بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    مقدمــة

     نرى بأن الحرص الأمريكي لإجراء تغييرات في الشرق الأوسط يندرج تحت سببين رئيسيين هما ؛ الأول  الأمن ؛ وذلك لكي تبقى أمريكا قوة عالمية فلابد أن يطرح سؤال استراتيجي للتعبئة العامة للقوات الامبريالية الأمريكية ، وهذا السؤال من هو العدو ؟  الإجابة ؛ لكي تقوم بتجهيز أقوى جيش في العالم ، فعليك أن تختار أقوى شخصية طبيعية ومعنوية واعتبارية وتعتبرها العدو 0 وبعد تحديد العدو ذلك يعطي الشرعية للقوة العالمية لكي تجهز أكبر جيش في العالم لمجابهة هذا العدو الذي يهدد الإنسانية حسب وجهة نظر القوة العالمية . 0 فقبل عام 1990م ، وفي فترة الحرب الباردة كان أكبر عدو للولايات المتحدة الأمريكية هو الشخصية الاعتبارية المتمثلة بالاتحاد السوفيتي وحلف وارسو ، والشخصية الطبيعية كانت الشعوب الموالية والتابعة للمعسكر الشرقي ، والشخصية المعنوية المذهب الشيوعي ، ولكن بعد إنهيار المعسكر الشرقي وأنتهاء الحرب الباردة . 0 أصبح على الإستراتيجية الأمريكية البحث عن عدو جديد وذلك لكي يعطيها الشرعية لتحافظ على تفوقها العسكري في العالم 0 فمن تتصورون أكبر شخصية اعتبارية وطبيعية ومعنوية بعد إنهيار المعسكر الشرقي ، لكي يعطي للولايات المتحدة الشرعية في المحافظة على تفوقها العسكري على جميع قوى الشر في العالم . 0 يؤسفني أن أقول لكم بأن العدو الذي اختارته أمريكا بعد الحرب الباردة ، شخصيته الاعتبارية العالم الإسلامي ، وشخصيته الطبيعية المسلمين ، وشخصيته المعنوية الثقافة الإسلامية .. 0

     السبب الثاني  السيطرة الأمريكية المطلقة على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، يعطيها أبعاداً متعددة لكي تسيطر على جميع القوى العالمية بطرق مباشرة وغير مباشرة ، فمن هذه الأبعاد

    أ  – البعد الاقتصادي  فالشرق الأوسط والعالم الإسلامي يوجد به ما يقارب 72% من احتياطيات النفط في العالم ، و 35% من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم ، وعندما تسيطر أمريكا على هذه المصادر نتيجة ذلك ستذعن لها جميع القوى العالمية 0
    ب – البعد الاستراتيجي المكاني  الشرق الأوسط والعالم الإسلامي يسيطر على قلب العالم ، فمن يسيطر عليه ، يسيطر على معظم أماكن الحركة في العالم سواءً كانت القارية أو المائية أو الجوية ، ويكفي أن نقول لكم بأن العالم الإسلامي يسيطر على خطوط العرض الواقعة ما بين 517 جنوب خط الاستواء إلى 555 شمال خط الاستواء ، وخطوط الطول الواقعة ما بين 518 غرب غرينتش وخطوط الطول الواقعة عند 5142 شرق غرينتش 0

     إذاً العالم الإسلامي يمثل منطقة مركزية ، ومن يسيطر عليه يسيطر سيطرة مطلقة على القوى العالمية بشكل خاص في الشمال الأوراسي ، وبشكل عام على أوراسيا ، وحسب رأينا العلمي هذا ما تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية 0
    خلال هذه الدراسة سنركز على ثلاثة محاور هي
    المحور الأول   تصورات الباحثين العرب ، والسيناريو الأمريكي للشرق الأوسط 0
    المحور الثاني  خلاف الناتو ،لا يمنع حرباً 0
    المحور الثالث  خلاف الناتو ، وتوزيع الأدوار 0

     وتحاشينا وضع خاتمة دقيقة وشاملة لهذا الموضوع ، وعوضاً عنها ، خاتمة مقتضبة لكل محور 0 ويعود ذلك لهدفين ؛ الهدف الأول  جعل الخاتمة مفتوحة نوعاً ما ، وذلك لكي يعطينا الفرصة ويعطي زملائنا المتخصصين والمهتمين بهذا المجال مناقشته في المؤتمرات والندوات العلمية المتخصصة ، والهدف الثاني  مهما قلنا فهذا الموضوع يبقى دراسة استشرافية ، ولابد لنا من اعطاءها المرونة الكافية . 0

    المحور الأول   تصورات الباحثين العرب ، والسيناريو الأمريكي للشرق    الأوسط

     من خلال متابعتنا للتصورات الأمريكية على مستوى مراكز الأبحاث في أمريكا، وعلى مستوى الإدارات الأمريكية المختلفة ، وجدنا أن هناك اجتهادات من الطيف السياسي الأمريكي سواءً كانوا صقور أو حمائم أو معتدلين ، لوضع سيناريوهات للإدارة الأمريكية ، لكي يصبح من السهل على الولايات المتحدة الأمريكية المحافظة على أحاديتها القطبية في هذا الكوكب لأقصى حد ممكن من الزمن بعد انتهاء الحرب الباردة . 0

     فكانت الخطوة الأولى للولايات المتحدة للمحافظة على هيمنتها العالمية ، هي عولمة العالم اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وثقافياً تحت ظل القيادة الأمريكية ، وآليات العولمة التي كانت تريد أمريكا استخدامها هي منظمة التجارة العالمية ، وهيئة الأمم المتحدة ، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير . 0

    ولكن بحلول عام 2000م أي بعد مرور عقداً كاملاً من الزمن ثبت للأمريكان صعوبة عولمة العالم ، قبل إعادة خلط أوراق العالم مرةً أخرى ، أو إعادة تنظيم العالم 0 والأمر الذي يريد أن يفعلهُ الأمريكان ليس بجديد ، فالأمثلة كثيرة على ذلك ، والمنتصرين أو المنتصر سواءً كان حلف متعدد القطبية ، أو قطباً واحداً ، غالباً ما يعيد تشكيل العالم على طريقته لكي يسهل عليه الأمر في إطالة سيطرته العالمية وإدارة العالم ، ومن الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر  روسيا وبريطانيا والنمسا وفرنسا في منتصف القرن التاسع عشر بعد هزيمة الدولة العثمانية في حرب القرم ، حاولوا تشكيل العالم بالطريقة التي تخدم مصالحهم ، وكذلك ألمانيا بسمارك في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، كان لديها تصور للسيطرة العالمية ، وتشكيل عالم ذو قطبية أحادية تحت قيادة ألمانيا 0 والمهم في هذا الأمر بأن هذه السيناريوهات السلفاوية المرنة والمتكررة هي السبب في قيادة العالم إلى الحرب العالمية الأولى 0

     وبعد الحرب العالمية الأولى استطاع الحلفاء المنتصرون بريطانيا وفرنسا من إعادة تشكيل العالم من خلال التصديق على وعد بلفور المشؤوم ، وإعادة تقسيم العالم في اتفاقية سايكس بيكو 1919م . 0

     الذي أمامنا نبذة مختصرة توضح لنا تاريخ التغيرات في السياسة الدولة ضمن حقبة زمنية محددة 0 إذاً مثل ما أشرنا سابقاً أن ما تقوم به الولايات المتحدة ليس بجديد ، وكل الإدارات العالمية وضعت سيناريوهات متعددة لمواجهة أو للتطبيع والتأقلم مع السيناريوهات الأمريكية ، بما يتوافق مع مصالحهم . ، ويؤسفنا أن نقول لكم بإستثناء الإدارات العربية ، كما سنوضح لاحقاً ، والموضوع الذي نتطرق له اليوم ليس بجديد ، فقد تناولناه في مجموعة من الدراسات والمقالات المنشورة ، نذكر منها  جيوبوليتيكية الاقتصاد العالمي ، استراتيجية الهايدروكاربون الإسلامي ، السيناريو الاستراتيجي لدولة الأمة الحديثة ، الوزن الاستراتيجي للعالم العربي ، نحو استراتيجية جديدة للأمة العربية ، هل نستوعب نظاماً إقليمياً جديداً ؟ ، حوار في السلطة الميتافيزيقية ، سايكس بيكو 2002 ، والجيوبوليتيكا الميتافيزيقية 00 إلخ 0

     وكل هذه الدراسات تركز على محور واحد ، ما هو السيناريو أو السيناريوهات التي تعدها أو تقوم على إعدادها الإدارات العربية والإسلامية ، لكي يكون لها دور في هذا الكوكب بعد انتهاء الحرب الباردة ، وبروز القطبية الأحادية الأمريكية 0

     وطبعاً لا نستطيع أن نغفل الدور الذي قام به مجموعة من الباحثين العرب ، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر

     أولاً  المفكر العربي د0 تركي الحمد في ندوة مهرجان الأيام الثقافي  العراق ، الخليج – السيناريوهات المحتملة  في نوفمبر 2002م 0 يقول للسيطرة على العراق هناك أربع سيناريوهات محتملة

     السيناريو الأول  أن تحكم الولايات المتحدة العراق حكماً مباشراً 0

     السيناريو الثاني  عودة الملكية السابقة لحكم العراق 0

     السيناريو الثالث  اتحاد هاشمي أردني عراقي ، ويستند هذا السيناريو على أنه يساعد الأردن في حل مشكلته الاقتصادية والديموغرافية ، باعتبار أن القرار الأردني يتأثر بالأغلبية الفلسطينية على أرضه ، وسوف تؤدي الوحدة مع العراق إلى غياب هذه الأغلبية ، وبالتالي غياب تأثيرها على القرار الأردني 0 ولكن هذا السيناريو يصطدم بخوف أمريكا من قيام كيان قوي قد يبدأ موالياً لها ، ولكنه يمكن أن ينقلب فيكون مصدر قلق لأمريكا لاسيما أمن إسرائيل 0

     السيناريو الرابع  مملكة أردنية مع وسط العراق 0

     ويرى د0 الحمد إنه إذا استطاعت أمريكا أن تسيطر على العراق فستبدأ بالضغط على إيران وسوريا والسعودية لأنهم جميعاً مرتبطين بالأسباب الثلاثة للتدخل أعلاه وهي  النفط وأمن إسرائيل واستراتيجية المنطقة 0

     ثانياً  وفي ندوة عقدت في مركز الخليج للأبحاث في دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير 2002م تصور المشاركون أربع سيناريوها محتملة جاءت على النحو التالي

     السيناريو الأول  للعراق انقلاب عسكري مبكر بعد انطلاق الحملة الجوية وأثناء دخول القوات الأمريكية الأراضي العراقية 0

     السيناريو الثاني  انقلاب عسكري متأخر عندما تصل القوات الأمريكية إلى بغداد 0

     السيناريو الثالث  استمرار أمد الصراع لنحو 12 شهراً ، وفشل أمريكا في إيجاد حكومة قوية في العراق 0

     السيناريو الرابع  حكومة مفروضة بعد الانتصار الأمريكي 0

     وفي ندوة الأهرام في فبراير 2003م تحت عنوان قمة عربية طارئة في ظروف عالمية ضاغطة 0 وكان تركيز الباحثين في هذه الندوة ما هي الطريقة الممكنة لمنع أو تقليص مخاطر السيناريوهات الأمريكية للمنطقة . 0 فيقول د0 مصطفى الفقي  أما عن اجتماع القمة العربية الطارئ – الذي دعا إليه الرئيس حسني مبارك – فإنه ضروري ، ذلك لأنه إذا لم يجتمع العرب الآن فمتى يجتمعون ؟ أنه لا يوجد وضع عربي أسوأ مما هو الآن . 0

     خلاصة ما نرى بأن العلماء العرب والشعوب العربية ومعظم شعوب العالم متضامنين مع الشعب العراقي ويخشون أن يصيبه أي مكروه من السيناريوهات الأمريكية ذات الثورة الجامحة ، وعكس ذلك نجد بأن معظم الحكومات العربية غير مكترثة بما سوف يحدث للعراق وللمنطقة من الطموح الأمريكي الجامح للهيمنة العالمية0

     أما بالنسبة للإدارة الأمريكية فعلى ما يبدو بأنها حسمت الأمر بالنسبة للعراق وللشرق الأوسط والعالم ، ففي مقابلة نشرتها صحيفة الشرق الأوسط العدد 8853 مع ريتشارد بيرل المستشار في وزارة الدفاع الأمريكية ، فيقول إذا لم نستطع استصدار قرار من مجلس الأمن يدعم توجهنا لضرب العراق ، فسنمضي لضرب العراق غير عابئين لا بمجلس الأمن ولا بأي تنظيم دولي آخر ، والذي نفهمه من قصد بيرل هنا لتحقيق مصلحة أمريكا ، والمحافظة على هيمنتها العالمية ، لا يوجد عندنا مانع من نسف وإعادة التنظيم الدولي كاملاً ، وليست العراق أو الشرق الأوسط فقط . 0

     وخلاصة ما قاله بيرل  إذا لم نستطع استصدار قرار من مجلس الأمن لضرب العراق ،  عندها سنهاجم العراق من دون قرار من الأمم المتحدة  ، وقال بصريح العبارة بعد احتلال العراق  الجنرال فرانكس سيكون هناك حتى يضمن أن العراق صار مستعداً لتطوير مؤسسات سياسية حرة  بمعنى آخر أي حاكماً على العراق 0

     وكذلك هدد بيرل جميع دول الشرق الأوسط التي تقف عائقاً أمام الاستراتيجية الأمريكية فيقول  آمل أن ينظر الرئيس السوري في إصلاحات سورية أو قد يكون الهدف الثاني ، هناك عليه الكثير عمله ، وخصوصاً أغلاق مكاتب المنظمات الإرهابية، وأن يعيد لبنان للبنانيين  0

     أما بالنسبة للمقاومة المشروعة فيقول بيرل  الإيرانيون قادرون على القيام بعمليات إرهابية ضد الأمريكيين الآن ، أنهم يفعلون ذلك ، أنهم أول داعمين لحماس ، ولحزب اللّه ، والجهاد الإسلامي ، ولا أعتقد أن سياستهم في هذا المجال تعتمد على تحريرنا للعراق أم لا ؟  0

     في الخاتمة نترك القول للإدارة العربية لأن صناعة القرار التاريخي بالنسبة لهذه الأمة بأيديهم ، وإذا كانت معظم الإدارات العربية عاجزة عن إتخاذ قرار في هذا الشأن فعليها أن تعطي شعوبها ديمقراطية حقيقية وليست صورية ، لكي يتسنى لهذه الشعوب أن تختار من يمثلها في الإدارات العربية ، وعندما يحدث أي شيء بعد ذلك بالايجاب أو بالسلب يكون الجميع مشارك في تحمل مسؤوليته 0

     ولكن بعض الحكومات العربية للأسف مازالت ترى أن الشعوب العربية إلى الآن غير مؤهلة للديمقراطية الحقيقية . 0 ونقول لهؤلاء المسؤولين متى تعتقدون بأن الشعوب ستصبح كاملة الأهلية لممارسة الديمقراطية ، وهنا استوقفتنا طرفة من إحدى مقالات الكاتب اياد أبو شقرا ، مع اختلاف الموضوع ، فالطرفة هي كالتالي  طبيب أمراض عصبية ذهب ذات يوم إلى المستشفى لإجراء معاينة 0 لكنه لدى مغادرته اكتشف لصاً سرق إحدى عجلات سيارته التي كان قد أوقفها بجوار حديقة المستشفى ، فاحتار الطبيب وأخذ يتفكر بكيفية التصرف ، إلى أن قطع حبل تفكيره كلام أحد المجانين عبر السياج . 0 لماذا كل هذه الحيرة يا دكتور ؟ اخرج العجلة الاحتياطية من صندوق السيارة وخذ برغياً من كل عجلة وركب بها العجلة وتوكل على اللّه 0

     فصعق الدكتور والتفت على المجنون مخاطباً إياه  هل أنت مجنون يا رجل ؟ .. لا واللّه أنك أعقل العقلاء 0 فرد المجنون  لا سيدي أنا مجنون حقاً لكنني لست غبياً.؟

    المحور الثاني  خلاف الناتو ، لا يمنع حرباً

     الصراع الذي يوجد الآن ما بين دول الناتو ، وكذلك ما بين الدول الأوربية ، من الناحية الظاهرية هو في صالح القضية العراقية ، والقضية الفلسطينية ، وإعادة التشكيل الجيوسياسي للشرق الأوسط ، ولكنه في الحقيقة صراع ذو ثلاثة محاور
    المحور الأول  جيوبوليتيكي ، وله تركيز على الاستراتيجية الجغرافية للمنطقة ، وبلغةٍ أسهل نقصد بأنه صراع على الكعكة الشرق أوسطية ، وحتى لا تنفرد الولايات المتحدة لوحدها بإلتهامها .  يشرح لاحقاً في الجزء الثاني  0

     المحور الثاني  يوجد صراع مبطن ما بين القوى الأوربية ، أو كما تسميها أمريكا الآن أوربا القديمة ، بقيادة فرنسا وألمانيا ، ويساندهم معظم الشعوب الأوربية على نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية بطرق سلمية ، ولكن الولايات المتحدة تحاول أن تقفز من فوق الفصلين السادس والسابع في ميثاق الأمم المتحدة ، وهو الذي يقول عدم جواز استخدام القوة من خلال الأمم المتحدة وتحت رايتها إلا بقرار من مجلس الأمن   الخليج العدد 8679  ولو تجاهلت الولايات المتحدة الفصلين المذكورين ، فذلك يشكل من ناحية قانونية ، لا من ناحية سياسية كما تدعي الإدارة الأمريكية ، خرق واضح وصريح للتنظيم الدولي ، والقانون الدولي العام ، ويمثل ذلك من ناحية نظرية انهيار الأمم المتحدة ، مثل عندما خالف هتلر قرارات عصبة الأمم قبل الحرب العالمية الثانية ونتج عن ذلك الحرب العالمية الثانية . 0

     المحور الثالث  النزاعات التي نشأت في الناتو في فبراير 2003م   لمنع التكرار ، راجع آل ثاني ، فهد ، في كلا من  الراية العدد 7546 ، ومجلة الإنسانيات ، جامعة قطر ، العدد 24  0

     من أقوى النزاعات التي شهدها الناتو بعد الحرب الباردة الفيتو الذي استخدمه محور باريس – برلين ، ويساندهم في ذلك بلجيكا ، عندما تقدمت تركيا طالبةً من دول الحلف وفق المادة الرابعة التأسيسية للناتو التي تنص على إجراء مشاورات بين الحلفاء إذا ما اعتبر أحدهم أن سلامة أراضيه ، أو أمنه مهدد . 0  الراية العدد 7585  ، وكانت تركيا مستندةً على هذه المادة لتوفر لها قوة دفاعية من دول الناتو في حالة حدوث هجوم على العراق .. 0 وكانت نتيجة ذلك الاحتجاج الفرنسي الألماني البلجيكي ضد هذا الطلب ، وكان يساند طلب تركيا دول الناتو الستة عشر المتبقية متزعمتها الولايات المتحدة 0 وهذا الطلب التركي أكثر الاحتمالات بأنه سياسي وليس قانوني ، وربما بإيحاء من الولايات المتحدة الأمريكية . 0 ونقصد هنا إلزام فرنسا وألمانيا بقرارات الناتو ، حتى عندما تقدم واشنطن مشروع قرار جديد في مجلس الأمن يكون سبق السيف العذل بالنسبة للقوى الأوربية لأنهم لا يستطيعون مناقضة أنفسهم بعد موافقتهم على القرار الرابع للدفاع عن تركيا في حالة قيام الحرب 0 ومن خلال هذه اللعبة للولايات المتحدة استطاعت مع تحالفها الأنجلو أمريكي عمل شرخ في جدار دول الاتحاد الأوربي ، بحيث بواسطة بريطانيا استطاعت أمريكا أن تجر وراء قراراتها العدوانية كلٌ من ايطاليا وأسبانيا والبرتغال وأربعة دول أوربية أخرى ، وذلك جعل محور باريس – برلين وحيداً في أوربا ، وفي الناتو ، ولكنه قوياً في مجلس الأمن بحيث تدعمهُ كلٌ من روسيا والصين ومعظم الدول ذات العضوية الغير دائمة في مجلس الأمن . 0

     ولكن هذه المعارضة القوية الفرنسية الألمانية في الناتو وأوربا ومجلس الأمن من الناحية السياسية لا تعني بأن هذه الدول إذا روعت مصالحها ستمانع قيام الحرب ، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها حرب القرم في القرن التاسع عشر ميلادي . 0

     أما بالنسبة للمدرسة الأتاتوركية التركية كانت تلعب لعبة استدرار مصالح الحرب ودرء سلبياتها بالأساليب التالية  فاللعبة التركية بدأت بإثارة المادة الرابعة التأسيسية للناتو المذكورة أعلاه ، ونشأ بسبب المادة الرابعة نزاعات في الناتو كادت تعصف به 0 وبعد فترة وجيزة استطاعت تركيا أن تحقق مطالبها الدفاعية من الناتو ، وقال جورج دو برتسون أمين عام حلف الناتو  ” استناداً للمادة الخامسة سنرسل طائرات مراقبة من طراز اواكس وبطاريات صواريخ لتركيا وهي حليف مهدد ” ويضيف ” لهذه الغاية يستخدم حلف الناتو بين الدول الديمقراطية ” . 0  الوطن العدد 2728  والمرحلة الأخيرة من المطالب التركية من المنظمة الدولية والناتو هو ما قاله الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر ” يجب صدور قرار عن الأمم المتحدة يجيز استخدام القوة قبل أن تدرس تركيا فتح أراضيها للجنود الأمريكيين ” ، أما بالنسبة لشروط تركيا لتقديم التسهيلات اللوجستية للناتو هي  أن يدفع لتركيا 25 مليار دولار ، وشطب ديونها العسكرية ، وكذلك الموافقة على رفع نسبة حصة الصادرات من المنسوجات التركية ، وتسهيلات لدخول الحديد والصلب التركي للسوق الأمريكية   الخليج العدد 8676 0

     ومن الناحية الجيواستراتيجية تمانع تركيا قيام دولة كردية مستقلة عند حدودها الجنوبية الشرقية  الخليج العدد 8676 0 وبعد كل هذه الشروط ، ربطت الحكومة التركية موافقتها على هذه الشروط بقرار تصويت البرلمان التركي ، وهنا تعطي الحكومة التركية نفسها المرونة الكافية لتحقيق هذه الشروط أو أقصى حد منها ، وحتى تبرهن للأمريكان في حالة الضغط عليهم بأنهم دولة ديمقراطية والأمور الاستراتيجية يحسمها البرلمان ، علماً بأن الحكومة التركية ، والبرلمان ، وأمريكا ، يعلمون جيداً من هي الجهة ذات القرار الأخير في تركيا ؟ . 0

     وعندما واجهت أمريكا معارضة ضخمة من محور باريس – برلين في الناتو وأوربا ومعظم الشعوب الأوربية معهم ، ومن محور باريس – برلين – روسيا – الصين، في مجلس الأمن ، مما شكل تحالف أوراسي في مجلس الأمن ، هذا جعل الولايات المتحدة تلعب لعبةً خطيرة بالنسبة لهيمنتها العالمية وهي ما قاله الرئيس بوش  “الولايات المتحدة مستعدة لخوض الحرب من خلال تحالف من الدول التي تتخذ موقفاً مماثلاً سواءً أيدت الأمم المتحدة ذلك أم لا ”  الخليج العدد 8665  0 نعتقد بأن هذه مناورة من بوش لأن التنظيم الدولي الحالي ممثلاً بالأمم المتحدة ، ومنظمة التجارة العالمية ، وصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ، يمثل أفضل الآليات لتسهيل الهيمنة الأمريكية على هذا الكوكب إلى فترة زمنية غير قصيرة . 0

     من هنا نرى النقد المبطن والخلافات الفكرية بين الجيوبوليتيكيين الأمريكان على التهور الذي تقوم عليه استراتيجية بوش الابن 0

     أولاً  نبيغنيو بريجنسكي  الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع التحفظات بشأن العراق ، خلقت انطباعاً بأن بعض زعماء أمريكا خلطوا بين حلف الناتو ومعاهدة وارسو 0 والأسوأ من ذلك ، أن ابتهاج واشنطن لانقسامات الأوربيين تجاه موقفها ، عزز موقف الأوربيين الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة 0 فالولايات المتحدة ، يعتقد الأوربيين بأنها باتت تخطط لوضع استراتيجيات كبرى بشأن التحالفات ، مثلاً كالهند ، وروسيا ، وإسرائيل ، بدلاً من الناتو ، وكل هذه الدول يكن عداء ما لبعض بلدان العالم الإسلامي 0

     ويرى كذلك بريجنسكي أن على أمريكا أن تمنح عمليات التفتيش والتدقيق الدولية شهور عدة ، مطلوبة للتأكد بشكل أوضح ، مما إذا كان العراق قد أذعن مرغماً أم أنه يواصل التحايل المتعمد 0

     ويرى بريجنسكي بأن الرأي الذي يقول إن نشر القوات الأمريكية في المنطقة يستلزم إشعال الحرب عاجلاً ليس بالضرورة رأياً موثوقاً به  فالقوات الأمريكية الجاهزة للحرب ، والتي تجاوز عددها مئات الآلآف ظلت منتشرة في أوربا لعقود طويلة ، وقدرة أمريكا على نشر قواتها اليوم باتت أعظم من أي وقت مضى 0

     ويختم قائلاً إذعان العراق المتواصل سيتطلب قبول الولايات المتحدة أن يكون نزع الأسلحة كمحصلة ، والتحدي خلال أية مرحلة قد يعني حرباً تدعمها الأمم المتحدة ، ويترتب عليها تغيير النظام  الشرق الأوسط العدد 8850  0

     ثانياً  نرى التناقض لتصورات بريجنسكي ، من خلال ما قاله هنري كيسنجر  إذا انتهت الأزمة من دون تغيير النظام في بغداد ، وإذا أرسلت الولايات المتحدة مائتي ألف من قواتها إلى المنطقة  الشرق الأوسط  لتعيدهم من دون تحقيق أكثر من احتواء ضبابي لنظام أخل بقرارات الأمم المتحدة لأكثر من عشر سنوات ، فإن مصداقية القوة الأمريكية في الحرب ضد الأرهاب ، وفي الشؤون الدولية عموماً ، سوف تتضرر بشدة، وربما بلا إمكانية لإصلاح الضرر 0

     أما بالنسبة للناتو فيرى كيسنجر بأنه لن ينتعش هذا التحالف إلا عبر تفعيل المشاعر والروح المعنوية بعيداً عن قيود القانون والمواثيق 0 إن الحلفاء الذين يشعر شركاؤهم أن بوسعهم الاستفادة من فشلهم على المدى الطويل ليسوا حلفاء 0 وإذا أريد لحلف الناتو أن يبقى مؤثراً في مواجهة تحديات المرحلة الجديدة ، فإن على قادته أن يعثروا على تعريف جديد لتطلعاتهم  الشرق الأوسط العدد 8839  0

     الملاحظة هنا بأن الرأي الأول لبريجنسكي يميل أكثر لتطبيق القانون الدولي العام واحترام الميثاق الدولي ، أما الرأي الثاني لكيسنجر فهو رأي سياسي ويحمل في طياته حلم إقامة إسرائيل الكبرى .. 0

    المحور الثالث  خلاف الناتو ، وتوزيع الأدوار

     السؤال الذي يطرح نفسه إذا لم يستطع الأمريكان تنفيذ الاستراتيجية الشرق أوسطية  هل ستقوم أمريكا بحل المنظمات الدولية ؟. 0

     كل ما ذكرنا في الجزء الأول مجرد مناورات ، فالمنظمات الدولية المعاصرة هي أفضل من يخدم الاستراتيجية الأمريكية الكونية 0 ولكن ذلك لا يمنع أن تقيم أمريكا تحالفات توازن مع أقطاب أوراسية متنافسة فيما بينها ، وكل منهم له مشاكل مزمنة مع المسلمين ، مثل روسيا ، والهند ، وإسرائيل ، وخاصةً بعد إعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت القيادة الإسرائيلية ، وذلك لا يمنع أن تبقي أمريكا تحالفها مع أوربا من ضمن الناتو ، ولكن تحقيق ذلك كله يعتمد على التكتيك الذي سوف تستخدمه أمريكا، وتوزيع الأدوار على القوى المتناحرة بعد الحرب الباردة . 0

     ولكثرة النزاعات على توزيع الأدوار ما بين الدول العظمى ، أصبحت كل من روسيا وفرنسا وألمانيا والصين ، تبدي استيائها من الأحادية القطبية الأمريكية وتبحث عن عالم متعدد الأقطاب  الوطن العدد 2734  0

     فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقول  ” الحقيقة المطلقة أن روسيا بلد أوروبي من الناحية الجغرافية والفكرية والثقافية 0 وموسكو ترحب بطرق التكامل في أوربا ولا يتخيل تطوير روسيا من دون تطوير أوربا الخالية من الخطوط التقسيمية ”  الخليج العدد 8679  0

     وهذا مؤشر خطير بالنسبة لأمريكا فعندما تتم إعادة تشكيل العالم الأوراسي ، سواءً تشكلت الكتل المذكورة أعلاه ككتلة واحدة ، أو مجموعة من الكتل المتحالفة ، فذلك سيشكل عالم التوازن خارج الإشراف الأمريكي . ، وفي هذه الحالة ، ربما تتمكن أوراسيا من منافسة القطبية الأحادية لأمريكا 0

     ونجد حتى الاستراتيجيين الروس مثل الكسي كيينا يقول  ” إذا بدأت أمريكا بالعراق ، فستذهب بعدها للسعودية ، وبعد ذلك إيران ، وبعد السيطرة على هذه الدول الغنية بالنفط ، ستذعن تلقائياً منظمة الأوبك للمطالب الأمريكية ، وذلك سيؤدي إلى تخفيض حاد في أسعار النفط ” 0

     ويقول كيينا  ” ولنفترض أن أسعار النفط انخفضت تحت 10 دولار للبرميل الواحد فإن روسيا ستعود إلى وضع 1998م ولن يكون الوقت كافياً لديها للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وستجري عملية السباق النووي ، وعلى الأرجح فإن الاستراتيجيين الأمريكان لا يفكرون بذلك ”  الخليج 8629  0

     إذاً الاستراتيجية الضاغطة من الممكن أن تولد عالم توازن خارج السيطرة الأمريكية ، أو من الممكن أن تعيد الحرب الباردة ما بين أمريكا وروسيا ، أو ربما أمريكا واوراسيا 0

     أما بالنسبة للولايات المتحدة فقاتلت ما يقارب عقداً من الزمن ، منذ انتهاء الحرب الباردة ، لكي تطبق استراتيجية عولمة العالم بالطريقة الأمريكية ، ولكن هذه الاستراتيجية فشلت فشلاً ذريعاً في العالم وخاصةً الشرق الأوسط  راجع آل ثاني ، فهد ، كتاب العالم الإسلامي ، ودراسات في الجغرافيا السياسية  0

     وبسبب فشل أمريكا في استراتيجية العولمة قفز العجز في الميزان التجاري الأمريكي من 100 مليار دولار عام 1990م ، إلى 450 مليار دولار عام 2000م ، والأخطر في العجز التجاري في عام 2000م هو بأن الواردات النفطية لا تشكل إلا 18% من الواردات الأمريكية ، أما 82% الباقية فهي سلع صناعية مستوردة . 0

     ومن الأدلة على الفشل الأمريكي في إدارة عولمة العالم بأن أمريكا أصبحت في موقع التبعية لا موقع الحكم ، والدليل على ذلك بأن العجز التبادلي مع الصين في عام 2001م 83 مليار دولار  الشرق العدد 5364  0

     ويقول الكاتب الفرنسي ايمانويل تود  أن الأمبراطورية الأمريكية ، شبيهة بالأمبراطورية الرومانية التي كانت تعتمد على الاستيراد الخارجي ، منها إلى الأمبراطورية السوفيتية التي كانت تعتمد على الاكتفاء الذاتي 0 فأمريكا امبراطورية للإستهلاك لا للإنتاج ، وحاجتها إلى العالم في استهلاكها أشد من حاجة العالم إليها في إنتاجه 0 ولكن الوقت الذي بات فيه العالم ضرورياً لها لتحافظ على مستوى استهلاكها الأمبراطوري ، فإن هذا العالم نفسه لا يقع تحت سيطرتها الاستراتيجية ، فالقطبان الندان لها في مجال الإنتاج الصناعي وهما الاتحاد الأوربي واليابان العجز التجاري الأمريكي يبلغ مقابلهم 60 مليار دولار ، و 68 مليار دولار على التوالي 0 فبالتالي لا تجمعهم مع أمريكا علاقة تبعية ، كما يقضي المنطق الأمبراطوري 0 كذلك فإن القطبين الكبيرين الآخرين في العالم ، وهم الصين وروسيا يقفان خارج مجال سيطرة واشنطن الاستراتيجية ، لاسيما أن روسيا تتمتع باستقلالية نووية تامة  الشرق العدد 05364

     وكما ذكرنا سابقاً بأن أمريكا عندما شعرت بعجزها التجاري الكبير مع الصين ، وكذلك مخافةً من أن تطور الصين تكنولوجية الأسلحة الذكية ، أصبحت الولايات المتحدة تحارب تصدير التقنية إلى الصين ففي عام 2001م مثلاً تسلمت وزارة التجارة الأمريكية 1294 طلباً فيما يتعلق بتصدير التكنولوجيا إلى الصين ، 72% من الطلبات حصلت على موافقة ، بينما رفضت وزارة التجارة الأمريكية تصدير 28% من الطلبات  الخليج العدد 8679  إذاً أين العولمة التي تطالب بها أمريكا من ذلك ؟. 0

     أمريكا ستحاول تطبيق سيطرتها العالمية من خلال محاولة المحافظة على تفوقها في عالم الجنوب ، وخاصةً الشرق الأوسط لأن ذلك سيعطي أمريكا سيطرة مباشرة على 72% من احتياطيات النفط في العالم ، و 35% من احتياطيات الغاز الطبيعي        آل ثاني، فهد ، عالم إسلامي ، ص 101 0

     ولكن إذا فشلت ، لن تغامر أمريكا مغامرةً غبية في إلغاء المنظمات الدولية أو بعضها ، أو إجراء مواجهة مباشرة مع القوى الموجودة في العالم الأوراسي ، ولكن أكثر المخاوف في ذلك هو على توزيع الأدوار في الشرق الأوسط ، من خلال إتفاقية سرية تعقدها أمريكا والدول الأوراسية المنافسة لها لتوزيع الأدوار في الشرق من تحت الطاولة 0 والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها الاتفاقية الثلاثية السرية التي جرت في 22 أكتوبر 1956م ما بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ، وكانت تنص هذه الاتفاقية على محورين  الأول  الاستفادة من محاولة الرئيس عبد الناصر عندما أمم قناة السويس كذريعة لضرب مصر ، وإعادة قناة السويس إلى الشركة الفرنسية  الأهرام العدد 18 فبراير 2003م  ، علماً بأن مجموعة من الاستراتيجيين ومنهم أمين هويدي قالوا سواءً قناة السويس كانت عند الشركة الفرنسية أو عند مصر صاحبتها الأصلية ، فلا يوجد وسيلة عند المصريين للاستفادة من القناة إلا عندما تؤدي وظيفتها لعبور السفن ، وخاصةً السفن الأجنبية والطرف المصري يحقق ريعاً كبيراً من وراء ذلك 0 فبالتالي العدوان الثلاثي على مصر كان الهدف منه تجريد مصر من السلاح الذي استوردته من أوربا الشرقية ، وإسقاط عبد الناصر من السلطة ، وأخيراً إعادة قناة السويس إلى السلطة الفرنسية .  الأهرام 18،2،2003م  0

     المحور الثاني  الاتفاقية السرية أعلاه ألغت البيان الثلاثي لعام 1950م الذي فرضت بواسطته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا توازن قوى إقليمياً لمصلحة إسرائيل 0 بمعنى آخر التفاف من القوى الاستعمارية  فرنسا وبريطانيا  لإخراج القوة الامبريالية الحديثة  الولايات المتحدة  من الشرق الأوسط  الأهرام 18،2،2003م  0

     ولكن أمريكا قابلت هذه الدول بغضب شديد ، فالسرية وحجم العدوان لم يغضبان أمريكا ، وإنما أغضبتها محاولات فرنسا وبريطانيا العودة إلى المنطقة ، وهذا يعني فشل سياسة ملء الفراغ وإفشال حلف بغداد ودفع العرب نحو الأتحاد السوفيتي  الخليج العدد 8679  0

     فكما ذكرنا أعلاه فأمريكا سوف تضغط لإبتلاع الكعكة كاملةً لوحدها ، ولكنها إذا فشلت ، ستضطر لعقد اتفاق من تحت الطاولة مع القوى المنافسة لها لإعادة توزيع الكعكة الشرق أوسطية 0 وذلك ليس بجديد على القوى الاستعمارية ، فعندما تصارع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى على الكعكة  الامتيازات النفطية ، الشرق أوسطية اضطروا في النهاية لتقسيم الكعكة فيما بينهم ، فانشأت ما يسمى شركة نفط العراق وأعطيت امتياز الشرق الأوسط بأكمله ، تحت اتفاقية تسمى اتفاقية الخط الأحمر ، وكان تقسيم الحصص في شركة نفط العراق كالتالي  75ر23% لكل شركة من شركات الدول التالية أسماؤها  بريطانيا ، وهولندا ، وفرنسا ، والولايات المتحدة الأمريكية ، وأرمني يدعى سركيس جو لبيكان اعطى 5% لدوره في التأسيس وتنسيق إدارة الشركة ( Al-Thani.F.Phd. PP. 41 – 46) 0

     والآن لا نستغرب أن تعيد أمريكا توزيع الحصص في الشرق الأوسط حتى لو كان لفترة مؤقتة ، ونعتقد ربما يكون توزيع امتيازات الهايدروكاربون الشرق أوسطي كالتالي  40% للشركات الأمريكية ، و 10% للبريطانية ، و 10% للفرنسية ، و 5% لكل من  روسيا وإيطاليا وألمانيا وكندا والصين ، وما تبقى يقسم بالطريقة الأمريكية قسمة غرماء ما بين الشركات العالمية . 0

     أما بالنسبة للعرب فكالعادة سيخرجون من جميع السيناريوهات خاليي الوفاض ، وأكبر دليل على ذلك المعارضة العراقية ، منذ ثمانية سنوات وأمريكا تعدهم بأنها ستحرر العراق من قبضة الرئيس صدام ، وستسلمهم السلطة في بلدهم ، وعندما اقتربت ساعة الصفر لكي تقوم أمريكا بتنفيذ عدوانها على العراق قالت للمعارضة بعد خلع صدام سيكون دوركم استشاري فقط في إدارة العراق ، أما حاكم العراق سيعين بالطريقة الأمريكية . 0

     ويقول أحمد جلبي أشهر زعماء المؤتمر الوطني العراقي  يجب أن لا تكون هناك فجوة في سيادة العراقيين على العراق   الوطن العدد 2728  0

     وفي اجتماع أنقرة الذي عقدته المعارضة العراقية في فبراير 2003م  قالت امريكا بصريح العبارة أن على زعماء المعارضة ألا يتوقعوا دوراً أكثر من تقديم المشورة إذا احتاجها الأمريكيون في معالجتهم للقضية العراقية   الخليج العدد 8676  0

     وما يحدث للمعارضة العراقية الآن هو ما حدث لزعامات عربية في القرن التاسع عشر والعشرين عندما عقدوا تحالفات مع المستعمرين ، على أنه بعد أن يسيطر المستعمر على الموقف ، يسلمهم السلطة ، ولكن بعد أن ينتصر المستعمر يغرر بهذه الزعامات ، أو ينفيها ، أو يصفيها جسدياً ، أو يسلمها سلطة لا تزيد على كومةً من صخر ، بعد أن كان يواعدها بأن يسلمها سلطةً تعلو على قمة ايفرست في جبال الهمالايا 0

     وفي الختام هل نستوعب الدرس ونضع استراتيجية شرق أوسطية لهذه الأمة ..؟0

    ونتمنى من اللّه التوفيق لنا ولكم ولجميع المسلمين ،،،

      قائمة المراجع

    1- آل ثاني ، فهد ، جغرافيا سياسية ، عمان ، دار وائل ، والدوحة ، مكتبة الثقافة ، 2000م 0
    2- آل ثاني ، فهد ، استراتيجية التنمية ، الدوحة ، مكتبة الثقافة ، 2001م 0
    3- آل ثاني ، فهد ، البلقان مفتاح السيطرة العالمية ، مجلة كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية ، جامعة قطر ، العدد الرابع والعشرون ، الدوحة ، خريف 2001م 0
    4- ال ثاني ، فهد ، قوى الجنوب الآسيوي والصراع على كشمير ، مجلة دراسات ، الجامعة الأردنية ، عمان ، كانون الأول ، 2001م 0
    5- آل ثاني ، فهد ، النظام الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي ، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية ، جامعة قطر ، العدد الثالث عشر ، الدوحة ، 2001م 0
    6- آل ثاني ، فهد ، العالم الإسلامي ، الدوحة ، مكتبة الثقافة ، 2002م 0
    7- سليم ، محمد ، تطور السياسة الدولية ، القاهرة ، دار الأمين ، 2002م 0
    8- صحيفة الأهرام ، 18،2،2003م 0
    9- صحيفة الخليج ، الأعداد  8629 ، 8665 ، 8676 ، 8679 0
    10- صحيفة الراية ، الأعداد  7546 ، 7585 0
    11-  صحيفة الشرق ، العدد 05364

    12 صحيفة الشرق الأوسط ، الأعداد  8839 ، 8850 ، 8853 0
    13- صحيفة الوطن ، الأعداد  2728 ، 2734 0
    14- AL – Thani,Fahd, The Spatial Impact of The Hydrocarbon Industry On Land and Sea Use of Qatar, Ph,d Thesis Durham University, U.K. 1992.

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *