بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    1- جنوب آسيا : نرى بصيص من النور في آخر النفق

      عندما قام فاج باي رئيس وزراء الهند في أبريل 2001م بزيارة إيران ، كان هناك الكثير من الآراء المتناقضة ، بعضها كان مع الزيارة ، والآخر كان ضدها 0

     وكانت نتيجة هذه الزيارة تشكيل لجنة هندية إيرانية لدراسة التالي :

     إمكانية توقيع عقد مابين الدولتين ، لشراء الغاز الإيراني ، ودراسة أفضل طريقة لتصديره بواسطة خطوط الأنابيب 0 ووضعت هذه اللجنة تصورين لتصدير الغاز الإيراني إلى الهند :

     التصور الأول : هو مد الأنابيب من جنوب إيران إلى المحيط ، ومن ثم تأخذ إتجاه جنوبي شرقي ، وتمر من جنوب الباكستان ، وكان التصور يرى أن تتحاشى الأنابيب المرور من خلال المياه الإقليمية الباكستانية ، أو أية مناطق بحرية تمارس الباكستان عليها السيادة 0 وتمتد هذه الأنابيب إلى أن تصل إلى الساحل الجنوبي الغربي الهندي0

     ويعود سبب تجنب الدولتين للأراضي الباكستانية ، التوترات المزمنة الموجودة ما بين الهند والباكستان من ناحية ، ومن الناحية الأخرى التوترات الموجودة ما بين الباكستان وإيران آنذاك  0

     التصور الثاني : أن تسعى الدولتان لتوقيع اتفاقية مع باكستان ، لكي تسمح الباكستان بمرور أنابيب الغاز عبر أراضيها من إيران إلى الهند  0

     الحكومة الباكستانية قبلت السيناريو الثاني ، والذي يقترح أن تمر خطوط الغاز الطبيعي عبر الأراضي الباكستانية من إيران إلى الهند 0 وكان رأينا آنذاك بأن هذا القبول يعتبر حكمة من الجانب الباكستاني ، لأنه سوف يفتح باب المفاوضات مع جاراتيها الشرقية ، والغربية في عدة اتجاهات ، مثلاً سياسية ، أمنية ، والذي يهمنا من ضمن هذا المحور المفاوضات الاقتصادية  0 والمفاوضات الاقتصادية التي من الممكن أن تحققها الباكستان من التصور الثاني هي كالتالي :

    1- تستطيع الباكستان أن تحصل على كميات من الغاز الطبيعي مجاناً ، مقابل مرور الأنابيب عبر أراضيها  0
    2- الاقتراح الثاني من الممكن أن تحصل الباكستان على بعض الرسوم مقابل مرور الأنابيب عبر أراضيها 0
    3- الاقتراح الأخير ممكن أن تستقبل الباكستان الغاز الإيراني في إحدى موانئها الجنوبية 0 وفي هذه الحالة يستطيع الطرفين الباكستاني والإيراني أن يصلوا إلى معاهدة لإقامة صناعات هايدروكاربونية تحويلية ثنائية مشتركة ، أو متعددة بمشاركة الهند 0 ومن هذا المركز الصناعي المقترح ، يمكن أن يصبح نقطة ارتكاز لتصدير الطاقة والصناعات الكيميائية إلى جنوب شرقه ، والشرق الآسيوي الأقصى المتعطش للطاقة والصناعات الكيميائية  0  راجع آل ثاني ، العالم الإسلامي  0

     النقطة التي أثارت المذكور أعلاه ، هو الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى الباكستان في ديسمبر 2002م  0 وكذلك لوجود مساحة كبيرة للتفاوض ما بين إيران وباكستان وذلك كما ذكرنا سلفاً ، في دراسة نشرت لنا في أبريل 2001م  0

     ولكن ربما يقفز البعض ويقول بأن هامش المفاوضات ما بين إيران وباكستان صغير جداً ، ويعود ذلك لعدة أسباب هي :

    1- أسباب طائفية بين الباكستان والهند ، لأن الباكستان ذات أغلبية سنية ، وإيران ذات أغلبية شيعية  0
    2- خط الحدود الفاصل ما بين البلدين يبلغ طوله 900 كم ، وهو تعتبر منطقة جيوسياسية دائمة التوتر ، وخاصةً المنطقة الفاصلة بينهما في البلوتشستان 0
    3- كذلك وجود بعض الخلافات العرقية  0

     في الحقيقة المذكور أعلاه لا يعتبر خلافاً إذا ما قارناه بالمقاييس الدولية 0 ولكن هناك جهات أجنبية تستثمر كل قواها المادية والمعنوية وكل ما أوتيت من سلطان لكي تُظهر إن التعاون ما بين الإيران والباكستان يعتبر من سابع المستحيلات  0

      ختمنا الجزء الأول من هذا الموضوع بأن هناك جهات أجنبية توجد لها مصالح استراتيجية للمحافظة على النزاعات الإقليمية المزمنة مستمرة كما هي ، وذلك يسهل على الجهات الأجنبية ابتزاز المنطقة  0 ومن هذه النزاعات التي تحاول القوى الأجنبية المحافظة عليها هو التوتر الباكستاني الإيراني  0

     ولكن علينا جميعاً أن نتذكر التالي : بأن الخلافات الموجودة ما بين الباكستان وإيران ، لا تصل حتى إلى 10% من الخلافات الموجودة ما بين الدول الأوربية ، وذلك يتمثل في خلافات دينية وعرقية وقومية ، ولكن الأوربيين الآن أصبحوا يقتربون من تشكيل دولة فيدرالية موحدة  0 ويعود ذلك لأن الأوربيين وضعوا كل استثماراتهم عند المرتكزات التي تجمعهم ، ووضعوا حلول لمعظم القضايا التي تفرقهم ، وتجاهلوا القضايا التي تثير النزاع فيما بينهم ، أو تناولوها من خلال الحوار الديمقراطي  0

     ومن الإصلاحات التي نتوقع بأنها من الممكن أن تساهم في دفع عجلة التنمية في جنوب آسيا في المجالات المختلفة الاقتصادية والسياسية والأمنية :

    1- عمل استثمارات ضخمة في الطاقة الهايدروكاربونية ، وذلك من خلال إنشاء أنابيب للغاز الطبيعي والنفط تنطلق من دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران إلى الباكستان والهند 0 ومن الهند تنطلق إلى الأقاليم الآسيوية المتعطشة للطاقة في جنوب شرق والشرق الأقصى الآسيوي 0

    2- الدول الهايدروكاربونية الغنية تستطيع أن تنقل بعض استثماراتها إلى الدول الفقيرة ذات الكثافات السكانية العالية مثل : الباكستان وبنغلاديش 00 إلخ 0

    3- الدول الغنية يفترض أن تستثمر في البنى التحتية والخدمات في الدول الفقيرة ذات الكثافات السكانية العالية 0 وفي المرحلة الثانية يفترض أن ينتقل الاستثمار إلى الربط ما بين دول جنوب آسيا وغرب آسيا من خلال السكك الحديدية ، والطرق وشبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية  0

    4- توجيه الاستثمارات إلى مصادر إنتاج الغذاء  الحرف الأولية  وذلك يمثل الزراعة ، وصيد الأسماك ، والثورة الحيوانية ، وصناعة الألبان ، والدواجن ، وانتاج الغابات 00 إلخ 0

    5- وضع خطة تدريجية للتكامل الاقتصادي ما بين جنوب وغرب آسيا 0

    6- توجيه الاستثمارات إلى التعليم موضحين من خلاله للأطفال والشباب الصغار أهمية التعاون الإقليمي 0

    7- احترام جميع الأقليات الدينية والعرقية والقومية في جميع دول الإقليم 0 ولو استطعنا أن نحافظ على المذكور لأصبح من الصعب على القوى الأجنبية إمكانية الاختراق الشعبي 0

    8- البحث عن حل سلمي للقضية التي عمرها أكثر من نصف قرن من الزمن ، وذلك يمثل القضية الكشميرية 0 وهناك عدة حلول سلمية يمكن أن تنهي هذا النزاع وهي: أ الاستفتاء الشعبي ب تقسيم كشمير ما بين الهند والباكستان على أن تكون الأولوية لقبول أو رفض ذلك للشعب الكشميري جـ اللجوء إلى التحكيم الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة 0

      ونعتقد بأن المذكور هو أفضل الحلول للقضية الشائكة ، وخاصة بأن الطرفين خاضوا أكثر من ثلاثة معارك فاشلة في عام 1948م ، 1960م ، وآخرها 1971م ، والحرب الباردة مازالت مستمرة  0

      وهذه الحرب الباردة امتصت معظم ايرادات الدولتين الهندية والباكستانية للمحافظة على التوازن العسكري ، إلى درجة أنهما دخلا إلى مرحلة التوازن الاستراتيجي النووي ، وذلك يجعل مسألة الحسم العسكري مستحيلاً ، ولم يبق إلا اللجوء إلى حلول سلمية  0

      لو استطاعا الطرفين الهندي والباكستاني الوصول إلى حل سلمي في كشمير؛ تستطيع الدول الإسلامية والعربية من توظيف ثقل الدولتين ونفوذهما للمساهمة في إيجاد حل سلمي لأم القضايا العالمية ، وذلك يمثل القضية الفلسطينية ، وكذلك القضايا الأخرى في العالم النامي  0

    9- الأمن : دول غرب وجنوب آسيا ممكن أن يصلوا إلى معاهدة أمنية إقليمية تحتوي  بأن تحترم جميع الدول استقلال كل دولة في الإقليم ، والقضايا المؤسساتية الداخلية في كل دولة   0

    في الختام :

    1- لو استطعنا أن نحقق المذكور ، سوف نشهد السعي الحثيث للدول المجاورة للمشاركة في التعاون الإقليمي ، وذلك يمثل الدول الإسلامية في وسط آسيا ، وتركيا خاصةً بعد أن أغلق الأوربيين كل البوابات في وجهها لمنعها من المشاركة في الاتحاد الأوربي  0

    2- ربما يلاحظ القارئ الكريم بأن الذي ذكرناه يمثل اخراطاً في التفاؤل ، ونحن نقول نعم 00 ذلك يمثل تفاؤلاً مبالغ فيه  إذا لم يكن هناك إصلاحات دستورية حقيقية وليست صورة ، وإصلاح جميع مؤسسات السلطة في دول جنوب وغرب آسيا 0 وطرد جميع المسؤولين الفاسدين من جميع مؤسسات الدولة  0

     نود أن نذكر الجميع بأن الغرب قبل أن يصل إلى هذا المستوى من التنمية والتطور والديمقراطية ، مر عبر التاريخ في معضلات ومآسي متنوعة الأشكال مثل : الحرب الأوربية التي استمرت منذ القرن السابع عشر ميلادي إلى أن انتهت بحربين عالميتين مدمرتين في القرن العشرين ودفعت أوربا مقابل ذلك ما يزيد على 50% من سكانها ، وفي النهاية بعد أن استمعوا إلى صوت العقل وصلوا الآن إلى ما سوف يسمى قريباً الولايات المتحدة الأوربية 0

     ومثلها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن خاضوا الحرب الأمريكية في القرن الثامن عشر ، وقدموا آلاف الضحايا  0 قاموا بتحكيم العقل ووصلوا إلى ما يسمى بالدولة الفيدرالية  الولايات المتحدة الأمريكية  والآن أصبحوا يحكمون العالم  0

     في الحالة الآسيوية علينا أن نجد بعض الحلول لكي تسهل علينا نشأة إصلاحات إقليمية 0 أو أن لم يكن ذلك يؤسفنا أن نقول لكم بأنه علينا أن نكون جاهزين إقليمياً لاستمرار الفقر ، والمرض ، والجوع ، والجهل ، والكراهية 0

     وفي الختام كما هو متوقع عالمياً بأن تكون شعلة الحرب العالمية الثالثة وميدانها سوف يكون لا سمح اللّه في غرب وجنوب آسيا ، كما هو مخطط عالمياً  ؟ 0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *