بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

     في الحادي عشر من سبتمبر 2001م حدث في العالم فاجعة لم تكن متوقعة حتى من أشد المتشائمين ، والمتمثلة بالنكبة التي تعرضت لها الولايات المتحدة في نيويورك وواشنطن ، اللتان يفترض أن تكونا من أكثر بقاع الأرض أمناً 0 وهذه النكبة جعلت حوار الحضارات على مفترق طرق ، بل أن هذه النكبة قد وضحت لنا أمراً خطير جداً ، كان في السنوات الماضية يثير الكثير من التساؤلات دون أن نجد له الإجابة الشافية.0 وهو هل دول عالم الجنوب ، وبالتحديد الدول الإسلامية دولاً ذات سيادة أم لا ؟. 0

     وللإجابة على هذا السؤال قمنا بإختبار فرضيتين هما

    الفرضية الأولى  هل نحن دولة دينية ؟
    الفرضية الثانية  هل نحن نمثل دولة علمانية ؟

     الفرضية الأولى من الناحية التطبيقية غير موجودة في العالم الإسلامي ، وإن ورد عليها بعض الاستثناءات ، حيث تدَّعي بعض الدول الإسلامية بأن دستورها الإسلام ، وربما أوضحهم في ذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وجمهورية الباكستان ، وإمارة أفغانستان الإسلامية ، والمملكة العربية السعودية 0

     الفرضية الثانية الدولة العلمانية  نلاحظ بأن معظم عالم الجنوب بما فيه العالم الإسلامي ، يحاول إستنساخ نظريات الدول العلمانية ، وذلك من خلال ما يتناسب مع النخب الحاكمة في العالم الإسلامي 0 أي بمعنى آخر المنهج الإجتماعي أو المنهج الاشتراكي أو حتى الفردي غير واضح في وظائف الدول الإسلامية ، وهذا ما يجعلنا نقول بأن لا المنهج الديني ولا المنهج العلماني لسيادة الدولة مستخدم في العالم الإسلامي 0

     والبون الشاسع من الناحية الحضارية ، ومن ناحية ممارسة أعمال السيادة للدولة ، ما بين عالم الشمال وعالم الجنوب ، نستطيع أن نختبره من خلال تفسير وظائف الدولة ، وذلك يمثل  1 الدفاع الخارجي 2 الأمن الداخلي 3 العدالة الإجتماعية 0 وهذا شبيه إلى حد ما بتعريف وظيفة الدولة في الإسلام ، ولكن النظريات الإجتماعية تسترسل في هذا المنوال مما يجعلها تشذ عن مفهوم التطبيق السياسي للدولة الإسلامية0

     وحجر الزاوية في هذه المقدمة هو معرفة مصطلح سيادة الدولة ، ولايضاح ذلك لابد لنا من معرفة العناصر الرئيسية التي تقوم عليها الدولة  1 أرض 2 السكان المقيمين 3 نظام حكم  السلطة  4 قاعدة اقتصادية 5 شبكة اتصالات داخل الدولة 0

     ونستطيع أيضاً أن نختزل عناصر الدولة إلى ثلاثة فقط وتتمثل في الأرض والشعب والسلطة 0

     ومن هنا تثار قضية السيادة 0 فوجود السلطة السياسية  النظام  مع العناصر المذكورة يبرز لنا مفهوم الكيان المعنوي للدولة 0 وهذا الكيان المعنوي يرتبط ارتباط شبه كلي مع مصطلح السيادة التي تمثل الصفة للسلطة السياسية ، والسلطة السياسية أساسها الدولة ، وما صفة الحكام إلا الأشخاص الذين لهم حق ممارستها دون أن يكون لأي منهم حق ذاتي أو أساسي في هذه السلطة ، وذلك يجعل السلطة دائمة وليست عرضية 0

     ومفهوم سيادة الدولة ، يجب أن يشكل قدسية معنوية بالنسبة للحكام والمحكومين، ويجب أن لا تخترق هذه السيادة من أي شخص أجنبي ، وعندما يتم الإختراق حتى ولو كان جزئياً ، تصبح أهلية الدولة مشكوكاً فيها من ضمن شقيقاتها الأخريات في الأسرة الدولية . 0

     ونجد عالم الشمال دقيق جداً في استخدام مصطلح سيادة الدولة ، فمؤسسات الدول في عالم الشمال تقوم برقابة دقيقة على السلطة السياسية التي تمارس وظيفة سيادة الدولة 0 وهذه الرقابة ليست على أفراد فقط ، بل على جميع الأحزاب السياسية المسجلة في الدولة ، وذلك بديهياً لأن هذه الأحزاب هي التي تقدم المرشحين المتنافسين على الحكم ، والمنتصرين من ضمن هذه الأحزاب يصبحون الممارسين الشرعيين لإدارة دفة الأمة ، بمعنى آخر السلطة السياسية التي تمارس وظيفة سيادة الدولة . 0

     وبالتالي لا نستغرب عندما نجد الدول الغربية تراقب الأحزاب مراقبة دقيقة ضد أي اختراق غير حميد يضعف أو يشكك في كيان الدولة المعنوي ، فمثلاً من حيث تمويل الأحزاب في فرنسا تعتمد على  1 اشتراكات الأعضاء 2 تبرعات الأفراد والمشاريع ، وهذه التبرعات لها سقف ، فاقصى حد لتبرع الشخص الطبيعي 50 ألف فرنك فرنسي ، أما بالنسبة للشخص المعنوي فاقصى حد للتبرع يصل إلى 500 ألف فرنك فرنسي 0

     3 التمويلات الخفية ، وإن كانت تتجه التشريعات الحديثة لحصرها ، ولكن أجهزة أمن الدولة تغض الطرف عنها أحياناً خاصةً عندما تكون هناك مصلحة عليا تتحقق لكيان الدولة الاقتصادي ، مثلاً عندما تقوم بعض الوجوه الكازماتية في الحزب بعقد صفقة تصدير ضخمة لبعض الصناعات مثل الطائرات والأسلحة ، ففي هذه الحالة يغض الطرف عن هذه الصفقة على أن تتجه العائدات إلى طريقين رئيسيين هما  خزانة الدولة ، وبتمويل الحزب بطريقة غير مباشرة ، ويمكن للعضو الحزبي أن يحصل على بعض العمولات من وراء هذه الصفقة 0 ولكن يتم حفظ ملف للصفقة ، يعتبر كسيف مسلط على رقبة العضو الذي قام بهذه اللعبة ، ومتى ما أرادت مؤسسات الدولة اخراجه من الملعب أو ثنيه عن بعض القرارات ، أُشهرَ لهُ هذا السيف .0 وهذا ما يسمى بالألعاب القذرة بالنسبة للدولة إذاً الحرب القذرة موجودة قبل أن يصرح بوش الابن لأجهزة أمن الدولة بإستخدام الحرب القذرة في سبتمبر 2001م 0

     4 المساعدات العامة 0

     وكما ذكرنا سابقاً بأن حجر الزاوية في هذا الموضوع هو سيادة الدولة ، الذي تمارسه السلطة السياسية 0 ففي الدول الديمقراطية استطاعوا من خلال التنسيق فيما بينهم ايصال ممارسي السيادة إلى دفة الحكم 0

     أما في الدول النامية معظم الذين يصلون إلى السلطة يصلون بأسلوب القهر الذي يلاقي إذعان من العامة 0 ولذلك تميل معظم السلطات في العالم النامي بعد وصولها إلى دفة الحكم ، إلى احياء ما يسمى بوظيفة الدولة المذكورة سلفاً ولو اسمياً ، وعمليات وتنازلات أخرى لا مجال لذكرها الآن ، وبهذه الطرق يستطيع النظام الجديد اكتساب الشرعية الدولية أو جزء منها . 0

     ولكن رغم الانتقادات التي نوجهها إلى النموذج القهري وطريقة استلامه للسلطة، إلا أنه يبقى أفضل بكثير من زرع حكومة صورية مباشرة بواسطة قوى أجنبية ، وتساؤلنا هنا إذا كانت هذه الحكومة صورية ومزروعة من الخارج ، فكيف سيكون دورها لأداء وظائف الدولة من خلال مواجهة الخارج والعلاقات الدولية ، والأمن الداخلي ، والعدالة الإجتماعية ؟ . 0

     طبعاً يجب أن نقف هنا لبرهة ونعترف بأن الحكومتين الأخيرتين القهرية والصورية لا يوجد لهما مكان في عالم الشمال ، أما في عالم الجنوب فحدث ولا حرج 0 وكانت دول الشمال أيام الحرب الباردة تناور للتدخل في شئون السلطة السياسية لعالم الجنوب، أما الآن فحدث ولا حرج وبطريقة رسمية ، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها

    1- العراق  اجتمعت السلطات الأمريكية في عام 1998م مع مجموعة من تشكيلات المعارضة العراقية ، ووقعت لهم على مبالغ مادية كبيرة ومنها الدفعة الأولى التي وصلت إلى 97 مليون دولار وذلك للاطاحة بالنظام العراقي ، وباءت هذه المحاولات بالفشل 0

    2- هناك عدة سيناريوهات أمريكية للاطاحة بأنظمة الحكم في سوريا وإيران وليبيا والسودان ، قديمة ومتجددة ، بحيث المطالبات الآن ، بعد الاطاحة بنظام طالبان كما ينون ، لابد لأمريكا من الاطاحة بجميع الأنظمة المارقة المذكورة كما ترى أمريكا . 0

    3- نفس القصور لتغيير نظام الحكم بواسطة دول الشمال بقيادة الولايات المتحدة مخطط لأفغانستان ، أو كما يحلو للبعض تسميتها قاهرة العظماء بدايةً من الاسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد وبريطانيا العظمى ، ونفس المغامرة خاضها السوفيت وبعد هزيمتهم أدى ذلك إلى تفكك أمبراطوريتهم ، ونفس المغامرة تريد الولايات المتحدة خوضها في أفغانستان الآن ولكن بحذر . 0

     ويجب أن نتذكر جميعاً بأن السيناريو الاستراتيجي لزرع سلطة سياسية في أفغانستان تمارس وظيفة سيادة الدولة معد من قبل عقدين من الزمان مع اختلاف الظروف والتحديات آنذاك 0 ففي عام 1980م تقريباً ، وبعد أن أدرك السوفيت استحالة سيطرتهم على ممر الموت  ممر خيبر  تنازلوا عن كبريائهم لكي ينسقوا مع السلطة الموازية لهم آنذاك  الولايات المتحدة  بإنشاء حكومة أفغانية معتدلة توافق أهواء المعسكر الشرقي والغربي 0 ووافقت الولايات المتحدة الأمريكية على أن تبحث عن بديل بعد انسحاب السوفيت 0 والشرط السوفيتي على أمريكا أن لا يكون البديل إسلامياً ، وكأن المعسكرين رغم خلافهم الأيديولوجي متخوفين من بروز أية دولة إسلامية . 0 فأرسلت أمريكا فريق ليتفاوض مع الملك المخلوع ظاهر شاه ، الذي يعيش في ايطاليا آنذاك 0 وكان بين هؤلاء صبغة اللّه مجددي 0 فعقد الملك مؤتمراً صحفياً قال فيه  إن المجاهدين يدعونني لاستلام السلطة في أفغانسان . 0

     فرد سياف رئيس الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان ” نرحب بالملك لنقتله في المطار ” 0

     وكأن التاريخ يعيد نفسه ، فبعد الضربة المؤسفة التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001م ، والمسلمون في براءة منها أصلاً ، عادت إلى الساحة فكرة تشغيل تحالف بقيادة الملك لاستلام السلطة في كابول بعد اسقاط سلطة طالبان 0

     وتعتقد الدوائر الغربية بقيادة الولايات المتحدة بأنه بعد استشهاد أحمد شاه مسعود أبرز زعيم مناوئ لطالبان ، لابد من تشكيل تحالف جديد بقيادة الملك المخلوع ، ويعتقد أن ذلك سوف يكون مقبولاً في الأوساط الأفغانية . 0

     ولكن المفاجأة الغير سارة بالنسبة للغرب هو بأن الرئيس المخلوع برهان الدين رباني يرفض تشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة الملك 0 وكذلك قلب حكمت يار برفض عودة الملك إلى أفغانستان ويقول بأن الأمريكان يبحثون عن نظام ألعوبة بين أيديهم 0

     وأمريكا عاقدة العزم على تحالف الشمال المناوئ لحركة طالبان ، لكي يشكلون حكومة ائتلاف مع الملك ، ولكن أمريكا تدرك جيداً بأن حتى وعود هذا التحالف غير مضمونة ، وإن الأفغانيين وخاصة لوردات الحرب كما يسميهم الغرب أصبح عندهم حاسية سياسية غريبة في ابرام المعاهدات ، وتجديد التحالفات ، والكر والفر 0 ولكن السؤال المحير حقاً 00 ما هو الحل ؟

     يعتقد بأن الحل بالنسبة لأمريكا هو خلق قيادات جديدة من الشخصيات المغمورة السابقة والتي تطمح في السلطة ، وتشكيل تحالف هش ما بين هذه القيادات المصنوعة، ويبقى الدور الرئيسي في إدارتهم للولايات المتحدة 0

     وخلاصة القول بأن 27 مليون مواطن أفغاني ورطوا في حرباً – لا ناقةً لهم فيها ولا جمل – إلا أن هذا القطر الصغير نسبياً ذو الطبوغرافية المعقدة ، يعتبر قاهر العظماء ، ويعتقد بأن انطلاق الدولة الإسلامية العالمية الحديثة سوف تكون نواتها أفغانستان ، وذلك واضح وصريح من خلال أقوال الإعلام الغربي في منتصف الثمانينيات  بان الإسلام سينتصر وأنه سيدخل روسيا وتسقط روسيا ، ثم يجتاح أوربا  0 ومن ثم لابد من تحالف ما بين أمريكا وأوربا وروسيا ، لإنزال هزيمة شنعاء بالإسلام والمسلمين 0

     ومن هنا وقبل وقوع الكارثة التي تدق طبول الحرب لها بواسطة الإعلام الغربي لإعداد العالم لتقبلها ، لابد من دوراً لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، وللأمم المتحدة لايقاف هذه المصيبة المتوقع أن تحل بالشعب الأفغاني 0 وأعتقد بأنه الآن أصبح واضحاً وجلياً للجميع الاستخفاف بعقول عالم الجنوب الذين يمثلون 90% من سكان العالم ، وخاصة العرب والمسلمين منهم 0 فقبل 11 سبتمبر 2001م كانت نظرة الولايات المتحدة والدول الغربية لباكستان على أنها دولة مارقة وخارجة على القانون الدولي وكان مفروضاً عليها عقوبات بسبب 1 عدم شرعية الرئيس 2 خطر السلاح النووي الخبيث الذي تملكه 3 تعيش في مأزق الديون 4 توقف المساعدات والاستثمارات الأجنبية عنها.0

     والتناقض نجده قد تم بعد 24 ساعة من احداث 11 سبتمبر المؤسفة ، وخاصة عندما أعلن الباكستان تعاونه مع الولايات المتحدة في عمليات العدالة المطلقة حينها أصبحت الباكستان دولةً معتدلة و  1 رئيسها ذو شرعية 2 سلاحها النووي حميد 3 سوف تعالج مشكلة الديون لديها 4 سوف يقدم لها مساعدات وتسهيلات استثمارية .0

     وإذا كان هذا هو وضع العالم الإسلامي فالأسئلة الحقيقية التي نوجهها لجميع القيادات الإسلامية  أين سيادة الأمة ؟ هل نحن فعلاً أمة بالمسميات فقط ؟ وإلى متى سوف نستمر على هذا الحال ؟

    واختم لكم بدعاء سيد البشرية جمعاء سيدنا محمد ص بعد خروجه من الطائف  ” اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي 00 ” إلخ 0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *