بسم الله الرحمن الرحيم

    24/6/2004

     يقول هنري كيسنجر ، أبرز سياسي القرن العشرين ، عن نابليون الثالث وبسمارك بأن مأساة نابليون في تعدي طموحاته نطاق قدراته ، وهذا ما نطلق عليه نحياً أو طوباني في علم السياسة 0 أما بسمارك تخطت البلاد قدرة البلاد على هضمها  0

     ويشرح كيسنجر تكتيكات نابليون الثالث لتحقيق استراتيجيته في أوربا وهي : كان نابليون مغرماً في اشعال الحرب البروسية النمساوية في عام 1866م ، بحيث قال للسفير البروسي في فبراير 1866م ( اطالبك اخبار الملك (ملك بروسيا) أن له انى شاء التعويل على صداقتي 0 فإن نشب نزاع بروسيا النمسا فاني على الحياد التام باجلى مظاهره 0 ويسرني أن أبدي رغبتي باعادة توحيد دفتي ( شلزوغ – هولشتاين ) مع بروسيا 0 وأنني لشديد الاقتناع بقدرتي دوماً على التوصل إلى التفاهم مع بروسيا التي تتطابق مصالحها بعدد كبير من المسائل مع مصالح فرنسا ، بينما لا أرى قاعدة يمكنني الوقوف عليها للاتفاق مع النمسا )  0

     وهنا التعليق لهنري كيسنجر : ” فأي شيء أراد نابليون حقاً ؟ أكان على يقين بوقوع مأزق في الميدان بحيث يعزز موقفه التساومي ؟ أو أراد بعض التنازلات البروسية لقاء التزامه الحياد ؟ ” 0

    ولكن الداهية بسمارك ادرك أصول اللعبة ، فإن بقي نابليون على الحياد ، سيعرض عليه بسمارك عرضاً ملغوماً ، وهو مباركة بروسيا لفرنسا لكي تقوم باحتلال بلجيكا وضمها ، ومن هنا أدرك بسمارك إمكانية ضرب عصفورين بحجر ، الأول اشباع الطموح الغبي عند نابليون الثالث ، والثاني كان بسمارك مدركاً عندما تمثل فرنسا بلجيكا فبريطانيا ستتدخل بكل ما أوتيت من قوة لمنع هذا الاحتلال  0

     أدرك السياسيون الفرنسيون غباء أمبراطورهم ، فقال السياسي الفرنسي البارز آنذاك خطبة رائعة في 3 مارس 1866م : ” لكم مقاومة هذه السياسة باسم فرنسا 0 وهي إذ ناضلت طوال قرنين ليتحطم هذا العملاق ، أتقف الآن ساكنة ترقبه يعيد تثبيت نفسه  ” 0

     وأضاف ثيرس أن على فرنسا بدلاً من الخضوع لعبث نابليون اللامجدي ، أن تتبنى سياسة واضحة لمعارضة بروسيا بسمارك وأن تخلق حجة للدفاع عن استقلال الولايات الألمانية  0

     فكانت نتيجة اللعبة الفاشلة لنابليون الثالث كما يقول كيسنجر كالتالي :  بأن نابليون كالمقامر الذي يضاعف مبلغ المراهنة كلما اثقلته الخسارة  0 أما الداهية بسمارك ، فقد نجح في إعادة رسم خريطة أوربا وكذلك نمط العلاقات الدولية 0 ولكن ينتقده كيسنجر قائلاً : أنه في النهاية لم يضع نموذجاً يستطيع خلفاؤه السير بموجبه  0

     الدهاء البسماركي استطاع أن يبقي ألمانيا مسيطرة على أوربا منذ عام 1860م أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى بداية العقد الثاني من القرن العشرين 0 وهنا يعلق كيسنجر قائلاً : أن موطن الفشل في سياسة بسمارك يكمن في بناء مجتمعه على سياسة لن ينجح في تنفيذها غير رجل عظيم يبرز من بين صفوف كل جيل0

     وهذه حقيقة عدم استيعاب النظرية البسماركية في ألمانيا ، أدت إلى قيام حربين عالميتين في القرن العشرين ، وبعدها انتهى الحلم الجرماني لإنشاء دولة عالمية ذات قطبية أحادية  0

     وكما نستخدم المثل الصيني دائماً ، مصيبة عند البعض تعتبر فرصة عند الآخرين 0 ومن هنا كأن التاريخ أصبح نمطي وقام يعيد نفسه ، بحيث عاد العالم مرةً أخرى للشروط الويلسونية التي اصدرها الرئيس الأمريكي ديلسون بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في 8 يناير 1918م 0 وهي أربعة عشرا شرطاً ومنها إزالة الحواجز الاقتصادية ، وإقامة المساواة وحرية التجارة الدولية ، خفض التسلح إلى القدر الكافي للمحافظة على الأمن الداخلي ، وتكوين جمعية عامة من الأمم يرتبط اعضاؤها معاً طبقاً لعهود معينة ، بقصد توفير الضمانات المتبادلة لاستقلالها الذاتي ، وسلامة أراضي الدول العظمى والدول الصغرى على السواء 00 إلخ  0

     النظرية الديلسونية لم تستطع الولايات المتحدة تطبيقها ما بين الحربين العالميتين وذلك يعود لعدم نضج واستقرار النظام الدولي آنذاك ، وكذلك لم تستطع أن تطبقها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، وذلك بسبب بداية عهد الحرب الباردة 0

     ولكن الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1990م تحاول تطبيق النظرية الويلسونية على العالم التي تبلغ من العمر أكثر من 85 سنة ، وطبعاً قراءة ظاهر هذه النظرية ، فكأنك تقرأ نص مثالي ، ولكن عندما تتفحص بنود النظرية تجدها تعزز القطبية الأحادية للولايات المتحدة في العالم ، وتجعل يدها مطلقة في جميع مقدرات الكوكب  0

     ولكن ربما يتبادر إلى ذهنكم سؤال وتقولون ماذا عن الإدارة الإسلامية في القرنين العشرين والواحد عشرين ميلادي ؟

     نود أن نترك الإجابة للقراء الكرام ، ولكن نستمحيكم عذراً أن نساهم ببعض الجوانب الفنية للإجابة على هذا التساؤل ، أما باقي الإجابة فسنتركها لكم : الإدارة الإسلامية في عصرنا الحالي تنقسم إلى قسمين :

     الأول : السياسة الداخلية : وتعتمد هذه السياسة على مجموعة من العوامل وأحياناً على إحداهما وهما : (أ) لعبة التوازن القبلي (ب) التركيب الثنائي للمجتمع، وذلك يمثل طبقة الصفوة التي تملك كل شيء ، وطبقة القاعدة منهكة ولا تملك شيئاً (ج) مجتمع الكلاسيك ، وينقسم المجتمع في هذه الحالة إلى السلطان وأسرته ، وطبقة الحكام ، واللونماركية ، والبرجوازية ، والسواء الأعظم من السكان يشكل قاعدة لهيراكية الطبقات المذكورة ويدور في حلقة مفرغة  0 ميزة هذه الطبقات تدور في عملية لولبية ولا يسمح بالانتقال من طبقة أعلى إلى طبقة أدنى أو العكس إلا ضمن آلية محددة ، وهذا ليس حباً في هذه الطبقات ، وإنما أية هزة تصيبها أو انهياراً يؤدي إلى النظام الهايراكي ، وانهيار النظام الهايراكي يؤدي إلى انهيار السلطان  0 (د) لعبة الصراع الاثني والطائفي الداخلي والسلطان يعتبر محور ارتكاز للدولة  0

     الخلاصة ، مهمة الإدارة أن تحافظ على سلطانها بأي ثمن كان ، وأفضل مثل يعبر عن هذه الخلاصة مثل شعبي مصري على ما نعتقد ، وهذا المثل يتكلم عن الانانية الفردية وحب الذات ويقول: ” إذا جاك الطوفان وابنك في يدك تعمل أيه ؟ ، فكانت إجابة الأناني أضعه تحت قدمي وأعدي ” 0 وهذا ما ينطبق على كرسي بعض الإدارات الإسلامية ، إذا كان الكرسي في خطر حتى لو يضحي بالأمة كاملةً ، فلا يوجد عند بعضهم مانع من التضحية بها ، واستيراد شعب جديد لكي يمارس سلطته عليه  0

     الثاني : السياسة الخارجية الإسلامية : تقوم معظم سياسات الإدارات الإسلامية على السياسة الواقعية أو فن الممكن ، أي علينا المحافظة على علاقات وثيقة مع القوة الأحادية في العالم الآن ، ولا يوجد عند بعضنا المانع من تقديم أية تنازلات مادمنا سنستمر على الكرسي  0

     وخلاصة الهدف الاستراتيجي لبعض الإدارات الإسلامية سواءً في سياستها الداخلية ، أو سياستها الخارجية هو المحافظة على الخلود الجيني (Genetics) على الكرسي ومن بعده الطوفان  0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *