بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    بعد نهاية الحرب الباردة عام 1990م ، كان على أمريكا أن تقدم للعالم نظام عالمي جديد ، أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة الأمريكية 0

    وطبعاً كان على أمريكا لكي تطبق سيطرتها على العالم إعادة قراءة التصورات الجيوبوليتيكية للقرن الواحد والعشرين ، واختيار السيناريو المناسب على هيمنتها العالمية  0

    وسيناريو الهيمنة الذي اختارته أمريكا هو تقسيم العالم إلى تكتلات سكانية واقتصادية ، وكل كتلة لها دولة رائدة ، أو على أسوأ الأحوال دولة مشاكسة مثل بريطانيا في السوق الأوربية المشتركة ، على أن تكون هذه الدولة الرائدة أو المشاكسة مذعنة إذعاناً تاماً للتصورات الأمريكية ( راجع آل ثاني ، فهد ، جغرافيا سياسية ، ص 125 ) 0

    وعلى كل حال ، الولايات المتحدة لا تحتاج إلى معجزة لتفعيل دور التكتلات المقترحة ، فبمجرد تحريك أعمال المنظمات العالمية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية مثل : الغات ( منظمة التجارة العالمية ) وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ، فذلك كله سيوفر الآليات المناسبة لإنشاء أو المساهمة في نشأة التكتلات الاقتصادية العالمية تحت مظلة منظمة التجارة العالمية  0

    أما بالنسبة لنا كشرق أوسطيين ، فكان الاقتراح هو إنشاء كتلة الشرق أوسطية الاقتصادية تحت قيادة إسرائيل 0 وهذه الكتلة أصلاً كان مطلب إسرائيلي منذ ثلاثة عقود من الزمن ، وبالتحديد بعد حرب أكتوبر العربية الإسرائيلية عام 1973م 0 وكان أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي هو أول من صرح بهذه الفكرة ، عندما أخبر حلفاءه الأمريكان بأن المنطقة لن تستقر سياسياً ، وتستطيع أن تنفذ إسرائيل مخططاتها فيها إلا من خلال ابتكار كتلة اقتصادية شرق أوسطية جديدة بدلاً من التعصبات القومية والدينية  0 ( آل ثاني ، فهد ، جغرافيا سياسية ، ص 131 ) 0

    وبعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة عام 1990م ، بدأت مفاوضات مدريد العربية الإسرائيلية تحت المظلة الدولية برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية  0

    وكان التصور الأمريكي لكي يمشي موازياً مع عملية السلام هو إنشاء كتلة اقتصادية شرق أوسطية ، وتم بالفعل عقد اجتماعات لهذه الكتلة في المغرب عام 1994م  ، والأردن عام 1995م ، ومصر عام 1996م ، وقطر 1997م  0

    وبسبب عرقلة عملية السلام العربية الإسرائيلية ، وتشدد الصقور من الدول الشرق أوسطية ضمن أنموذج الشرق أوسطية ، وهذه هي العراق قبل أبريل 2003م ، والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وسوريا ، والمملكة العربية السعودية أحياناً ، وليبيا0

    هذا كله أدى إلى وقف أنموذج الشرق أوسطية ، إلى أن يوجد حلاً للقضية العربية الإسرائيلية ، أو استراتيجية معينة لتدجين الدول النفطية المهمة في الشرق الأوسط ، وبعد تدجينها ستقبل عملية السلام ، والانضمام إلى قافلة الشرق أوسطية  0

    ومن هذه السيناريوهات لتدجين الدول الناشزة على عملية السلام هي ما ذكرته (ايما ميرفي وآخرون) ، هو تقسيم دول الخليج العربي إلى ثلاثة كتل ، على أن تكون الكتلة الأولى دول مجلس التعاون الخليجي وهم في هذه الحالة يمثلون كتلة العمائم ، فالرعب والتهديد المفتعل يكفيهم من الجيران لكي يمتثلوا الجميع للأوامر الأمريكية 0 أما الكتلتين الأخريين في النظام الإقليمي الخليجي ، فيمثلون إيران والعراق ، فكان لابد من طريقة احتواء مزدوج  0

    فالكتلة الأولى تمثل دول مجلس التعاون الخليجي ، وطريقة النظام الدولي الجديد لها :

    أولاً :  تأكيد التحالف معها 0 حفظ الأمن والاستقرار السياسي فيها 0
    ثانياً : تعزيز دور التعاون العسكري الثنائي والجملي لدول الخليج مع الولايات    المتحدة0
    ثالثاً : تخزين الأسلحة الأمريكية المتطورة في بعض أجزاء المنطقة 0
    رابعاً : اعتبارها سوقاً استهلاكية أساسية لمصانع الأسلحة الغربية وبخاصة الأمريكية    منها 0
    خامساً : استمرار تكريس برامج مواجهة الخطر المحدق لهذه الدول من جانب كل من    إيران والعراق 0

    أما الكتلة الثانية فتمثل إيران ، ويقوم تبعاً في النظام الدولي الجديد مع إيران على القواعد التالية :

    أولاً : سياسة ( الترويع ) وهو تشويه صورة إيران كدولة وكفكراً إيديولوجياً وكدولة    تشكل خطراً على بقاء دول مجلس التعاون الخليجي 0
    ثانياً : العمل على عزل إيران عن الوسط المجاور لها في الخليج 0
    ثالثاً : الحيلولة دون قيام إيران بأي دور في دعم النظام السياسي والاقتصادي    والاجتماعي وبنائه في الجمهوريات السوفيتية الإسلامية المستقلة حديثاً 0
    رابعاً : العمل على إضعاف البناء والتماسك الداخلي في إيران 0
    خامساً : محاصرة إيران تكنولوجياً واقتصادياً 0

    أما تصور النظام الدولي الجديد للكتلة الثالثة ممثلاً بالعراق فهو التالي :

    أولاً : تدمير القوة العسكرية غير التقليدية بكل مكوناتها وجوانبها 0
    ثانياً : استمرار فرض الحصار الاقتصادي والسياسي عليه حتى يتأهل للتجاوب مع    السياسات الدولية في المنطقة 0
    ثالثاً : تعميق الخلاف والعداء بين العراق وجيرانه العرب والمسلمين 0
    رابعاً : إلغاء الدور القومي للعراق كعمق استراتيجي لدول المواجهة مع إسرائيل 0
    خامساً : من خلال قضية تهديد الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي بواسطة    العراق ، تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية الحصول على قواعد عسكرية    في دول المجلس  0
    سادساً : العمل على تغيير بنية النظام العراقي السياسية والاقتصادية  0

    هذه التصورات الثلاثة وضعها النظام العالمي الجديد ، لدول النظام الإقليمي الخليجي ، وذلك للسيطرة عليه بشكل كلي ، ونلاحظ سيناريو دول مجلس التعاون الخليجي نجح بدرجة 100% ، وبالنسبة للعراق تم اضعافه بالفعل ، وبعد ذلك التهامه ونجح بدرجة 100% ، وإيران يحيط بها الخطر من كل مكان  0

    فبعد احتلال العراق فتصور النظام الدولي الجديد لهذا الإقليم ، هو من أنبوب نفط من الموصل إلى إسرائيل ، وكذلك سيطلب من دول مجلس التعاون الخليجي أو دولة خليجية بالتحديد ، مد أنبوب غاز طبيعي لإسرائيل ، وسيطلب من تركيا ومصر مد أنبوبان للمياه من الفرات والنيل على التوالي إلى إسرائيل ، وأي دولة ترفض هذه الأوامر ، سيطبق معها سياسة الضرب الاستباقية لأنها بقدرة قادر ستصبح دولة إرهابية  0 وأكثر دولة مهددة بذلك طبعاً سوريا ، ونحن لا نفشي لكم سراً بذلك ، لأن الإدارة الأمريكية  وعلى لسان قمة هرمها بوش قدم تهديده المباشر لسوريا 0 طبعاً في البداية سيستخدم معها سياسة الضغط الدبلوماسي ، وبعد سياسة الضغط والحشود العسكرية على حدودها ، وإذا لم تذعن سوريا فبعد ذلك لا سمح اللّه ستتعرض لاعتداء أمريكي مباشر  0

    ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أين الدول العربية والإسلامية من ذلك كله ؟

    فبعد أن احتلت الولايات المتحدة أفغانستان عسكرياً ، ذاقت طعم النصر بعد فاجعتها وهزيمتها المذلة في فيتنام ، وكذلك قلت هيبة العالم الإسلامي أمامها ، فذهبت والتهمت العراق ، وكما يقول الرواد في الجغرافيا السياسية وعلى رأسهم فريدريك راتزل ” أن الميل العام للتوسع والضم ينتقل من دولة إلى أخرى ثم يتزايد ويشتد 0 فتاريخ التوسع يدل على أن الشهية تزداد نتيجة لتناول الطعام ” 0

    وإذا لم تتحرك الدول الإسلامية الآن دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً وتكتيكياً ، وحتى لو تطلب ذلك عسكرياً ، وإلا ستصبح المنطقة كلها شرق أوسطي تحت قيادة إسرائيل ، وإذا كانت الأنظمة السياسية بعدم تحركها تعتقد بأن ذلك سيضمن لها بقائها، فنحن نستطيع أن نقول لهم بأن ذلك لن يحدث 0 لأن أمريكا من الدول التي تؤمن بتغيير الوجوه ، وحكمة ذلك ، بأن الوجوه الجديدة دائماً تسهل التقارب وإيصال الثقافة الجديدة التي تريدها أمريكا للشعوب  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *