بسم الله الرحمن الرحيم

    2/1/2005

    في حوار مع الاهرام وهي تعتبر  أحد أهم دور الصحافة العربية ، من حيث العراقة والإنتشار ، شاركنا في الندوة التالية التي تضع التنبؤات لعام 2005م ، وكان الحوار التالي :

    أولاً :      هل الحل بالنسبة للعرب هو الانعزال ورفض الآخر وعدم القبول بالأمر الواقع فقط ؟

                طبعاً الحل أعلاه لو أخذنا به سيكون من أسوأ الحلول التي من الممكن أن توضع لعلاج مشاكل الأمة العربية ، فالعرب أولاً ، ومن ثم المسلمين بعد بزوغ فجر الإسلام من أكثر الأمم انفتاحاً على العالم ، ونعتقد بأن ذلك يعتبر أمراً طبيعياً بحكم الموقع الاستراتيجي للأمة العربية 0 فموقع الأمة العربية ، أو كما تسمى الآن الشرق الأوسط ، يعتبر رمانة المحور بالنسبة للعالم براً وبحراً ، وجواً الآن 0 والحراك المكاني جعل المنطقة العربية مفتوحة على أهم حضارات الأرض ، والدليل على ذلك أنه من أهم الدول العربية التي نشأت في الشرق الأوسط ، هي الدولة الإسلامية وخاصةً في الثلاثة عهود 00 أولاً : عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ، ثانياً : في العهد الأموي ، وثالثاً : في عهد العباسيين 0 وهذه العهود الثلاثة استفادت فيها الدولة الإسلامية من اقتباس آليات الإدارة من حضارات الجوار الجغرافي وخاصةً من الفرس والرومان ، وكذلك ساهم المسلمون في نقل ثقافتهم إلى الآخر، وهذا ساهم في وضع الدولة الإسلامية على قمة الهرم الحضاري آنذاك 0

                إذاً القضية الحقيقية هي ليست عملية رفض الآخر ، ولكن ما هي الآليات التي يفترض أن نتعامل ونتعاون بها مع الآخر ؟

                ثانياً : إذا كان الواقع يفرض التعامل مع الغرب وأمريكا 0 فما التصورات للخروج من المأزق بأكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من الخسائر ؟ 0

                أعتقد بأن المشكلة الحقيقية هي ليست التعامل والتواصل سواءً مع الشرق أو الغرب ، وإنما القضية الحقيقية ، أمريكا لها برنامج عمل واضح وقديم في التعامل مع الشرق الأوسط ، وكذلك جميع الكتل العالمية الأخرى مثل : أوربا ، الصين ، الهند ، روسيا 00 لهم برنامج عمل واضح وصريح بالنسبة لهم للتعامل مع الشرق الأوسط ، ولكن نحن كشرق أوسطيين هل يوجد لنا برنامج عمل واضح وصريح للتعامل مع الكتل الأخرى ؟ 0

                وسأعطيك بعض الأمثلة على البرامج الاستراتيجية الشرق أوسطية معظم الكتل الشرق أوسطية تدعي بأن القضية الاستراتيجية الرئيسية بالنسبة لهم هي قضية فلسطين ، والبعض الآخر من العرب يعتقد بأن العولمة والإصلاح هو رأس الحربة في برامجه الاستراتيجية ، والبعض الآخر يرى أن أمنه المحلي هو محور الرمانة في علاقته الدولية ، وبعض الكتل العربية ترى بأن مشكلة الفقر هي أم الكوارث بالنسبة لها وتعتبر المربط الرئيسي في علاقاتهم الدولية 00 إلخ 0 النقطة التي أريد أن أوصلها لكم هو أن لجميع الأمم برامج عمل واضحة وصريحة إلا نحن العرب 00 لا يوجد لنا برنامج عمل واضح لكي نستطيع أن نقيم علاقتنا الدولية مع الآخرين ! 0

                ثالثاً : كيف تلعب الثقافة العربية دوراً في زيادة الوعي بهذا الواقع السيء ؟ 0

                أعتقد بأن ذلك من مهمة الحكومات العربية ، لأن الإعلام العربي المقروء ، أو المسموع ، أو المرئي ، معظمه محتكراً بواسطة القطاع العام العربي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، وكذلك برامج التعليم والجامعات محتكرة من قبل الحكومات العربية بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، وذلك يجعل من الصعب على أي تيار فكري آخر أن يصل إلى الشعوب العربية من دون الحصول على الضوء الأخضر من الحكومات ، الأمر المذهل أيضاً بأننا نلاحظ معظم الشعوب العربية مستسلمة لهذه الأوضاع المأسوية، وذلك مما جعلني أقول في إحدى ندواتي ، بأن كل شعوب عالم الأرض تطالب حكوماتها بالتغيير للأفضل ، إلا الشعوب العربية من كثرة القمع الجسدي والفكري والمادي والمعنوي الذي تعرضت له مستسلمة ، مما جعل بعض الحكومات العربية الآن تطالب شعوبها بالتحرك ضدها 00 والشعوب رافضة ذلك 0 إن ذلك يذكرني بالرواية الشهيرة لتولستي وهو عندما أتى شخصاً وحرر المجانين وأخرجهم من العصفورية ، ولكن بعد خروجهم خافوا من الحرية ، وعادوا مهرولين إلى سجنهم ، لأنه يحميهم من الحرية في الفضاء الخارجي ، وحقيقةً هذا ما أخشى أنه حدث بالفعل لبعض الشعوب العربية !! 0

                رابعاً : كيف يصبح عام 2005م من وجهة نظرك عاماً للسلام في العراق ، وفلسطين والسودان ؟

                بالنسبة للعراق من الممكن أن يكون عاماً للسلام إذا استطعنا استيعاب المعادلة الاثنية العربية والكردية والفارسية والتركمانية والكلدانية ، ومن الناحية التيوقراطية المعادلة الإسلامية ما بين الطائفتين الرئيسيتين : السنة والشيعة ، وعلاقتهم أيضاً بالديانات الأخرى في العراق مثل : المسيحيين واليهود ، وفوق ذلك كله ما هو الدور الأمريكي للتعامل مع هذه المتغيرات؟! 0 أما بالنسبة لفلسطين ، فالعنصر الأساسي للمعادلة من الداخل ما هو مدى التنسيق ما بين الحركات والتيارات الفلسطينية ، أما بالنسبة للعمق الإقليمي العربي والإسلامي هو بعدم التدخل المباشر في الشؤون الفلسطينية إلا بما يفيد القضية الفلسطينية ، وشريطة ذلك أن تكون علاقة العمق الإقليمي مع من ينتخبه الشعب الفلسطيني ممثلاً شرعياً لهم!!0 أما على المستوى العالمي أن يكون التفاوض ما بين الممثل الشرعي الذي ينتخبه الشعب الفلسطيني ، وتدخلات العمق العربي والإسلامي يفترض أن تكون داعمة للمطالب الفلسطينية وليس كما يحدث أحياناً للأسف !! 0 أما بالنسبة للسودان ، فأعتقد بأن الأخوة في السودان مازالت الكرة في ملعبهم ، ولكن عليهم استيعاب معادلة الشمال والجنوب والشرق والغرب ، وأعتقد بأنه بالفعل كل في وطنه بغض النظر عن عرقه أو دينه أو ثقافته من حقه أن يعيش حياة كريمة دون المساس بحقوق الآخرين ، وأعتقد لو استطاع الأخوة السودانيين توظيف معادلة من المنهجين المثالي والليبرالي ، فمن الممكن أن يساهم ذلك في وضع كمية لا بأس بها من الحلول لتحاشي الكارثة التي تمر بها السودان !! 0

                خامساً : ما الوسائل المطلوبة للحوار مع أمريكا ، ومع أوربا ؟ 0

                أعتقد بأن الإجابة توجد من ضمن الاستفسار الحواري  ، ولا نستطيع الحوار مع أمريكا ككتلة إلا عندما نكون كتلة عربية أو إسلامية موازية لها، وكذلك هو الحال مع أوربا ! 0

                سادساً : كيف يمكن فتح مجالات التعاون مع الصين ، الهند ، تركيا، وروسيا ؟ 0

                في التنمية الاستراتيجية ، دائماً نستخدم معيارين : التكامل والتماثل ، فمن خلال التكامل تستطيع أن توفر لنا هذه الكتل ما ينقصنا ، ونوفر لها ما ينقصها ، أما من خلال التماثل السلعي ، فعندنا أحد الحلين في حالة التماثل إما التنافس وذلك يؤدي إلى خسارة الطرفين المنتجين ، أو التنسيق وذلك يحمي الطرفين المنتجين ، وإذا نجحنا في إيجاد محور مصالح مشتركة فيما بيننا وبين هذه الكتل فإننا نستطيع أن نطلب من هذه الكتل دعمنا سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً وفنياً 0 ولكن يؤسفني أن أقول لكم ، بأن الحلم المذكور لن يتحول إلى حقيقة إلا إذا استطاع العرب والمسلمين بتشكيل أنفسهم من ضمن كتلة متعافية ، أما وضعنا النووي الآن فأعتقد أنه من الصعب علينا حتى الحلم بدور استراتيجي عالمي !! 0

                ثامناً : كيف يمكن تفعيل مؤسسات المجتمع للنهوض وإحداث تنمية؟0

                أعتقد بأن ذلك لن يتحقق إلا بوجود مجتمع مدني متعافي وصحي وسليم ، وبعيد عن الدور المركزي للدول والتسيس 0 ولكن الذي نراه الآن بأن الدول العربية نفسها بطريقة مباشرة وغير مباشرة هي التي تسير المجتمع المدني ، والأغرب من ذلك نرى أحياناً بعض سياسي الدول المركزية أو زوجاتهم أو أبنائهم هم القادة المباشرين لفعاليات المجتمع المدني ، وإذا بقي الوضع على شاكلته فعلى التنمية السلام ، وإن بقيت الأبواق الموالية للحكومات تهز الدنيا وترجها ، ولكن الحسابات العلمية للخلف در يا عرب 0

                في الختام يؤسفني على أن يكون هذا تعليقنا على الوضع العربي ، ولكن ذلك لا يعني بأن الأمل مات ، بل الأمل موجود بفضل الله سبحانه وتعالى ، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يغيرما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لابد لهم من برامج عمل ، على أن تكون هذه البرامج تمثل الإرادة الشعبية الحرة ، ولا تمثل مسرحيات معظم الحكومات العربية التي أصبحت مقرفة بالنسبة لنا !!! 0

                والى اللقاء دائماً إنشاء اللّه

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *