بسم الله الرحمن الرحيم

    24/6/2004

    لفهم ما يجري حولنا الآن من السياسة الدولية ، علينا أن نختزل مجموعة من النظريات في العلاقات الدولية ، والقانون الدولي العام ، والجغرافيا السياسية ، والجيوبوليتيكا ، لعلنا نستوعب مايدور حولنا من أحداث في الشرق الأوسط ! .

    ولكننا بدلاً من الذهاب إلى عمق الفلسفة النظرية للسياسة الدولية ، وكذلك لصعوبة و حساسية الموقف في الشرق الأوسط من إعطاء أمثلة إقليمية شرق أوسطية !! ، فبالتالي من أفضل الأمثلة التي وجدناها لتفسير السياسة الدولية المعاصرة في الشرق الأوسط ، هو ما حدث لفرنسا في بداية القرن التاسع عشر ، وهو بعد هزيمة فرنسا ، قامت قوات التحالف السادس بنفي نابليون إلى جزيرة البا وإعادة أسرة بوربون إلى الحكم في فرنسا بزعامة لويس الثامن عشر .  [ سليم    ص 58 ] . ولكن الفرق لما حدث في فرنسا وما يحدث للشرق الأوسط ، بأن الدول

    المتحالفة لم تحاول فرض شروط مهينة على فرنسا وذلك حتى لا تستفز مشاعر الفرنسيين ! . فاكتفى التحالف بإعادة الملكية إلى فرنسا ووقعت معاهدة باريس الأولى في 30 مايو عام 1814 م ما بين الدول المتحالفة وفرنسا [ سليم ص 58 ] .

    طبعاً المذكور أعلاه أعطانا ثلاثة عناصر ديناميكة مع فارق التشبيه ما بين فرنسا والشرق الأوسط ! ، فالمنتصر لابد له من وضع آليات تكتيكية للمنطقة المنكوبة وذلك لضمان الهيمنة عليها ، ومن هذه الآليات :
    العنصر الأول : التغيير الإنقلابي داخل النظام ، وهذه اللعبة مارستها المدرسة البريطانية بإبداع في جميع مستعمراتها  إلى عام 1970 م ! . ولكن هذه اللعبة وبالرغم من وجود تحالف أنجلوأمريكي ، فإن الأمريكان على ما نعتقد لم يستوعبوها إلى الآن ، أو لا يريدون ممارستها لسبب أولآخر ، وذلك جعل معظم اللعبة الأمريكية مكشوفة أمام السياسة الدولية ! .
    العنصر الثاني : الثورة الأيدلوجية في القُطر ، وذلك يؤدي إلى تغيير النظام بشكل جذري من ديني إلى علماني أو العكس ، أو من إشتراكي إلى ليبرالي أو العكس … الخ ، وهذا التغيير يهتم به مجموعة من المحللين الأمريكان ، ولكن إذا كان هذا بالفعل تكتيك أمريكي في مناطق جغرافية كثيرة من الشرق الأوسط ، يؤسفنا بأن نقول للأمريكان بأن هذه النظرية ثبت فشلها في مواقع جغرافية كثيرة لامجال لذكرها الآن !! .
    العنصر الثالث : الحل الرديكالي ، وهو بأن يقوم المنتصر بتشكيل حكومة موالية له تماماً ولتحاشي التكرار ( راجع مقالتنا الجيوبوليتيكية الميتافيزيقية في جريدة الراية العدد 7497 ) .

     ونقلاً عن صحيفة [ الشرق الأوسط العدد 8831 ] أنه خلال لقاء تم ما بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الحكومة البريطانية توني بلير في 30 / يناير/ 2003 م في كامب ديفيد ، قالت الصحيفة : ” بأن هناك حل للأزمة العراقية نوقش خلال هذا اللقاء يتضمن ثلاثة نقاط أسياسية ، الأولى : تقوم على تغيير الرئيس العراقي صدام حسين لاتغيير النظام ، والثانية : الإمتناع الأمريكي عن شن حرب ، والثالثة : إعتبار الأمم المتحدة الوسيلة الوحيدة التي تتقدم بطرح وتنفيذ التغيير في العراق . ”  وهذا السيناريو نعتبره من ضمن إستراتيجية المدرسة البريطانية التي ذكرناها في العنصر الأول !! .

    ونحن كمواطنين من العالم العربي أو من العالم الإسلامي البالغ عددهم 300 مليون نسمة أو 1.500 مليون نسمة تقريباًَ على التوالي … السُلطة.. وتوليها لدينا تعتبر خطوط حمراء لا نستطيع أن نناقشها ، ولكن لدينا فرضية نقترحها على النظام العراقي والتحالف الأنجلوأمريكي وهي : ماذا لو حدث إتفاق من تحت الطاولة ما بين التحالف الأنجلوأمريكي والعراق ؟ ! ، ويقوم على أن تعطي العراق 50 % من امتيازاتها الهايدروكاربونية لشركات أمريكية ، و 10 % لشركات بريطانية ، وما تبقى يقسم ما بين الشركات العالمية . وكذلك على أن تعطى الشركات الأمريكية 50 % من الإستثمارات والصيانة في جميع البنى التحتية العراقية والأنشطة الإقتصادية الثانية والثالثة ، و10 % للشركات البريطانية ، وما تبقى لباقي العالم !!! .

    أعلاه مجرد إقتراح نقدمهُ للمهتمين في شؤون الأزمة العراقية ، ونعتقد ربما يكون من الحلول الناجعة لهذه القضية !! .

     وحتى لا نضيع وقتنا توجد تصورات أمريكية جاهزة للرد على هذا الإقتراح ومنها .. أولاً : ” ما قاله كولن باول وزير الخارجية الأمريكية في ديسمبر 2002 م ، بأن الإدارة الأمريكية مصممة على أن تفرض الديموقراطية في الدول العربية ، وإعطاء المجتمع المدني العربي الحق في ممارسة دوره في جميع قطاعات الحياة ” . وكان ردنا على ذلك الإقتراح ( تم نشره في مقالة في جريدة الراية والجلف تايمز  Gulf Times ) ) )  بأننا كمواطنين عرب نرحب بهذا التصور ، ولكننا نريد ديموقراطية حقيقية لا صورية .. ولكي نتفادى الديموقراطية الصورية ، يجب أن يكون لدى جميع الدول العربية دساتير حقيقية وواقعية المنشأ ، لأنه إذا كانت نشأة الوثيقة الدستورية فاشلة وفاسدة ، فمعنى ذلك بأن جميع الممارسات فاشلة وفاسدة ، حتى لو طبق نظام الإنتخابات وبرز للوجود مجالس نيابية منتخبة ! .
    نحن نريد من السيد باول أن يقترح على الأنظمة العربية بأن تكون هناك إصلاحات صحيحة المنشأ ، وأن يوجد فيها نص يعطي الحق لنشأة أحزاب سياسية ، ونقابات عمالية ، ومجتمع مدني معافى وغير مُسيس ، وذلك لكي يمثل جميع القطاعات الشعبية ويحافظ على مصالحهم !! .
    ثانياً : تصريحات كولن باول وزير الخارجية الأمريكية في 6 / فبراير / 2003 م امام مجلس الشيوخ الأمريكي توضح ”  بأن اللعبة قد انتهت وذلك من خلال، أن الإطاحة بنظام صدام حسين سيتيح إعادة ترتيب الشرق الأوسط بشكل جذري ” ويضيف باول ”  بأن تغيير النظام في العراق سيعود بالفائدة على الدول التي إختارت دعم واشنطن في سعيها إلى الإطاحة بنظام صدام حسين ” . ويقول باول : ”  إذا قامت بفضل دعمنا حكومة تمثيلية في العراق تحمي حقوق كل مواطنيها ، اعتقد أن هذا النجاح سيعود بالفائدة بشكل سريع على زعماء خاطروا بدعم موقف واشنطن في سعيها للإطاحة بنظام صدام حسين .[ الوطن العدد 2716 ]
    خلاصة ذلك بأن الولايات المتحدة الأمريكية كالقطب العالمي الأوحد كما قلنا وكررنا .. وقال آخرون لن تكتفي إلا بالتالي :
    1. إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط ! .
    2. صناعة زعامات شرق أوسطية جديدة ! ، وذلك لا يعني بقاء الزعامات المتعاونة معها أ وقات الأزمة أوالحرب ، لأن مع نهاية هذه الحرب ستكون   جميع أوراق هذه الجماعات مكشوفة أمام شعوب المنطقة ، وفي هذه الحالة لابد لأمريكا من البحث عن لاعبين جدد إلى الآن لم تلوث أيديهم أو سمعتهم بلألعاب السياسية القذرة !! .
    3. هذه الخلاصة المذكورة أعلاه توضح لنا الإستراتيجية البريطانية المطورة بالطريقة الأمريكية ، وبالتالي نستطيع أن نسميها التصور الأنجلوأمريكي للشرق الأوسط !! .
    وأخيراً .. السيطرة الأنجلوأمريكية على الشرق الأوسط ستساهم في تسهيل  السيطرة الأمريكية على بقية العالم كما ذكرنا سابقاً ، وسنوضح ذلك لاحقاً إن شاء الله .

    إلى اللقاء دائماً إن شاء الله تعالى

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *