بسم الله الرحمن الرحيم

    9/5/2006

     · ولكن ما هو المتوقع لو خاضت إيران حرب باردة من أجل ملفها النووي ؟

    بغض النظر عما قيل عن النظام الإيراني من آراء ، من خلال وكالات الأنباء العالمية ، فإنه لابد لنا أن نقر بأن إيران يوجد بها تداول للسلطة ، والدليل على ذلك خلال فترة ربع قرن من الزمن ، شهدت إيران سبعة رؤساء منتخبين ، أقصى حد لولاية كل رئيس دورتين انتخابيتين فترة كل واحدة منهما 4 سنوات فقط ، ويكفي هنا أن نقول للجميع ، بأن باب الاستبداد الفردي بالسلطة شبه مقفول تقريباً في إيران الإسلامية ، وبذلك إيران تشارك دولتين في الشرق الأوسط من حيث سلاسة تداول السلطة ، هما : تركيا وإسرائيل ،  ومن الممكن أن نضيف لهم الهند بما أنها تقع على حدود ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير ! .

    إذاً الفرصة التي حصل عليها زميلنا الأكاديمي محمود نجاد بانتخابه رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية ، يمثل حلماً مستحيلاً بالنسبة للسياسيين الآخرين في الشرق الأوسط بإستثناء الدول المذكورة أعلاه !! . ولكن هل يستغل السيد نجاد هذه الفرصة ؟ ! .

    فإيران الآن تمر في أخطر مراحل التنمية الاقتصادية وهي مرحلة الانطلاق (Take off) حسب تصنيف روسو ، وهذه المرحلة في التنمية تعتبر مرحلة حرجة ، فإما أن تصعد الأمة إلى أعلى وتصبح من ضمن الدول المتقدمة ، أو تعود الأمة إلى الخلف وتصبح في مرحلة ما قبل الانطلاق (Pre Take off) . وفي الاقتصاد السياسي ، بأن الدول المتقدمة غالباً لا تسمح للدول النامية أن تتعدى مرحلة الانطلاق ، بمعنى آخر ، فن اللعبة السياسية بالنسبة للدول المتقدمة هو أن تترك الدول النامية تدور في حلقة مفرغة ؛ ما بين قبل الانطلاق والانطلاق ، ولكن يحظر على الدول النامية أن تتعدى هاتين المرحلتين ، لأنها بعدها ستصبح متقدمة ، وعندما تكون كذلك تصبح أصول اللعبة الإقليمية والدولية بالنسبة لها تغيرت ! .

    وهناك أمثلة كثيرة على ذلك ، مثلاً عندما وصل كلا من إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي إلى مرحلة الانطلاق ، حدثت الحرب العراقية الإيرانية لمدة ثمان سنوات ، أكلت الأخضر واليابس وأعادتهم إلى مرحلة ما قبل الانطلاق . وعندما وصلت دولة الكويت في بداية تسعينيات القرن الماضي إلى مرحلة الانطلاق ، كدولة خدمات ، وأصبحت تملك رؤوس أموال ضخمة على مستوى العالم ، حدث لها أزمة أدت إلى انتهائها كدولة من خارطة العالم ، ما بين 2 أغسطس 1990م إلى 25 فبراير 1991م ، ودفعت معظم أرصدتها من أجل تحريرها من الاحتلال العراقي أولاً ، وثانياً لإعادة بنائها ، حيث أن الدمار الذي أصابها أعادها إلى مرحلة ما بين التأسيس وقبل الانطلاق !! . الأغرب من ذلك المملكة العربية السعودية من خلالها خطط التنمية الخمسية المطبقة لديها منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن ، وصلت إلى مرحلة الانطلاق ، ولكنها تمر الآن في عنق زجاجة ، وإذا لم تستطع أن تجتاز هذه المرحلة ، وتوسعت دائرة الصراع الداخلي ، لا سمح الله ، ذلك سيعيدها مرةً أخرى إلى مرحلة ما بين التأسيس وقبل الانطلاق . وسأسوق لكم مثال آخر حي ، ويمكن للجميع أن يتابعه على مستوى العالم . الصين الآن تعتبر من أكثر الدول نمواً في العالم ، حيث ينمو ناتجها المحلي بمعدل 10% سنوياً ، ووصلت إلى مرحلة ما بين الانطلاق والتقدم ، واستدرجت أكثر من مرة لكي تخوض سباق تسلح مع الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن بدهاء الصينيين دائماً يحاولون تجنب الاستفزاز ، وهضم أية أساليب تحريضية ، والسير في برامجهم التنموية ، والآن أصبحت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية تزيد على 200 مليار دولار سنوياً ، ويتوقع في الفترة ما بين العقد الثاني والثالث من هذا القرن ، أن يصبح الناتج المحلي الصيني يعادل الناتج المحلي الأمريكي . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل نستوعب الدرس نحن كشرق أوسطيين ؟ ! .

    ·                 هل الاستراتيجية الإيرانية تقوم على الدبلوماسية الناعمة أم الصلبة؟ .

    أعتقد من خلال متابعتي للداخل الإيراني ، أن إيران تعتمد على الدبلوماسية الناعمة ، فإيران كدولة لم تعتدي على دولة جارة منذ فترة تزيد على 250 عام كما يقول بعض المحللين ، وهذا أعطاها الكثير من الفوائد، حيث أن جميع الظروف الإقليمية دائماً تقوم على خدمتها ؛ ففي عقد الشاه الإيراني بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي بداية الحرب الباردة ساندت الولايات المتحدة الأمريكية استقلال إيران ضد السوفيت الذي حاول أن يقتطع إقليمين إيرانيين ، وكذلك في عهد إيران الإسلامية ساهمت الولايات المتحدة في الفترة ما بين 2001م – 2003م بتقديم أكبر خدمة أمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وهو بالقضاء على أشرس أعداء إيران المعاصرين في الشرق طالبان أفغانستان ، وفي الغرب البعث العراقي (امين طاهري ) ، وهنا نعتبر أن الاستراتيجي الإيراني أدرك فن لعبة التوازنات الدولية واستوعب مفهوم الحرب بالوكالة ، وإن كنت أرى بعض المفكرين سيقولون ذلك مجرد صدف ، ولكن لابد أن نذكرهم بأن أصول اللعبة السياسية لابد أن يحالفها هامش من الحظ أو الصدف كما يقولون !!.

    ولكن إدراك إيران لأصول اللعبة السياسية نستطيع أن نفسره من خلال رأي المحافظين بعد احتلال العراق في عام 2003م ، فآية الله كاشاني أحد أبرز علماء الدين المقربين من آية الله خامنئي قال من خلال تفسيره لشعار الموت لأمريكا ، الذي يتصدر شعارات الثورة ، إذ قال : هذا الشعار لا يعني الموت للشعب الأمريكي ، أو الموت للصناعة المدنية وللعلم وللأشياء الطيبة في أمريكا ، وإنما الثورة تقصد الموت للأعمال الظالمة التي يمارسها المسؤولون الأمريكيون ، وللسياسة الخادعة والتوجهات الخاطئة للإدارة الأمريكية ! .

    أما بالنسبة للتهديدات التكتيكية التي يستخدمها الأمن الإيراني ، وهي نوع من آليات اختبار ردة الفعل عند الأطراف الأخرى ، والدليل على ذلك، الجيش الإيراني تراجع عن تهديده الذي قال فيه أن إسرائيل ستكون أول هدف لإيران إذا تعرضت لهجوم من القوات الأمريكية ، بشأن خططها النووية .

    والأهم من ذلك كله زعيم الثورة الإيرانية الإمام آية الله خميني حرّم استخدام الأسلحة النووية ! . ومن هذا المنطلق نكاد نجزم لكم بأن إيران الإسلامية تريد استخدام برامج الطاقة النووية لأغراض سلمية ، ولكن عدم تعاونها مع وكالة الطاقة الدولية يعرضها إلى تفسير سوء النية ، وهذا التفسير يساهم في استفزاز إيران ، واستفزازها يؤدي إلى رد فعل سلبي ، من حيث التعاون مع وكالة الطاقة ، وعدم تعاونها مع وكالة الطاقة يؤدي إلى تكريس الضغوط عليها ، إلى أن تصل إلى مرحلة العقوبات الدولية ، لاسمح الله  ! . ولو وصلت إيران لمرحلة العقوبات الدولية ، فإن ذلك سيؤدي إلى عودة إيران إلى مرحلة التأسيس التي بدأتها منذ عقدين من الزمن تقريباً بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988م ! .

    فإيران الآن حققت التالي :

    أولاً : بدأت بخصخصة بعض القطاعات الخدمية والصناعية بنسبة تصل إلى 15% في المرحلة الأولى .

    ثانياً :      استطاعت الحكومة الإيرانية تخفيض البطالة من 16% إلى 10% الآن . وطبقاً للخطة الخمسية الإيرانية الثالثة هو خلق 765 ألف فرصة عمل سنوياً .

    ثالثاً :      سهولة تسويق الصادرات الهايدروكاربونية إلى كثير من الدول وعلى رأس القائمة صفقات ضخمة مع الصين والهند ، وكذلك دول الجوار الخليجي العربي مثل : سلطنة عمان ودولة الكويت ، وبعض الدول الأوربية مثل ايطاليا .

    رابعاً:     كذلك استطاعت إيران رفع الصادرات الغير النفطية بنسبة تصل إلى 14.2% .

    خامساً: استطاعت أن تحقق إيران اكتفاءً ذاتياً بالنسبة للقمح ، واستطاعت أن تنتج ما يقرب من 80% من حاجتها من الأرز .

    وأخيراً: نمو ناتجها المحلي بنسبة تصل 4.8% !! . ولو استطاعت أن تتحاشى مع العقوبات التي تستدرجها ؛ ومع الارتفاع الضخم لأسعار الهايدروكاربون سيساهم ذلك إلى ارتفاع الناتج المحلي الإيراني إلى الضعف تقريباً ، بمعدل يصل إلى 9% وذلك سيساهم في خفض نصف معدل البطالة ، أي احتمال كبير أن تصبح البطالة في إيران عند حدود 5% ، وهذا هو المعدل المقبول دولياً وأفضل من كثير من الدول المتقدمة في أوربا وأمريكا !! .

    ·                 ولكن ما هو المتوقع لو خاضت إيران حرب باردة من أجل ملفها النووي ؟

    في البداية من الناحية الإقليمية ستكون إيران ودول المنطقة هم الخاسر الأكبر ، لأن المنطقة ستدخل في مرحلة سباق تسلح ، وسيؤدي ذلك إلى امتصاص جميع الحديد الخردة الموجود في الشرق والغرب ، والذي انتهت صلاحيته أصلاً . أما من الناحية العالمية .. هل سيغير ذلك شيئاً ؟. طبعاً لا ، وحتى لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً ، وليس طاقة نووية ، لن يغير ذلك شيئاً من حيث القوى العالمية ، والدليل على ذلك هو الباكستان ، تمتلك الآن السلاح النووي والرؤوس والصواريخ التي تحمل سلاحها النووي إلى أكثر من 2000كم ، وراهنت الكثير من الدول العربية والإسلامية على سلاح الباكستان النووي ، علماً بأن عدد سكان الباكستان ضعف عدد سكان إيران ، ولكن ما الذي تغير من حيث المعادلة العالمية ؟ بل أرجو من المهتمين بالشأن العربي والإسلامي ، الإجابة على السؤال ، في أي المراحل وضع الأمة الإسلامية أفضل .. قبل امتلاك باكستان للسلاح النووي أم بعده ؟ .

    الصورة الواضحة أمامنا الآن بأن الرئيس الإيراني السيد نجاد ، يملك إمكانيات طبيعية وبشرية كبيرة ، لنقل جمهورية إيران الإسلامية من مرحلة الانطلاق إلى التقدم ، وخاصةً أنه يملك صلاحيات رئاسية لا بأس بها ومنها :

    أولاً :      اختيار وزراء حكومته وتقديمهم لمجلس الشورى لإجراء تصويت الثقة على تعيينهم .

    ثانياً:       المصادقة على القوانين وتطبيقاتها بعد المصادقة عليها من مجلس الشورى .

    ثالثاً:       رئاسة اجتماعات مجلس الأمن القومي .

    رابعاً:     إدارة ميزانية الدولة ، وتنفيذ خطط التنمية بعد مصادقة مجلس الشورى عليها .

    الخلاصة أن السيد نجاد كرئيس منتخب حاصل على 60% من أصوات الناخبين الإيرانيين 22 مليون الذين سجلوا أسمائهم في قائمة الانتخابات ، وبالإضافة إلى ذلك يملك صلاحيات تنفيذية لا بأس بها كما هو مذكور أعلاه ، ويرأس دولة تملك موارد طبيعية وبشرية ضخمة ، وعنده مواصفات كرزماتية جعلته مؤثراً على الشارع الإيراني ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ، ماتبعناه وسمعناه  من الشارع الإيراني ، بأن يديه نظيفتان من الفساد بشكل عام ، كل ذلك يعطيه الفرصة مع الارتفاع الكبير لأسعار النفط على أن يضع برامج اقتصادية سياسية لإيران تركز على إنعاش قطاعات التنمية الثلاثة في إيران ، الأولي والصناعي والبنية التحتية، والابتعاد عن لعبة الاستفزاز السياسي ، والذي يقود لحرب باردة ونتيجته ستجعل إيران توجه مواردها جميعها لصناعة الحديد والنار ، وهذا الحديد لن يفيد شيئاً في المعادلة الدولية إلا تهميش إيران الإسلامية ، ووضعها في زاوية وسيدفع هذه الفاتورة للأسف ، ما يقارب 75 مليون مواطن إيراني ! .

    الاتهام الموجه لإيران الآن بأنها غير مهتمة بالشأن الإسلامي ، وإنما أحلامها الكبرى هو إحياء العصبية الفارسية ، والمثال الذي يضرب على ذلك بأن حكومة السيد نجاد أصدرت طابعاً بريدياً يحمل شعار الطاقة النووية ، والطابع يبرز برسيبولس عاصمة الفرس القديمة ، وقد فسر ذلك بعض المحللين أن الأمبراطور الفارسي كان يتسلم الهدايا والعطايا من شخصين ، أحدهما هندي حافي القدمين ، وآخر أرمني ، واليوم صار الهندي يمتلك قنبلة نووية ، وصار لدى الأرمني مفاعل للطاقة النووية لإنتاج الكهرباء ، ويوضح المحللين أن الرسالة هي أن هويتنا العريقة راسخة وأن الدول الفقيرة التي كانت تقدم لنا الهدايا ، أصبحت الآن متقدمة علينا .

    ونحن نرى هنا بأن إيران الإسلامية تفتخر بهويتها الإسلامية ، والدليل على ذلك هو تسمية الدولة الإيرانية بعد الثورة عام 1979م بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ، وكذلك بإمكان إيران أن تمتلك الطاقة النووية للأغراض السلمية من خلال الترويكا الأوربية ومنظمة الطاقة الدولية .

    أما من حيث أن تصبح إيران في مصاف الدول المتقدمة ، ومن الدول العظمى كما يحلوا للبعض تسميتها ، فالطريق إلى ذلك شاق ، ولكنه من خلال الإمكانيات الإيرانية إذا وظفت التوظيف السليم بالامكان الوصول إليه ، فإيران ما زالت تعتمد اعتماد شبه كلي في دخلها القومي على المواد الأولية ، وما يقارب 90% من العائدات الإيرانية من النفط ، ولكي تصبح إيران دولة متقدمة ، لابد لها من تقليص اعتمادها على المواد الأولية بنسبة تصل إلى أكثر من 50% .

    ·                 السؤال الذي يطرح نفسه : هل إيران لديها هامش للتفاوض ؟ .

    نعم ، كل الأبواب مفتوحة لإيران من أجل التفاوض ، ففي باريس أعلن رئيس الوزراء الفرنسي في 4/5/2006م ( أن العملية العسكرية ضد إيران ليست حلاً ، بل تزيد الأخطار مثل تلك الموجودة في العراق ) .

    وقال السيد انان الأمين العام للأمم المتحدة في مقابلة مع محطة تلفزيون  PBS  الامريكيه أنه يرى لابد من حوار مباشر ما بين واشنطن وطهران . وأكد المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا ، السيد شولتي في 4/5/2006م في لندن ( يريد أن يواصل العمل من خلال مجلس الأمن للوصول إلى حل دبلوماسي ) .

    هنا نرى بأن جميع الخيارات الدبلوماسية الرخوة والصلبة مطروحة أمام السيد نجاد ، أما أن يأخذ بالأولى ، أو لا سمح الله ، الوصول إلى الخيارات الصلبة ، وبداية هذه الخيارات هو المشاورات التي عقدتها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، لبحث مشروع القرار الذي يتصرف تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، ليلزم إيران من الناحية القانونية ، وقف برنامج تخصيب اليورانيوم . ونلاحظ بأن هناك شبه إجماع من الدول التي من ضمن حلف الناتو ، ولها مقاعد دائمة في مجلس الأمن ، وهي : الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على تطبيق الفصل السابع على إيران ، ويواجه هذا الإجماع معارضة روسية وصينية، ولكن يكاد يجمع المحللين في حالة التصويت على مشروع قرار ضد إيران في مجلس الأمن ، بأن روسيا والصين لن يستخدما حق الفيتو ، وإنما سيلتزمان بالامتناع عن التصويت على القرار ، وهذا مما يسهل مرور مشروع القرار ، أما الدول الأخرى فأرجو من إيران ألا تراهن عليهم كثيراً، لأن عند الحسم لا حول لهم ولا قوة ، إلا بالموافقة أو الامتناع عن التصويت !! .

    ومن الممكن هنا أن يتساءل بعض القراء الكرام ، ما هي خطورة مشروع القرار الذي يتصرف تحت الفصل السابع ؟ .

    فالمادة 41 : تنص على أن لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب إتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته ، وله أن يطلب من أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير . ويجوز أن يكون من بينها وقف العلاقات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية والسلكية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً ؛ وكذلك قطع العلاقات الدبلوماسية . وبعد ذلك تتدرج العقوبات إلى أن تصل إلى العمل العسكري !! .

    ولكن من خلال ملاحظتنا الاستراتيجية أن المادة 41 تعتبر أخطر من العمل العسكري ، وخاصةً إذا عرفنا أن ما يقارب 90% من العائدات الإيرانية تعتمد على العملة الصعبة المستوردة من المواد الأولية ، وبالتحديد النفط ، أما الرهانات الإيرانية الأخرى بالنسبة لروسيا ، فمصالح روسيا الاستراتيجية مع أوربا وأمريكا واليابان ، أهم ليست من إيران فقط ، ولكن كامل الشرق الأوسط ، وسنضرب لكم مثال واحد فقط . فتعطيل تصدير الغاز الطبيعي الإيراني من خلال شبكة الأنابيب الجدلية التي مقترح أنها ستمتد من إيران إلى باكستان والهند ، ومن ثم من الممكن أن تواصل طريقها إلى الشرق الأقصى المتعطش للطاقة ، فهذا التعطيل سيصب لصالح روسيا الاتحادية لأنها بالإمكان من خلال امتدادها القاري الهائل ، وامتلاكها لأكبر احتياطي للغاز في العالم أن تغزو الشرق الآسيوي والغرب الأوربي بأنابيبها الاخطبوطيه الحاملة للغاز الطبيعي ، وهذا الخيار يعتبر إيجابياً لروسيا في حالة عزل إيران سياسياً ، أما الصين فإذا كانت وقعت بالفعل بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الصين  ( مجموعة سنوبيك الصينية ) اتفاقاً تبلغ قيمته 70 مليار دولار للحصول على 250 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال على 30 عاماً ، فنود هنا أن نذكر الأخوة الإيرانيين إذا كان هذا الاتفاق يمثل 70 مليار دولار على مدى 30 عاماً ، فالصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة سنوياً تبلغ أكثر من 200 مليار دولار ، أي أن أهمية إيران الاقتصادية بالنسبة للصين لا تعادل 2% من أهمية سوق الولايات المتحدة .

    أما بالنسبة لمراهنة الأخوة الإيرانيين على جيرانهم العرب والمسلمين الآن ، للأسف ، الوضع العربي والإسلامي على المستوي السياسي الأمني لا يبشر بخير الآن . وهنا نرى لابد لإيران من استخدام الدبلوماسية الناعمة ، وألا سينتهي بها الأمر إلى وضعها محاصرة في زاوية مما سيؤدي بها لكثير من الكوارث الاقتصادية والبشرية والسياسية والأمنية ( للمهتمين مراجعة كتابنا جيواستراتيجية العالم الإسلامي ) لمعرفة التركيب الإيراني من الداخل . وفي حالة الحصار ، لا سمح الله ، سيبقى لإيران خيار واحد فقط ، وهو الاعتداء على بعض دول الجوار اوإسرائيل ، وهنا ستكون إيران بالفعل استجابت لجميع المراحل التي استدرجت إليها ، وخلاصة هذا الاستدراج هو إثبات للعالم بأن إيران دولة عدوانية ، وتمثل خطر للبشرية أجمع !! . والحل لابد لجميع محبي السلام في الأرض من الاتحاد والرد على الاعتداء الإيراني !! .

    الخلاصة : نرى بأنه لابد للزميل الأكاديمي السيد الدكتور نجاد من البحث عن الطرق السلمية لتدارك هذه الأزمة وذلك سيعتبر إنجاز للشعب الإيراني أولاً ، ولشعوب المنطقة ثانياً ، وللعالم أجمع . وأيضاً هناك عنصر مهم لابد من الانتباه له إذا فشلت التجربة الإسلامية في إيران ، بسبب ميلها للعدوانية والتطرف ، فذلك سيشكل لنا كارثة كمسلمين ، لأننا سنحتاج لعقود وربما قرون لكي نثبت للعالم بأن الإسلام ممكن أن يشكل دين ودولة ، وخاصةً للأسف الشديد معظم التجارب الإسلامية الحديثة والمعاصرة فشلت أو أُفشلتْ ، فمثلاً دولة الباكستان استقلت من الهند لأنها تريد تشكيل دولة إسلامية ، ومازال الباكستانيون يبحثون عن حل لدولتهم ؛ والمملكة العربية السعودية قامت كدولة إسلامية ومازال هناك صراع ما بين المعتدلين والمتشددين ؛ والجزائر عندما فاز الإسلاميين بالأغلبية في السلطة التشريعية ألغيت الانتخابات ومازال الجزائريون يعيشون هذه الكارثة , وثورة الإنقاذ في السودان انتهت إلى احتمال تفتيت السودان إلى دويلات ، وطالبان في أفغانستان انتهت باحتلال أفغانستان ؛ وحماس في فلسطين معلقة الآن وتنتظر المساعده من عمقها الإسلامي فإذا نجحت التجارب الإسلامية الأخرى سيكون لحماس إمكانية إثبات الوجود ، ولو فشلت التجارب الأخرى ، فوضع حماس لاسمح الله سيكون سيئاً بشكل كبير !! .

    نحن نرى أن الفرص ما زالت سانحة للنظام الإيراني لاستخدام الدبلوماسية الناعمة ، والاستفادة من تجارب الآخرين مثل حزب العدالة والتنمية الإسلامي في تركيا ، وتجربة مهاتير محمد في ماليزيا ، ومن خلال إمكانية تطوير أنموذج إيراني خاص بالثورة الإيرانية ، أما غير ذلك فلن يتغير في الواقع شيئاً ، وللتذكير فالباكستان تمتلك سلاح نووي وعدد سكانها أكثر من 150 مليون نسمة ، ولم تغير في المعادلة الدولية شيئاً ، والهند عدد سكانها أكثر من 1.1 مليار نسمة ، وتمتلك أسلحة نووية ولها اكثر من خمسة عقود من الزمن وهي تخوض حرب بارده مع الباكستان, والصين عدد سكانها 1,3 مليار نسمه وتملك اسلحه نوويه ولم تستطيع  أن تعيد هونغ كونغ إلا بعد انتهاء المعاهدة البريطانية الصينية على هونغ كونغ مع احتفاظ هونغ كونغ بحكمها الذاتي ، وكذلك لا تستطيع أن تحرك ساكناً بالنسبة لتايوان وذلك لم يغير في المعادلة الدولية شيئاً ، والأهم من ذلك الاتحاد السوفيتي كان يملك أكبر ترسانة أسلحة في العالم ، واكتشف الخبراء والعقلاء السوفيت بأنهم استدرجوا أسوأ استدراج في التاريخ حيث ركزوا كل مواردهم لبناء ترسانة الأسلحة لكي يحافظوا على التوازن الاستراتيجي ، وبعد ذلك على توازن الرعب مع الغرب ، أما الغرب فاعتمد بشكل كبير على تطوير تكنولوجيا خاصة للتسليح ووظفوا هامش كبير من مواردهم في التنمية الاقتصادية ، وفي النهاية انهار النظام الحديدي السوفيتي وتفتت 17 جمهورية سوفيتية ، وتفتت كتلة الكوميكون الاقتصادية ، وتفتت حلف وارسو ، وعادت روسيا الاتحادية لكي تبحث لها عن دور جديد على كوكب الأرض ، وتقدم جميع التنازلات المطلوبة منها بما فيها التخلي التدريجي عن جانب من ترسانتها النووية ، والنتيجة ضمت روسيا إلى مجموعة السبعة الاقتصادية ، والآن تبحث لها عن دور في منظمة التجارة العالمية ، وإن كانت لا تزال عندها طموح في أن تستعيد عافيتها من خلال مغازلة وسط آسيا والصين والهند ، ولكنها في الوقت نفسه تبحث عن ثنائية مع حلف الناتو !! .

    السيد نجاد ، أعلاه يثبت بأننا نحن الشعوب الاوراسية لن تنجح معنا نظرية دارون لأصل الأنواع ، بحيث بررت الدارونيه عملياً هلاك أنواع المخلوقات الضعيفة لاستمرار بقاء الأنواع القوية ، فإن الشعوب الضعيفة يجب أن تزول لمصلحة الأجناس القوية وتقدم الحضارة ، واحتمال إن هذه النظرية نجحت في العالم الجديد ، ولكنها لم يثبت لها نجاحاً بأم القارات اوراسيا في التاريخ الحديث, وذلك يعود لان اوراسيا تمثل اصل كوكب الارض من الناحيه الحضاريه وكل ثقافه في اوراسيا تعتقد هي التي يجب ان تبقى والاخرون اما تابعين اوالى الفناء ونعتقد هنا الحل الوحيد هو تعايش الحضارات .  والأمثلة على ذلك كثيرة صعوبة حضاره واحده القضاء على باقي الحضارات في اوراسيا, فمثلآ  خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ، وانهيار حلم ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية ، خسارة الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة ، وانتهاء الحلم الاستعماري لليابان في الحرب العالمية الثانية ، عدم استطاعة الهند وباكستان الوصول إلى حل جذري وحاسم على كشمير ، عدم استطاعة العرب وإسرائيل الوصول إلى حل حاسم على القضية الفلسطينية .

    ومن هنا أعتقد بأن الحل لابد للعرب والمسلمين من التركيز على تأسيس البنية التحتية الأولية والصناعية والخدمية للإنسان العربي والمسلم ، وهذا سيساهم في بناء أجيال عربية ومسلمة تستطيع أن تقرر مصيرها بنفسها وبطرق سلمية ! . وإن يكن الإنسان العادي ما زال عنده حلم القوة واستشف ذلك من خلال استطلاعات الرأي في الجزيرة . الاستطلاع الأول هل تعتقد أن المشروع النووي الإيراني يخدم قضايا المنطقة ؟ فأجاب 68% من 21133 بنعم ، والاستطلاع الثاني : هل يشكل البرنامج النووي الإيراني تهديداً لدول الجوار فأجاب 72.1 % بلا من 14428 مستطلع رأيهم ، ونحن نوافقهم الرأي بأنه لا يشكل خطر على المنطقة ، باستثناء إيران نفسها ! .

    السيد نجاد ما حصلت عليه في إيران هو أمنية آلاف الشباب السياسي في عالمنا العربي، ولكن نحن متأكدين أن هذه الأمنية لن تحقق عندنا ، فنرجو منك أن تهتم بالشعب الإيراني الشقيق والذي يستحق منكم ومنا الكثير !! .

    السيد نجاد في آخر فرضيات للمستشرق برنارد لويس في فوربس العربية ، وضع ثلاث فرضيات ، نرفض منهم فرضيتين ، ونقبل واحدة وهي : بأن هناك جماعة من المسلمين ملتزمة بدينها الإسلامي ، وتدرك أخطاء وانحرافات المجتمع الغربي ، لكنها في الوقت نفسه تدرك أيضاً نجاح وانجازات هذا المجتمع في مجالات العلم والتكنولوجيا ، وتعترف بهمومه بمسائل الحرية والديمقراطية ، وما حققته من إنجازات على هذا الصعيد . ويقول برنارد : إن هذه الجماعة ( يقصد المسلمين ) تريد مشاركتنا في الوصول إلى عالم أفضل وأكثر حرية ً ! .

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء الله

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *