بسم الله الرحمن الرحيم

    8/1/2005

    لو افترضنا أن الانتخابات أجريت في موعدها ، وقاطعت الأحزاب السنية والعلمانيين الانتخابات ، فذلك يعني أكثر

    من 50% قاطعوا الانتخابات ، فهل هذا يعني أن هذه الانتخابات تحمل الشرعية الكاملة ، وتعتبر نواة تأسيس سيادة دولة العراق الجديد ؟


    الولايات المتحدة الأمريكية تورطت في العراق ، والدور المطلوب منها هو إعادة إنشاء دولة في العراق ، وليس عمل انتخابات في العراق 0 لأن الوضع الحالي في العراق لا نستطيع أن نضع له أي مسمى عند أصل نشأة الدولة 0 هل العراق دولة بسيطة النشأة ، أم العراق دولة مركبة النشأة، أم العراق كما يسميها أصحاب المدارس الطبيعية دولة متوفاة ويعاد إحياؤها ؟ 0

                نحن طرحنا الأسئلة الثلاثة أعلاه ، وأعتقد ويؤسفني بأن الوضع الذي يمر فيه العراق يعتبر مرحلة وفاة كيان الدولة 00 وهذه القضية الرئيسية التي كنا نحاول أن نوضحها في هذا الشأن بالنسبة للمهتمين في القضية العراقية سواءً كان من العرب أو من الأجانب ! 0

                في عهد الرئيس صدام حسين وقبل غزو العراق ، كنت من أكثر المتشددين ضد الغزو ، وكنت استغرب من بعض الزملاء العرب ومنهم بعض العراقيين يؤيدون غزو أمريكا للعراق ، لأنهم كانوا يعتقدون أن هذا الغزو هو إنقاذ للعراق من نظام الرئيس صدام حسين 0 وكنا نرى بأن غزو العراق سيؤدي إلى تفكيك الدولة العراقية ، ويصعب بعد ذلك إعادة تجميعها0 فشكل الدولة العراقية المعاصرة يعتبر في القانون الدولي دولة أنشأها الاستعمار بطريقة مركبة غريبة جداً ، ومثلها مثل باقي الدول العربية التي أنشأها الاستعمار ! 0 ولكن العراق تختلف عنهم لأنه بعد انهيار الدولة العثمانية التي كان العراق وبلاد الشام وأجزاء من الجزيرة العربية ودول الخليج العربي تابعة لها ، قامت بريطانيا وفرنسا بإعادة تشكيل خارطة المنطقة ، وكان من ضمن هذا التشكيل بزوغ دولة ذات ملكية دستورية في بلاد ما بين النهرين وتشتمل على أجزاء من كردستان العراق والمناطق الممتدة شمال شرق الجزيرة العربية إلى شمال الخليج العربي ، تحت مسمى الدولة العراقية ، وأعطى لصانعي القرار في بغداد الدعم الكافي للمحافظة على جاذبية المركز ( بغداد ) على الأطراف العراقية المتناثرة ، وكان أيضاً للتحالفات القبلية دور كبير للمحافظة على هذا التماسك 0

                وبعد الانقلاب على الملكية الدستورية في العراق في عام 1958م ، ظهر في العراق الأنظمة الشمولية ، وكانت هذه الأنظمة تحافظ على وحدة الكيان العراقي من خلال الترهيب أكثر من الترغيب ! 0 ولكن للأسف الشديد الولايات المتحدة الأمريكية لم تضع لأي الحسابات الاستراتيجية أعلاه أي اهتمام 00 دخلت العراق واحتلته ، وحولت الدولة العراقية إلى شظايا متناثرة ومتنافرة ، وذلك باعتراف الرئيس بوش في 11 أغسطس 2004م ، حيث قال : ” أنه وقع في خطأ في الحسابات لما ستكون عليه الأوضاع في العراق بعد الحرب ” ! 0

                من الممكن هنا أن يثار سؤالاً تقليدياً ، هناك نسبة لا بأس بها من الشعب العراقي يريد التخلص من نظام الرئيس صدام حسين ، ونفس هذه النسبة أو أقل منها بشكل بسيط يريدون العراق كدولة واحدة 00 فكيف كان يمكن أن يحدث ذلك ؟ 0

                أعتقد بأن معظم الدول العربية أنشأها أو ساهم في إنشائها المستعمر ، وطبعاً حتى لا نسترسل في ذلك أكثر مما هو مطلوب في لعبة الكراسي السياسية ، فسوف نركز فقط على النموذج العراقي 0 الحل الحقيقي لأمريكا للتخلص من صدام حسين مع إبقاء العراق ككيان واحد ، هو عمل انقلاباً عسكرياً تدعمه أمريكا ، ويصل إلى السلطة رئيس مدعوم أمريكياً ، وبعد ذلك كان من الممكن لأمريكا أن تعطي شعب العراق ديمقراطية صورية مثلها مثل الديمقراطية التي أعطاها حلفاء أمريكا لشعوبهم في المنطقة 0 وكان على أمريكا مراعاة سياسة صناعة الرموز ، لأن المراقبين السياسيين للمنطقة العربية لاحظوا أن العرب والشرقيين بشكل عام يعشقون صناعة الرموز ، ويستدل هؤلاء المحللين على تقديس العرب للأصنام في الجاهلية، بحيث يقوم العرب بصناعة الأصنام من التمر ( العجوة ) أو الصخور أو الخشب ، وبعد أن يصنعها وتتحول إلى مجسم يعتبروها رمزاً ، ويخر ساجداً للرمز الذي صنعه هو أصلاً ، ويتوسل إليه كأنه إله حقيقي 0 وكان أحد أساتذتنا وهو من أصل شامي بعد أن يتحدث عن صناعة الرموز أعلاه، كان يقول لنا ، هل فهمتم الآن معنى المثل القائل فلان يكذب الكذبة ويصدقها ! 0 وحتى تكون الصورة واضحة أكثر للمهتم بمثال الرموز عليه العودة لمقالة تداول السلطة في موقعنا الالكتروني 0

                وفي الختام القضية الحقيقية بالنسبة لنا هو بقاء الدولة العراقية كما هي ، ولكن هل العراقيين يتفقون معنا على هذا الرأي ، ففي استطلاع للرأي اجري للعراقيين في أواخر عام 2004م ، وكان السؤال الأول : هل ستشارك في الانتخابات ؟ وكانت النتيجة أن 88% من العراقيين يؤكدون بأنهم سيشاركون في الانتخابات ، وهذه الإجابة جيدة إلى حد ما ! 0 ولكن السؤال الثاني : هل العراق يسير في الاتجاه الصحيح أم الخاطئ ؟ 0 فكانت إجابة 73% من السنة بأنه يسير في الطريق الخاطئ ، أما الشيعة فكان 51% منهم يرى أن العراق يسير في الاتجاه الصحيح و 33% منهم يرون أنه يسير في الاتجاه الخاطئ 0 والذي نلاحظه هنا من خلال اختلاف رؤى الشعب العراقي مثل : الأكراد والمناطق السنية الغير كردية تعطي صورة صعوبة قيام دولة حتى فيدرالية في العراق 0

                وفي السؤال الثالث : هل أوضاعهم تحسنت أم ساءت بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين ؟ ، 31% من العينة ترى أن الأوضاع سارت إلى الأسوأ ، و 21% ترى بأن الأوضاع بقيت على حالها ومجموع ذلك 52%، بمعنى آخر يقولون أمريكا لم تقدم شيئاً لهم بعد احتلالها للعراق ، وكان رأي 47% أنها قد سارت إلى الأفضل 0

                وذلك يوضح لنا بأن العراقيين منقسمين إلى شظايا متناثره بعد عزل نظام صدام حسين عن السلطة في العراق ، فثلثهم يعتقد بأن عهد صدام أفضل من الاحتلال الأمريكي ، وخمسهم يرى بأن الأوضاع لم يتغير فيها شيئاً ، وأقل من نصفهم يعتقدون بأن الأوضاع سارت إلى الأفضل ، وهذا يتناقض مع ما اعتقدته أمريكا بأنها خلصت الشعب العراقي من نظام الرئيس صدام حسين !! 0

                والأغرب من ذلك ، صعوبة تشكيل دولة حتى فيدرالية في العراق ، نلاحظ تحالف الأحزاب الشيعية في العراق تطالب بإجراء الانتخابات في موعدها 30 يناير 2005م ، بينما الأحزاب السنية والعلمانيين يطالبون بتأجيل الانتخابات 0

                لو افترضنا أن الانتخابات أجريت في موعدها ، وقاطعت الأحزاب السنية والعلمانيين الانتخابات ، فذلك يعني أكثر من 50% قاطعوا الانتخابات ، فهل هذا يعني أن هذه الانتخابات تحمل الشرعية الكاملة ، وتعتبر نواة تأسيس سيادة دولة العراق الجديد ؟ ! 0 طبعاً إذا قاطع أكثر من نصف الشعب العراقي الانتخابات فذلك سيخلق مشكلة سيادية كبيرة ، وهل بالإمكان بقاء العراق دولة واحدة أم لا ؟ 0

                أما قضية الانفصال عن الدولة الأم العراقية فلاحظناها حالة النزاعات 00 فمثلاً في أغسطس 2004م أعلن سلام المالكي نائب محافظة البصرة انفصال محافظات البصرة والناصرية والعمارة عن العراق ، وطبعاً هذه المشكلة سويت لاحقاً مع السيد الصدر ، ونفس هذه النزعة الانفصالية موجودة عند الأكراد ، ففي يوم 26 ديسمبر 2004م سلم كاروان عبد الله عضو اللجنة العليا المستقلة في حركة الاستفتاء في كردستان إلى مندوبين الأمم المتحدة في العراق عريضة تحمل توقيع أكثر من 7ر1 مليون كردي تطالب بإجراء استفتاء حول استقلال كردستان عن العراق ، علماً بأن مجموع عدد سكان كردستان العراق يبلغون 5 مليون نسمة ، وذوي الأهلية من حيث السن للانتخاب والترشيح تقريباً 50% من الأكراد ، وهذا يعطينا إذا كان المطالبين بالاستفتاء يبلغ عددهم 7ر1 مليون نسمة ، فهم إذاً يمثلون أكثر من 68% من سكان كردستان البالغين !! 0

                وتوجد مجموعة دراسات لنا موجودة في موقعنا عن دور المدارس الاستراتيجية في أمريكا وإسرائيل وميول بعضها لإنشاء عراق فيدرالي يتكون من جنوب شيعي ووسط مثلث سني والشمال كردي ، ولا يوجد عند المدارس المذكورة مانع حتى من نشأة دويلات عراقية مستقلة ، ولكن الجوار الإقليمي للعراق كل منهم له كلمته لأن أية تغييرات في المجال الجيوسياسي العراقي سينعكس عليهم وذلك ممثلاً بكل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية ، ودولة الكويت ، وتركيا ، والمملكة الأردنية الهاشمية ، والجمهورية العربية السورية 0

                إذاً أعلاه يوضح بأنه على أمريكا استيعاب مجموعة من المعادلات ممثلة بالداخل العراقي والجوار العراقي لكي تخرج من مأزقها في العراق ، ولكي يعيش أشقائنا في العراق بسلام !! 0

                وخلاصة القول هو : أن أمريكا غرقت في المستنقع العراقي ، وخسرت الشارع العراقي أو معظمه ، ولم تستطع أن تحصل على التأييد الشعبي من الأقاليم العربية المجاورة ، فاستطلاعات الرأي في الجزيرة تشير بأن أمريكا تتعرض لمعارضة عربية شديدة ، ففي سؤالاً : هل تؤيد أشرطة بن لادن ، أجاب 81% بنعم ، وسؤالاً آخر : هل تعتقد بأن الانتخابات ستضع حداً لمعاناة العراقيين ؟ أجاب 84% بلا ، هل تثق بنزاهة محاكمة النظام العراقي السابق ؟ أجاب 80% بلا ، هل تؤيد مشاركة العراقيين في الانتخابات العامة ؟ أجاب 61% من المقترعين بلا ، هل تؤيد اتهام المسئولين العراقيين لسوريا بالتدخل في شؤون العراق ، وتقديم الدعم للمقاتلين ؟ أجاب 63% من العينة بلا !! 0

                المهم 00 الله يستر على العراق ، وعلى المنطقة من القادم ، وخاصة أن السيدة رايس اعترفت في مقالة لها بأن الرئيس بوش براغماتي ، أي من أتباع المدرسة الواقعية ، وهذه المدرسة من أخطر المناهج السياسية !! 0

                والى اللقاء دائماً إنشاء اللّه 0

    د. فهد بن عبد الرحمن آل ثاني

    استاذالجيوبوليتيكس المشارك و باحث قانوني

    www.df-althani.com

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *