بسم الله الرحمن الرحيم

    27/6/2006

    كنت دائماً اسمع هذه المقولة ، ماذا بعد خراب البصرة ؟! . ولاحظنا دائماً استخدامها مترادفاً مع حدوث كارثة ما ، وذلك مما جعلنا نبحث عن أسباب هذا الاستخدام ، وبعد مجهود لا بأس به ، اكتشفنا أن المقصود من استخدام مقولة : ماذا بعد خراب البصرة ؟! ، هو أنه آخر ما يخرب في الأمة هو البصرة ، وللأسف الشديد فالبصرة اليوم لم تخرب فقط ، بل أصبحت أطلالاً ، والمآسي التي يعانيها أهلها فكأنهم في وطناً للأشباح ، (كما سنذكر لاحقاً ) , ولكن لا خطر من ذلك إذا كان آخر ما يخرب في الأمة الإسلامية هو البصرة ، فذلك يعني أن الأمة الإسلامية وصلت إلى القاع من الناحية المؤسسية والبرامجية والتنظيمية والسيادية ، وذلك انعكس على معظم شعوب الأمة من الناحية المادية والمعنوية !! .

    كررنا كثيراً قبل الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق ، بأن عملية التخطيط للتحالف الأنجلو أمريكي لتحرير العراق ، كما يحلو لهم تسميته ، من الممكن أن ينتهي إلى كارثة على العراق كدولة من الناحية السيادية ، وعلى الشعب العراقي من الناحية الإنسانية . وتوجد لنا الكثير من الدراسات في هذا الموضوع منشورة في موقعنا ، حيث أن وضعنا كوضع العراق قبل احتلاله ، وبأنه سينتهي إلى ما انتهى إليه العراق الآن . وكان البعض يعتقد أن مشكلة العراق هي نظام صدام حسين ، وكنا نقول بأن مشكلة الشعب العراقي هي مشكلة يعاني منها 99% من الشعوب الإسلامية وليس الشعب العراقي فقط ، ولكن إذا كان هناك تغيير لابد أن يأتي من الداخل ، وعلى أن يكون مبرمج وعلى شكل مؤسسي ، وليست على شكل احتلال عسكري!!.

    والنتيجة الآن هي كما يراها الجميع ، ففي تقرير لموقع (BBC) ، تحت عنوان (Iraq body count) : بأن عدد القتلى المدنيين العراقيين وصل 38.353 ، والقتلى من رجال الشرطة والأمن العراقيين وصل 2.145 ، والقتلى من الجيش الأمريكي 2.473 ، ومن الجيش البريطاني 113 ، ومن التحالف 111 قتيل . والخبر الأغرب من ذلك كله هو بأن القوات الأمريكية والبريطانية لا يعرفون بالتحديد عدد القتلى الذين سقطوا على أيديهم ، أما (Lancet medical Journal ) فإحصائياتها  تقول : إلى أكتوبر 2004م وبسبب التخطيط السيئ ، والقصف الجوي بواسطة قوات التحالف، والبيئة العدائية في العراق ، كل ذلك أدى إلى قتل أكثر من 100 ألف نسمة في العراق . أما الحكومتين المحتلتين للعراق ( الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ) فتقولان بسبب الفوضى الموجودة في العراق ، فمن الصعب التحقق من عدد القتلى العراقيين !! .

    أما تقرير (The New York Times) فيقول نقلاً عن قائد القوات الأمريكية في العراق ، بأن إيران وحزب الله يجندون الشيعة العراقيين لكي يقوموا بعمليات إرهابية وحرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة ، ولكن الولايات المتحدة تقوم بانسحاب تدريجي من العراق ، فيعطي مثالاً ويقول أن الجيش الأمريكي في مارس 2006م كان 138.000 مقاتل ، وصل في يونيو 2006م إلى 126.900 مقاتل ، وكرر القائد الأمريكي أن الانسحاب الأمريكي المباشر من العراق سيكون شبه كارثة على جيشه وعلى الشعب العراقي . خلاصة القول ، نستطيع أن نقول لكم بأن الجيش الأمريكي بدأ مرحلة الانسحاب من العراق ، ولكن كما نعرف جميعاً أن انسحاب القوات من دولة في مرحلة سيولة سيضع الدولة في كوارث أسوأ من مرحلة احتلالها . وهنا سؤال أوجهه للمخططين الاستراتيجيين الأمريكيين ، في حالة انسحابكم من العراق : ما هي خططكم لملء الفراغ الأمني الذي سوف تتركونه خلفكم في العراق ؟ . وخاصةً كما نعرف جميعاً ، هناك فئات معينة ولخدمة مصالحها ، لا يوجد عندها مانع من إشعال فتن قومية في العراق مثل : ما بين العرب والأكراد والتركمان والفرس .. إلخ ، وما بين المسلمين العراقيين أنفسهم طائفتي السنة والشيعة ، وهنا لا نشكك في الشعب العراقي وتماسكه واحترامه لبعضه بعضاً ، ولكن للأسف استراتيجية زراعة الفتنة ما بين ليلة وضحاها سيجد كل إنسان يجب أن يحدد ولائه لكي يحافظ على بقائه ، وذلك من خلال نفس المصطلح الذي استخدمه الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م ، ( فالذي ليس معنا فهو ضدنا ) !! .

    اعتقد اية انسحاب للتحالف من العراق قبل ترسيخ قواعد ومؤسسات الدوله العراقيه سيخلف كارثه , وبالطبع المسؤول عن هذه الكارثه هو التحالف الاجنبي . قرأت في يوم 25\6\2006م مبادرة السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق للمصالحه ونرى ان هذه المبادره  من الممكن ان تكون حجر الزاويه لباية ترتيب البيت العراقي من الداخل. واذا صدقت النوايا عند جميع الفئات العراقيه قبل انسحاب القوات المحتله من العراق لابد من تطبيق الماده 19 في المبادره والتي تنص من الناحيه الامنيه على : جعل القوات المسلحه العراقيه غير خاضعه لنفوذ القوى السياسيه المتنافسه ولاتتدخل في الشأن السياسي وحل موضوع المليشيات والمجاميع المسلحه غير القانونيه (وان كنا نتحفظ على غير القانونيه لانها كلمه مبهمه) ومعالجتع سياسآ وامنيآ واقتصاديآ. وكذلك الماده 23 في المبادره العمل على اعادة المهجرين الى مناطقهم وتتولى الحكومه والاجهزه الامنيه حمايتهم من المخربين والارهابيين وتعويضهم عن الاضرار التي لحقت بهم واعتماد سياسه امنيه حازمه تتضمن حماية الناس .

    اما الوضع العراقي الحالي من شدة خطورته حتى وصفه اصبح  صعبآ على المحللين , واقرب وصف نستطيع ان نقول عنه بأنه كاالقنبله المقوته, في اية لحظه ممكن ان تنفجر وخاصه اذا اصبح هناك فراغ امني مفاجئ.

    والدليل على ذلك هو الاختراق القومي والطائفي الذي حدث للعمق العراقي : فيقول تقرير (BBC) (Iraqi Viewpoint) بأن أنصار الزرقاوي يسيطرون على بعقوبة ، ويريدون طرد الشيعة من تلك المناطق ، وما يقارب من 25.000 شيعي هربوا من بعقوبة !! .

    وصلتنا مجموعه من الرسائل من اهل السنه في العراق ، فمنهم من يقول : إن إيران تخوض حرب بالوكالة في البصرة ، بحيث تقوم المليشيا التابعة لها بتهجير العوائل السنية العربية في البصرة ، من أجل أن تسيطر على أرض البصرة ، وكذلك يتم الكثير من الاعتداءات على مساجد أهل السنة وأئمتهم في البصرة ، وأخيراً وزعت منشورات في البصرة تهدد وتطالب أهل السنة بالرحيل وتعطيهم مهلة أخيرة حتى 1/7/2006م وبعدها سيدخلون إلى البيوت ويقتلوهم .

    وتضيف الرسائل الإلكترونية التي تلقيناها بأن أهل السنة كانوا في الثمانينيات من القرن المنصرم يمثلون أكثر من 65% من السكان وخلال الحرب العراقية الإيرانية هاجر الكثير من السنة إلى بغداد ، واليوم نسبتهم 50% وهذا يساوي 750 ألف مسلم سني !! .

    أما في كركوك والموصل والشمال العراقي فمنذ احتلال العراق ، وبعض الميليشيات الكردية تستخدم وسائل رعب شتى ضد العرب والتركمان في الشمال العراقي ، حتى يؤدي ذلك إلى هروبهم إلى الوسط العراقي أو الجنوب أو خارج العراق مثل التركمان إلى تركيا ! . وهذه الصورة تعزز السيناريوهات التي سبق أن كتبنا عنها في عام 2003م ، وهو بأن بعض المراكز الاستراتيجية في إسرائيل وأمريكا وضعت تصوراً في حالة صعوبة السيطرة على العراق كدولة واحدة ، فإنه بالإمكان تقسيمه إلى دويلات : في الشمال كردية ، والوسط عربية سنية ، والجنوب شيعية !! .

    ما ذكر أعلاه هل يمثل الاستراتيجية الحقيقية لعملية تحرير العراق ، وحرية الشعب العراقي ، وحصوله على جميع حقوقه الوطنية ، مع المحافظة على سيادة وطنه ؟ أم هو شبيه بما حدث عندما انتهت الدولة العثمانية ، وتم التبادل القومي القسري ما بين تركيا ، بحيث تستقبل أتراك اليونان قسراً ، واليونان تستقبل أصحاب القومية اليونانية في تركيا رغماً عن أنوفهم ، أو كما حدث في أواخر أيام الدولة العثمانية ، عندما استطاع الفرنسيين والبريطانيين إشعال حرب في لبنان ما بين مارونيين لبنان وتدعمهم فرنسا ، ودروز لبنان وتدعمهم بريطانيا ، وبعد ذلك اتهمت الدولة العثمانية بعدم قدرتها على المحافظة على تماسك وإدارة دولتها ، أو هل وصلنا إلى مرحلة الحروب الدينية ما بين مسيحي أوربا بحيث يتحالف البروتستانت مع الدول البرتستاتينيه ضد دولهم والعكس صحيح عند الكاثوليك ؟  أم هل هي سياسة هجرة (Transfer) جديدة ، مثل ما حدث للشعب الفلسطيني بعد تشكيل دولة إسرائيل عام 1948م ، وكذلك حدث لهم أسوأ من ذلك بعد هزيمة حرب 1967م ؟ !! . وخلاصة ذلك أنها حقاً لكارثة في العراق . ولكن عندما نقول كارثة ، الجميع يعلم ذلك ، ولكن ما هي الحلول المناسبة لها ؟!.

    ونقتبس مما قاله رامي خوري في رسالة للسيدة رايس وزير خارجية الولايات المتحدة (The Daily Star) : معركة الحرية والعدالة في الشرق الأوسط ، لا يستطيع الشخص أن يكون مبشراً بالمبادئ النبيلة مثل لوثر كنج ، في دعواه للمطالبة بحقوق السود في أمريكا ، وفي الوقت نفسه مثل بول كونر قائد شرطة برمنغهام في الستينيات من القرن الماضي ، الذي يكره ويحتقر ويقمع السود ، وهذه هي نفس المنطقة التي تنتمي إليها د. رايس في الولايات المتحدة !! .

    نعم ، نظرية الجزرة والعصا فشلت في العالم العربي والإسلامي . فنعتقد أن على الولايات المتحدة إذا كانت جادة ، تريد إعطاء شعوب الشرق الأوسط الحرية والديمقراطية ، فعليها دعم المجتمعات المدنية الشرق أوسطية ، وتسهيل تثقيفهم وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم ، لكي تستطيع هذه المنطقة أن تصنع قيادات جديدة تخرج الشرق الأوسط من الركود والتخلف المزمن !! .

    فعلاً وصلنا إلى مرحلة في الشرق الأوسط نريد أن تطبق فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( فالحقوق السياسية ) : هي الحقوق التي تثبت للإنسان باعتباره عضواً في جماعة سياسية معينة ، والتي تسهم في تكوين الإرادة الجماعية للجماعة ، وقد تضمنتها المادة الحادية والعشرون من الإعلان ، فأوضحت لكل شخص الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة ، أما مباشرة وأما بصورة غير مباشرة ، عن طريق ممثلين يتم اختيارهم اختياراً حراً ، عن طريق الانتخاب الحر لممثلي الشعب ، واحترام إرادته . وحق كل شخص في تولى الوظائف العامة .

    نعم تثقيف الناس وتعريفهم بحقوقهم ، هو السبيل الوحيد لإخراج منطقتنا من الركود القاتل ، الذي يعيش فيه الإقليم الشرق أوسطي ، فنحن كمسلمين شرق أوسطيين ، لا نجد أن هناك اختلافات كبيرة ما بين الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان ، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وما تبعه من صكوك عالمية أساسية ، فهم يلتقيان في : حق المساواة في أصل الكرامة الإنسانية ، حق الحياة ، والسمعة ، والجنسية ، والتعلم ، والحرية ، والتنقل ، والعمل ، والتملك ، وحق الأمن الشخصي والديني والعائلي والمالي ، وحق الفرد بالمشاركة في الشأن العام وتقلد الوظائف … إلخ . ولكن لكي نحصل على هذه الحقوق لابد من وجود دول مؤسسات ، ولكي توجد دول مؤسسات ، لابد من وجود مجتمع مدني قوي ومستقل استقلال كامل عن سلطة الدولة !! .

    والوصفة أعلاه ليست للعراق فقط ، وإنما هي العلاج الحقيقي لجميع منطقتنا الشرق أوسطية ، وهذا هو رأينا ، ومن عنده خيراً منه فليأتي به!!.

                            والله اللقاء إن شاء الله

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *