بسم الله الرحمن الرحيم

    24/10/2004

    كعادة المثقفين العرب ، وخاصة الخليجيين عندما يأتي فصل الصيف ، يهرب بعضهم إلى دول الغرب ، ولهم مراكز محددة للالتقاء فيها ، ويتبادلون الحديث عن ذكرياتهم عندما كانوا طلبة ، وخاصة الطلبة الذين تلقوا العلم في الغرب ، وكم كان حجم أحلامهم عندما كانوا طلبة ؟ وما هي الأحلام التي تحققت والتي لم تتحقق منها ؟ وما هي الأسباب التي تعوق تحقيق أحلامهم ؟ وهل هم مبالغين في الأمل ؟ أو ممن صادها عشاها عياله والذين يخدمون مصالحه وعياله والباقين ينالهم التهميش ؟ 0

                وقفز أحد الزملاء وناقش ظاهرة جديدة تحدث في الغرب ، وصداها السلبي أتى أكله في الشرق من خلال بعض المعاهد الغربية كما يدعون المتخصصة 0 وسألناه ولنرمز له بحرف السين : ما هي القضية بالتحديد ؟

                فقال الزميل س : هل تتذكرون المعاهد الغربية التي كنا نتحاشى الاقتراب منها عندما كنا طلبة لسوء سمعتها وضعف علمها 0 فقلنا له نعم 0 فأضاف س : هذه المعاهد أصبحت تخطط جميع الجوانب التعليمية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لكثير من دول الشرق الأوسط !! 0 ويضيف س : أن هناك خطر على الشرق الأوسط من هذه المعاهد ، لأنها لن تأتي لتقديم تقنيات معينة لرفع مستوى الأداء للدول الشرق الأوسطية ، بل قدمت لتحقيق استراتيجية أيديولوجية محددة كخطوة أولى لتحقيق نظرية الشرق الأوسط الكبير !! 0

                فضحكنا جميعنا وقلنا للزميل ، لن يستطيعوا تحقيق ذلك في منطقتنا الشرق أوسطية ، لأننا نحن جميعنا خريجو الغرب ونجيد اللعب لجميع أوراقهم ، فما يناسبنا سوف نأخذه وما لا يعجبنا سنرميه عليهم ، أي على الغربيين !! 0

                فضحك الزميل س وقال : أنتم جميعكم الذين تستوعبون ورق اللعبة ستحرمون من أي أدوار قيادية ، ومن أي إبداء للرأي ، وسيبقى دوركم كأشخاص أقل من عاديين ومهمشين !! 0

                قلنا للزميل س : من إذاً سيقوم بأعمال الإدارة ؟ قال : ستقوم هذه المعاهد الأجنبية باختيار مجموعة لم تتأثر بالفكر ما قبل الماكارثي ، وما بعد المكارثي ، لكي تقوم بدور تنفيذ أوامر المعاهد الأجنبية المشبوهة 0

                وأضاف الزميل س قائلاً : بأن هذه المعاهد ستقوم باختيار أغلب الإداريين من الخريجين القدماء من الدول الغير عربية ، وستطلب هذه المعاهد لإضفاء الصورة الجدية على دورها بإعطاء هؤلاء الخريجين دورات في الكمبيوتر وفي اللغة الإنجليزية وفي بعض التقنيات ، لكي يبدون ظاهرياً بأنهم مؤهلين لكي يقوموا بدورهم القيادي على أكمل وجه ، ولكن الأوامر الباطنية هي أوامر المعاهد الأجنبية وما على هؤلاء الإداريين المدربين إلا تنفيذ الأوامر !! 0

                وأضاف الزميل س بأنه في صيف 2004م التقى بمجموعة من قدماء الأساتذة العرب بعثتهم مدارسهم لتعلم اللغة الإنجليزية في بريطانيا وفي أمريكا لمدة شهر ، وهؤلاء من خريجي الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وبعضهم الثمانينيات من القرن الماضي ، والمطلوب منهم أخذ دورة لتعلم اللغة الإنجليزية وفن التعامل مع الحاسوب في فترة زمنية لا تتعدى شهراً واحداً 0 وقلنا له شهراً واحداً !! 0 وقال نعم شهراً واحداً 0 وأضاف الزميل س بأن السنة القادمة أي صيف 2005م ستقوم هذه المعاهد بإرسال هؤلاء الأساتذة والقيادات الظاهرية لمدة شهر إلى الغرب لكي يتعلموا اللغة الإنجليزية والتي يفترض أنهم اكتسبوها في صيف 2004م ، وبالإضافة إلى ذلك تعلم اللغة الفرنسية والألمانية والإيطالية وفن إدارة  الحاسوب ، وقلنا له أيضاً في شهر واحد !!؟ 0 رد علينا الزميل س : نعم في شهر واحد أي ستة أيام لكل لغة من اللغات الأربع ، والستة الباقية لفن إدارة الحاسوب !! 0

                ثم تساءلنا جميعنا لماذا هذا المجهود الخرافي كله ، علماً بأن القيادة لا تصنع ، وإنما تولد فطرياً ، فقط تحتاج الفرصة والعقل لكي تصبح قيادة 0 والدليل على ذلك سيد البشر جميعاً سيدنا محمد ( ص)  كان راعياً للغنم في طفولته ، ولم يذهب لكورس لغة إنجليزية لمدة أسبوع في الغرب ، وهو مازال القائد الأول في العالم إلى أن تقوم الساعة إنشاء الله !! 0

                وكذلك تساءلنا جميعنا عندما كنا أطفالاً كان يشار إلى بعضنا بأنه شخصية قيادية ، وبعض الذين كان يعتقد بأنهم شخصيات قيادية عندما استلموا الأدوار القيادية اثبتوا فعلاً بأنهم من أفضل القيادات ، والبعض الأخر كان يشار إليه في طفولته بأنه ليس بشخصية قيادية ، وفعلاً عندما استلم القيادة جلب الكوارث على الموقع الذي استلمه أو على أمته ! 0

                فقلنا إذاً ولنتفق جميعاً بأن القيادة هي هبة من الله سبحانه وتعالى يهبها للشخص ، ونستطيع أن نعتبرها أحياناً بأنها حاسة سادسة يهبها المولى عز وجل الإنسان ولا يوجد لها أية علاقة بالدراسة أو الثقافة 0 وأن أكثر مصائبنا هو عدم اختيار القياديين المناسبين في الأماكن المناسبة ، وسألنا الزميل س : لماذا من يشعر منا بأنه عنده بعض الامكانات القيادية التي من الممكن أن يساهم بها لرفعة أمته بأن يقوم بعرض الفكرة على رئيسه المباشر لكي يعطيه الفرصة حتى ولو لفترة مؤقتة ، وإما أن يثبت وجوده ويساهم في بناء الأمة ، أو أن ينسحب من الملعب معطياً الفرصة لغيره 0

                فقفز الزميل س : لا أرجوكم 00 لا تفعلوا ذلك !! 0

                فقلنا له : ما هي الأسباب ؟ 0

    هل هي أزمة قيادات أم مكارثية جديدة ؟ (2)

    د. فهد بن عبد الرحمن آل ثاني

    باحث قطري

    www.df.althani.com

                فقال الزميل س : أنه عندما أنهى الدراسة من الغرب ، كان مقرباً من رئيسه في العمل ، وكان رئيسه في العمل يعطيه الوعود بأنه سيفوضه ليقوم ببعض الأدوار القيادية ، وبعد ذلك سيضعه رئيساً لأحد الأقسام 0 فقال س : بأنه خرج بذلك ، وذهب إلى الجامعة الغربية التي تخرج منها وطلب توصية من أساتذة الزميل 00 هم من البروتستانت المتعصبين أي من جماعة المحافظين الجدد في أمريكا ، والذين يخططون لاحتلال العالم الإسلامي بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، والزميل س من المسلمين الملتزمين دينياً ، أي بمعنى آخر عند المحافظين الجدد يعتبر أصولي ، وأحياناً يسمى إرهابي 0 ولكنهم كأساتذة أعطوا الزميل س شهادتهم بكل أمانة فقالوا عنه : من الناحية الشخصية كريم النفس ، وشهم الطباع ، وصادق في التعامل ، وذو علاقات اجتماعية قوية ، ويستطيع أن يكسب الأصدقاء بسهولة 0 ومن الناحية العلمية ، سريع التطور والتجدد ، ومحاور فذ ، وجرئ ومؤدب في إبداء رأيه ، ويحترم الرأي الآخر ، وقالوا أساتذته بأن أي طالب يمتلك هذه المواصفات بأنه مؤهل أن يستلم أي منصب قيادي أياً كان نوعه 0

                فقلنا جميعاً لزميلنا س : ما تقوله غير معقول ولا يصدق 00 فأساتذتك من المسيحيين المحافظين الجدد ، وقاموا بإعطاءك هذه الشهادة !! 0

                فقال الزميل س : من حقكم أن لا تصدقوني ، ولكنني في يوم الغد سأحضر صورة للتوصية لكل واحد منكم ، ومن أراد أن يتأكد بصدق الصورة ، فعليه الاتصال بالجامعة !! 0  وبالفعل احضر الزميل س صورة لكل واحد مننا ، وأبدى عدم ممانعته لعرضها على أياً كان

    وبعد التأكد من الصورة سألنا الزميل س : ماذا فعل بك رئيسك في العمل بعد أن أحضرت له الشهادة ؟  فقال الزميل س : بدلاً من ترقيتي قام بنقلي إلى قسم آخر ، فقلنا له ما علينا مادمت تستلم نفس الأجر 0 فقال الزميل س : طبعاً لا ، فأنا استلم الآن أجراً أقل من السابق 0

                وفي الختام ، ربما يثار سؤال هنا ، ولماذا الغرب أبعد حلفاء المكارثية من الملعب ؟ 0

                طبعاً كنا كطلبة في الغرب ، وخاصة الطلبة الملتزمين دينياً متحالفين مع الغرب ضد المعسكر الآخر والذي يتمثل بالمعسكر الشرقي ذو الأيديولوجية الشيوعية ، فالشيوعيون جميعهم يقولون بأنه لا يوجد إله ، ونحن والغرب نؤمن بأنه يوجد إله ، والشيوعيون كانوا يعتمدون على الاقتصاد الاشتراكي والذي كان يدحض الملكية الفردية إلى أدنى حد ، أما نحن والمدارس الغربية كنا نؤمن باحترام الملكية الفردية ، والغرب كان يعدنا بعد انتهاء الشيوعية بأنه سيعطينا في دولنا التعددية والديمقراطية ، ونصبح في أوطاننا شركاء لا أجراء 0

                ولكن للأسف الشديد بعد انتهاء المعسكر الشرقي انتهت المكارثية وأنكرت حلفاءها الذين يستوعبون أصول اللعبة ، وأصبحت النظرية الغربية المعاصرة للدول التابعة لها تبحث عن قيادات تابعة ، وليست قيادات مشاركة ، وأصبحت النظرية الغربية بعد المكارثية تبحث عن موظفين إداريين ينفذون الأوامر وليست قيادات تصنع القرار ، وأصبحت أمريكا بعد المكارثية تبحث عن موظفين مأجورين ، وليس شركاء في صناعة أقدار أوطانهم وتاريخها !! 0

                وفي الختام نتقدم بطلب لزميلنا مدير مركز دراسات الخليج أن يخصص مؤتمراً لهذا الغرض لكي نناقش قضية أزمة قيادات أم نهاية المكارثية ، ونختار نخب عربية وإسلامية ، ونخب أمريكية وغربية لمناقشة هذه القضية في جلسات مفتوحة أمام الجمهور ، لكي نثبت للجمهور ما قلناه أعلاه 0

                ولابد أن يقوم مركز الخليج بهذا الدور ، وخاصة أن دولتنا الحبيبة أصبح اسمها في الخليج : قطر ، دولة الانفتاح والمؤتمرات 0 فلذلك أكرر على الزميل أعلاه للتفكير في اقتراحنا 0

                ونكرر قائلين لجميع مواطني العالم الإسلامي ، بأنكم إذا أردتم أن يكون لكم دوراً في أوطانكم ورفعة شأنها فلابد أن تكونوا شركاء لا أجراء 0

                والى اللقاء دائماً إنشاء اللّه

      أضف تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *