بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

     كتبنا قبل فترة في الراية القطرية عما يسمى في الغرب ” بالذمة المالية ” ، وذلك يعني عندما يتسلم شخصاً ما منصباً عاماً فيتوجب عليه قبل أن يباشر مهام الوظيفة العامة

    أن يقدم كشفاً يوضح جميع أملاكه الخاصة من عقار ومنقول ونقود وأوراق مالية0 والهدف من ذلك المحافظة على الفصل التام ما بين أملاك الموظف العام الخاصة والمال العام الذي

    سيتولى إدارته 0

     ما ذكر أعلاه وهو مطبق في الغرب الآن ، وكان قبل ( 14 ) قرناً من الزمن مطبقاً في الدولة الإسلامية ، في عهد الرسول ص وخلفاؤه الراشدين بحيث كان هناك فصل تام ما

    بين الأموال الخاصة ، والأموال العامة  0

     ولكن منذ القرن السابع عشر ميلادي ، بعد أن أصبحت مناطق العالم الإسلامي كقطع الكعك موزعة ما بين القوى الاستعمارية 0 ابتكرت القوى الاستعمارية أسلوباً جديداً لإدارة

    المناطق العربية ، وهذا الأسلوب يشتمل على استراتيجية تشتمل على عاملين رئيسيين هما  الأول  وهو فرق تسد ، والثاني  هو تقسيم الكيانات الإسلامية إلى دويلات وصناعة بعض النخب

    المحلية لقيادة هذه الكيانات المصنوعة الجديدة آنذاك ، ونتيجة العامل الثاني أفرزت حكاماً لمعظم المنطقة الإسلامية أسوداً على شعوبهم ، ونعاماً أمام المستعمرين  0

     هذا الأسلوب تقريباً انتهى بعد أن تم استقلال معظم الكيانات الإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية ، ولكنه لم يختفي كلية  0

     إذاً الاستراتيجية الاستعمارية لإدارة الكيانات الإسلامية ، هي بعد السيطرة على الكيان ، يقوم المستعمرون بزراعة عميل محلي لإدارة الكيان ، واشتهر معظم هؤلاء العملاء

    بالفساد ، أو بمعنى آخر لا يختار المستعمر إلا فاسداً ، لأنه من الطبيعي  أولاً  بأنك لن تجد إلا فاسداً يعمل ضد أهله ، وثانياً  لن تجد إلا فاسداً يؤمن بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، وثالثاً

    المستعمر يعرف بأنه لن يخدم مصالحه إلا فاسداً ، ويكون لدى المستعمر بطاقات ضغط ضده تشتمل على فضائح وانتهاكات لحقوق الإنسان واعتداءات على الثروات الوطنية 0

     ويحتفظ المستعمر بهذه البطاقات ضد الزعيم الفاسد في كشف سري يسمى السجل الأسود ، إلى أن يصاب هذا الزعيم بالغرور والكبرياء أو جنون العظمة ، ويشعر المستعمر

    أنه من الصعب إدارته ، وفي حالات أخرى عندما يشعر المستعمر أن هذا الزعيم المصنوع أصبح بطاقة محروقة ، وعموماً عندما تنتهي صلاحية الزعيم العميل يقوم المستعمر بحملة ذات

    بروباجندا عاطفية ملتهبة للاقتراب من الشعب ، ولكي يخلص الشعوب من الفاسدين ، وجزء من البروباجندا السياسية هو بأن المستعمر اكتشف عن طريق الصدفة السجل الأسود للزعيم

    المذكور أعلاه ، والخاصة ، لابد من خلعه ومصادرة أمواله ، التي هي أصلاً أموال الأمة ، وذلك أهون الضررين ، أو تصفيته جسدياً وهذا ما تلجأ إليه أمريكا الآن ، مخافةً من هؤلاء

    الزعماء بعد خلعهم وبقاؤهم أحياء ، من كشف السجل الأسود للمستعمرين أيضاً  0

     إذاً الزعيم المنتهي الصلاحية من أفضل أوراق خلعه هو إبراز سجله الأسود ، وذلك لكي يشكك في مصداقيته كزعيم ، ونعتقد أن الجميع يذكر في تاريخنا المعاصر عندما دارت

    الرحى على ظهر المجن على بعض حلفاء أمريكا المقربين جداً منها ، فتنكرت لهم أمريكا بشكل كلي ، ومنهم  شاه إيران وذلك بعد الانقلاب الإسلامي في إيران ، والأغرب من ذلك بأن أمريكا

    لم تستقبله حتى في أراضيها ، وبعد ذلك قام الأمريكان بتجميد جميع الأصول الإيرانية في أمريكا 0 وكذلك نفس العملية ضد ماركوس الفلبين ، والعقيد القذافي في ليبيا ، وأخيراً صدام حسين

    في العراق ، وبعد أن غزا الأمريكان العراق ، واختفى الرئيس العراقي ، وانهارت الدولة العراقية ، أصدر الأمريكان كشفاً يوضح جميع الأصول المملوكة للحكومة العراقية والموجودة في

    الخارج وذلك كما وضح في صحيفة  (Herald Tribune October,20th,2003)

    1- ثلاثة بليون دولار موجودة في البنوك السويسرية 0
    2- واحد بليون وسبعمائة مليون دولار موجودة في البنوك الأمريكية ، مجمدة منذ عام 1991م بعد أن غزا العراق الكويت 0
    3- خمسمائة وخمسة وثمانون مليون دولار في البنوك السويسرية 0
    4- خمسمائة مليون دولار في البنوك الأردنية 0
    5- خمسمائة مليون دولار تقريباً في البنوك التركية 0
    6- أربعمائة وخمسة وتسعين مليون دولار في البنوك اللبنانية التي تسيطر عليها سوريا 0
    7- مائة وخمسون مليون دولار مجمدة في البنوك اليابانية 0

     كل هذه الأموال المطلوب إعادتها الآن إلى ما يسمى بصندوق التنمية العراقي تحت السيطرة الأمريكية  0

     ( ونود أن نذكر المهتمين بهذا الشأن بأن الآن توجد نشرات أدق من النشرة العراقية ، توضح جميع الأموال التي صادرها المسيطرين على الأموال العامة ، في دول العالم

    الإسلامي ، وحولوها إلى الغرب منذ خمسون سنة إلى الآن ، وهذه النشرة وزعت بعد أحداث 11 سبتمبر 2003م وذلك لإعادة تشكيل خارطة العالم الإسلامي ، وللأسف بالطريقة التي تناسب

    الغرب )  0

     السؤال الذي يطرح نفسه  هل نحن بالفعل نتعلم من أخطاؤنا ؟

     الزعماء الذين يحرمون أهلهم وشعوبهم من مواردهم الطبيعية والتقنية والخدمية ، وتحويل كل هذه السلع إلى نقود وتهريبها إلى البنوك الأجنبية في الخارج ، والاعتقاد

    السائد عند هؤلاء الزعماء بأن هذه النقود أو ما استثمر منها في البلاد الأجنبية ، أداة مالية لحفظ السلام وقت الأزمات ، ولكن عندما يحدث انقلاب أو شغب ضد هؤلاء الزعماء في دولهم

    ويهربون إلى الدول الأجنبية لكي يتمتعوا بأمبراطورياتهم المالية في الغرب ، ينصدمون بأن هذه الأموال تخضع لقيود ومعظمها مجمد أو مصادر ، وكما يقول المثل  ( وكأنك يا أبو زيد ما

    غازيت ) 00 في بلدك خسرت ناسك 00 وفي الخارك خسرت أموالك  0

     والنتيجة الأموال المهربة للخارج لا الزعماء المخلوعين استفادوا منها ، ولا دولهم استطاعت أن تعيدها ، ولكنها تبقى تستثمر لصالح الدول الأجنبية ، حتى لو لم تصادر

    رسمياً ، تبقى إسمياً باسم المالكين الأساسيين ، ولكن المنتفعين الدول المستقبلة لهذه الأموال 00 ( ولكن هل نتعلم ؟ )  0

     القضية المعاصرة التي أثيرت الآن في القانون الدولي العام وفي العلاقات الدولية من ناحية اقتصادية واجتماعية هو إنشاء منظمات دولية للإشراف على ريع وعوائد دول

    العالم النامي ، ونفقاتهم وذلك لمنع الفساد السياسي في هذه الدول  0

     نرجو أن لا يستغرب أحداً لأن الأمر أعلاه وصل إلى مرحلة التطبيق الآن ، فمثلاً في دولة تشاد لتحاشي الفساد السياسي في التعامل مع ريع البترول التشادي ، أصدر البنك

    الدولي التالي  ريع البترول يذهب إلى بنك في لندن ، وللسحب من هذا الحساب، لابد أن يكون من خلال لجنة تشادية تضم بعض أعضاء الحكومة التشادية ، وبعض الشخصيات التشادية

    الغير عاملة في الحكومة ، ويشهد  لهم المجتمع بالنزاهة والأمانة ، وإذا وافقت هذه اللجنة يتم سحب المبلغ المطلوب ، ومن الشروط أن يوظف 8% من ربيع البترول التشادي في التعليم

    والصحة والبنية التحتية بشكل عام  0 أليس هذا مؤشراً خطيراً بالنسبة للعالم النامي  0

     نحن الآن وصلنا إلى هذه المرحلة وتسمى في القانون الدولي العام عندما تكون الدولة في هذه المرحلة ، تكون تعاني من قصور في هيكلها الإداري ، ولابد من وضعها تحت

    إشراف منظمات دولية لكي تديرها ، أو وضعها بطريقة مباشرة تحت الانتداب لصيانة الدولة وكرامة شعبها ، بمعنى آخر أصبحت دول العالم النامي وخاصةً الإسلامي دول ناقصة الأهلية  0

     السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه  هل نمتلك الشجاعة الكافية لإعطاء الفرصة للمؤهلين من أبناء أوطاننا لكي يخططوا مستقبلنا ، ونحاسبهم بدقة على كل ذلك ؟0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      أضف تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *