أن يفتح الباب الرئاسي أمام لاعب جديد اسمه ساركوزي ، لأن مغامرة شيراك الدخول منافساً لساركوزي تعتبر مخاطرة تقضي على تاريخ شيراك السياسي ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : ألا تلاحظون متعة لعبة الكراسي السياسية في العالم المتقدم ؟ ! 0

    ثانياً ، المملكة المتحدة : محور بلير براون العمالي ، فالرجلان قاما بثورة في حزب العمال الذي خسر انتخاباً تلو الآخر منذ عام 1979م إلى عام 1997م ، فتشكل محور بلير براون وقاما بإصلاحات في حزب العمال، فعززا علاقاته مع النقابات العمالية وابتعدا بالحزب عن دولة الرفاة باتجاه الأسواق الحرة وخلصاه من صورته من حزب لا يحسن إلا فرض الضرائب والإنفاق العام إلى حزب مؤيد العمال ، وبعد وفاة زعيم الحزب جون سميث ، تحققت صفقة ما بين بلير وبروان ، بحيث على براون أن يفسح الطريق لبلير ليترشح لرئاسة الحكومة ، كما حصل عام 1997م ، وأن بلير سيتخلى عن وظيفته في وقت لاحق لبراون 0 لكن بعد وصول بلير إلى دفة السلطة بدأ النزاع بينه وبين حليفه التقليدي براون 0 فقام بلير بطريقة درامية ودعم ألان ميلبورن في حزب العمال ، وميلبورن مشهور بخلافاته مع براون ، أي بمعنى آخر تأجيج الصراع ما بين خصمين جدد ، ويبقى بلير متفرجاً على الموقعة الدامية بين مرؤوسين ، دون أن تتأثر سلطته ! 0 ولكن بلير بعد أن تقلصت أسهمه في الحزب وفي الشارع البريطاني اضطر لعقد صفقة ثانية مع براون لكي يدعمه في مواجهة العواصف السياسية على أن يتنحى بلير عن الرئاسة في أواخر عام 2004م لصالح براون ، ولكن بعد أن وطد بلير الأوضاع ، فيبدوا أنه لن يتنازل لبراون ، وأنه سيخوض انتخابات 2005م لكي يرأس الحكومة البريطانية لدورة ثالثة وأخيرة إذا فاز بالطبع في الانتخابات ! 0

    ولكن أين براون من المعادلة ؟ طبعاً براون مازال القلب المحرك للعبة السياسية في حزب العمال ! 0 إذاً ألا تتفقوا معنا بأن اللعبة السياسية في العالم المتقدم فن وذوق راقي ومتعة ، وفي عالمنا المتخلف سمجة ومتجمدة مثلها مثل برامجنا الاقتصادية ، وبرامجنا الرياضية ومهرجاناتنا البهلوانية 00 الخ 0

    ثالثاً ، الولايات المتحدة الأمريكية : الصراع ما بين بوش وكيري اقترب من مرحلة الحسم ، وبالفعل عندما تصل مرحلة الانتخابات إلى مرحلة المواجهات المباشرة تعتبر اللعبة قربت من النهاية ، ولكن كما يرى المحللين أن أغرب شيء إلى الانتخابات الأمريكية في هذه الدورة ليس التعادل النسبي في الأصوات ما بين بوش وكيري ، ولكن هو أن المجتمع الأمريكي بالفعل مقسوم ما بينهما ، لأن في العادة الجمهوريين والديمقراطيين يتصارعون على أصوات الذين لم يقرروا موقفهم إلى آخر ليلة من الانتخابات ، ولكن كما ذكرنا أعلاه ، في هذه الدورة انقسم المجتمع الأمريكي ما بين الجمهوريين والديمقراطيين 0

    ومن هنا الفريقين المتصارعين على كرسي الرئاسة الأمريكية ينظرون إلى نادر بحذر فمثلاً استطلاعات راسموسية تبين أن بوش وكيري متعادلين نسبياً 46% للأول و 45% للثاني ، ولكن نادر حاصل على 3% من الأصوات ، وهنا أصول اللعبة الحقيقية ، فاستمرار نادر يستطيع أن يسحب أصوات بعض الديمقراطيين مما يؤثر على كيري ، ولكن انسحاب نادر له تأثيره ، فمثلاً لو وصلت النسبة مثل ما هي أعلاه ما بين بوش وكيري وافترضنا جدلاً أن الأصوات 3% التي توجد عند نادر ستذهب إلى كيري فذلك يعني حصول كيري على 48% من الأصوات وبوش على 46% وذلك يعني فوز كيري ، ولكن هناك إشاعات تقول أن نادر استطاع أن يجذب بعض الجمهوريين إلى معسكره ، وهذا مما يجعل اللعبة غير واضحة المعالم إلى أن تقررها صناديق الاقتراع ليلة الانتخابات ! 0

    إذاً ألا تتفقوا معي أن السياسة فن ومتعة وذوق في العالم المتقدم 0

    والى اللقاء دائماً إنشاء اللّه

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *