نحو تحقيق هموم الألفية الثالثة من حيث العولمة والديمقراطية

بسم الله الرحمن الرحيم

6/6/2004

 بالنسبة لي يوجد لدي عدة مواضيع بالنسبة للألفية الثالثة ودخولها ، وفي الحقيقة النتائج والتوقعات والاسقاطات الاستراتيجية التي كتبت فيها سابقاً هي ليست وليدة الألفية الثالثة ؛ وإنما هناك عدة توقعات ممكن أن تنضج فيها الصراعات والتناحرات في بداية هذه الألفية ومنها الصراعات الحضارية ، ونقصد هنا على وجه التحديد الصراعات الدينية والصراعات القومية بشكل عام 0 وربما تلاحظ هنا بأنني لن اتطرق للصراعات حول المسائل الاقتصادية لأنها في الحقيقة مرنة وقابلة للبدائل كما هو موضحاً في كتابي الذي سوف يطرح للأسواق قريباً إن شاء اللّه تحت عنوان ” دراسات في الجغرافيا السياسية والاستراتيجية ” 0 لكن الصراع الحضاري لا يقبل ذلك اطلاقاً ، فالقدس مثلاً مكان مقدس بالنسبة لليهود وبالنسبة للمسيحيين ، وبالنسبة للمسلمين 0 فيجب أن نقف هنا ونفكر بأنه لا يوجد أمامنا إلا خيارين : الأول : تصادم حضاري ما بين العقائد السماوية الثلاث 0 والثاني : اتفاق فيما بينهما على أن يمارس كل منهم عقيدته في نفس المكان كيفما شاء بدون المساس بحريات ومشاعر أصحاب الديانات الأخرى 0 ولكن السؤال الخطير هنا هل هذا ممكن أو غير ممكن ؟ في هذه الحالة يجب أن نعود إلى المدارس الدينية الفكرية الثلاث ، فنلاحظ أن احداهما لا تعترف بالديانتين الأخريين ، وثانيهما تعترف بديانة وتنكر أخرى ، والثالثة تعترف بهما جميعا 0 فكيف إذاً يحدث التوافق في أرض مقدسة من الصعب وجود قناعة سيكولوجية وعقائدية بالنسبة لبعض أصحاب هذه العقائد بوجود آخرين يدنسون المكان المقدس  0

 إذاً كل الذي نراه الآن مدعوماً بواسطة القوة العالمية الأولى والقوى الأخرى وهو التكييف والتطبيع وفرض سياسة الأمر الواقع ، وكما يعلم الجميع وخاصة المتخصصين في هذا المجال بان التكييف  والتطبيع وسياسة الأمر الواقع هي حلول مؤقتة بحيث عرضت في الألفية الأولى والثانية ، والآن تحاول القوى العالمية أن تطبقها في الألفية الثالثة ، ولكن عند حدوث أي اختلال في موازين القوى العالمية سوف يعود الجميع من حيث البداية وتحدث الكارثة ، إذاً في النهاية نستطيع أن نقول بأن قضية القدس احدى المحاور الأساسية في بداية الألفية الثالثة 0 ولكن تعليقي الآخر بأن الألفية الثالثة هي مجرد زمان ومثل ما قال الشاعر : ” على أية حال عدت يا عيد ” ، وفي الحقيقة يجب أن نقول لأنفسنا ماذا أعددنا للولوج في الألفية الثالثة طبعاً غير الشعارات

 أننا كنا في العقود الخمس الماضية هناك تضامن فكري وروح تلتهب له مشاعر الإنسان في العالم العربي والإسلامي وهو عندما يتم أي لقاء بين أياً من الزعماء العرب بعد انتهاء اللقاء يقال بأن تمت المحادثات حول القضية الفلسطينية 000 إلخ 0 ونما عندما يقارب أربعة أجيال عربية المشاعر الوطنية الملتهبة لقضية المسلمين الأولى وهي القدس الشريف 0 ومن ثم ماذا حدث ؟ الصورة المعنوية الرائعة التي انشئ عليها المواطن العربي تهشمت وتهمشت عندما أراد الزعماء ذلك ، وأثار هذا التغيير أحدث هزة في المفاهيم والقيم والمبادئ بالنسبة لمعظم شباب الأمة العربية 0 ولكن زعماء الأمة العربية بعد أن قتلوا حلم عودة فلسطين والقدس والمسجد الأقصى كان لابد لهم من بديل آخر 0 أي قضية أخرى عندما يلتقون وهو بحث القضايا العربية والإسلامية والقضايا الثنائية ، وكل ذلك للاستعداد للدخول في الألفية الثالثة ، واللّه أعلم ماذا تخبئ لنا الألفية الثالثة ، وممكن أن أعيد وأكرر بأن الألفية الثالثة كما بدأت لا استطيع أن أربطها بمحور واحد ، وإنما لابد لنا من ربطها بعدة محاور وهي سوف اطرحها كتساؤلات والإجابة عليها تحتاج إلى مقالات :

1- الإنسان : وماذا فعلنا للإنسان ؟
2- الاقتصاد : وماذا فعلنا في مواردنا الاقتصادية ، وموادنا الأولية المهدرة ؟
3- البيئة : وماذا قدمنا للبيئة ؟
4- السياسة : وإلى أين تتجه بنا السياسة ؟
5- الأمن : وإلى أين يتجه الأمن ؟

 وفي رأيي الشخصي بأن هذه المحاور الخمسة لو قسمناها إلى فروع وشعبّناها إلى جزئيات لوجدناها تمثل آمال وطموحات وأحلام ومشاعر المواطن العربي جمعت في باخرة واحدة ووضعت في محيط هائج الأمواج وسلمت المفاتيح والدفة لزعماء العالم العربي 0 فادعوا معي جميعاً بأن اللّه يهديهم ويصلح شأنهم ويرزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه 0

العولمــة :

 هذا المصطلح يذكرني بكلمة (Global) ونقصد هنا العالمية والشمولية والبعض يرى بأن هذا المصطلح هو وليد أواخر القرن العشرين ولي معهم خلافات شديدة على ذلك فالعالمية هو حلم جميع الحضارات منذ حضارة الإنسان الأول ولكن الآلية (Mechanism) تختلف 0 فعلى سبيل المثال لا الحصر لو عدنا للحضارات القديمة لوجدنا : 1 أن هناك ميدان للصراع ما بين القوى الموجودة وكل منهم يرى أنه لابد أن يكون الدولة العالمية الوحيدة حسب مفهومهم للعالم آنذاك وأدنى ذلك الصراع بوصول الفرس من خراسان إلى سواحل البحر المتوسط 0 2 الصراع نحو العالمنية كما من أن نصوره من خلال الصراع الذي حدث ما بين الحيثيين والفراعنة0 3 الصراع نحو العالمية ممكن أن نفسره من خلال الصراع الذي حدث ما بين الدويلات الأغريقية المتناحرة ثم اتجاه الاسكندر الأكبر نحو الشرق واستطاع أن يشكل دولة عالمية آنذاك في منطقة شرق المتوسط ومصر وبعض المناطق العربية 0 4 الصراع نحو العالمية هو بعد بزوغ دولة الرومان وورثوا العالم الذي تركه لهم اسلافهم الأغريق 0 5 الصراع نحو العالمية مثل ما يرى علماء الغرب عندما نشأت الديانة الجديدة في نوبات مكة المكرمة والمدينة المنورة ومن ثم انتقلت وحطمت أسوار امبراطوريات الشمال المتناحرة ممثلتين بامبراطورية الفرس والرومان وأصبح المسلمين الوريث الشرعي للعالم القديم من أقصئ الغرب إلى أقصى الشرق ومن الشمال إلى الجنوب ، ونحن نرى ذلك بأنه عقيدة لأنه من باب العقيدة بالنسبة لنا لابد من نشر ديننا الإسلامي إلى الجميع ، ولكن بالنسبة للمدارس الأخرى ترى ذلك غزو عالمي فكري وثقافي واقتصادي 0 6 الصراع نحو العالمية وذلك يمثل المرحلة اللاحقة لانهيار الدولة الإسلامية وهو عندما بدأ عصر الكشوفات في القرن الخامس عشر وتم اكتشاف العالم الجديد واكتشاف رأس الرجاء الصالح بواسطته عاد الاتصال ما بين الشرق والغرب ، بعد أن كان المسلمين مسيطرين سيطرة تامة على طرق الاتصال في العالم القديم شرقه وغربه ، سواء كان الطرق القارية أو الطرق المائية من خلال البحر المتوسط والبحر الأحمر 0 ومن ثم تلا هذه المرحلة 0 7 وهي تمثل مرحلة الاستعمار عندما استطاعت الدول الصليبية البحرية السابقة واد كما نسميها دول النويات ايطاليا وأسبانيا والبرتغال وإنجلترا وفرنسا 000 إلخ 0 وأصبح العالم ممزق وموزع فيما بينهم كقطع الشطرنج 0 8 انتهى دور دول النويات وبرز لنا دور الدول القارية وذلك ممثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي والصراع الذي حدث فيما بينهما إلى أن أدى إلى انهيار المعسكر الشرقي 0 وعموماً لو عدنا إلى القاعدة لوجدنا : أولاً : الولايات المتحدة هي الأوفر حظاً من منافسها المذكور للانطلاق للعالمية وخاصة من حيث بعدها المكاني عن مناطق الصراعات الحضارية 0 ثانياً : المؤسسات العالمية نشأت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها في أرض الولايات المتحدة ، وكأنها تعطي الضوء الأخضر لأمريكا لكي تكون الدولة الأولى في العالم بدون منازع ، فنلاحظ أن هيئة الأمم المتحدة نشأت في الولايات المتحدة وتدفع أمريكا 25% من ميزانيتها ، وتمثل إحدى الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الذين يمتلكون حق الفيتو ، ونلاحظ المظلة الأساسية التي تسيطر على اقتصاد العالم 0 انشأت في أمريكا أيضاً من خلال اتفاقية بريتون رودز وهذه الاتفاقية نتج عنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ، وبروز أهمية الدولار في العالم بدلاً من الذهب وأصبح العالم كله متقدمه وناميه ومتخلفه لكي ينظر للأوضاع الاقتصادية عليه أن يحافظ على توزان المعايير الاقتصادية التالية في أمريكا وهي تمثل ميزان المدفوعات ، والميزان التجاري ، والدخل القومي000 إلخ 0 بمعنى آخر إذا أراد هذا العالم أن يحتفظ بشيء من التوازن فعليه أو على الدول الغنية منه المحافظة الدائمة على التوازن والانتعاش للاقتصاد الأمريكي لأن أي ردة فعل سلبية للاقتصاد الأمريكي سوف يشكل ذلك هزة اقتصادية للعالم أو بعضه 0 9 مرحلة الاستقلال وهذه المرحلة تمثل استقلال المستعمرات المذكورة في بند “7” واستقلال هذه المستعمرات يذكرني بما قاله تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق حيث قال : إننا عندما نستعمر أمنة لمدة مائة عام ، تبقى تحت نفوذنا بعد استقلالها مائتين عام على أقل تقدير ” 0 وعموماً حتى لا أعطي هذا الموضوع أكثر من حقه ممكن أن نعود إلى مقالة سابقة لي في جريدة الراية تحت عنوان الشرق أوسطية آخر سيناريوهات القرن العشرين ، وهي طورت وسوف تصبح فصل كامل في كتابي القادم إن شاء اللّه تعالى 0 والذي يهمنا هنا هو آليات العولمة الحديثة وذكرنا منها اثنتان وبقيت واحدة وهي تمثل الجات سابقاً ، وتمثل منظمة التجارة العالمية حالياً 0 وأهداف الأخيرة الرئيسية هي تحرير التجارة العالمية من خلال التالي :

1-  تحرير تجارة السلع الأولية، وهي تمثل مصدر الرزق الأساسي لدول العالم النامي0
2-  تحرير تجارة الخدمات 0
3-  الدولة الأولى بالرعاية أي أن تكون معاملة العالم متساوية 0
4- ايقاف الدعم عن السلع 0
5- تقديم الحماية للسلع الأساسية 0

 وعلى المؤسسات العالمية التالية ممثلة بصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي للانشاء والتعمير ، ومنظمة التجارة العالمية ، السعي الدؤوب لتحقيق الأهداف الخمسة المذكورة 0 ومن هنا التصور للعولمة الذي وضعته مدرسة ميونيخ النازية تحت مسمى مصطلح ازدواجية القارات، ولكن هذه المدرسة طالبت بتحقيق ذلك بقوة السلاح أصبحنا نحن أبناء عالم الجنوب والنامي والمتخلف نسعى مسرعين الخطى لتحقيق العولمة بدون أن لا ننشئ أي قاعدة إقليمية صلبة لكي تسهل علينا التفاهم والتفاوض مع عالم الشمال 0 وربما يثار تساؤل هنا : هل تستطيع الدولة بمفردها الولوج في العولمة ؟ الإجابة على ذلك تخضع لخلافات كبيرة وأنا أؤيد الآراء التي تقول أن العولمة لابد لها من الانطلاق من قاعدة محلية ، إقليمية ، دولية ، عالمية 0 بمعنى آخر أن قطر أو السعودية أو اليمن 000 إلخ لا تستطيع أياً منهم أن يكون له دور في العولمة في الألفية الثالثة بدون وجود أي قطر من هذه الأقطار الثلاثة صغر أو كبر من ضمن قاعدة محلية قوية ، وقاعدة إقليمية ، وكقاعدة دولية أو قومية ، ومن ثم قاعدة عالمية 0 وبما أننا من مواطني العالم العربي فلننظر إلى أي مدى حققنا نجاحات على المستوى المحلي ، والإقليمي ، والقومي ؟ وذلك من خلال دراسة ما مدى قوة المنظمات التالية : 1 مجلس التعاون الخليجي 2 مجلس التعاون العربي 3 مجلس التعاون المغاربي 0 وثم تغطية مظلة الجامعة العربية : فإذا كانت هذه المنظمات نجحت واينعت ثمارها فنحن جاهزين للولوج في عصر العولمة ، وإذا كان غير ذلك فالجواب سوف أتركه لكم

 وربما يتساءل البعض هنا عن الخصخصة ويقول : هل هي الأداة الإقليمية المحلية لبداية العولمة ؟ 00 هذا التساؤل بحد ذاته جيد ولكن يجب أن نكون حذرين ونحن أن نتجه إليه 00 فالخصخصة يجب أن تطبق عندما يكون هناك حاجة لها ، مثلها مثل نقيضها التأميم 0

 إذاً الخصخصة والتأميم تلجأ لهما الأمم لعدة أسباب منها : 1  الجانب الايديولوجي 2 جانب اقتصادي بحت 3 جانب استراتيجي 000 إلخ 0 طبعاً نحن في حل من شرح كل هذه الجوانب بالتفصيل ولكن نستطيع أن نركز على فوائد الخصخصة : 1 جمع واستثمار مدخرات المجتمع 0 2 إنشاء أجهزة رقابية منتخبة 0 3 المحاسبة المستمرة من المستثمرين لمجلس الإدارة 0 4 تساهم في قيام المشاريع الكبيرة 0

 إذاً فوائد الخصخصة تلخص لنا نفس فكرة تطور المشروع الرأسمالي بحيث بدأ بمشروع صغير ، ومن ثم مشروع كبير ، وأخيراً مشروع دولي أي مشروع عملاق 00 ومن خلال هذا المشروع العملاق يتم الالتقاء ما بين رأس المال في العالم المتقدم ، ورأس المال في العالم النامي ونكون قد انتقلنا من فكرة الخصخصة إلى العولمة من خلال الاستثمار المشترك ، والآن طبعاً أصبحت هذه العملية سهلة جداً لحركة رؤوس الأموال وخاصة من خلال الشركات المساهمة على مستوى العالم والبورصات العالمية من خلال اصدار الأسهم وسندات الخزينة وأذونات الخزينة 0 ولكن هل ذلك من صالح العالم النامي أم لا ؟ أنا في رأيي وبطريقة مقتضبة أيضاً الخصخصة والدخول في التجارة العالمية يحتاج لقاعدة صلبة كما ذكرت سلفاً في البند التاسع من هذا التحقيق 0

 ولكن أرجو أن لا يصبح مصطلح الخصخصة كمصطلح قضية فلسطين ، ومن ثم مصطلح الولوج للألفية الثالثة 0 وإنما يجب أن تتم الخصخصة من خلال رؤيا واضحة وصريحة فهناك ما يسمى : 1 مشاريع استراتيجية وهي جزء من بقاء الأمة فمن الصعب أن ندخله في مناقشات الخصخصة 0 2 وهناك مشاريع يجب أن تكون خصخصتها مختلطة 0 3 ومشاريع أخرى ممكن أن تكون خصخصتها عامة 0 4 وهناك مشاريع مساهمة ولكن ممكن أن تكون خصخصتها على المواطنين أو المجال الجغرافي للإقليم فقط 0

 ولكي نستطيع أن نصل إلى هذه المرحلة لابد من دراسة سياسية ، واقتصادية ، واستراتيجية ، وإذا اكتمل ذلك فنحن مع الخصخصة التي سوف تقودنا إلى العولمة إذا استطعنا أن نحقق المذكور سلفاً 0

الديمقراطية :

 كلمة أغريقية أصلها ديموكراسي (Democray) وهي المصطلح المضاد لكلمة (Autocracy) ونقصد هنا سلطة الفرد ، وعموماً هذا التدرج تم لجميع الأنظمة السياسية في العالم وربما حصل إلى قمته عند الأغريق كما يتغنى الفلاسفة والمفكرين بالمصطلحات التي استخدمها أفلاطون وأرسطو وغيرهم 0 وعموماً النظام السياسي كدورة طبيعية يمر بعدة مراحل وهي : 1 الملك 00 الآله 2 الملك 00 نائب الآله 3 قوة وتسلط الفرد 4 الارستقراطية (Aristocratic) نظام النخبة 5 الديمقراطية 6 الفوضى ونعود إلى نطام لكي يقوم الأمور مرة أخرى 0 أما أين الدول العربية من هذه المراحل في وجهة نظري بأن معظم الدول العربية توجد بين مرحلة الارستقراطية والديقراطية وهي مرحلة ناعمة وهشة ، فعندما يعقد النظام العزم الانتقال إلى الديمقراطية بحيث يرى أنها تمثل فرصة أفضل بالنسبة للمشاركة السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية ، وفي النهاية سوف تساهم هذه العناصر في تطوير عجلة المجتمع ، للأسف الشديد يعتقد البعض بأن هذا النظام أصيب بالضعف والوهن ، وقد حان وقت الانقضاض والقضاء عليه 0 ويذكرني ذلك بالبيت الذي قاله شاعر بني أمية عندما لاحظ بأن ساعة الصفر قد قربت بالنسبة للنظام :

  أرى خلل الرماد  وميض  نار ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن  النــــار  بالعودين  تذكى وإن  الحـــــــرب  أولها  كلام
فقلت من التعجب ليت شعري أأيقــــاظ  أميـــة  أم  نيــــام

 وللأسف الشديد كانوا بني أمية نيام بعد أن أسس دولتهم داهية العرب بل العالم معاوية ابن أبي سفيان 0 وربما نستطيع أن نقتبس من معاوية الطريقة التي أسس بها الدولة العالمية في عهده بحيث قال لابن عمه : ” إن كنت تريد مالاً أعطيتك 00 وإن كنت تريد منصباً نصبتك ، فاطلب ما شئت إلا هذا فله هذا ” 0 وطبعاً يقصد معاوية بهذا الأولى الكرسي ، وبهذا الثانية السيف ، أي من حاول أن يتطاول على كرسيي أجهزت عليه بسيفي 0 ومن هنا انطلقت المدارس الفكرية بالنسبة للسلطة فمنهم من قال أن لا يحكمها الأقرشي أي لأن قريش تعتبر في أوج مجدها أكبر وأقوى قبائل العرب ، ومنهم من قال ويحكمها إلا ذو عصبية أي أن ينتمي إلى قبيلة قوية 0 وهذا الخلاف الفقهي ما بين المدارس الإسلامية وغيرها 0 ومن خلال مدرسة الأندلس أيضاً التي يعتبر فتى بني أمية عبد الرحمن الداخل أحد أهم مؤسسيها بحيث يقال بأن بني عمه وألد أعدائه العباسيين سموه  بصقر قريش  ، وفي هذه المرحلة وكلاهما من مراحل ما بين القرن السادس والثالث عشر الميلادي وهي عصور الدولة العالمية الإسلامية ويقابلها عصر الظلام للحضارة الأوربية ، فكان الأوروبيون يأتون إلى الأندلس وبلاد الشام وغيرهما لتعلم آخر ما وصل إليه المسلمين في العلوم المختلفة 0 وبعد ذلك بدأت النهضة الأوروبية وقابلها الأنهيار الإسلامي كما ذكرت في البند 6 0

 وبعد عصر الكشوفات بدأ النضوج للفكر السياسي الأوروبي ، بحيث بدأت عدة مدارس سياسية تركز على نظام العقد 0 والعقد هنا هو الوثيقة الموثقة ما بين السلطان وشعبه ، وطبعاً من خلال هذا العقد ينشأ ما يسمى عندنا الآن الدستور 0 ونذكر أهم من كتب في هذا المجال : جان لوك دروسو وهوبر وآخرين 0 ومن ثم من خلال الثورات الأوروبية المختلفة نشأت الأنظمة السياسية الديمقراطية ، ولكن كل منها له أسلوب في السلطة فهناك ما يسمى بنظام الجمعية ، والنظام البرلماني ، والنظام الرئاسي 000 إلخ 0

 أما بالنسبة لنا كعرب وكمسلمين فمن الصعب نقل الفكر الأوروبي بحذافيره وتطبيقه لأنهم هم أصلاً نقلوه من عندنا وكيفوه مع واقعهم 00 فبالتالي لابد لنا من الاقتباس من الآراء الأخرى مع المحافظة على ديننا وقيمنا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا 0 وكما قال الرسول ص : “خياركم في الجاهلية هم خياركم في الإسلام ” ، وأقوى دليل على ذلك بأن الدولة العباسية سلطتها الفعلية انتهت تقريباً منذ القرن التاسع الميلادي ، ولكن سلطتها الأسمية بقيت إلى القرن الخامس عشر الميلادي 0 وأعتقد بأن المتخصصين عندهم دراية كاملة بهذه الأسباب فلا مجال لذكرها الآن 0

 أما بالنسبة لمن يعتقد بأن الأنظمة في المغرب وتونس وليبيا ومصر وسوريا والأردن والسعودية والكويت والعراق وقطر عندما تدعو إلى حوار شعبي وديمقراطي بأنها قد ضعفت ، فأرجوا أن تلغى هذه الفكرة من باله لأن هذه الأنظمة قد استوعبت الدروس السابقة جيداً وخاصة البيت المذكور الذي قاله شاعر بني أمية 0

 وربما تثار نقطة عن اللجنة الدستورية التي انشأها حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر في تموز 1999م ، فهذه اللجنة قد أشرت لها في ختام دراسة سابقة منشورة لي شخصياً تحت عنوان ” الأيدي الخفية والصراعات الحضارية في الألفية الثالثة” نيسان 1999م ، والحمد للّه جاء قرار سمو الأمير المفدى كما توقعت ، وهو بتشكيل لجنة فيها ما يقارب من 32 شخصاً قطرياً يمثلون الشرائح المختلفة للمجتمع القطري وهي بقيادة الزميل المبدع د0 عبد اللّه بن صالح الخليفي ، ويوجد تحت قيادته مجموعة من رجالات قطر المشهود لهم بالصدق والكفاءة والأمانة من سعادة رئيس الدبلوماسية القطرية وسعادة وزير الطاقة والصناعة والكهرباء والماء والتخطيط ، والزميل الشهم د0 محمد الكبيسي والزميل العلامة د0 يوسف فخرو ، والصديق الأستاذ محمد مهدي الحبابي وآخرون 0

 وأثيرت عدة تساؤلات من بعض الأخوة عن مفهوم الدستور المؤقت القديم والدستور الثابت الجديد ، وبعضهم يعتقد بأن هذه اللجنة سوف تلغي كل ما كان في الدستور القديم ، ولو تم الغاء كل ما في الدستور القديم لانتهى كل شيء أسمه دولة قطر لا سمح اللّه 0 ولكن هذه اللجنة عليها الاجتماع وتقديم التوصيات بتطوير بعض القوانين والغاء الأخرى مع الاحتفاظ بالثوابت مثل دولة قطر  دولة عربية مسلمة وحكمها وراثي في عائلة آل ثاني 00  0

 وأنا أعتقد بأنه توجد قوانين دستورية قديمة كثيرة ممكن أن تطور في الدستور الجديد بحيث نظام انتخابات المجلس البلدي هي فكرة قديمة منذ الخمسينيات ، ونظام انتخاب مجلس الشورى أيضاً مثلها 0 ولكن ما يهمنا أكثر هو الدور الذي سوف تقوم به هذه اللجنة من خلال مراقبة وسن أولاً : 1 القوانين 2 المراسيم 3 اللوائح 0 ثانياً : مشاريع التنمية 0 ثالثاً: مراقبة الأداء الوظيفي 0 رابعاً : إمكانية المطالبة بانشاء هيئة دستورية عليا لمراقبة مدى تطبيق القوانين والمراسيم وكل المنازعات 0 خامساً : الدور المطلوب من السلطة التشريعية من خلال سن القوانين أو مراقبتها أو تقديم التوصيات بانشاء محكمة إدارية وعسكرية 000 إلخ 0

 وعموماً سوف تكون لنا عودة أخرى لمناقشة الاختصاصات التي يجب أن يقوم بها أعضاء لجنة الدستور القطري 0

 ولا نقول وداعاً 00 بل إلى اللقاء إن شاء اللّه تعالى

This entry was posted in شؤون عربية وإسلامية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *