بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

     هذا المصطلح قالته الصحافة الأمريكية لبوش الأب غداة خسارته أمام كلينتون في الانتخابات الأمريكية عام 2002م عندما ركز بوش الأب في حملته الانتخابية على السياسية الخارجية ، مهملاً بذلك الاقتصاد الأمريكي ، وكان العكس صحيح بالنسبة لكلينتون الذي كان مركزاً في حملته على الاقتصاد الأمريكي 0 فاستطاع كلينتون أن يحقق فوزاً ساحقاً على بوش الأب ، وقالت الصحافة الأمريكية بعد نصر كلينتون لبوش ” إنه الاقتصاد يا غبي .. ” 0

     وهذه المرة نقول لرامسفيلد ” إنه الإسلام يا غبي ” ، وذلك بعد أن اعترف رامسفيلد في اعتدائه على العالم الإسلامي حيث قال  ” كلما عملنا بجهد أكبر ، تراجعنا أكثر فأكثر ؟ . ” 0

     الفرق بيننا وبين الاستراتيجية الأمريكية ، بأننا استطعنا أن نفهم الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط ، وبسهولة فهمنا ماذا تريد المراكز الاستراتيجية الأمريكية الأمريكية مثل روكفلر وراند وكارنيجي والشرق الأدنى ومركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية 00 إلخ ، ومن دراسات هذه المدارس ما نتفق معه وما نختلف معه ، ولكن الشيء الذي لا تريد الإدارة الأمريكية استيعابه بأنه لابد لهم من دراسة الطريقة التي انتشر بها الإسلام . 0 فالإسلام دين كلما تضغط عليه وتحاصره وتحاول أن تهمشه ينفجر ويغطي اشعاعه المبارك جميع أركان كوكب الأرض ، وهذا ما تفعله أمريكا الآن ، تريد أن تهمش الإسلام ، وبطريقة طردية ، الإسلام يزداد اتساعاً ، وسوف نذكر رامسفيلد بالطريقة الأولى التي استطاع المسلمين بها تحقيق دولتهم العالمية

     أولاً في عهد الرسول ص  استمر يدعو في السر في مكة المكرمة لمدة عشرة سنوات ، وفي هذه الفترة استمرت الدعوة تنتشر بهدوء ، وأمجاد المشركين مستمرة كما هي ، وكان المشركين يميلون للتفاوض مع اليتيم محمد ص بالدبلوماسية ، ومن الأمثلة على ذلك عرض عتبة بن ربيعة على الرسول ص  ” يا أبن أخي ، إنك منا حيث علمت من خيارنا حسباً ونسباً ، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهنت أحلامهم وعبت آلهتهم ودينهم ، وكفرت من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل بعضها ، فقال ص  قل يا أبا الوليد  فقال يا أبن أخي ، إن كنت تريد مالاً جمعنا أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان الذي يأتيك رؤيا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك ، طلبنا لك الطب ، وبذلنا من أموالنا حتى نبرئك منه ” . 0 فرفض الرسول ص عرض المشركين ، ولكن استمرت الدبلوماسية ما بينه وبين المشركين . 0

     ولكن عندما تسلط الشيطان على أذهان المشركين وخططوا لاغتيال محمد ص ، وانقذه اللّه سبحانه وتعالى من مخططهم الآثم ، وحوصر الرسول ص في غار ثور في طريق هجرته إلى المدينة المنورة ، وكان ذلك أكبر تهميش وحصار وتضييق تعرض له الإسلام في تاريخه منذ نزول جبريل على الرسول ص في غار حراء وكما يقول اللّه سبحانه وتعالى في محكم كتابه    إلا تنصروه فقد نصره اللّه إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن اللّه معنا فأنزل اللّه سكينته عليه وأيده بجنودٍ لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة اللّه هي العليا واللّه عزيز حكيم    التوبة آية 40  0

     وبعد هذا الحصار ، وصل الرسول ص وصاحبه إلى يثرب ، وبعد سنوات قصيرة لا تتجاوز 13 سنة ، قضى الإسلام على أمبراطورية الشرك في الجزيرة العربية ، وتحول من دعوة سرية في نويات مكة وجوارها ، إلى دولة عالمية آلت لها سيادة الكوكب آنذاك . 0

     ومن هذا المنطلق على رامسفيلد أن يعرف بأن الإسلام ، هو دين السلام في العالم، وعندما تتعامل معه باحترام متبادل ، جميع سكان الكوكب سيعيشون في أمن وسلام ، وعندما تتعامل معه بعنف ، في النهاية ينقلب العنف على الأيدي الآثمة التي أتت به وينتصر الإسلام عليها .. 0

     ثانياً  صاحب الغار التاني  عبد اللّه بن أبي قحافة  أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه   يجب على رامسفيلد أن يدرك بأن الإسلام لا يقبل من القيادات إلا خيار القوم وليس أراذلهم ، والدليل على ذلك واضح 0 فعندما ضيق المشركين على المسلمين في صدر الدعوة في مكة ، أمر الرسول ص أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ، فعلم بذلك ابن دغنه ، وكان يعلم عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه بصفاتٍ قبل إسلامه لا تتوفر إلا في قليل من الرجال ، فذهب ابن دغنه إلى أبي بكر وقال له  ” أن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، أنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، وأرجع وأعبد ربك ببلدك “0

     أعلاه رسالة إلى رامسفيلد بأن ينظر إلى شهامة أبي بكر حتى قبل إسلامه ، وبعد أن دخل الإسلام تصارع المشركين على عدم إخراجه من مكة المكرمة لشهامته . 0

     وبعد أن صقل الإسلام الصديق رضي اللّه عنه ، وضع الدستور الاستراتيجي للحرب الذي أصله جاء من عند المسلمين ، واقتبس نصوصه القانون الدولي العام ، وذلك عندما قال أبي بكر رضي اللّه عنه لجند أسامة  ” لا تخونوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ، ولا شيخاً كبيراً ، ولا أمرأة ، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله 0 وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء فأذكروا اسم اللّه عليها ، وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً 0 اندفعوا بأسم اللّه ” 0

     السؤال الذي يطرح نفسه  هل وزير الحربية الأمريكية طبق قانون الحرب في الشريعة الإسلامية أو قانون الحرب في القانون الدولي العام ؟ 0

    * فقط للتذكير نذكركم بمجزرة قلعة مزار شريف ، وأسرى غوانتمالا ، واستعمار أفغانستان والعراق ، مع ملاحظة الفرق ما بين القيادات الإسلامية الذين ينبعثون بتفاعل ما بين البشر وبيئتهم الطبيعية أمثال الصديق رضي اللّه عنه ، والقيادات التي يعينها رامسفيلد في العالم الإسلامي .. 0 أما الإجابة فنتركها للقارئ الكريم .. 0

     ثالثاً  نريد أن نوضح لرامسفيلد الكيفية التي يحترم فيها الإسلام ، ثقافة الآخر.0

     عند فتح فلسطين ودخول المسلمين بيت المقدس قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه للنصارى  ” أماناً على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن ، وعندما حان وقت الصلاة وكان عمراً جالساً في صحن كنيسة القيامة ، فخرج رضي اللّه عنه وصلى خارج الكنيسية على الدرج التي على بابها بمفرده 0 وقال للبطريك لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي وقالوا  هنا صلى عمر”.0

     والأمثلة كثيرة على احترام الإسلام لثقافة الآخرين ، ومنها ، علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عندما اختلف مع النصراني على الدرع ، ونسرد القصة على القارئ الكريم ونذكر لرامسفيلد بأنها كالتالي  ” وجد علي رضي اللّه عنه درعه عند رجل نصراني ، فطلب علي الدرع من النصراني ، فقال النصراني أنه درعه 0 واضطر علي كرم اللّه وجهه اللجوء إلى القضاء لكي يحتكم هو والنصراني عند القاضي ، وللعلم بأن القاضي عينه أمير المؤمنين علي أصلاً . 0 وكان القاضي يدعي شريح ، وعندما ذهب الخصمان إلى القاضي ، قال علي رضي اللّه عنه للقاضي  لم أبع وأهب ، فسأل شريح النصراني ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ 00 قال النصراني  ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب . 0 فسأل القاضي علي رضي اللّه عنه يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ 00 فقال علي كرم اللّه وجهه لا يوجد عندي بينة ، فحكم القاضي شريح بالدرع للنصراني ، وأخذ النصراني الدرع وذهب به . 0

     وبعد ذلك عاد النصراني إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وقال له ، يا أمير المؤمنين إن هذا الدرع درعك ، وبعد ذلك نطق النصراني الشهادتين ودخل الإسلام ، وذلك لأن الإسلام ديناً يحترم الأخر ، ودين عدالة .. 0

    * ولكن هل يقبل رامسفيد بثقافة الآخر .. 0

     مشكلة الضعف الحقيقية التي جعلت الأمم تتكالب على الإسلام والمسلمين ليست فقط بسبب الاعتداءات الأجنبية علينا ، ولكن ذلك أيضاً يساهم فيه اخفاقاتنا في استيعاب ثقافتنا الإسلامية ، مما يجعل الأمر سهلاً على الآخرين في عملية اختراق الأمة ويعلو بها كيفما يشاؤوا ، ومن الأمثلة على ذلك ما تقوله د0 أماني الطويل في الأهرام العرب عن أصل نواة الفتنة في السودان بين الشمال والجنوب هو  ” أن الحاكم العسكري في السودان إبراهيم عبود قام بتصعيد القمع العسكري على الجنوبيين في محاولة توحيد السودان بالقوة والقضاء على الفروقات الثقافية والدينية ، فقامت الحكومة في الفترة 1959 – 1964م بممارسة جهود تعريب والأسلمة في الجنوب على جسر من القمع العنيف 0

     وذلك في وقت كانت الهوية الجنوبية تشكلت على طلاق نهائي مع وعود الشمال لحل فيدرالي ، وبدأ الجنوبيون في تشكيل منظماتهم وأحزابهم السياسية التي طالب قطاع منها بانفصال الجنوب ، وبالطبع وجدت هذه المطالب ظهيراً مسانداً من الكنائس والمبشرين ، كما كانت اليد الثقيلة لعبود على الجنوبيين سبباً مباشراً في هرب قيادتهم إلى الجوار الأفريقي ، وإعلان تمرد جديد على الحكومة تحت عنوان الأنانية وهي المنظمة التي مارست ضغطاً عسكرياً قوياً على الحكومة المركزية في مطلع عام 1964م ” ..0

     المثال أعلاه يوضح لنا بأن العنف لا يقدم حلاً نهائياً للقضايا السياسية ، ولا ننكر بأنه يمكن أن يؤجلها ، ولكن في النهاية كما هو حادث في السودان ، بحيث الدولة المركزية في مرحلة الاحتضار ، وهناك إمكانية كبيرة لقيام دولتين أو أكثر ، وذلك سوف يلخبط جميع الأوراق الجيوسياسية لدول حوض النيل ، وهذا ما هو مخططاً له بالفعل ، وسيكون الحل لهذه القضية عند إسرائيل كما يقول بيريز في كتابه ” الشرق الأوسط الجديد ” . 0

     فبيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يرى في كتابه بأنه بعد تفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه من الممكن أن تصبح إيلات الإسرائيلية عاصمة الشرق الأوسط وتبريره لذلك كالتالي  يقع خليج إيلات عند تقاطع إسرائيل والأردن ومصر ولا يبعد كثيراً عن حدود السعودية وهذا موقع مثالي من أجل إقامة مطار دولي رئيسي يخدم البلدان الأربع وسيحول المطار الحدود إلى جسور ويوحد الثقافات والمؤسسات والأنظمة الاقتصادية والتجارية ، والأهم من ذلك  في رأي بيريز  الناس دون اعتبار للأصل ، للدين ، للجنسية أو الجنس .. 0

     وطبعاً لا نعتقد أن رامسفيلد يختلف كثيراً مع بيريز ، بل بيريز صاحب النظريات، ورامسفيلد يقوم بدور التطبيق من حيث تفكيك الجغرافيا السياسية الشرق أوسطية ، وعلى بيريز إعادة تشكيلها ، ولكن هل يعتقد رامسفيلد بأنه سينجح في ذلك ؟

     الإجابة على ذلك سنتشفها من بيت شعر لرامسفيلد يقول فيه

    كما نعرف
    فهناك أشياء لا نعرفها
    بعضها نعرف أننا لا نعرفه
    وبعضها الآخر لا نعرف أننا لا نعرفه
    الأشياء التي لا نعرفها ، لا نعرفها
    والأشياء التي نعرفها قد لا نعرفها . 0
    وقبل أن نرد على بيت الشعر أعلاه فقد
    علق عليه كولن باول في قصاصة أرسلها
    إلى كوندليز رايس  مقتبس من
    أ0 محمد حسنين هيكل  ويقول باول
    ” إذا كنا لا نعرف ما يجري في رؤوسنا ،
    فكيف لنا أن نزعم معرفة ما يجري في العالم ” . 0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *