بسم الله الرحمن الرحيم

    6/9/2005

    إن قضية تغيير الزعامات العربية التاريخية أصبحت عملية معقدة وذلك لأن الشعوب أصبحت معنوياً مذعنة ان هذه الزعامات التاريخية أصبحت من المسلمات التي لا جدوى لا من الناحية الإيجابية ، ولا من الناحية السلبية مناقشتها ، وكان هذا الموضوع هو الموضوع الساخن في الصحافة الأجنبية في صيف 2005م ، وأكثر الأمور التي لفتت نظري في مواضيع صيف 2005م في أوربا0 هو  بداية تحاشيها استخدام مصطلح الإصلاح كمصطلح هولامي وتركيزها في موضوع الإصلاح من خلال محاور محددة ، كما أشرنا مراراً وتكراراً بأن الإصلاح الحقيقي هو : (أ) تداول السلطة ، (ب) عدالة توزيع الوظائف ، (ج) عدالة توزيع الدخل ، (د) الشفافية في إدارة المال العام 00 الخ 0

    إذاً نحن وأوربا بدأنا نتقارب كثيراً من حيث مفهوم الإصلاح 0 وطبعاً كان تركيز الصحافة الأوربية من حيث الإصلاح على مصر حيث أن مصر تشكل أكثر من ثلث سكان العالم العربي ، وإصلاحها يعتبر حجر الزاوية لإصلاح العالم العربي 0 وكان موضوع الإصلاح في مصر مركزاً على تداول السلطة في مصر من خلال صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس ولكن المفاجأة الكبرى لجميع المحللين هو ترشيح الرئيس مبارك نفسه مع المرشحين الآخرين ، ويعود ذلك إلى أن السيد مبارك يعتبر رمزاً لمصر أكثر من رئيس سلطة تنفيذية في مصر ، فالسيد مبارك حزبه محتكر رئاسة مصر منذ أكثر من نصف قرن ، ويبلغ من العمر أكثر من 77 عاماً 00 فهل يعقل أن الشعب المصري الشقيق سيدلي بصوته لغير الرئيس مبارك في حالة ترشيح الرئيس مبارك لنفسه ؟ ومن هنا قدمت جريدة (The Independent) البريطانية استطلاعات للرأي في مصر في أغسطس 2005م ، ومن الآراء التي اقتبسناها من الجريدة أعلاه الطالبة نادية وعمرها 18 سنة تقول ( الوجه الذي تعرفه خيراً من الوجه الذي لا تعرفه ، وبالتالي ستختار الرئيس مبارك لأنها تعودت عليه كرئيس ) 0 ومواطن آخر يدعى محمد يبلغ من العمر 25 سنة ، ( لا أعرف أي شيء عن المرشحين الآخرين ، ونحن متعودين على مبارك ، فبالتالي سأختار الرئيس مبارك ) 00 الخ 0

    وهنا تقول الجريدة البريطانية ، هل سيحصل باقي المرشحين على نفس الفرصة التي سيحصل عليها مبارك من خلال إيضاح برامجهم للناخبين من خلال وسائل الإعلام الرسمية المختلفة : التلفزيون ، الإذاعة ، الصحافة المقروءة أم ستكون وسائل الإعلام الرسمية مسيطر عليها بطريقة مطلقة بواسطة السيد مبارك ؟ 0

    طبعاً نحن عندما تسألنا كمحللين ما هي برامج الرئيس مبارك فجميعنا يعرفها  وبكل وضوح : (1) إصلاحات اقتصادية (2) حرية سياسية (3) ديمقراطية فعلية (4) توفير الوظائف للشباب (5) تطوير الخدمات العامة (6) رفع سقف الأجور وزيادة أجور التقاعد (7) توفير السلام والاستقرار لمصر والمنطقة (8) تكريس دور مصر القيادي للمنطقة!! 0

    ولكننا لم نرى برامج المرشحين الآخرين مثل : أيمن نور مرشح حزب الغد ، ولا نعمان جمعة مرشح حزب الوفد ، وكذلك الغريب في هذا هو منع الأخوان المسلمين من المشاركة في الانتخابات وهم يشكلون أقوى تكتل للمعارضة في مصر العربية !! 0

    وبالتالي تلقائياً إذا بقي الوضع على ما هو عليه من يوم كتابتنا لهذه المقالة 18/8/2005م إلى يوم 7/9/2005م يوم الانتخابات في مصر فتلقائياً سيكون رمز مصر الرئيس مبارك هو الفائز بهذه الانتخابات من دون منازع !! 0

    وتعليقنا هنا ليس لمصر فقط ، ولكن لجميع المنطقة العربية سواءً كانت أنظمة شمولية أو ملكية 00 الخ 0 لماذا لا نجرب النظام البرلماني ؟ ففي النظام البرلماني يبقى الرئيس أو الملك رمز الوطن ، ويبقى تداول السلطة من خلال رؤساء الحكومات لفترات زمنية محددة ، ونضع شرطاً على رئيس الحكومة بأن لا يبقى في السلطة أكثر من دورة أو دورتين وأقصى حد ثلاث دورات ! 0

    والميزة في النموذج البرلماني كل مرشح سيقدمه برنامجه الأيديولوجي والمادي الذي يقتنع به حزبه أو جمعيته أو طائفته ، وعلى السواد الأعظم من الشعب أن يختار البرنامج الذي يناسبه لفترة زمنية محددة وبعد انتهاء الفترة 00 يجدد الشعب لصاحب البرنامج أو يختار برامج أخرى ووجوه جديدة 0 وهذا الأسلوب سيكون له الكثير من الايجابيات على الرموز ومنها :

    1-     عدم تلونهم كالحرباء في برامجهم لمجاراة التيار ، فيوم يلون الرمز برامجه محافظة ، والدورة التالية برامج ليبرالية ، والتي تليها رأسمالية ، والأخرى اشتراكية 00 الخ ، إلى أن يصبح الرمز العربي بلا هوية ، لأنه أصلاً لا يوجد له برنامج يعرف به سواءً كان إيجابياً أو سلبياً !! 0

    2-     سهولة تداول السلطة ، وإعادة الثقة للشعوب ومرشحيها ، لانتخاب الأشخاص المناسبين في المكان المناسب كما يرونه ، وكذلك المرشح المنتخب يسهل على الشعوب مراقبته ومحاسبته من خلال البرلمان ، ومن خلال الاستفتاء العام في القضايا المصيرية ، وهنا يكمن الفرق ما بين الرموز والمرشحين المنتخبين 0

    ما قلناه اعلاه ، لمسناه في آراء المرشحين المصريين الآخرين ، وبعض

    سياسي الرعيل الأول وليست على مستوى مصر فحسب ، بل على مستوى

    العالم العربي 0

    أولاً : السيدة جميلة إسماعيل رئيس لجنة الإعلام لحزب الغد تقول : إن الوقت غير كافي للمرشح لعرض برنامجه ، فمثلاً مرشح مجلس الشعب يستغرق ما لا يقل عن ثمانية شهور لكي يتعرف عليه أهل دائرته الذين لا يتجاوزون مليون مواطن ، فما بالك بانتخابات رئاسة الجمهورية ، كنا نتمنى أن نتعامل بشكل شخصي مع الناخبين ونتصل بهم كما فعلنا في انتخابات البرلمان ، ولكننا حرمنا من هذه الميزة لضيق الوقت ، وبدلاً من جدول مزدحم بنحو 32 جولة و 17 مؤتمراً انتخابياً يقتصر الجدول حالياً على الثلث لضيق الوقت والتمويل أيضاً 0( وسنعرض عليكم لاحقاً مسئولية الحملة الإعلامية للحزب الوطني عن الزمن !) 0

    ثانياً : السيد محمد مصطفى شردي المسئول عن الحملة الإعلامية لحزب الوفد يقول : الوقت لدينا قصير للغاية وقد أجريت بحثاً عن الانتخابات في الهند وجنوب أفريقيا ، وأنا متخصص أصلاً في الانتخابات الأمريكية وكنت مراقباً فيها 0 نحن لا نمتلك الحرية والآلة الديمقراطية المتاحة لهؤلاء ، كل المعطيات لدينا لا تمكننا من انتخابات نزيهة ! 0

    ثالثاً : الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع المقاطع يقول : يوم 8 سبتمبر التاريخ سيكتب قيمة هذه المقاطعة ، عندما يرى الناس ما جرى يوم الانتخابات في السابع من سبتمبر هل هو انتخاب حقيقي أم إشراف موظفين ؟ هل دبرت النتائج وفصلت ، أم أنها نتائج حقيقية ؟ ! 0

    رابعاً : السيدة لميس الحديدي مسئولة حملة الحزب الوطني الديمقراطي تقول الوقت كاف جداً ، وثلاثة أسابيع كافية بالفعل لأي مرشح رئاسي ، لأنه لا يمكن أن يكون هناك مرشح لرئاسة بلد كمصر ولا يعرفه الناس على الأقل يجب أن يكون المرشح معروفاً لدى الغالبية العظمى ، وألا فما معنى مد الحملة الانتخابية لأوقات أطول قد تكلف البلد الكثير ، ويمكن أن تشل فيها كل المصالح ! 0 ( التعليق على ما قالته الحديدي سأتركه لكم واستقبله على موقعي الإلكتروني ) !! 0

    خامساً : الدكتور بطرس غالي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان قال : ذهب إلى لبنان خلال فترة الانتخابات البرلمانية الأخيرة ، بتكليف من المنظمة الدولية الفرانكفونية ، بعد أن أعلنت حكومة لبنان عن ترحيبها بأي منظمات دولية ترغب في رصد ومتابعة هذه الانتخابات 0 وكان قصده هذه المرة في لبنان أن يتعلم على أرض الواقع ، كيف يمكن مراقبة عملية انتخابية برلمانية ؟ 0 وقد وجد أن هذه العملية ليست سهلة ، لأنها تتضمن في البداية الكشف عن جداول الناخبين ، ثم تحتاج إلى ما لا يقل عن مائتي خبير مدرب يلبسون زياً خاصاً بهم ليكونوا معروفين لدى السلطات الرسمية لتسهيل مهمتهم 0 وفي انتخابات لبنان كان هناك تنسيق بين المنظمات الدولية التي تتابع الانتخابات حيث كانت هناك بعثة الأمم المتحدة، وبعثة من كندا وأخرى من سويسرا ، وتأكد لديه أن المراقبة الصحيحة لأي عملية انتخابات عامة تحتاج إلى التحضير والاستعداد قبلها بما لا يقل عن شهرين ، ثم استمرار الرقابة والمراقبين في ساحة الانتخابات بعد انتهائها بما لا يقل عن شهر آخر 0 وعملية الرقابة الصحيحة والجادة تتكلف أموالاً طائلة ، فمثلاً انتخابات جنوب أفريقيا والتي أتت بالزعيم نيلسون مانديلا رئيساً للجمهورية ، كلفت الأمم المتحدة مائتي مليون دولار وقتها ، وبدأ التحضير للعملية الانتخابية قبلها بسنة كاملة ! 0

    عرضت عليكم رأي الأحزاب المصرية من حيث التمويل والزمن فقط ، وعرضت عليكم رأي محايد للدكتور غالي 00 ( والحكم لكم على ذلك ) ! 0

    في الختام الرئيس مبارك رمز نظام مصري عمره أكثر من نصف قرن ، واعتقد بأنني سأكرر ما قلته في المقدمة ، بأن مبارك يفترض أن يبقى رمزاً ولا يدخل الانتخابات ويعطي السلطة لأصحاب البرامج المتحمسين ، وخاصة الشباب منهم ، وبعد عمر طويل لا سمح الله وحدث شيء للرئيس مبارك ، من الممكن أن يتم الاستفتاء على رمز مصري آخرمن خلال المجالس التشريعية المصرية ، أو استفتاء شعبي على شخص أو شخصين ترشحهم السلطات التشريعية المصرية لاختياره أو اختيار أحدهم رمزاً لمصر باسم رئيس الجمهورية ، أما رئيس الحكومة يبقى منتخباً ولفترة زمنية محددة ، ذلك لضمان المشاركة في السلطة وسلاسة تداول السلطة 0 ولو حدث ذلك لضمنا دولة مؤسسات ذات شخصية اعتبارية عامة مستقلة في مصر ، ولو حدث ذلك في مصر سيكون بشائر خير لكل العرب والمسلمين 0

    ونحن كمحللين للشأن العربي مهتمين بذلك بشكل كبير لأن صلاح مصر يعني صلاح جميع العرب ، وعكس ذلك سيبقى العرب يتخبطون كما هم الآن بدون برامج قطرية أو إقليمية أو عالمية !! 0

    ملاحظة : كتبت هذه المقالة على جزأين الاول في منتصف اغسطس 2005،الثاني يوم 2 سبتمبر 2005م، وربما يتذكر هذا الرأي أعلاه الذي قلته بطريقة مقتضبة عميد الصحافة القطرية الأستاذ ناصر العثمان ، والأستاذ بابكرعيسى يوم 1/9/2005م ، وكنا مجتمعين في مناسبة مباركة إن شاء الله !0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله

      أضف تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *