بسم الله الرحمن الرحيم

    6/9/2004

    بعد انتهاء الحرب الباردة ، منذ بداية هذا العقد ، طغى على السطح ما يسمى بمشاكل البلقان ، وكأن هذه المشاكل لم يكن لها وجود خلال النصف الثاني من هذا القرن ، وخاصة بعد انشاء قوة اقتصادية وعسكرية في البلقان وشرق ، ممثلتين ( بالكوميكون ) و ( وارسو ) 0 ومن خلال هاتين المنظومتين استطاع الزعماء في هذا الأقليم من إحكام قبضتهم الحديدية على هذا الأقليم وصراعاته الحضارية ، ونفس القبضة استطاعت أن تسيطر على التوزيع المكاني للإقليم من خلال ما يسمى بحدوده السياسية المبلقنة 0 وبعد انتهاء الحرب الباردة ، أنتهى معها وارسو والكوميكون  0 ومنها بدأنا نسمع ونرى ونقرأ عن الكوارث البشرية والمكانية التي حدثت للبوسنة والهرسك ، والحلول الغير مقنعة للمشكلة المذكورة من خلال اتفاقية دابتون للسلامة ، وبعدها انفجرت مشكلة أخرى وهي مشكلة كوسوفو بعد فشل مقترحات راجوبيه للسلامة في الإقليم 0 وبعد ذلك بدأ قصف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لصربيا ، وظهر ما يسمى بالشروط الخمسة للناتو لايقاف القصف الموجه ضد الصرب 0

    وبما أن هذه المقدمة هي أحد المآسي البشرية التي نعايشها خلال هذا العقد ، ويفترض على جميع المهتمين بهذا الشأن ، فسوف نقوم بتحليل البلقان من الناحية الاستراتيجية وخاصة إذا اتضح لنا بأن البلقان تمثل المنطقة الواقعة ما بين الادرياتيك شرقاً والبحر المتوسط جنوباً وبحر إيجه غربا وتمتد إلى الشمال من خلال اتصالها بشرق أوربا 0 الجمهوريات المستقلة من الاتحاد السوفيتي السابق ممثلة في – بلاتنيا واستوانيا وليتوانيا وذلك يشكل كفاصل كامل ما بين أوربا الغربية وروسيا من ناحية أخرى 0

    إذن هذه المنطقة ذات التناقضات المتطرفة مثل الحضارية والطبيعية والمكانية والاقتصادية كل ذلك يعطيها بعد استراتيجي عالي ، ونجد المآسي والكوارث البشرية والمكانية التي تحدث فيها اليوم ، كل ذلك أصابها عبر التاريخ 0 والأدلة كثيرة على ذلك مثل – في عام 1815م كانت شبه الجزيرة مقسمة بين امبراطوريتين قداميتي الأطراف ، فالعثمانيون سيطروا على جزئها الأعظم ، والهايسبورغ سيطروا على الجزء الباقي منها 0 وبعد ذلك حدث في المنطقة عدة حروب منها حرب القرم عام 1854 / 1856م ، والحرب الروسية التركية عام 1877 / 1878م 0 ويضاف إلى ذلك بأن أبشع الحروب التي شهدها التاريخ انطلقت من البلقان وشرق أوربا وجاء ذلك متمثلا في الحرب العالمية الأولى ( 1914 / 1918م ) ، والتي انطلقت شعلتها من البوسنة والهرسك ، والحرب العالمية الثانية انطلقت شعلتها من بولندا عام 1939م0 وربما من أسهل الطرق لمعرفة المأساة التي عاناها الإنسان في البلقان هو النظر إلى خارطة البلقان ، خلال أربعة مراحل وهي عام 1815م ، 1918م ، 1950م ، وتأتي المرحلة الرابعة بعد الحرب الباردة خلال التسعينيات 0 وهذا سوف يوضح لنا خطة مصطلح البلقنة 0

    إذن المنطقة المذكورة دائماً تكون جزءاً من ميدان معركة الصراع للسيطرة العالمية ، ومن أقوى الأمثلة على ذلك هو عندما استطاعت الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية من إنشاء حلف عسكري عام 1948م تحت مسمى الناتو ، بعد الحرب العالمية الثانية ، قام الطرف المنافس في شرق أوربا وأوراسيا بقيادة الاتحاد السوفيتي بإنشاء حلف وارسو عام 1955م ، وسعى حلف وارسو إلى انضمام جميع دول شرق أوربا إليه لكي يشكل كتلة عسكرية في مواجهة الغرب ، وعلى أن يكون مفتاح السيطرة أو خط المواجهة الأول ( شرق أوربا ) ، وذلك أدى إلى وجود صراع حضاري مكاني ما بين الناتو ووارسو ، ونلاحظ عن الناتو هو وجوده في المنطقة قبل وارسو ، من خلال ضم دول جنوب شرق أوربا ممثلة في تركيا واليونان عام 1952م 0 ومن هنا أصبح الممر الرئيسي الوحيد ألى المياه الدافئة بالنسبة لزعيم الكتلة الشرقية ووارسو يوجد من خلال إحدى دول الناتو ، وذلك يمثل ممري البوسفور والدردنيل ( بحر مرمرة ) وبحر ايجه إلى البحر المتوسط 0

    إذن لو ركزنا على الأربعة عقود التي مرت من خلالها الحرب الباردة ، لوجدنا بان أهم أماكن الصراع العالمي ما بين الكتلتين هي الأماكن الواقعة ما بين شرقي وجنوب شرقي أوربا 0 ولو تطرقنا من الناحية النظرية لآراء المدارس الاستراتيجية حول أهمية شرق أوربا خلال هذا القرن لوجدنا التالي – أولاً – هالفورد ماكيندر عام 1919م يقول – ” إن من يحكم شرق أوربا يحكم قلب العالم ، ومن يحكم قلب العالم يتحكم في الجزيرة العالمية ، والمقصود هنا آسيا وأوربا وأفريقيا 0 ومن يتحكم في الجزيرة العالمية ، يتحكم في العالم ” 0 وعلى هذا أصبحت المناطق الحاجزة بين الجرمان والسلاف الممتدة من استونيا إلى بلغاريا في رأي ماكيندر مفتاح السيطرة العالمية 0

    ونفس النظرية المذكورة اعتنقتها المدرسة النازية للسيطرة العالمية ، بحيث مؤسسيها هاو سهوفي وابنه البراخت وآخرين قالوا – ” بأن السيطرة على أوربا هو مفتاح قوة المانيا ، ومن خلال هذه السيطرة فسوف تستطيع المانيا إجبار الاتحاد السوفيتي دون حرب بالجلوس للتفاوض بشأن حكم أوراسيا ( أوربا وآسيا ) ” 0 وكان هاو سهوفي يشكك في إمكانية قيام حرب صاعقة المانية ضد المساحة الضخمة للاتحاد السوفيتي ، فيقول – ” إذا كان تطبيق سيناريو الحرب قد نجح بالنسبة للألمان في دول محدودة المساحة مثل بولندا وفرنسا وهولندا ، إلا أن نصيبها من النجاح في المساحات السوفيتية الضخمة محفوف بالمخاطر ” 0 ولكن هتلر خالفهم وأضاع أحلامهم 0

    والدليل على شدة المنافسة ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في بداية الخمسينيات من هذا القرن هو الاهتمام الأمريكي في جذب الدول الشيوعية المهمة بالنسبة للمعسكر الغربي من خلال المساعدات الاقتصادية فالمساعدات التي حصلت عليها يوغسلافيا في الفترة ما بين 1951 / 1953م تصل إلى أكثر من 325 مليون دولار ، وهي دولة صغيرة وقليلة السكان ، بينما أمريكا اللاتينية التي تبلغ عشرة أضعاف يوغسلافيا ، وقامت القاعدة الأساسية للتنمية في الولايات المتحدة من ثرواتها ، وهي في أشد الحاجة لمن يأخذ بيديها ويمدها برأس المال المطلوب لتنمية مصادرها ، ورفع مستوى حياة شعوبها ، لم تنل من الولايات المتحدة في المدة نفسها أكثر من 101 مليون دولار أي أقل من ثلث ما نالته يوغسلافيا ، وهذا الدعم يعطينا مؤشرين – الأول – الأهمية الاستراتيجية ليوغسلافيا 0 ثانياً – المساهمة في تدعيم الخلاف الذي نشأ بين يوغسلافيا وموسكو 0 ثالثاً – لجوء يوغسلافيا إلى إنشاء كتلة تحت مسمى حركة عدم الانحياز مكونة من دول العالم الثالث والمؤسسين الأصليين لها هم – تيتو وعبد الناصر ونهرو 0 والمقصود من هذه الحركة لتكون وسطاً بين معسكري الحرب الباردة ، أي من خلال هذه الحركة أصبح دور يوغسلافيا العسكري بالتحديد محايد 0 وربما القصف الأمريكي واستخدام الأسلحة الذكية للمنشآت اليوغسلافية سابقاً ، الصربية حالياً لتدمير البنية التحتية التي ساهم فيها رأس المال الأمريكي المذكور ، وأعتقد بأن الأمريكان في هذه الحالة ، استخدموا المبدأ القانوني القائل إمكانية العودة في الهبة  0

    إذن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية سواء كان هناك حرب باردة أم لم تكن ، وسواء بقي الناتو على شكله الحالي أو تغير ، فهذه المنطقة بالنسبة له من أهم المواقع الاستراتيجية العالمية ، إن لم يكن أهمها على الاطلاق ، وخاصة بعد الانهيار الكبير الذي أصابها بعد انتهاء الحرب الباردة 0 فيوغسلافيا تحولت إلى صربيا ، وكرواتيا ، ومقدونيا ، والجبل الأسود، والبوسنة والهرسك ، وسلوفينا ، وفي الطريق كوسوفو 0

    فتشيكوسلوفاكيا تحولت إلى – ( التشيك ، والسلوفاك ) ، وباقي دول أوربا الشرقية والبلقان تعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية بعد الفشل الذريع الذي أصاب أنظمتها السياسية الشيوعية ، والاقتصادية الاشتراكية 0 ومن خلال هذه الأوضاع المتردية أصبح من السهل على الولايات المتحدة التدخل في هذه المنطقة لوضع أي برامج اقتصادية أو أمنية لها 0 والدليل على ذلك خطة الولايات المتحدة بضم دول شرق أوربا إلى حلف الناتو 0 ومن الطبيعي بأن روسيا تعارض هذه الفكرة ، ولكن الغريب في ذلك هو معارضة بعض حلفاء الولايات المتحدة الغربيين في ضم بعض دول شرق أوربا إلى الناتو ، ولكن الناتو انضم إليه في مارس 1999م ثلاث دول من دول شرق أوربا ممثلة بالتشيك والمجر وبولندا ، والبقية تأتي 0

    وإن كانت أمريكا كقوة عالمية ترى بأن الناتو الذي تعتمد قاعدته الأساسية عليها وعلى دول أوربا الغربية ، ولكنها دائماً تنظر بعين من الشك والريبة لمصداقية أوربا الغربية المستقبلية وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة ، والتقارب الاقتصادي والسياسي الأوربي الكبير ، مما يجعل إمكانية تحول السوق الأوربية المشتركة إلى الولايات المتحدة الأوربية ، ومن الطبيعي عندما يصلون الأوربيون إلى هذه المرحلة فلن يحتاجوا إلى أي نوع من المشاركة الأمريكية 0 والأدلة على ذلك كثيرة –

    أولاً – إمكانية قيام اتحاد أوربي هي عملية ممكنة ، ولو نظرنا لبعدها التاريخي لوجدنا أن أجزاء كبرى من أوربا سبق لها أن توحدت في عهد شارلمان في أواخر الألفية الأولى تقريباً، وبعد ذلك قسمت ما بين احفاده الثلاثة ( شارل فرنسا ، ولوثر لوترنجيا، ولويس جرمانيا ) 0

    ثانياً – في القرن التاسع عشر طالب ايمانويل كانت على إقامة اتحاد أوربي ما بين الدول الأوربية المتناصرة ، وذلك سوف يؤدي إلى قيام اتحاد عالمي تحت قيادة أوربا (نتيجة لأن أوربا في عصر (كانت) كانت تسيطر على اقدار العالم السياسية 0

    ثالثاً – عدم مصداقية الأوربيين وسهولة تنصلهم حتى على الماهدات الموقعة فيما بينهم ، فنلاحظ ما بين الحربين أثرت أمريكا مبدأ العزلة بدلاً من التدخل في أوضاع أوربا المتدهورة ، وصاغ الأوربيون اتفاقية خاصة فيما بينهم ممثلة بماهدة فرساي ، وهي التي من خلالها أجبرت ألمانيا وبكل اذلال على الموافقة على شروط المعاهدة ومنها – تحديد الجيش من حيث الكم والنوع ، ومستوى التسليح ، ونشأ في أوربا آنذاك عصبة الأمم ، وكان اللاعبين الرئيسيين فيها الدول الأوربية المنتصرة في الحرب وبدون مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن في هذه المرحلة كان واضحا عدم التزام الدول الأوربية بالاتفاقيات الموقعة بينهم ، مما سهل على ألمانيا التنصل من العقوبات المفروضة عليها من خلال الدور الذي لعبه هتلر في التحلل من قيود فرساي ، ويعد للحرب ويتحدث في نفس الوقت عن السلام 0 وشجع انتهاك هتلر لمعاهدة فرساي على أن يشن موسوليني حربه ضد الحبشة في عام 1935م 0 ووقعت عصبة الأمم بإيعاز من بريطانيا العقوبات الاقتصادية على إيطاليا ، ولكن انجلترا وفرنسا تخاذلتا في تطبيقها 0 ونلاحظ هتلر استغل هذه الثغرة وشجع الاعتداء الذي قام به موسوليني وذلك أدى إلى ارتباطه بألمانيا لأنها هي القوة الوحيدة التي ساندته 0 ومن هنا نشأ محور برلين روما ، الذي كان الأساس لقيام الحرب العالمية الثانية 0

    رابعاً – الولايات المتحدة لا تنسى الدور الرهيب الذي قامت به فرنسا عام 1966م عندما انسحبت من الناتو وطالبت بنقل قيادته وقواته من فرنسا برغم أنها من أول المستفيدين من هذا الحلف في مساعدتها بطريقة غير مباشرة في حرب استقلال الجزائر ، وفي فترة الرئيس ميتران عادت إليه مرة أخرى 0 وبالإضافة إلى ذلك امريكا لن تنسى مطالب الأوربيين بعد الحرب الباردة في روما بحل الحلف ، لأن العدو الشيوعي قد زال ولم يعد للناتو أي مبرر للاستمرار 0 فيما كانوا يتحدثون الأوربيين فيما بينهم ضرورة انشاء منظمة أوربية للدفاع مستقلة عن أمريكا ، لأن لا وحدة أوربية حقيقية دون استقلال تام عن أمريكا 0

    خامساً- أما بالنسبة لروسيا وظروفها الاقتصادية والسياسية المعقدة ، وبرغم أنها تعيش الآن على الهبات والقروض الأمريكية ، ودول السبع الكبار الأخرى الذين معظمهم منظمين في الناتو إلا واحدة تدور في فلكه ممثلة باليابان 0 إلا أن أمريكا وأوربا دائماً ينظرون إليها بانها هي العدو التقليدي للناتو والذي يمكن عودته في أية لحظة كمنافس عالمي 0 ومن خلال هذا المنطلق نلاحظ أن الدول الغربية تحاول وباستمرار من القضاء على جميع قواعد القوة التي كانت تعتمد عليها وروسيا في أوج مجدها ، أو امكانية الاعتماد في المستقبل ، فنلاحظ روسيا بعد انتهاء الحرب الباردة – (1) طالبت دول الناتو باعتبار أن وارسو قد انتهى بعد الحرب الباردة0 (2) احتجت على انضمام دول شرق أوربا للناتو لأن ذلك يشكل خطراً عليها 0 (3) شجبت ضرب الناتو لصربيا وهو يمثل آخر حلفاء روسيا في شرق أوربا وتربطهم معها عرقية واحدة ممثلة بالسلافيين ، ومذهب واحد ممثل بالارثوذكس ، ولكنها فقدت مصداقيتها بشكل كلي ، وأثبتت عجزها أمام جميع حلفائها العراق عام 1990م وصربيا عام 1999م 0 (4) عموماً روسيا شعرت بهذا العجز منذ انحلال الاتحاد السوفيتي ولكنها قامت بعدة محاولات لإقامة أي محور أو حلف ليحفظ لها أي نوع من التوازن العالمي على أقل تقدير 0 فتارةً حاولت استمالة الصين رغم فتور العلاقات فيما بينهما منذ الخمسينيات ، وتارة أخرى خلال عام 1088م دعا -بريماكوف- ببناء مثلث استراتيجي في آسيا يضم كل من روسيا والصين والهند ، وهذه الدول الثلاث كل واحدة منهم مؤهلة لقيادة أوراسيا ، كما يرى بعض الاستراتيجيين 0 وكل هذه المحاولات الروسية تعطي مؤشراً بأن روسيا مازالت تبحث عن دور استراتيجي عالمي حتى ما سنحت لها الفرصة ، ولابد من وضع السيناريو المناسب للاجهاز عليها ، وهي ضعيفة ، حتى لا يقوم لها قائمة 0

    التصورات الاستراتيجية لشرق أوربا والمحاور الأربعة المذكورة تعطينا الأهمية المركزية بالنسبة لشرق أوربا كمنطقة لنفوذ الناتو بشكل عام وأمريكا بشكل خاص ، وفي حالة تحلل حلفائها التقليديين من التزاماتهم نحو الناتو ، ويثبت دورها العالمي من خلال توغلها وسيطرتها على شرق أوربا 0 أما بالنسبة لروسيا فسوف تصبح في مرحلة احتواء أكثر من الأولى أيام الحرب الباردة ، بحيث احتوائها سوف يتم الآن من خلال مناطق نفوذها وقوتها السابقة وذلك ممثلاً بالأجزاء الغربية من الاتحاد السوفيتي السابق من البلطيق إلى بحر ايجة وذلك يمثل استوانيا ولاتفيا ولتيوانيا إلى بلغاريا جنوباً ، ومن الجنوب أماكن الانتاج الزراعي والمعدني 0 السوفيتي السابق وذلك ممثلاً بالجمهوريات السوفيتية المستقلة في وسط آسيا ، ومن ناحية الشرق الدور التقليدي لأمريكا في المحيط الهادي 0 وطبعاً هذا النوع من الاحتواء سوف يضعف من إمكانية اتصال روسيا بدول أوربا الشرقية 0 ومن الناحية المكانية سوف يضعف امكانية الاتصال الروسي الهندي والروسي الصيني 0

    والبعض يربط ما بين مطالبة الدول الأوربية بحل الناتو وانغلاق حروب البلقان كسيناريو لبقاء الناتو 0 عموماً سواء طالب الأوربيين بحل الحلف أو الابقاء عليه ، فالولايات وبدون النظر لآراء الآخرين ، فقد وضعت استراتيجيتها للحلف خلال العشر سنوات القادمة 0 وكما ذكرنا سابقاً أن عدد المنضمين للحلف وصل إلى ثلاثة دول عام 1999م ، ولكن هناك (24) دولة على قائمة الانتظار للانضمام وخاصة أن بعض الدول المنهارة اقتصادياً ترى بأن هذا الحلف ممكن أن يشكل خلاصها من مشاكلها المتنوعة والمتعددة ، وأهداف الناتو ظاهرياً في المرحلة القادمة هي – (1) الحيلولة دون انبعاث القوة الروسية من جديد 0 (2) تصدير الاستقرار إلى شرق أوربا 0 (3) تحقيق الديمقراطية في الدول المنظمة حديثاً للحلف 000 إلخ 0

    وأما بالنسبة لأهمية الحلف عند الأمريكيين فنلاحظ أن هناك رأيان ، وهو رأي مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية – ” بحيث ترى أهمية استمرار الحلف وتوسعه بعد انتهاء الحرب الباردة ” 0 ونلاحظ المؤرخ الأمريكي الشهير جور ج كنان يعارض هذا الرأي حيث يقول بان – ” استمرار الحلف يعتبر أسوأ خطأ أمريكي بعد الحرب الباردة ” 0

    وعموماً نستطيع أن نلخص المنظور الأمريكي بالنسبة للناتو وبالنسبة للسيطرة العالمية من خلال ثلاثة محاور رئيسية هي – الأول – اقتصادي فالولايات المتحدة تعتبر الدولة الأولى في انتاج الأسلحة في العالم ، ودول الناتو والاحلاف الممتدة منه تعتمد على هذه الاسلحة 0 ثانياً- الناتو وما يتبعه من احلاف قائم على البعد الاستراتيجي للسيطرة العالمية 0 ثالثاً – هناك مواقع بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لا تقبل النقاش فيها ومنها البحر الكاريبي وقناة بنما ، وكوريا الجنوبية ، وتايوان ، والفلبين ، وعلى رأس هذه القائمة البلقان ، وشرق أوربا 0 وبمعنى آخر عندما تضمن الولايات المتحدة انضمام شرق أوربا لها في حلف اقتصادي عسكري وخاصة بشكل دولها الممزقة كما ذكرنا سلفاً ، فسوف تضمن عدم قيام اتحاد أوربي بين حلفائها التقليديين 0 وإن قام أو حاول بعضهم الانفصال عن الحلف فلن يهم ذلك الولايات المتحدة كثيراً وخاصة بعد انضمام شرق أوربا 0

    وربما يتساءل البعض وماذا عن منطقة الشرق الأوسط ؟ بعض المدارس الاستراتيجية لم تنكر أهمية هذه المنطقة كمنطقة معابر استراتيجية وموارد اقتصادية وسوق استهلاكية ، ولكنهم سموها منطقة العباءة الخالية ، ومن يتحكم في مفاتيح السيطرة العالمية ، سوف يسهل عليها السيطرة على عالم الشمال ، ومن يسيطر على عالم الشمال ، فسوف يسيطر تلقائياً على منطقة الشرق الأوسط 0

    وإلى اللقاء إن شاء اللّه تعالى ،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *