بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    قبل الاعتداء على العراق كان هناك صراعاً دبلوماسياً دائراً ما بين الولايات المتحدة وحليفتها التقليدية المملكة المتحدة من جهة ، وفرنسا وروسيا وألمانيا من جهةً أخرى 0

    وكان مركز هذا الصراع مجلس الأمن ، وكانت أمريكا لكي تخلق نظاماً شرق أوسطياً جديداً مصرة على احتلال العراق عسكرياً ، والمعسكر الآخر يريد أن يردع السلطة الأحادية المطلقة لأمريكا على الشرق الأوسط ، لأن من بعده ستنعكس هذه السيطرة على العالم بالوسائل الدبلوماسية والقانونية  0

    وفي هذه الحالة أصبحت المنطقة العربية ما بين المطرقة والسندان ، والشعوب العربية والإسلامية كانت تصرخ مناجيةً زعمائها لايجاد سيناريو بديل لحماية المنطقة من الطوفان القادم إلى المنطقة ، ولكن كما يقول المثل المحلي على ما نعتقد أذن من طين وأذن من عجين  0

    وكان بعض المفكرين العرب وبعض القطاعات الشعبية العربية ينظرون بإجلال لفرنسا ولروسيا ولألمانيا ، لما لهم من دور ايجابي في محاولة إعاقة الاعتداء الأمريكي على العراق  0

    ونذكر في مقالة نشرت لنا في الراية قبل بدء الحرب تحت عنوان : ” خلاف الناتو وتوزيع الأدوار ” وقلنا فيها التالي : أمريكا ستضغط لابتلاع الكعكة كاملة لوحدها ، ولكنها إذا فشلت ، ستضطر لعقد اتفاق من تحت الطاولة مع القوى المنافسة لها لإعادة توزيع الكعكة الشرق أوسطية 0 وذلك ليس بجديد على القوى الاستعمارية ، فعندما تصارع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى على الكعكة ” الامتيازات النفطية” ، الشرق أوسطية اضطروا في النهاية لتقسيم الكعكة فيما بينهم ، فأنشأت ما يسمى شركة نفط العراق وأعطيت امتيازات الشرق الأوسط بأكمله ، تحت اتفاقية تسمى اتفاقية الخط الأحمر ، وكان تقسيم الحصص في شركة نفط العراق كالتالي : 75ر23% لكل شركة من شركات الدول التالية اسماؤها : بريطانيا وهولندا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية ، وأرمني يدعى سركيس جولبيكان اعطى 5% لدوره في تأسيس وتنسيق إدارة الشركة ( راجع Al-Thani.F. Phd. PP,14 – 46  ) 0

    وكان لبعض الأخوة الذين نحترم آرائهم يفضلون لعبة التهدئة السياسية وعدم ذكر الحقائق التاريخية ، لما لكلاً من فرنسا وحلفاؤوها من دور مشرف في مجلس الأمن ، وفي الناتو لدعم القضايا الشرق أوسيطة قبل غزو العراق في مارس 2003م  0

    لكن رأينا عندما ذكرنا الحقائق التاريخية لم يكن انقاصاً من دور فرنسا 0 حلفاؤوها قبل الغزو ، ولكن كان لابد من استراتيجية عربية قوية تدعم الموقف الفرنسي وحلفائه 0 لأن هذا الموقف مؤقت إلى أن تتغير الحقائق على الأرض وبعد ذلك كل دولة ستبحث عن مصلحتها ، لأن الأصل في اللعبة هو المصلحة  0

    وأخيراً غزت الولايات المتحدة العراق واحتلته من دون أية تفويض من مجلس الأمن يضفي عليها غطاءً شرعياً لتبرير الغزو والاحتلال آنذاك ، هذا إذا كان للغزو والاحتلال شرعية أصلاً  0

    وبعد أن انتهى الاحتلال الأمريكي للعراق عادت إلى مجلس الأمن لاستصدار وثيقة شرعية لهذا الاحتلال ، وحدث بالفعل ما قلناه قبل الاعتداء على العراق 0 فتقدمت أمريكا بمشروع قرار لمجلس الأمن وكان من بنوده التالي : (1) الأمن العام للأمم المتحدة أن يواصل بالتشاور مع السلطة ( المحتلة ) ممارسة مسؤولياته بموجب القرار 1472 و 1476 ( قراري تمديد النفط مقابل الغذاء ) لمدة أربعة أشهر ( تمديد البرنامج ) عقب اعتماد هذا القرار لتأمين توريد السلع المدنية ذات الأسبقية بموجب عقود معتمدة من جانب لجنة 661 ( لجنة مجلس الأمن للعقوبات ) ( الشرق الأوسط ، العدد 8929 ) 0

    انظروا إلى ما قلناه في البداية ، أن أصول اللعبة قائم على المصلحة ولكي يمرر هذا القرار في مجلس الأمن ، وهو يمثل الوثيقة الدولية المصدقة لشرعية الاحتلال الأمريكي للعراق ، لابد لأمريكا من مراعاة مصالح اللاعبين الآخرين ، ومن أهم هؤلاء اللاعبين روسيا  0

    فالمادة المذكورة أعلاه تراعي العقود الروسية لبرنامج النفط مقابل الغذاء قبل الاعتداء، والتي كان لها قبل الاعتداء عقوداً تصل قيمتها حوالي 6ر1 مليار دولار ( الشرق الأوسط ، العدد 8929 )  0

    ترددت دول الضد في قبول مشروع القرار بطريقة مباشرة وحبذوا اعطائه بعض الوقت ، وهو بمعنى آخر الاحتفاط بماء وجه ، وبعد ذلك تقديم التنازل التدريجي للولايات المتحدة إلى أن يتم التصديق الكلي على قرارها  0

    فروسيا انتقدت القرار باستحياء ، وفرنسا رأت بأن به بعض النقاط الايجابية ، وألمانيا رأت بأنه مقتصراً ، وحتى لا نطيل عليكم نرجو من المهتمين بهذا الأمر البحث عن متخصص في اللغة العربية لكي يفسر ما هو الفرق ما بين التعليقات الثلاثة للدول أعلاه ، وبعد ذلك مراجعة القرار 1483 ومحاولة ابراز ما هو العراق ما بين قبل التعديل وبعد التعديل  0 ( الشرق الأوسط ، العدد 892 ) 0

    عموماً عدلت أمريكا مشروع القرار وهذه أهم بنوده : ترفع كل العقوبات التجارية والمالية المفروضة على العراق بعد احتياج أغسطس 1990م وبعده ، فوراً باستثناء حظر الأسلحة ، وتواصل الأمم المتحدة برنامج النفط مقابل الغذاء لمدة ستة أشهر ( تذكروا مصلحة روسيا أعلاه ) ، يعترف مجلس الأمن بأن القوات المحتلة ( يشار إليها بالسلطة ) ( لا سلطة ومسؤولية وواجبات محددة ، بموجب القانون الدولي ، ويعين الأمن العام للأمم المتحدة كوفي عنان مستشاراً خاصاً للعراق مهمته العمل مع السلطة والشعب العراقي بهدف تسهيل العملية المؤدية إلى حكومة تتمتع بصفة تمثيلية معترف بها دوليا ) ( الراية العدد 7685 ) 0 البندين المذكورين وهما شرعية تحول الاحتلال إلى سلطة ، وإيجاد ممثل للأمم المتحدة يعمل مع السلطة هما حَسب رأينا أهم بندين في القرار 1483 لكي تُطبق الولايات المتحدة على الاقتصاد والسياسة العراقية بطريقة شرعية  0 وهو بالفعل ما حصلت عليه الولايات المتحدة من مجلس الأمن بالاجماع ، لأن سوريا تخلفت عن التصويت وبعد ذلك حَسب علمنا صادقت على القرار  0

    نحن لا نستغرب حدوث هذا ، أو ما سيليه لأن هذه الاستراتيجيات العالمية لم تعد سراً ، بل متوافرة في معظم مراكز الأبحاث العالمية ، وإن تكن فرنسا وروسيا وألمانيا والصين بعد الاحتلال الأمريكي للعراق كانوا يفضلوا ابلاغ رسالة لأمريكا قبل التصويت على القرار 1482 ، بأن العالم متعدد القطبية 0 وذلك عندما قال شيراك : ” العالم متعدد الأقطاب شاء المرء أم أبه ”  0 ولكن الدبلوماسي الأمريكي ريتشارد هاش عندما ذهب إلى باريس في مهمة رأب الصدع ما بين أمريكا وفرنسا قال : ” اعتقد أن فكرة عالم متعدد الأقطاب غير مرغوبة وغير قابلة للاستدامة 0 أنا ببساطة لدي شكوكي حول قدرة فرنسا على تحقيق ذلك التوازن ”  0

    خلاصة القول بأن شيراك لم يتأخر كثيراً بل سارع بالاتصال ببوش الابن بعد سقوط بغداد ليبلغه رغبة باريس في اتخاذ موقف براغماتي بشأن الاعتراف بدور أمريكا في العراق ( نيوزويك العدد 154 ) 0

    أما المستشار الألماني جير هارد شرودر بعد سقوط بغداد فكان خطابه السياسي كالتالي : ” بالقطع نحن متفقون جميعاً على أننا نريد قطباً واحداً في السياسة العالمية نلتف حوله هو قطب الحرية والسلام والعدالة ”  0

    وقال : ” تربط بين ألمانيا والولايات المتحدة صداقة حيوية حقيقية ، هذه الصداقة قائمة على أساس متين من الخبرات المشتركة والقيم المشتركة ” ( الشرق الأوسط العدد 8929)0

    نعتقد بأن المذكور أعلاه لا يحتاج إلى تعليق منا ، ولكن سؤالنا التقليدي أين دول العالم العربي والإسلامي عن جميع هذه الطبخات العالمية ؟  0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *