متى تبلغ الفيدرالية العربية سن الرشد ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

24/6/2004

الذي أثار هذا الموضوع ، هو العنوان الذي إقتبسناه من مقال لااندروموراسفيك من جامعة هارفارد ، التي كان عنوانها ” أوروبا تبلغ سن الرشد ” وكان رأيه هذا بعد أن إختتم رؤساء وحكومات الإتحاد الأوروبي قمتهم التاريخية في شمال اليونان في 21 / 06 / 2003 م وذلك لتبني الدستور الأوروبي الجديد .
ويقول أندرو في شأن الدستور الأوروبي الجديد بأنه واقع يجب الترحيب به بدلاً من إنتقاده . ولفترة إنقسم النقاش حول الإتحاد ما بين أصحاب الطرح الفيدرالي الجذري من دعاة التقدم بإتجاه قيام أوروبا مركزية ، والمشككين المبالغين في هذا المنحنى . وما ظهر نتيجة العمل الدستوري هو مشروع أوروبا المتوازنة :
1. السياسات ذات التأثير المهم على المواطنين ، والرعاية الإجتماعية ، والضريبة ، والرواتب التقاعدية ، والرعاية الصحية ، والتربية ، والثقافة ، والبنية التحتية ، ستبقى بشكل أساسي وطنية ومحلية الطابع.

2. أما العناصر الأقل أهمية مثل التجارة ، والنظام المصرفي ، والمقاييس الصناعية الموحدة ، والتكامل التكنولوجي ، فستكون أوروبية .
3. أما السياسات مابين قُطرية وفيدرالية فهي مثل الهجرة ، والشرطة والدفاع .

التطور المذهل الذي حدث لأوروبا ذات القوميات والديانات والثقافات والأيدلوجيات المختلفة والمتنافرة أحياناً ، ينعكس ضوءه على العالم العربي والإسلامي الذي فشلت فيه معظم البرامج التضامنية سواءً الكبرى التي على المستوى الإسلامي والعربي ، أو الصغرى التي على مستوى الإتحادات الإقليمية الصغرى مثل مجلس التعاون العربي ، والإتحاد المغاربي ، ولم يتبقى إلا مجلس التعاون الخليجي الذي نموه التطوري يسير ببطئ السلحفاء ، علماً أن تطور العالم بعد ثورة المعلومات أصبح شبيه بالتطور الإنفجاري ! .

ولكن لكي يتطور مجلس التعاون الخليجي لابد من مراجعة عدة ملفات خليجية هي :
أولاً : الإصلاحات السياسية : الحكم الصالح ، وحجم المشاركة السياسية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، وحقوق الإنسان ، والوضع الدستوري ، والحريات المدنية والسياسية ، وحرية الصحافة ولإعلام . [ المستقبل العربي العدد 290 ] .
ثانياً : إصلاحات إقتصادية : مثل توحيد العملة ، والتنسيق الكامل مابين الأسواق المالية الخليجية ، وعمل إستراتيجية خليجية لتحقيق الفائدة القصوى من التركيب الوظيفي الخليجي ، والإستفادة من فوائض الإنتاج في كل دولة خليجية لتغطية نفس السلعة سواءً كانت صناعية أو خدمية في الدول الأخرى مثل  نقل الكهرباء      والماء … الخ ، وإعطاء هامش معين للتخصص في وظيفة أو وظائف معينة لكل

دولة ، وعمل إستراتيجية لصيانة وحماية المواد الأولية والبيئة الخليجية ، ولن يتم ذلك كله إلا إذا حصرناه ضمن إستراتيجية تنمية شاملة خليجية ذات أهداف هلامية .
ثالثاً : نقل التجربة : إذا نجحنا في تجربتنا  الإقليمية نستطيع أن  ننقلها للتفاوض مع دول الجوار الإقليمي ونقصد هنا ايران واليمن والعراق بعد أن يفك الله أسره ! .
ولكن قبل أن نحقق أعلاه لابد لنا من الإنتقال من المرحلة الوستفالية التي طبقتها أوروبا منذ أربعة قرون تقريباً ، وكل مرة تحاول أية دولة أوروبية أن تخرق هذا المبدأ تتعرض أوروبا لحرب إقليمية كبرى أو حرب عالمية .
وينص مبدأ أوستفاليا على حرمة حدود الدولة وسيادتها والذي يمنع تغيير حدود الدولة بالقوة ، كما يوجب إحترام كل سيادة دولة على أراضيها الوطنية ، ويقف أمام أي محاولات لأي دولة لممارسة نشاطات داخل حدود دولة أخرى بغير رضا الأخيرة ، كما يمنع التدخل في الشوؤن الداخلية للدول . [ الحياة العدد 14683 ] .
ونجد أن هناك تضارباً بالنسبة لهذا المبدأ الذي يرسخ سيادة الدولة القطرية مع النقاط المذكورة أعلاه بالنسبة للإصلاحات السياسية والإقتصادية التي يطالب بها كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية في المنطقة !.
والذي يزيد الأمر سوءً مازال هناك بعض الخلافات والخروقات الإقليمية مابين النظام الإقليمي للخليج والجزيرة العربية !. إذاً السؤال الذي يطرح نفسه هل نحن تعدينا مرحلة وستفاليا بالفعل ؟!.
وإذا إستطعنا أن نعالج قضايا نموذج مجلس التعاون الخليجي نعتقد بأننا نستطيع نقل التجربة إلى دول الجوار الإقليمي ، وحتى لو تطلب ذلك منا بعض التضحيات … ولم لا ؟ فالإتحاد الأوروبي لكي يضم دول البلقان الخمس ( ألبانيا ، والبوسنة ، ومونتينيغروا، وكرواتيا ، ومقدونيا ) في عام 2004 م قدم لهم الكثير من المساعدات وطالبهم بالكثير من الإصلاحات مثل تقديم تقرير دوري إلى الإتحاد في

شأن ما نفذ  من مطالب الإتحاد ، لتقويم إقترابها منه وصولاً  إلى الإنضمام إليه . [ الحياة العدد 14699 ] .
رابعاً : الإصلاحات التشريعية : ونقصد هنا الإصلاحات القُطرية ،  والفيدرالية أو الكونفيدرالية ، ونذكر بأننا قلنا في مؤتمر” الخليج العربي رؤى ومستقبل ” الذي عقد في الشارقة عام 2001 م ، لكي يتطور العمل الفيدرالي الخليجي لابد من عمل دستور خليجي ، ويمكن أن يشرك في إعداده كوكبة مختارة من المجالس التشريعية الخليجية ، تحت إشراف ورعاية أصحاب الجلالة والسمو زعماء دول مجلس التعاون الخليجي.

الذي ذكر أعلاه يذكرنا بالمثل القائل ” قبل أن نضع العربة أمام الحصان ” ، وهو عندما نذهب جميعنا إلى المنتدى الإقتصادي العالمي من أجل السلام والتنمية في يونيو 2003 م ، وكان من المبادرات التي طرحها هذا المنتدى هي : أولاً :  تعبئة النساء داخل وخارج المنطقة للنظر في كيفية مساهمة المرأة في الإستقرار السياسي والإزدهار الإقتصادي في المنطقة ، ثانياً : إنشاء مجلس المئة زعيم من الغرب و الشرق ، ثالثاً : إقامة المشاريع المشتركة مابين الغرب والعالم الإسلامي ، رابعاً : إنشاء مجلس رجال الأعمال العرب . [ الحياة العدد 14699 ] .

إذاً لن نستطيع أن نعمل أي شيئ في هذا المؤتمر إلا بعد الإصلاحات القطرية
والإقليمية لدول المنطقة ، ويشترط أن تكون هذه الإصلاحات نابعة من أبناء المنطقة أنفسهم وليست مستوردة من الدول الأجنبية إلى المنطقة .
وخلاصة القول هو ماقاله  سليفان  شالوم وزير خارجية إسرائيل لدول المنطقة : ” لا ثمة هنا فرصة لشرق أوسط جديد . بعد حرب العراق تغيرت قواعد اللعب . والذي يتجمد عند القواعد القديمة لن يشارك في اللعب . لقد أثبتت الولايات
المتحدة أنها مصممة على العمل ضد الإرهاب ، ومن يكذب على الإدارة الأمريكية يدفع الثمن باهضاً ، وهكذا صدام حسين ، الذي كذب في أسلحة الدمار الشامل ، وهكذا عرفات الذي كذب في موضوع سفينة كاريين ” . [ الوطن العدد 2828 ] .

وفي الختام مطلب معظم شعوب المنطقة هو أن نثبت بأننا بلغنا سن الرشد سواءً على الطريقة الأمريكية الإسرائيلية أو غيرها ، أو أن نحقق مصيرنا بالطريقة التي تناسبنا !!.

إلى اللقاء دائماً إن شاء الله ،،،

This entry was posted in شؤون عربية وإسلامية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *