بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

     في دراسة نشرت لنا في أغسطس 2002م تحت عنوان ” سايكس بيكو 2002م ” في الراية العدد 7407 وفي مجلة الأهرام العربي العدد 286 ، وأوضحنا في احدى مواضيع الدراسة أهمية تفكيك وإعادة تشكيل دول العالم النامي بالنسبة للقوى العظمى ، أو بالنسبة للقوى المسيطرة على العالم 0

     وقبل أن نخوض في الموضوع علينا أن ننبه كل قوة عالمية جديدة مسيطرة على العالم ، أو حتى قوة عالمية قديمة سيطرت على العالم ، ما بين كل فترة زمنية وأخرى لابد لها من إعادة تشكيل العالم من خلال ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، والهدف من إعادة التشكيل هو تقييم آليات السيطرة السابقة والاحتفاظ بالمناسب منها ، والبحث عن آليات سيطرة جديدة تتواكب مع روح العصر ، وبالنسبة للدول للأسف إعادة التركيب تعني حل الدولة بشكل كلي أو جزئي وإعادة تشكيلها بما يتناسب لترسيخ السيطرة العالمية للقوى العظمى المعاصرة .. 0

     والقوى العظمى الأحادية المعاصرة الآن ممثلةً بالولايات المتحدة الأمريكية تعاني من مجموعة المشاكل منها أولاً  عدم نجاح أسلوب العولمة الذي ينادي إليه العالم ، ثانياً  عدم نجاح النموذج الليبرالي الأيديولوجي الذي قدمته للعالم النامي ، ثالثاً  بدأت تقترب من الانهيار الاقتصادي ، والدليل على ذلك مقدار العجز في ميزانها التجاري قارب من 500 بليون دولار 0

     ولو عدنا قليلاً للتاريخ قبل الحرب العالمية الثانية سنجد بأنه قبل الحرب العالمية الثانية كان هناك انهيار كلي للاقتصاد الأمريكي ، وبعد نهاية الحرب تحول هذا الانهيار إلى انتعاش اقتصادي أمريكي وانعكس على العالم ويعود ذلك بسبب ارتفاع الطلب على جميع السلع بعد الحرب ، ومن هنا قلنا في دراسة سايكس بيكو 2002م التالي  عندما ينهار نظام اقتصادي معين في العالم ، لابد للقوى المخططة للعالم أن تغير من هيكلة العالم من النواحي التالية  الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمجال الجيوسياسي ، فمثلاً الأزمة الاقتصادية التي حدثت للعالم في عام 1929م ، كانت بداية هذه الأزمة أن زادت المنتجات الزراعية والصناعية في الولايات المتحدة الأمريكية بدرجة كبيرة  زيادة العرض  ولم تجد توزيعاً ، فوقفت الصناعات وتبع ذلك ضياع الكثير من الأموال في الصناعة على البنوك وتهافت الناس على البنوك يسحبون أموالهم لفقدان الثقة 0 وحدث انهيار اقتصادي في نيويورك في أكتوبر 1929م ، وتبعتها بعض المدن الأمريكية ثم بعض الدول الأخرى 0

     وهبط الانتاج العالمي حتى عام 1932م بمعدل 38% مما كان عليه قبل الأزمة 0 واستمر وضع الاقتصاد العالمي متذبذباً ولم يجد عافيته مرة أخرى إلا بعد الحرب العالمية الثانية ، وهو من خلال الاجتماع الشهير الذي عقد في بريتون اند ودز ما بين هويت الأمريكي وكينز الإنجليزي وآخرين وتم خلاله ظهور صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ، والجات ، وأصبحت السيادة المطلقة للدولار الأمريكي في الأسواق العالمية . 0

     أما بالنسبة لتاريخنا المعاصر فالولايات المتحدة الأمريكية بعد الانهيار الذي أصاب أزون ، وورلد دوت ، وتيكو ، وزيروكس ، وخسائر وول ستريت في شهر يوليو 2002م فقط وصلت إلى 7 مليار دولار ، بسبب الهبوط الحاد في أسعار الأسهم.0

     وللخروج من كارثة الانهيار أعلاه لابد للولايات المتحدة من عمل تفكيك وإعادة تشكيل للعالم ، حتى لو تطلب ذلك إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لبعض الإقاليم العالمية بشكل كامل ، ومن فوائد إعادة التشكيل هو صناعة طلب ضخم على السلع الاقتصادية ، والطلب الضخم يساهم في صناعة انتعاش اقتصادي 0

     والذي ذكرناه في دراسة سايكس بيكو 2002م ، عند تشكيل دول جديدة تمر الدولة في مرحلة الفوضى (Anarxchy) وذلك يمثل الحالة التي وضعت أمريكا العراق فيها الآن 2003م وبعد أن يتم إعادة تشكيل الدولة ستمر الدولة في مرحلة الطفولة وبعد ذلك مرحلة الشباب وفي المرحلتين ستبحث الدولة عن التالي  الاستقرار ، وستحتاج الدول الجديدة إلى تأسيس بنية تحتية ، وذلك يمثل الطرق المعبدة ، والسكك الحديدية ، والمطارات ، والموانئ البحرية والبرية ، والتعليم ، والصحة ، والقطاعات المالية ، والقطاعات التجارية ، والصرف الصحي ، والمياه ، والكهرباء ، والمشاريع الزراعية ، والصناعات الاستخراجية ، والصناعات التحويلية 000 إلخ 0 وبمعنى آخر ستحتاج المنطقة العربية إلى ثورة تنموية تشمل جميع القطاعات الأولية والثانوية والثالثة ، وطبعاً سوف نستورد جميع ذلك من أسواق عالم الشمال .. 0

     كل المذكور أعلاه قلناه في عام 2002م وذلك قبل الاحتلال الأمريكي للعراق ، والآن ما قلناه في عام 2002م وصل إلى مرحلة التنفيذ من خلال التالي  في تقرير في صحيفة
    (Finacial Times Nov. 18th. 2003)  ” انتعاش التجارة الأردنية بعد أن تحولت الدولة العراقية إلى قطع غيار ” للكاتب Nicolas Pelham

     وهدف الكاتب هو التنبيه للخطر الذي يحيق بالعراق بعد ما تم تفكيك وتصدير البنية التحتية للدولة العراقية إلى الدول المجاورة جغرافياً  الكويت وإيران وتركيا والأردن وبطريقة أصعب ، المملكة العربية السعودية . 0

     ويقول الكاتب بأن بعض السماسرة يقولون بأن البنية التحتية العراقية المهربة تخرج من خلال الحدود العراقية الرسمية التي يسيطر عليها الأمريكان ، وذلك من خلال دفع بعض الرشاوي للأمريكان المشرفين على الحدود العراقية ، وكل شاحنة عراقية تحتوي على مواد مهربة تدفع رشوة بما يقارب 2500 دولار لكي يسمح لها بالخروج من العراق .. 0

     ويقول الكاتب بأن النحاس والألمنيوم والحديد والصلب العراقي ، يهرب إلى مخازن السوق الحرة في مدينة الزرقاء الأردنية 0 وتستقبل المملكة الأردنية الهاشمية يومياً ما يقارب من 25 شاحنة عراقية تحمل ما يقارب 500 طن من المعادن العراقية.0 ويقول التجار أن مصادر هذه المعادن هي  الألمنيوم  مصدره الأبواب والشبابيك العراقية والرادياتيرات  مبرد المياه  ، ومصدر النحاس من  توربينات الماء والأنابيب ، وأسلاك الكهرباء ، والأسلحة والذخائر طبعاً وذلك بعد صهرها .. 0

     ويقول الكاتب في حالة الفوضى التي يعيشها العراق ، وأجور العراقيين لا تتعدى عشرة دولارات 10 دولار للفرد ، ولكن عندما يقوم العراقي بالاستحواذ على ما يقارب من طن من معادن البنية التحتية العراقية ، يستطيع أن يرفع دخله إلى 700 دولار شهرياً ، وخاصةً إذا انعدمت التوعية لأهمية هذه المعادن الاستراتيجية، فما الذي يحمي العراق من السلب ؟  إذا كان قيمة طن النحاس 700 دولار ، ويباع في الأردن بـ 1500 دولار ، وذلك يعفي الشاحنة التي تحمل 25 طن صافي ربح يصل إلى 000ر10 دولار ، وذلك يجعل تجارة تهريب البنية التحتية العراقية أفضل حتى من تجارة المخدرات 0

     ويضيف التقرير بأن الأردن ، أو السوق الحرة الأردنية في الزرقاء لا تعتبر المركز النهائي لتسويق النحاس العراقي ، وذلك لا يبشر بخير لأن لو كانت الأردن هي السوق الوحيدة ، لشكل ذلك اكتفاءً ذاتياً ، وستتوقف عمليات التهريب للأردن ، ولكن الأسوأ من ذلك هو أن الأردن أصبحت مركز إعادة تصدير للبنية التحتية العراقية إلى كل من  المراكز التجارية المشهورة عالمياً مثل  دبي والهند وأوربا 00 إلخ 0

     القضية الحقيقية كاتب التقرير أعلاه استطاع أن يصل لأماكن تجارة تهريب البنية التحتية العراقية ، وكتب تقريره ، ولكن ياريت الأردن هي الوجهة الوحيدة للتهريب ، لأن ذلك سيتم السيطرة عليه بسهولة بالتعاون مع الحكومة الأردنية ، ولكن هناك وجهات أخرى يهرب إليها معادن البنية التحتية العراقية ، والثروة الحيوانية العراقية ، والسلع الاستراتيجية العراقية الأخرى ، وقوات التحالف الجانب القيادي منهم يتظاهر بأنه لا يدرك شيئاً ، أما الجند العاديون فأصبحوا يحققون دخلاً كبيراً من خلال الرشاوي التي يتلقونها من السماسرة مقابل السماح لهم بتهريب الثروات العراقية الاستراتيجية.. 0

     ومن هنا نستطيع أن نقول لكم ما وضعناه في التصور الاستراتيجي للمنطقة في سايكس بيكو 2002م قبل احتلال العراق بسنة تقريباً ، بأن الاستراتيجية وصلت إلى مرحلة التنفيذ وذلك من خلال التالي

     أولا ً احتلال الدولة ، ثانياً  بيع وتحطيم جميع البنية التحتية للدولة ، ثالثاً  إعادة تشكيل دولة أو دويلات من الدولة ، وأخيراً  إدخال الشركات المتعددة الجنسيات العالمية لسلب جميع موارد الدولة ، ولتنفيذ ذلك ستحتاج كل دولة شرق أوسطية لفترة زمنية تصل إلى 50 سنة ، وبعد مرور هذا الزمن سيخلق نظام جديد للمنطقة .. 0

     وإذا لم تتحرك الدول العربية والإسلامية والمنظمات العربية والإسلامية مثل  الجامعة العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، والمنظمات الإقليمية مثل  مجلس التعاون الخليجي ، فسوف تجد جميع الدول العربية والإسلامية يطبق عليها السيناريو الاستراتيجي أعلاه مثلها مثل  الكارثة التي حدثت لأشقائنا في العراق .. 0

     وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *