بسم الله الرحمن الرحيم

    30/1/2005

    في 1897 م قال فريدرليك راتزل  مقولته المشهوره : ” إن الدافع الأول للتوسع يأتي الدولة البدائية من الخارج . معنى هذا أن الدولة الكبرى ذات الحضارة تحمل أفكارها إلى الجماعات البدائية التي تدفعها زيادة عدد السكان إلى الشعور بالحاجة إلى التوسع ” ( رياض ص 60 ) .

     ومنها منذ فكرنا في العنوان أعلاه كان تركيزنا على لماذا لا يساهم المسلمين المتواجدين في الدول المتقدمة إلى نقل الحضارة الإيجابية التي لا تتعارض مع ديننا الحنيف إلى دولنا في العالم الإسلامي ؟ .

     وخاصة أن الدول المتقدمة التي فيها أقليات إسلامية جميعها دار عهد (إدريس ص 2 ) أي تنظم العلاقات معها ويمنع الاعتداء ، بل وأصبح معظم الأقليات المسلمة في الغرب تتمتع بحق المواطنة .

     ونعتقد أنه لابد لنا أن نوضح المصدر الرئيسي للعنوان أعلاه ، فهذا العنوان مصدره الرئيسي جاءنا مع الدعوة الكريمة التي تلقيناها من مركز البحوث والدراسات التابع لوزارة الأوقاف القطرية .
    والمركز المذكور بصدد إنتاج مشروع ضخم تحت عنوان ” مسلمو الغرب بعد الحادي عشر من أيلول ( سبتمبر ) ”  وكان هذا المشروع ينقسم إلى ستة مواضيع هي الإسلام في الغرب ، والتباس المفاهيم والمصطلحات ، ومؤسسات المسلمين في الغرب ، والإصابات الداخلية والتحديات الخارجية ، ورؤية مستقبلية ، ومسلمو الغرب والعالم الإسلامي .

    وقمنا باختيار دراستنا من ضمن الموضوع الأخير ، ولكن ركزنا على تجنب الجمود في اطارعنوان مشتق من موضوع واحد ، بل حاولنا أن نروض الدراسة لكي تستفيد من المواضيع المختلفة وخاصةً موضوع رؤية مستقبلية للعالم الإسلامي.

     وكذلك حاولنا أن نكون موضوعيين قدر الإمكان في هذه الدراسة ، والابتعاد قدر الإمكان عن نظرية المؤامرة التي يتهم بها معظم الباحثين المسلمين ، وكذلك حاولنا قدر الإمكان الابتعاد عن الأسلوب العاطفي الذي يعتمد على الديماغوجية أو إلهاب مشاعر المسلمين ، و في النهاية يتحول إلى إسفاف وزبد عديم الفائدة ، أو شعارات براقة في شكلها الخارجي ، ولكنها خاوية في مضمونها الداخلي ، وهذه الكلمة الأخيرة تمثل مصطلح الإصلاح الذي تنادي به معظم الحكومات الإسلامية ، وهذا الإصلاح المزعوم ينطبق عليه المثل العربي القائل : ( اسمع جعجعةً ، ولا أرى طحيناً ) ! .

    أما المحاور الرئيسية التي سنتناولها في هذه الدراسة فهي :

    المحور الأول : الوضع القانوني للأقليات المسلمة في الغرب :

    أ  – الأقليات المسلمة في الدول الغربية : يبلغ عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوربي 25 مليون مسلم تقريباً وذلك يعادل أكثر من 6% من سكان دول الاتحاد الأوربي الخمسة والعشرين (Shokat)  ولكن لو وفقت تركيا وحصلت على عضوية الاتحاد الأوربي ستصبح نسبة المسلمين ما يقارب 18% من سكان الاتحاد الأوربي ، وذلك يعني أن المسلمين بعد انضمام تركيا سيصبحون يشكلون ما يقارب خمس سكان أوربا ، وهذه النسبة الإسلامية ستزداد بالطبع لأن النمو الطبيعي عند المسلمين ما بين 3% إلى 2% ، وهذا يعني أن معدل النمو يتضاعف ما بين كل 25 إلى 35 سنة ، أما الأوربيين الآخرين فمعدل النمو الطبيعي عندهم أقل من 1% وذلك يعني أن معدل التضاعف عند الأوربيين الغير مسلمين يتضاعف كل سبعين سنة مرة واحدة، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فستتحول أوربا في بداية القرن القادم إلى قارة إسلامية تقريباً . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل سيوافق الأوربيون على انضمام تركيا إليهم ؟ .

    أما عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية فيبلغ ستة ملايين نسمة ، ويشكلون ما يقارب 2% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية ( الراية العدد 8197 ) .

    ب – الحياة المدنية لمسلمي الغرب : نستطيع أن نقول لكم بأن المسلمين قبل أحداث سبتمبر 2001م ، كانوا يتمتعون بحياة مدنية أفضل من الحياة المدنية التي يحصل عليها أقرانهم في أوطانهم الأصلية من حيث حرية العبادة ، والاجتماع ، والتعبير ، وتشكيل الجمعيات . إلى أن جاءت أحداث سبتمبر 2001م وأصبح هناك تضييق كبير ليس على حرية التنظيم فقط ، بل حتى على حرية الحركة بالنسبة للمسلمين كما سنوضح لاحقاً .

      فمثلاً في ديسمبر 2001م فقط ، داهمت وأغلقت السلطات الفيدرالية الأمريكية أربع جمعيات خيرية إسلامية على الأقل بحجة أنها تقوم بدعم ما تسميه الولايات المتحدة منظمات إرهابية . غير أن تلك المداهمات لم تثبت وجود أي صلة لتلك المؤسسات بأي نشاط إرهابي ، ولكنها أثارت بالمقابل مخاوف من انتهاك الحريات المدنية في الولايات المتحدة .

      والأغرب في هذا الأمر بعد الصدمة الأمريكية من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، دعا ائتلاف من المسلمين الحكومة الفيدرالية إلى تحديد المشتبه فيها من المنظمات حتى يمكن التبرع إلى جمعيات خارج إطار الشبهة بدون مشكلات قانونية وأمنية ، ولكن وزارة العدل الأمريكية رفضت تحديد الجمعيات الإسلامية المشروعة ( الجزيرة نت 19/10/2004م ) .

      وهذا أن دل على شيء فهو يدل على الصدمة التي تعانيها السلطات الأمريكية مما جعلها في حالة تشوش كامل (Chaos)  من هو العدو ؟ ! ومن هو الصديق ؟ ! . وهذه الخبطة التي تعيشها الولايات المتحدة ، وحتى أوربا الغربية ليس بالضرورة أن نعتبرها ردة فعل سلبية ضد الإسلام ، ولكنها لحظة هيجان هستيرية للبحث عن الخصم الحقيقي الذي يريد أن يدمرهم ! . وأكثر من استغل هذه الأوضاع التخبطية التي يعيشها الغرب هو الإدارة الإسرائيلية في فلسطين المحتلة ، بحيث أصبح شارون لا يتورع من أي عمل ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ، من دون أن نسمع أي شجب أو استنكار حقيقي من المجتمع الدولي لكي يوقفه عند حده ! . وكذلك استفادت من هذه الأوضاع التخبطية في العالم روسيا الاتحادية ضد المسلمين في الشيشان (Herald Tribune, October 17,2004) .

      ومن هنا علينا نحن المسلمين سواءً في العالم الإسلامي أو في الغرب أن لا نستدرج إلى معاداة الغرب لأن ذلك سيقدم خدمات جليلة للأعداء الحقيقيين الذين لهم أهداف استراتيجية ثقافية ومكانية في العالم الإسلامي وليست الحصول على مصالح اقتصادية وجيواستراتيجية فقط ! . ونود أن نذكر بأن ما يحدث للمسلمين الآن في أمريكا هو نفس ما حدث لليابانيين الأمريكيين في أحداث بيرل هاربر ، ومن هنا هل العداء لليابانيين أيضاً كان عداء لثقافة ؟ ! . طبعاً لا العداء لليابانيين ولا للمسلمين هو عداء الثقافة وإنما عداء لعدو معالمه غير ظاهرة ، ففي الأربعينيات من القرن الماضي ، ربما كان مختفي في شخص أي ياباني ، وفي بداية القرن الواحد والعشرين ربما مختفي في شخص أي مسلم من ملايين المسلمين في الغرب ! .

      طبعاً نحن هنا لا نبرر ما حدث للمسلمين في أمريكا ، ولكننا سنتعامل مع الأمر أكثر موضوعية وعقلانية ، وسنلجأ بدلاً من تحكيم العاطفة إلى تحكيم القانون الدولي العام في مثل هذه الحالات ! . وعلينا نتذكر دائماً في عالمنا الإسلامي عندما تقوم قبيلة أو مدينة أو محافظة بالتمرد ضد الحكومة ، ماذا يحدث لها ألا تسحق بشكل كامل والأمثلة على ذلك كثيرة في العالم الإسلامي !! .
    ج – أوضاع المتجنسين المسلمين في الغرب : المسلمين الذين يحملون الجنسية في الغرب يتمتعون بكامل حقوقهم المدنية والسياسية والتي لا يحصلوا حتى على الجزء اليسير منها في أوطانهم الأصلية ، ومن هنا بدلاً من أن نذهب إلى أسلوبنا الشرقي التقليدي العاطفي وهو تجسيد الشعور بالألم ، إلى الأسلوب العملي التنظيمي بحيث نعيد تنظيم أنفسنا من خلال تكتلات قوية في الدول الغربية ونطالب بحقوق المستضعفين من المسلمين سواءً في الغرب أو في العالم الإسلامي ، وخاصةً أننا لاحظنا أن بعض علماء المسلمين يحثون أبناء المسلمين المتجنسين في الغرب على الاستفادة القصوى من حقوقهم السياسية. فمثلاً في فتوى للشيخ أبو بكر جابر الجزائري قال : جواز أن يحمل المسلم المقيم في دولة غير مسلمة جنسية الدولة التي يعيش فيها ، بل والمشاركة بمجالسها النيابية والتشريعية ، خاصة بعد ما استقرت عليه الأوضاع في الغرب أن حمل جنسية إحدى دوله لا تجبر من يحملها على تغيير عقيدته أو تبديل دينه الأصلي . ( عبد الخالق سلام أون لاين 5/10/2004) .

      إذاً ما الذي يمنع الجاليات المسلمة في الغرب عن التمتع بحقوقها المدنية والسياسية كاملة ؟ ! .

    د – تأثير أحداث 11 سبتمبر على المسلمين في الغرب : بعد أحداث 11 سبتمبر صدر في أمريكا قانون مكافحة الإرهاب باسم ” باتريوت اكت ” سنوضحه لاحقاً، وهذا القانون أثر على المسلمين في التالي اعتماداً على تقرير مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية ( كير ) 2003م : ( الوطن العربي العدد 1377 )

    1- ذكر تقرير أعده المفتش العام بوزارة العدل الأمريكية أن السلطات اعتقلت 738 مسلماً وعربياً منذ أحداث سبتمبر وحتى أغسطس 2002م وأن المعتقلين اخضعوا لمعاملة سيئة وتمييزية مثل إعاقة عملية اتصالهم بمحامين يدافعون عنهم أو الاتصال بأسرهم ، واعتقالهم بناء على أدلة سرية ، والاعتداء عليهم لفظياً وجسدياً.
    2- قيام وزارة العدل بعقد مقابلات استجوابية مع حوالي 8000 مسلم وعربي .
    3- إخضاع حوالي 70 ألف إلى 50 ألف مهاجر مسلم وعربي إلى عمليات تسجيل إجبارية لدى إدارة الهجرة الأمريكية .
    4- إخضاع 11 ألف مهاجر عراقي إلى عمليات استجواب منذ بداية الحرب على العراق .

    ما حدث أعلاه للمسلمين في أمريكا لا يختلف عليه بأنه شيء سيء جداً ، ولكن هذا ما يحدث في حالة الحرب ما بين الأمم يدفع الأبرياء ثمن الحرب غالباً ، فاليابانيين من أصول أمريكية في فترة الحرب العالمية الثانية ما بين أمريكا واليابان اعتقلوا في معسكرات خاصة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية ( نيوزويك العدد 85 ) .

    وكذلك أوضح تقرير كير عن حوادث التمييز ضد المسلمين ، أن حوادث التمييز ضد المسلمين كانت 602 حاله عام 2002م بما يمثل زيادة قدرها 15% مقارنة بعام 2001م وزيادة قدرها 64% بعام 2000م ، وقد أرجع التقرير الارتفاع الملحوظ في حوادث التمييز ضد المسلمين في أمريكا إلى تبعات أحداث سبتمبر 2001م ( الوطن 1377 ) .

    وكذلك الفوبيا الجديدة التي أصابت أمريكا هي التركيز الدقيق في تطبيق قوانين الهجرة ضد الشرق الأوسطيين ، فمثلاً يوجد في أمريكا أكثر من 300 ألف أمر ترحيل غير منفذة ، ولكن وزارة العدل تركز فقط على 6000 شرق أوسطي (نيوزويك العدد 85 ) .

    وتعتقل الولايات المتحدة بعد الحرب على أفغانستان ما يقارب 600 أسير من دون محاكمة في خليج غوانتانامو ( نيوزويك العدد 156 ) . وفي خارج أمريكا تعرض المسلمين في أشخاصهم المادية والمعنوية لمجموعة من الاعتداءات مثل هولندا ، واستراليا ، وجزيرة فيجي . . الخ . وكذلك غضب العملاق الأمريكي على المسلمين استغل استغلالاً بشعاً في مجموعه من الدول لتصفية حسابات كانت كامنة أصلاً وخاصةً روسيا وإسرائيل ! .

    وربما تثار نقطة مهمة هنا للمعتقلين في خليج غوانتانامو هل هم أسرى حرب؟ أم إرهابيين ؟ . ومن هنا نقتبس إجابة لديفيد شيفير عن وضع أسرى غوانتانامو فيقول : أنهم أسرى حرب ويتمتعون بحقوق أسرى الحرب بموجب اتفاقية جنيف الثالثة . يمكن أن يقاضوا بتهمة ارتكاب جرائم الحرب . لكن ينبغي مقاضاتهم في المحاكم العسكرية التي تؤمن ضمانات أساسية من الاستقلالية وعدم الانحياز . ولكن يضيف ديفيد شيفير ، إذا تم التعرف إلى أحد الأشخاص على أنه إرهابي أو عضو في القاعدة سيفقد حماية اتفاقية جنيف الثالثة ، وينبغي بالتالي التعامل معه كإرهابي . ومعظم أسرى الحرب ليسوا متهمين بارتكاب جرائم ، بل يتم إطلاق سراحهم مع نهاية الحرب ( نيوزويك العدد 79 ) .

    طبعاً بالنسبة لأسرى غوانتانامو مازالت الإدارة الأمريكية تتخبط في تصنيفهم هل هم أسرى حرب ؟ أو إرهابيين ؟ . فإذا كانوا أسرى حرب ، فالحرب قد انتهت وأمريكا في مرحلة سلام مع أفغانستان أو بالأحرى أمريكا تحتل أفغانستان، فمن واجب أمريكا أن تطلق سراح الأسرى الذين لم يرتكبوا جرائم حرب ( المجذوب ص 737 ) ، ومن ارتكب جرائم حرب منهم يحاكم محكمة عادلة ، وحتى من تدعي أمريكا أنهم إرهابيين فيفترض عليها محاكمتهم على ضوء المحاكمات الدولية التي أنشئت لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا وسيراليون والبلقان ، أو محاكمتهم في المحاكم الجنائية الفيدرالية أو العسكرية ( نيوزويك العدد 79 ) .

    هـ – رأي القانون الدولي العام لمواطني الدولة العدو المقيمين لديها في حالة الحرب :

     نحن لا نستطيع أن نجد أي تبرير لانتهاك أمريكا القانون الدولي العام في قضية الحرب على الإرهاب ، ولكن في الوقت نفسه لا نستطيع أن ننكر بأن هناك بعض الخطوات اتخذتها أمريكا تعتبر قانونية في حالة الحرب . فبالنسبة للقانون الدولي العام في الآثار المترتبة على الحرب ، يثير الفقهاء سؤالاً تقليدياً هو : ماذا يحل برعايا الدولة العدو المقيمين في أراضي دولة محاربة ؟ . كانت الدولة قديماً تحتجزهم كأسرى حرب ، ولكنها اليوم تكلفهم مغادرة البلاد أو تطردهم منها . ولوحظ أن هذا الأسلوب قد يضر بمصالح الدولة لأن هؤلاء الرعايا قد ينضمون ، بعد خروجهم ، إلى قوات العدو وينزلون الضرر بالدولة التي كانوا فيها . ولكنه لوحظ أيضاً أن إبقاءهم في إقليم الدولة قد يجعل منهم طابوراً خامساً يعمل لصالح دولتهم . ولذلك جرت العادة على إبقاءهم في إقليم الدولة المحاربة ووضعهم تحت المراقبة أو اعتقالهم في أماكن معينة . وبعض الدول تفضل ترحيل الأطفال والنساء والعجزة وتبادلهم بغيرهم من رعاياها إن أمكن ، وطبعاً مع عدم المساس بأموالهم وأملاكهم ، وإن وضع اليد عليها فإن ذلك يتم مقابل تعويض مناسب ( المجذوب ص 732) وهذا ما حدث لليابانيين في أمريكا أثناء الحرب العالمية الثانية .

     أما الأحكام العرفية ، فتستعين بها الدولة من خلال لوائح استثنائية تلجأ إليها السلطة التنفيذية تحت ظروف حالة الطوارئ ، إذ تسمح لها بتعطيل بعض أحكام الدستور حتى تستطيع تلافي بعض الأخطار التي تتعرض لها البلاد ، كنشوب ثورة داخلية أو وقوع غزو خارجي ، وفي هذه الحالة تطبق السلطة التنفيذية ما يعرف بقانون الطوارئ الذي يخولها سلطات واسعة واستثنائية ( الكيالي ص 87 ) .

     واستناداً على بعض القواعد أعلاه استطاعت أمريكا وبريطانيا من تمرير بعض القوانين تحت مسمى الحرب على الإرهاب ، فمثلاً في الولايات المتحدة أقر الكونغرس قانون باتريوت لمكافحة الإرهاب ، وهو القانون الذي انتهكت من خلاله حقوق الإنسان والقوانين الإنسانية في أمريكا كما ذكر أعلاه . فهذا القانون كما هو موضح في الوثيقة القانونية (USA Patriot act, Public law 107-56/107th Congress)  بنوده معظمها مقيدة للحرية .. فمثلاً الأول : تطوير الأمن المحلي ضد الإرهاب ، ثانياً : تطوير الأساليب الرقابية . ثالثاً : تقليص تحرك غسيل الأموال لمقاومة الإرهاب . رابعاً : حماية الحدود . خامساً : تعطيل كل الأمور التي من الممكن أن تعين التحقيق مع الإرهابيين . سادساً : توفير الأمن لضحايا الإرهاب . سابعاً : تشديد القوانين الجنائية ضد الإرهاب . ثامناً : تطوير الأساليب الاستخباراتية ضد الإرهاب . تاسعاً : متنوعات ، ويقصد هنا تجهيز جميع مؤسسات الأمة للتعامل مع الإرهاب والقضاء عليه .

     طبعاً بعد مراجعتنا لهذا القانون وجدنا أن السلطة التنفيذية أصبحت مطلقة اليد في التعامل مع القضايا التي توصف بالإرهاب دون رقيب ولا حسيب من السلطات الأخرى مثل : الكونغرس والقضاء الفيدرالي ! .

     ولكن هل يستمر ذلك ؟ . بالطبع لن يستمر ذلك ، لأن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الأول ، لأن الأساس الذي أقام المؤسسون أمريكا في العالم عليه على أن تكون الدولة الراعية لحرية العالم ، والمطبقة للسوق المفتوح ، وليس الدولة التي يوجد بها إحدى أكبر سجون العالم مثل ما يحدث الآن .

     أما بالنسبة للملكة المتحدة ، فيوجد فيها قانون للإرهاب قبل أحداث   سبتمبر   & (Terrorism Act 2000) (Investigatory Pounds 2000) بحيث تستطيع السلطة التنفيذية توقيف الشخص المشتبه به لمدة 48 ساعة بدون إدانة ، وبعد ذلك إمكانية الطلب من السلطات المختصة التمديد 7 أيام ، ومن ثم لمدة 14 يوم (Shokat) .

     والذي لاحظناه هناك تشابه ما بين أمريكا وبريطانيا في التوسع في العمليات الاستخبارية والتي كانت يفترض أن تكون سابقاً سرية على أقل تقدير بطريقة رسمية، وذلك يشمل التصنت على الهاتف ، وجميع أساليب الاتصالات السلكية واللاسلكية بما فيها البريد الالكتروني ، والبريد العادي .. الخ . وإذا حدث أعلاه في هذه الدول بطريقة متزايدة بعد أحداث سبتمبر ، فذلك للأسف ما يتم يومياً في معظم الدول العربية والإسلامية منذ تأسيسها ، فالدولتين أعلاه لاستخدام ذلك أخذوا إذن من سلطاتهم التشريعية المنتخبة ، وهذه السلطات أصلاً تمثل إرادة الشعب ، أما في الدول الأخيرة كل شيء يستخدم بدون أية تشريعات للأسف الشديد !! .

    المحور الثاني : آثار الأحداث على الدول الإسلامية :

    1. المثقفين العرب : طبعاً بالنسبة لتسارع الأحداث ضد العرب والمسلمين سواءً في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو خارجهما بعد أحداث 11 سبتمبر ، أدى ذلك إلى كثير من ردود الفعل ما بين الأقليات الإسلامية المقيمة في دول الغرب ، وحتى مواطني الغرب الغير مسلمين المحبين للسلام ، وكذلك صاحب ذلك الكثير من المسيرات والمظاهرات في كثير من الدول الإسلامية ولكن يوجد طابع تقريباً شبه موحد للأسف لمعظم التحركات العربية والإسلامية وهو الطابع العاطفي الغير تنظيمي ، وهذا الطابع لا يؤثر على متخذ القرار في الدول المتقدمة لأنه يعتبر ردة فعل ، وردة الفعل غالباً ما تستوعب من خلال الامتصاص الأول للهيجان الشعبي ، وبعد ذلك هضمه ، وبعد ذلك قتله مع الزمن ونسيانه أي كأنه لم يكن .

          وربما من أفضل ردات الفعل العربية التي لاحظتها على الانتهاكات الأمريكية للقانون الدولي العام لاتفاقيات جنيف هي الوثيقة التي نشرتها صحيفة (The Daily Star October9th.2004) وهذه الوثيقة الموقع عليها من ما يقارب 632 مثقفاً عرب من مختلف الدول العربية تحت عنوان (Arab National Congress) والميزة في هذه الوثيقة أن الموقعين عليها من مختلف الدول العربية ، وتحتج على الانتهاكات الأمريكية وحلفائها التي نتجت عن احتلالهم للعراق ، والميزة الأخرى بأن يوجد مشاعر قومية عربية ناضجة تتفاعل مع كل شبر من أرض عندما يتم احتلاله ، وكانت هذه الوثيقة موجهة لزعماء العالم ومن مطالبها : أن تعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن ، ويقدم له المخطط التالي :
    أ   – إيقاف كل أشكال العدوان الأمريكي البريطاني في العراق .
    ب – إيجاد آلية دولية لتوفير الأمن للشعب العراقي .
    ج  – إيجاد آلية دولية لدراسة حالة جميع أسرى الحرب العراقيين ، والأسرى بشكل عام الموجودين عند قوات الاحتلال في العراق .
    د  – المجتمع الدولي عليه أن يطالب قوات الاحتلال في العراق أن يقدموا جدولاً للأمم المتحدة يوضح مراحل انسحابهم من العراق ، لأن أية انتخابات في الوضع الراهن في العراق تعتبر غير سارية المفعول .

     النقاط طالما صيغت بطريقة تنظيمية نتوقع أن يكون لها رد فعل أكثر في المجتمع الدولي وخاصة أصحاب العلاقة على المستوى العالمي : الدول المحتلة ، وعلى المستوى الإقليمي : معظم الزعماء العرب ، وحتى أن حاول الطرفين الأخيرين تجاهلها . ومن هنا إذا أردنا أن يكون لنا دوراً عالمياً ما بين الأمم وإنقاذ أوطاننا الإسلامية من الكوارث التي تتعرض لها . فلابد لنا على مستوى العالم الإسلامي بشكل عام ، والأقليات الإسلامية بشكل خاص ، أن ننظم أنفسنا من خلال جمعيات أو أحزاب بالأشكال المختلفة سياسية وثقافية ودينية واجتماعية .. الخ . وإذا استطعنا أن نصل إلى هذه المرحلة بالفعل فنحن نراهن أن العالم الإسلامي سيتغير وضعه عما هو فيه من كآبة وشعارات زائفة الآن ! .

    2. الحكومات العربية والإصلاح :  منذ انتهاء الحرب الباردة في التسعينيات من القرن الماضي أصاب الحكومات العربية مرض هستيري اسمه الإصلاح ، لأن طبعاً معروف بأن النظرية الويلسونية التي وضعتها أمريكا للعالم منذ بداية القرن الماضي تطالب بالحرية لشعوب الأرض أو بالأصح بتعميم مبدأ الليبرالية ، وتعميم سياسة السوق المفتوحة ، ولكن الذي أخر أمريكا من تطبيق ذلك هو الحرب العالمية الثانية ، وتلاها الحرب الباردة إلى عام 1990م . ولكن بعد أن أصبحت السيادة الأحادية لأمريكا على الكوكب واضحة ، فمن الطبيعي أن تفرض أمريكا على الكوكب تصورها الأيديولوجي ، ونعتقد أن أفضل من صاغ ذلك خلال القرن الماضي كتاب فوكياما نهاية التاريخ ، وكذلك مخاوف هنتنغتون بأن يصطدم نهاية التاريخ مع صراع الحضارات أو صراع الثقافات .

     ونعتقد أن أفضل تعليق على الإصلاحات التي تتبناها الحكومات العربية هو التعليق الذي قلناه في الحلقة الأولى من (The Doha Debates October 13th.2004) الذي عقد في مؤسسة قطر تحت عنوان ( أننا نعتقد بأن الحكومات العربية غير جادة في القيام بإصلاحات فعلية ) وكان يدير الحوار تيم سبيستيان ، وطرفي المناظرة هم : د. سعد الدين إبراهيم وريم العلاف من ناحية الطرف الآخر المقابل لهم حسين شبكجي وعادل درويش وكانت مداخلتنا في هذا الحوار بأن الحكومات العربية غير جادة بالإصلاح وإن كل ما تقوم به الحكومات العربية من الإصلاحات هو تغييرات مكياجية أو تلميعية للسلطة والدليل هو التالي :

    أ   – هل يوجد عندنا مشاركة في السلطة في العالم العربي ؟  طبعاً لا .
    ب – هل يوجد تداول للسلطة في العالم العربي ؟    طبعاً لا .
    ج – هل يوجد شفافية في إدارة السلطات في العالم العربي ؟  طبعاً لا .
    د  – هل يوجد عدالة لتوزيع الثروة في العالم العربي ؟  طبعاً لا .
    هـ – هل يوجد عدالة لتوزيع الوظائف في العالم العربي ؟ طبعاً لا .

     إذاً نقول لمن يدعي بأن هناك إصلاح أو صلاح في العالم العربي حقيقي فعليه أن يعرض لنا أعلاه ، أما إذا لم يستطيع أن يوفره فنعود لمثلنا العربي الذي يقول : (اسمع جعجعة ولا أرى طحيناً ) .

    3. الحلول الأمريكية للدول العربية : كتب الأكاديمي ف.غريغوري غوز الثالث في (Foreign Policy)  نصيحة للإصلاح في المملكة العربية السعودية ، وسنعرض عليكم ملخص لهذه النصيحة :

    أ  – قاوموا التحول الكامل إلى الديمقراطية ، إن انتقالاً فورياً نحو برلمان منتخب سيسبب الأذى أكثر من الخير . فنظراً لمواردهم المتفوقة وتنظيمهم فإن النشطين الإسلاميين سيحققون نتائج حسنة في هذه الانتخابات ، ما من شأنه إن يعقد استراتيجيتكم الأمنية . إن قادة التيار الديني الرئيسي يعرفون أن الانتخابات ستنهي احتكارهم للحوار السياسي المشروع في المملكة . وأنتم لأن يقوم هؤلاء القادة بدورهم في محاربة المتطرفين ، لا تخسروهم بسبب هذه المسألة ! .
    ب – استدعوا الأمير بندر إلى السعودية ، يقول غريغوري ، إنكم بحاجة إلى شخص يمكنه أن يسوق السعودية لدى الجمهور الأمريكي باعتبارها شريكاً يعول عليه .
    ج  – زيدوا ضخ النفط ، أدفعوا أسعار النفط إلى أسفل ، وتأكدوا بأن الجمهور الأمريكي ملم بجهودكم ، وكلما زادت مسؤولياتكم فيما يتعلق بمسائل النفط ، زاد احتمال وجود مصلحة لأمريكا في استقرار حكومتكم .

     وهنا تعليقنا ، الإصلاح الذي تريده أمريكا وحلفائها في العالم الإسلامي ، هو إيجاد أفضل الآليات للوصول إلى خدمة مصالحهم القصوى في العالم الإسلامي ، فخلاصة ما قاله غريغوري للسعوديين إذا الديمقراطية السعودية ستضر المصالح الأمريكية فهي إذاً غير ضرورية ، وإذا أردتم أن تكونون محبوبين من الإدارة الأمريكية والشعب الأمريكي ، فعليكم أن توفروا النفط الرخيص للشعب الأمريكي .

     دعونا نتحدث بطريقة موضوعية . . فالحكومة الأمريكية أو الحكومات الغربية أو أية حكومة في العالم إذا كانت صادقة وجادة فعليها بالبحث عن أقصى حد ممكن أن تفيد به الوطن والشعب الذي تمثله . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أين الحكومات العربية من ذلك ؟ ! .

    4. نماذج من الإصلاحات المناسبة للدول العربية : دعونا نكون موضوعيين ، لن تكون هناك إصلاحات جادة في العالم العربي من دون إعادة العربة خلف الحصان ، حتى يستطيع أن يسحبها ، فمعظم المؤهلين العرب ( المسلمين مهمشين في أوطانهم ) وحتى عندما تحتاج دولهم إلى خبرات في تخصصاتهم تبحث حكوماتهم إلى استقدام أجانب لتقديم النصح والمشورة لهم ، وذلك لكي يفوتوا الفرصة على أبناء أوطانهم من الدخول أو المشاركة في الميكانيزم الخاصة بالعمل الوطني ، لأنه دائماً تسيطر عليهم فكرة أنه مجرد أن تعطي المثقف العربي الفرصة في وطنه سيصبح كالتيار القوي الذي يصعب عليك إيقافه ؟! . إذاً إذا كان معظم من يسيطر على الإدارات العربية هذا تفكيرهم بالنسبة لأبناء أوطانهم ، من أين سيأتي الإصلاح ؟ ! .

    حتى لا نقفل أبواب التفاؤل أمامكم ، لابد لنا من ذكر بعض النماذج الإسلامية الناجحة ، أو التي بدأت تحقق بعض النجاح في العالم الإسلامي فمثلاً النموذج الماليزي يقول عنه مهاتير محمد : الحكمة السائدة المتمثلة في أبجديات السياسة تقول أنه على الأقل ضمن أية دولة فإن المؤسسة التي تختارها الأغلبية هي التي يمكن لها أن تحكم بطريقة عادلة . ولضمان عدم سوء استخدام السلطة لابد من وضع نظام للمحاسبة والتدقيق ، وفي الديمقراطيات الحقيقية فإن إجراءات السلامة هذه يوفرها فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ( محمد ص 178 ) .

     أما في تركيا فإن الإصلاحات التي قدمها رجب طيب اردوغان ، حزب العدالة والتنمية بعد انتصاره الساحق ، نوفمبر 2002م ، فقدم مجموعة من الإصلاحات وإن كنت اختلف مع بعضها التي تمس بجوهر بعض الأحكام الشرعية ، ولكن لماذا لا نقتبس على مستوى العالم الإسلامي الإيجابي من هذه الإصلاحات ، فاردوغان في فترة قياسية قام بالتالي ( نيوزويك العدد 226 ) :

    أ   – إبعاد جنرالات الجيش عن عملية صناعة القرار السياسي .
    ب – أحدث تحول في المشهد الاجتماعي وذلك أن أكراد تركيا البالغ عدد 12 مليون نسمة 20% من شعب تركيا ، حصلوا على حقوقهم في البث الإعلامي بلغتهم وتعليمها في المدارس .
    ج  – انتعش الاقتصاد التركي فحقق في عام 2004م نمواً خرافياً يصل إلى 13.5% بفضل الإصلاحات المصرفية والمالية التي جذبت الاستثمارات الأجنبية وخفضت التضخم من 45% إلى 8% .
    د  – أعيدت صياغة قانون العقوبات ، وأكثر ما أعجبنا في هذه الصياغة هو استئصال القوانين التي تحظر انتقاد الدولة .
    المحور الثالث : إذا أردتم النهضة فلابد من الإصلاح الحقيقي :

    1) عدالة توزيع الدخل .
    2) عدالة توزيع الوظائف .
    3) أن نوفر أمننا بأنفسنا ، حتى لا تخضع للمساومات .
    4) تداول السلطة .
    5) توسيع قاعدة المشاركة الشعبية .
    6) الشفافية الكاملة . وطبعاً لن يتحقق الإصلاح إلا بوجود الشفافية الكاملة ، ففي الدول المتقدمة كل برنامج يمرر أما تصادق عليه لجنة تشريعية منتخبة ، وإذا كان الموضوع مصيري أكبر من حيث المساس بمصلحة الوطن والمواطنين فيخضع إلى: الاستفتاء العام ، أما الأمور الإجرائية اليومية فتقع تحت سلطة استطلاعات الرأي التي تقوم بها غالباً مراكز متخصصة في الدول المتقدمة .

     معظم الكتّاب العرب للأسف الشديد عندما يكون النقد موجه للآخر أي للدول الغربية فيقوموا بانتقادها بشراسة ، وذلك يعكس صورة خاطئة التي المستهلك العادي للإعلام العربي ، ويعبأ المواطن العربي التعبئة الخطأ ، والتي تجعله يقرأ المشهد بصورة خاطئة .

     إن أحد أكبر مشاكل العرب أنه لا يوجد عندهم برامج ناجحة لإدارة اللعبة السياسية مع الآخر ، فنحن من خلال متابعتنا للصحافة العالمية بشكل عام ، والصحافة الأمريكية بشكل خاص ، نجد معظم الشعب الأمريكي ضد سياسة حكومته في العالم وخاصةً في الشرق الأوسط ، فاستطلاعات الرأي تقول :

    أ   – مجلة الشؤون الخارجية في شيكاغو سبتمبر 2004م ( نيوزويك العدد 226 ) : 66% من الأمريكيين يريدون العمل ضمن الأمم المتحدة ، و 59% يفضلون إلغاء الفيتو , 74 % يفضلون أن تكون القوة الرئيسية في العالم للأمم المتحدة وليس لأمريكا ، و 76% من الأمريكيين مع المحكمة الجنائية الدولية وهذا يوضح أن الأمريكيين متفقين  مع الآراء التي  ضد حكومة بوش ، و 71% يؤيدون بروتوكولات كيرتو ، وهذا الرأي يوضح أن الأمريكيين يقفون ضد حكومتهم، و 87% تؤيد حظر الاختبارات النووية ، وهذا يوضح أن الأمريكيين يقفون ضد حكومة بوش ، و 80% من الأمريكيين تؤيد معاهدة حظر الألغام البرية ، وفي هذا الرأي الأمريكيين يقفون ضد حكومتهم ، و 68% من الأمريكيين يقولون يجب الحصول على أذن من الأمم المتحدة إذا أردنا القيام بعمل ضد كوريا الشمالية ، وهذا يوضح أن الأمريكيين يفضلون أي عمل عسكري ضد دولة أخرى يجب أن يصطبغ بصفة الشرعية الدولية حسب مفهومهم ، وهذا يخالف قرارات بوش الأخيرة في احتلاله للعراق ، و 74% من الأمريكيين يفترض أي تصرف عسكري أمريكي أن يكون من ضمن تحالف دولي ، ويقصد غالباً هنا دول الناتو وهذا ما لم يفعله بوش في حالة احتلال العراق!. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل يوجد قائد سياسي عربي يستطيع أن يستفيد من الاستطلاع أعلاه !! . من خلال إيجاد آلية سياسية جديدة للتعامل مع الشعب الأمريكي وقيادته عن قرب دون إذعان أو تقديم تنازلات !! . ولإجراء هذا التقارب لابد من إجراء استطلاع للرأي العربي ، ولكن هل تسمح دولة عربية واحدة بهذه الشفافية دون قيود قاتلة ؟ !.

    ب – استطلاع للرأي لمركز أبحاث بيو ( النسخة العربية Foreign Policy ) يوضح مشاعر معاداة الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج : فنسبة التأييد لأمريكا انخفضت في بريطانيا من 75% إلى 58% ، وفي فرنسا انخفضت من 63% إلى 37% ، وفي ألمانيا انخفضت من 61% إلى 38% 0 وكذلك يوضح الاستطلاع مع تعليق أن نسبة الغلق الأمريكي الأكبر ، هو ردة الفعل في الدول الإسلامية الصديقة لأمريكا بعد احتلال العراق ، فالمؤيدين للعمليات الاستشهادية ضد أمريكا في العراق 59% في تركيا ، 36% في باكستان ، و 27% في المغرب ، و 24% في الأردن ! .

      تعليقنا على هذين الاستطلاعين هو أن على أمريكا أن تغير من سياستها الخارجية إذا أرادت أن تحافظ على مصالحها العالمية ، وهنا سواءً فاز بوش الجمهوري أو كيري الديمقراطي ! .

    ج – (Herald Tribune, October 17th. 2004) : من خلال استطلاع شمل عشرة دول حليفة لأمريكا هي : بريطانيا ، فرنسا ، أسبانيا ، روسيا ، إسرائيل ، اليابان ، كوريا الجنوبية ، المكسيك ، كندا ، واستراليا. وكان السؤال العالمي في هذه الدول ماذا لو شاركتم في الانتخابات الأمريكية ؟ . باستثناء إسرائيل وروسيا اللذان أيدا بوش ، وهم طبعاً مستفيدين من مصطلح الضربة الاستباقية ، وحربه على الإرهاب ! . فجميع المشتركين في استطلاع الرأي في الدول الأخرى أيدوا جون كيري !! .

      وهذا دليل على أن المرشح الذي سيفوز في الانتخابات الأمريكية عليه تغيير السياسة الخارجية الأمريكية ، ولكننا نؤكد لكم بأن العرب لن يستفيدوا أطلاقاً من هذا التغيير ، وسيحافظون على دورهم التابع والملبي لأمريكا طالما مقاعدهم في أمان !! .
    ولكن من الممكن أن نسأل أنفسنا ، هل سيبقى الناخب الأمريكي أو العالمي على رأيه أعلاه دون تغيير ، طبعاً الإجابة لا ، لأن صوت مستطلع الرأي غالباً لا يخضع لاستراتيجية طويلة المدى ، وإنما يتأثر بمصلحته الأنية. فمثلاً من أقوى الأوراق التي يحاول الرئيس بوش أن يؤثر بها على الناخب الأمريكي هو الأمن القومي الأمريكي ، علماً بأن ما يقارب من 55% من الأمريكيين يتصدر الأمن القومي اهتماماتهم . وذلك يعني أن أي عملية أمنية قاصمة يقوم بها بوش في الأيام التي تسبق الانتخابات مثل إلغاء القبض على الشيخ أسامة بن لادن مثلاً ، ذلك سيرفع أسهمه إلى القمة .  فمثلاً إعلان الرئيس بوش يوم 16/10/2004م بأنه وقع قانوناً جديداً يلزم وزارة الخارجية الأمريكية بإحصاء الأعمال المعادية للسامية حول العالم وتقويم مواقف الدول من هذه المسألة ( الحياة 17/10/2004م ) . هذا يعتبر استدراجاً من بوش العرب والمسلمين أن تكون ردة فعلهم شديدة وعنيفة ، ومن هنا ستثار قضية الأمن الأمريكي ، ربما أنه يعتبر الأمن الورقة الأولى في انتخابات 2004م ذلك سيجلب نحوه على أقل تقدير معظم الناخبين الذين لم يحددوا لمن سيصوتون من الخصمين الرئاسيين ! . ولكن هل المسلمين يستوعبون هذه اللعبة لكي يفوتوها على بوش ؟ ! .

    المحور الرابع : المساهمة الممكنة لمسلمي الغرب في نهضة العالم الإسلامي :

     قبل أن نفكر بأن مسلمي الغرب لابد لهم من المشاركة في نهضة العالم الإسلامي يجب أن نعترف في البداية بأننا نعاني من مشكلة ، وإذا لم نجد علاج ناجح، ونتعامل مع هذه المشكلة بشفافية مطلقة ، فنعتقد بأن الحال سيتجه من سيء إلى أسوأ . فمثلاً عندما ننظر إلى تقرير التنمية البشرية عن ترتيب دول العالم الإسلامي من حيث التنمية البشرية نجد أن الدول الإسلامية تقع في المؤخرة . فمثلاً أهم الدول الإسلامية من الناحية السكانية نجد ترتيبها كالتالي : المملكة العربية السعودية ترتيبها 73 ، تركيا 96 ، إيران 106 ، الجزائر 107 ، سوريا 110 ، مصر 120 ، المغرب 126 ، السودان 138 ، بنغلاديش 139 ، الكاميرون 142 ، باكستان 144 ، ونيجيريا 152 ( تقرير التنمية البشرية لعام 2003م ) .

     أعلاه يوضح أن العالم الإسلامي يقع بالأرقام في ذيل القائمة ما بين أمم الأرض رغم الامكانات الضخمة التي وهبها الله سبحانه وتعالى العالم الإسلامي (راجع أل ثاني ، فهد ، جيواستراتيجية العالم الإسلامي ) . ونعتقد أن أفضل الحلول لإنقاذ العالم الإسلامي من الكوارث التي يعاني منها هو حدوث تعاون تنظيمي كبير ما بين منظمات تشتمل على مجموعة من المثقفين المسلمين في العالم الإسلامي ، ومنظمات تشتمل على مجموعة من المسلمين المقيمين في الغرب . ونعتقد أن الدور الأهم يفترض أن يقوم به مسلموا الغرب لأن هامش الحركة عندهم أكبر من هامش الحركة التي توجد عند أقرانهم في العالم الإسلامي ، ولكننا نرى أن من أولويات العمل الإسلامي في الغرب يفترض أن يشتمل على :
    1- تحسين صورة الإسلام عند الآخرين ، واحترام قوانينهم مادمنا في أوطانهم ، بدون أن نتنازل عن الأمور التي تمس العقيدة عندنا ، وأستطيع أن أؤكد لكم بأن في الغرب كل شخص يمتلك الحرية الشخصية كاملة التي يعطينا إياها الإسلام إلا ما ندر مثل التشريع الجديد في فرنسا لرفع الحجاب عن طالبات المدارس ، وطبعاً علينا حتى نقول بأن المسلمين مضطهدين في الغرب أن نضع مقياس رقمي دقيق : كم من الحقوق المدنية المسلوبة من المسلمين ؟ وكم من الحقوق المدنية الحاصلين عليها ؟ . أعتقد لو أخذنا ذلك بالنسبة والتناسب سنجد الحقوق المسلوبة من المسلمين في الغرب لا تصل حتى إلى 1% مقارنةً مع الحقوق الحاصلين عليها . والميزة أيضاً في الغرب هناك القنوات والآليات ذات الشفافية الكاملة لمطالبة المسلمين بحقهم المسلوبة التي لا تتجاوز 1% كما ذكرنا أعلاه ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه عندما تسلب حقوق المواطنين في العالم الإسلامي في أوطانهم ، هل توجد القنوات والآليات ذات الشفافية العالية للمطالبة بحقوقهم ؟.

      وأؤكد لكم هنا بأن المسلمين غير مكروهين في الغرب ، ذكر تقرير لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية ( كير ) عن الصورة السلبية التي يحملها المجتمع الأمريكي للمسلمين فكانت كالتالي : 26% منهم متفقون مع تصريحات مثل الديانة الإسلامية تعلم العنف والكراهية ، 29% مع القول أن المسلمين يعلمون أولادهم كراهية غير المؤمنين ، و 27% يرون أن المسلمين يعطون قيمة للحياة أقل من الشعوب الأخرى ( الراية العدد 8197 ) . وهذا يعطينا رغم أحداث سبتمبر 2001م ، ورغم الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق ، ورغم تركيز معظم الإعلام الأمريكي بإعطاء صورة سلبية عن المسلمين ، فالأحداث المذكورة كلها لم تؤثر إلا على ربع الأمريكيين بإعطائهم صورة سلبية عن الإسلام ! . وردة الفعل هذه سلبية في جميع المجتمعات في حالة الحروب ما بين الأمم أو ما شابهها ( ويمكنكم مراجعة المحور الثالث رقم 6 أعلاه لقياس ردة فعل الشعوب في حالة الكوارث ) .

      والذي يدعم رأينا بأن آراء الأمريكيين ليست سلبية عن الثقافة الإسلامية هو استطلاع الرأي الذي قدمه منتدى بيو للديانات والحياة العامة في شهر ديسمبر 2001م ، وكان 59% من الأمريكيين الذين استطلعت آراءهم لديهم صور إيجابية عن الإسلام ، وكذلك بعد أحداث 11 سبتمبر ، أظهر مسح لـ 900 قسم دين جامعي قامت به جمعية وقف ليلي أن ثلثها لا يقدم فصولاً عن الإسلام . والآن أصبحت الجامعات في حرب طلباً لخبراء الإسلام ، ومعظم الحلقات الدراسية في الفصل الجامعي عن الإسلام تم التسجيل بها أكثر من الحد (نيوزويك العدد 82 ) . ولكن نحن كمسلمين هل نستطيع أن نتعامل إيجابياً مع هذا الإقبال على الإسلام ؟ّ ! .

      ولكن دعونا نذهب إلى أمريكا مرةً أخرى ونفترض لو استطعنا أن نعمل استطلاع للعنصرين البيض الأمريكيين في معرفة الصورة السلبية التي يحملونها ضد السود الأمريكيين ، لوجدنا أن الصورة السلبية للبيض الأمريكيين ضد السود الأمريكيين تصل إلى أكثر من 90% وذلك يعني أن 70%  من الشعب الأمريكي يكره 10% من الشعب الأمريكي رغم أن الجميع يعتنقون الديانة المسيحية ! .

      وكذلك لو استطعنا أن نذهب إلى مناطق الهيسبانك الأمريكيين الذين تبلغ نسبتهم 11% من الشعب الأمريكي تقريباً ، وعمل استطلاع للرأي لمعرفة مشاعرهم السلبية عن البيض الأمريكيين لوجدنا نسبة الكراهية لدي الهيسبانك خرافية ضد البيض الأمريكيين ، ونفس مشاعر الكراهية توجد عند البيض أيضاً ضد الهيسبانك رغم أن جميعهم يعتنقون ديانة واحدة هي المسيحية !. وكذلك لو أتينا إلى أوربا وذهبنا إلى ايرلندا الشمالية وحاولنا أن نعمل استطلاع للرأي عند الكاثوليك المسيحيين ضد البروتستانت المسيحيين لوجدناهم يحملون صورة قاتمة عن البروتستانت ، وكذلك البروتستانت يحملون صورة قاتمة السواد عن أقرانهم من الكاثوليك !! .
    إذاً النتيجة التي سنتوصل لها هو أن الغربيين صراعاتهم فيما بينهم أكثر من الصورة السلبية التي يحملونها عن الإسلام ، ولكن من أكبر مشاكل المسلمين عندما يستدرجون للصراع مع الآخر بواسطة بعض المراكز المتخصصة ، يتم استدراجهم بكل سهولة ، واستدراجهم هذا يؤدي إلى عكس صورة سلبية كاملة عن الإسلام للأسف الشديد !! .

      وخلاصة أعلاه أن من مهامنا كمسلمين وخاصة مسلمي الغرب هو عكس الصورة الإيجابية عن الإسلام ، وفي الحقيقة الديانة الإسلامية لو استوعبناها الاستيعاب السليم كلها صور إيجابية في المعاملات ما بين المسلمين وأنفسهم ، وما بين المسلمين وأصحاب الديانات والثقافات الأخرى ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل نستوعب الدرس ؟ ! .

    2- أعتقد بأنه يفترض على الأقليات المسلمة في الغرب ، إعادة تنظيم أنفسهم من خلال الأحزاب واللوبيات والتكتلات والجمعيات السياسية والاقتصادية والثقافية والخيرية والمجتمعات المدنية بشكل عام . وهذه التنظيمات لو نجحت في الغرب ، ونجح الإصلاح الحقيقي لا المكياج السياسي في العالم الإسلامي ، فمن الممكن أن يتم التنسيق التنظيمي والفني ما بين المجتمعات المدنية في العالم الإسلامي ، طبعاً بعد الإصلاح أعلاه ، والتنظيمات الإسلامية في الغرب ، وأعتقد أن هذا هو أول خطوات نقل المعرفة الحقيقية والتقدم من دول عالم الشمال .

     وأول الخطوات التي من الممكن أن نبدأ  فيها التعاون ما بين العالم الإسلامي ومسلمي الغرب ، وبموافقة ومشاركة الدول الغربية هو تطوير التعليم الإيجابي في العالم الإسلامي من خلال التالي :

    (1) دعم مراكز البحوث في العالم الإسلامي بالتجهيزات المعملية والبحثية فضلاً عن الدعم المالي .
    (2) تقديم برامج للمعونة الفنية في شكل دعم وتطوير البنية الأساسية لتجهيزات المعامل البحثية بالجامعات الإسلامية .
    (3) دعم الجامعات الإسلامية بتكنولوجيا المعلومات المتقدمة بما يسهم في زيادة فاعلية العملية التعليمية بالجامعات الإسلامية .
    (4) تقديم منح للباحثين المسلمين لإكمال دراساتهم العليا في الجامعات الغربية .
    (5) تقديم دعوة للباحثين المسلمين للمشاركة في المؤتمرات التي لها علاقة بتخصصاتهم وتعقد في الدول الغربية .
    (6) تكريم الباحثين المسلمين سواءً في الغرب أو في العالم الإسلامي عندما يقدم الواحد منهم عمل علمي كبير يساهم في تقدم وتطور البشرية في المجالات المختلفة ، على أن يكون هذا التكريم : مالي ومعنوي والترقية في وظيفته ، وذلك سيحرض زملاءه الآخرين على تقديم كل ما عندهم ! .

    المحور الخامس : الخاتمة :

    أ   – استيعاب إدارة اللعبة :

     هناك مصالح استراتيجية صهيونية ، ومن بعض المنظمات المتطرفة لكي تثبت بأن الغرب أعداء لنا ، وهم في الحقيقة ليسوا أعداء لنا ونحن لسنا أعداء لهم . فمن خلال متابعتنا هناك محاولات مستميتة للغربيين لإحداث تقارب مع العالم الإسلامي ، فمثلاً هناك دعوة أوربية لحوار الحضارات بين الغرب والمسلمين يتزعمها كلاً من خوسيه سباتيرو رئيس وزراء أسبانيا ، وجيرهارد شرودر المستشار الألماني ، وجان فرانكوفيني نائب رئيس وزراء ايطاليا ، وكذلك يفترض أن نشيد بالدور الذي يقوم به للدفاع عن الإسلام الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا منذ عقد من الزمان (القدس العدد 13631 ) .

     ومن هناك تحرك الغرب ، ولكن ماذا عن العالم الإسلامي ؟ . أعتقد من دون وجود منظمات إسلامية سليمة ومتعافية وممثلة لإرادة الشعوب الإسلامية ، لا نستطيع أن نجري حواراً مع الآخر ، لأن الأشخاص أعلاه الذين يريدون التقارب مع العالم الإسلامي جميعهم يمثلون إرادة شعوبهم ، ولكن معظم الأشخاص الذين يفترض أن يمثلوا المسلمين ، فيمثلونهم رغماً عن أنوفهم . إذاً المشكلة ليست مشكلة ثقافة إسلامية وثقافة غربية ، بل المشكلة إدارات إسلامية مترهلة وإدارات غربية متقدمة ! .
    وعلينا كمسلمين استيعاب أسلوب الاستدراج والاستفزاز .. فمثلاً توقيع الرئيس بوش لقانون جديد تحت عنوان معاداة السامية ( راجع أعلاه المحور الثالث البند رقم 6  ) ، يعتبر استفزاز للمسلمين و استدراجاً عدوانياً لهم، ولكن إذا استوعبنا اللعبة نستطيع أن نرد عليها ، لكن ذلك لن يحدث إلا إذا استطاع المسلمين إعادة تنظيم أنفسهم بطريقة صحية ، فأعجبتنا مقالة للكاتب محمد شاكر عبد الله ، يقول فيها، والعرب ساميون أيضاً يا مستر بوش ، فملخص قول الكاتب :  ” أبناء نوح ، سام وحام ويافث ، وإبراهيم عليه السلام وذريته ينتسبون إلى نوح عليه السلام ، والعرب من سلالة إسماعيل ابن إبراهيم عليه السلام ، وإذا نجحت فكرة نسب نبي الله إبراهيم بسام بن نوح ، فإن العرب بديهياً سيرتبطون بسام هذا بنفس قوة ارتباط اليهودية ( القدس العدد 12634 ) .

     ورأينا إننا نستطيع أن نرسل رسالة هزلية إلى الرئيس بوش ونقول له شكراً إذا كان قصدك قانون حماية السامية يشملنا أيضاً نحن العرب . رغم أننا كمسلمين لا نؤمن بالعنصرية التي يؤمن بها الرئيس بوش !!  .

     الاستدراج الآخر من بوش في قانون معاداة السامية هو إظهار أن الصراع ما بين السامية والعرب أو ما بين اليهود والمسلمين ، ولكن في الحقيقة لا هذا ولا ذاك ، إنما الصراع الحقيقي على حقوق مغتصبة للشعب الفلسطيني في أرض فلسطين ، فكان بالأحرى على الرئيس بوش أن يقول لصديقه شارون أن يعيد أرض الفلسطينيين عليهم وأتحداه أن يجد أية صراع غير ذلك ، لأن الدين واضح وصريح في سورة الكافرون آية (6) { لكم دينكم ولي دين } صدق الله العظيم .. وهذا دحض آخر للعبة البوشية ! .

    ب – أمريكا تبحث عن سياسة خارجية جديدة :

     أمريكا فشلت في سياستها الخارجية في عهد الرئيس بوش 2000/2004م والدليل على ذلك استطلاع الرأي في المحور الثالث أعلاه ، وكذلك فشل أمريكا في أفغانستان بعد احتلالها ، فالأكاديمية الأمريكية كاثي جانون المتخصصة في شؤون أفغانستان وباكستان تقول : أمريكا أنجزت الدمار في أفغانستان ، فبدلاً من التعامل مع خصم واحد اسمه طالبان أصبحنا نتعامل مع مجموعة لا تعد ولا تحصى من أمراء الحرب وكل واحد منهم لديه المليشيا الخاصة به مثل عبدالرسول سياف ، ومحمد فهيم ، وعبد الرشيد دوستم ، ورئيس أفغانستان السابق رباني . وتقول الكاتبة هؤلاء يملكون جيوشهم الخاصة بهم ، وسجونهم الخاصة بهم ، ويحصلون على ريع كبير من تجارة المخدرات وصلت في عام 2003م إلى 2.3 مليار دولار (Foreign Affair May,June 2004) .

     أما بالنسبة للعراق فالاستراتيجية الأمريكية أخطأت خطأ جسيماً باحتلالها . فالأكاديميين جورج لوبير وديفيد كورتريت يقولان : سياسة العصا والجزرة نجحت مع صدام ، وكان علينا بالاستمرار عليها والدليل على ذلك من بعد تحرير الكويت عام 1991م ، فالعقوبات نجحت مع العراق بحيث أجبرتهم على التالي : أنهاء مشكلة الحدود السياسية مع الكويت ، وقلصت من الريع الذي كان يحصل عليه صدام من النفط ، وحرمت صدام من بناء جيشه بعد هزيمة حرب الكويت ، وحرمت صدام من تطوير أي برامج لأسلحة الدمار الشامل (Foreign Affairs , July–August, 2004, P.19).

      وهنا لاحظنا أن المفكرين كانوا يركزون على أن بوش كان يستطيع أن يحقق ما يريد من احتواء ويليها تغييرات في العراق من خلال العقوبات الذكية .

     وطبعاً نحن ندعم الرأي أعلاه لأن كارثة احتلال العراق جعل الدولة في مرحلة سيولة ، وهناك خطر أن تتحول الدولة العراقية إلى شظايا متناثرة، أي دويلات صغيرة متناحرة ، وسيكون ذلك انعكاساً سلبياً على المنطقة بأكملها ! .

     وطبعاً الرئيس بوش يتفاخر بأن احتلاله للعراق أدى إلى إذعان الرئيس الليبي لمطالب أمريكا ، أي بمعنى استخدم الدبلوماسية الصلبة مع دولة أو دولتين مارقتين ينحل عقد السبحة للدول المارقة الأخريات ، أي أن معظم الدولة المارقة ستسلم للشروط دون مطالب ! .

     وهنا أيضاً الأكاديميين يقولان أعلاه أن بوش أخطأ في ذلك أيضاً ، كان الرئيس معمر القذافي عندما أعلن : (1) إنهاء دعمه للإرهاب الدولي (2) إنهاء برامجه المخفية لإنتاج أسلحة الدمار الشامل. ليس بسبب الاحتلال الأمريكي للعراق ، ولكن بسبب العقوبات التي فرضت على ليبيا في تسعينيات القرن الماضي.

     فعقوبات الأمم المتحدة جعلت ليبيا في التسعينيات تقبل التفاوض وأقنعت ليبيا على تسليم المتهمين في قضية لوكيربي إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ، وتقرير أمريكا السنوي عن الإرهاب أثبت أن في عام 1996م ليبيا قلصت عملياتها الإرهابية ، وكذلك التفاوض مع ليبيا ساهم في إشراك ليبيا في الحرب على الإرهاب، وأخيراً ليبيا كشفت عن جميع برامجها لأسلحة الدمار الشامل ، وكذلك وافقت ليبيا في إلغاء البرنامج بشكل كلي (Foreign Affairs July-August, p.102) .

     طبعاً أكبر إنجاز تتفاخر به إدارة بوش هو أن استسلام ليبيا بسبب احتلال العراق ، ومفكرين أمريكا أعلاه يقولون له ، لا وكلا ، إن استسلام ليبيا بسبب عقوبات الأمم المتحدة المفروضة عليها في تسعينيات القرن الماضي . وخلاصة ذلك يعني أن سياسة أمريكا الخارجية في الفترة 2000 – 2004م فاشلة بكل المقاييس !! . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل توجد عندنا الإدارات المؤهلة للتعامل مع سياسة أمريكا الخارجية في حال التغيير ؟ !  أما كالعادة السياسات التابعة؟ ! .

    ج – هل المسلمين أمة مهزومة ؟ :

     نحن هنا لا نستطيع أن نقول نعم أو لا ، إلا من خلال استطلاعات الرأي ، وأفضل استطلاعات للرأي استطعنا الحصول عليها في العالم العربي وتركز على وضع أسئلة تهم الشارع العربي هي استطلاعات الجزيرة نت . ففي مجموعة من الاستطلاعات والمشاركين فيها بالآلاف لاحظنا التالي :

     هل تؤيد الانتفاضة رغم جسامة التضحيات الفلسطينية ؟ أجاب 87% بنعم علماً بأن جميع الحكومات العربية تحاول احتواء الانتفاضة وتوقيفها ، والاستطلاع الثاني هل الصمت العربي شعبياً ورسمياً وراء غياب الادانات الدولية لمجازر إسرائيل في غزة ؟ والإجابة 85% بنعم ، يعني 85% من المستطلع رأيهم يقولون أن الإدارات العربية مقصرة في التعامل إيجابياً مع مجازر غزة ، هل يخدم الصعود غير المسبوق لأسعار النفط المواطن العربي ؟ الإجابة طبعاً 62% لا .

     إذاً نستطيع أن نستخلص من المذكور أعلاه مرحلة الكآبة التي يعاني منها المواطن العربي من سلبية الإدارات العربية ، وإذا كانت هذه معنويات المواطن العربي ، والعالم العربي هو قلب الرسالة الإسلامية . فكيف تعتقدون أن هذه الأمة ستتطور دون إصلاحات فعلية لا صورية لإداراتها ؟ ! .

     والى اللقاء دائماً إنشاء الله .

    المراجع

    أولاً : المراجع العربية :

    1- Foreign Policy September/October 2004, Carnegie endow ment, U.S.A  (النسخة العربية ) .
    2- New Week الأعداد 79 ، 82 ، 85 ، 114 ، 156 ، 226 ( النسخة  العربية)
    3- إدريس ، شريف ، القانون الدولي الخاص ، الخرطوم ، لا يوجد ناشر ، 1979م.
    4- استطلاعات الرأي في الجزيرة نت ( لعينات من الشعوب العربية ) .
    5- آل ثاني ، فهد ، العالم الإسلامي دراسة جيواستراتيجية وجيوبوليتيكية ، مكتبة دار الثقافة ، الدوحة 2002م .
    6- تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام 2003م .
    7- جريدة الحياة ، 17/10/2004م.
    8- جريدة الخليج الإماراتية 16/10/2004م .
    9- جريدة الراية العدد 8197 .
    10- جريدة القدس العربي ، العدد 12631 .
    11- د. فهد بن عبد الرحمن آل ثاني موقع الالكتروني www.df-althani.com
    12- رياض ، محمد ، الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا ، بيروت ، دار النهضة العربية ، الطبعة الثانية ، 1997م .
    13- عبد الخالق ، عبد الرحمن ، أولويات العمل الإسلامي في الغرب ، الكويت ، جمعية إحياء التراث الإسلامي ، 1994م .
    14- الكيالي ، عبد الوهاب وآخرون ، موسوعة السياسة ، الجزء الأول ، الطبعة الثالثة ، عمان ، دار فارس للنشر والتوزيع ، 1990م .
    15- المجذوب ، محمد ، القانون الدولي العام ، الدار الجامعية ، بيروت ، 1990.
    16- مجلة الوطن العربي ، باريس العدد 1377 .
    17- محمد ، مهاتير ، خطة جديدة لآسيا ، Pelanduk Publications (M) sdn. Bhd, Malaysia  .

    ثانياً : المراجع الأجنبية :

    1-   Shokat. M. British Embassy Doha October 13th 2004, Corres Pondance.
    2-   Herald Tribune, October 17th. 2004.
    3-   Foreign Affairs May / June 2004, Volume 83 – Number 3 .
    4-   Foreign Affairs July / August 2004, Volume 83 – Number 4.
    5-   The Daily Star Newspapers  October 16th. 2004.
    6-   The Daily Star Newspapers  October 9th. 2004.
    7-   Dr. Fahd.A.AL-Thani. Comment in Doha debates 13th. October 2004, Qatar Foundation.
    8-   U.S.A, Public Law 107-56 . 157th Congress, (U.S.A Patriot Actor 2001).
    9-   Islam on Line.

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *