بسم الله الرحمن الرحيم

    6/6/2004

    يقول شمعون بيريز في نظريته عن التبادل للسكان التالي  لدي من الأسباب ما يحملني على الاعتقاد بأن قوات الدفاع الإسرائيلية لم يكن لديها استراتيجية التهجير، وما حدث كان نتيجة غير مخطط لها للظروف المأساوية للحرب في غمرة دعوات من الزعماء العرب للهرب 0 وقد فر نحو ستمائة ألف فلسطيني من إسرائيل خلال حرب الاستقلال في عام 1948م ، بينما استوعبنا عدداً مساوياً من اللاجئين اليهود الذين فروا من البلدان العربية ، حوالي ستمائة ألف يهودي 0 واللاجئون اليهود من البلدان العربية جرى استيعابهم على الفور في إسرائيل وأصبحوا مواطنين كاملين يتمتعون بحقوق متساوية ، في حين ابقي اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين ولم تمنحهم أية دولة الجنسية باستثناء الأردن  0

    ما طرحه بيريز قبل عقد من الزمان يمثل تصور استراتيجي خطير لمستقبل المنطقة ، ونعتقد من خلال متابعتنا بأن الولايات المتحدة بدأت تطبق جزء من هذا التصور الآن ، وهو إعادة تشكيل الشرق الأوسط وزراعة حكومات جديدة فيه تقبل أية حلول صهيوأمريكية في المنطقة  0

    ومن هذه الحلول عدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين وتجنيسهم في الدول التي يقطنون فيها 0

    ولكن الخبراء الاستراتيجيون الصهيونيون يرون حتى لو طبق الحل أعلاه ، فذلك لا ينقذ إسرائيل من المشكلة الديموغرافية التي ستواجهها قريباً ، فمجموع الفلسطينيين في فلسطين 1948م وفلسطين 1967م يبلغ 5 مليون فلسطيني ، ومجموع اليهود يبلغ 3ر5 مليون يهودي ، ولكن الذي يمثل كارثة للحركة الصهيونية ، هو بأن النمو الطبيعي للفلسطينيين 5ر2% سنوياً ، أي احتمال أن يتضاعفون في فترة أقل من 30 سنة ، والنمو الطبيعي في المجتمع اليهودي أقل من 5ر1% أي احتمال التضاعف السكاني يحتاج إلى فترة أكثر من 50 سنة  0

    إذاً حتى لو طبقت نظرية بيريز أعلاه سيبقى خطر النمو الديموغرافي الفلسطيني قائماً بالنسبة لليهود وذلك سيضع الحركة الصهيونية أمام مجموعة من الفرضيات مثل

    أ  – دولة ثنائية القومية 0
    ب – دولتين في فلسطين إحداهما عربية والأخرى إسرائيلية 0
    ج  – نظرية إسرائيل الكبرى على كامل التراب الفلسطيني  0

    بالنسبة للدولة الثنائية القومية فهو مرفوض إسرائيلياً على المستوى الرسمي والشعبي ، فعلى المستوى الرسمي يقول ياهودا ولمبرت نائب رئيس وزراء إسرائيل في (The Daily Star December 6th. 2003)  الأرض التي تحت سيطرة إسرائيل عدد الفلسطينيون فيها 3ر1 مليون نسمة ، وعدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة 5ر3 مليون نسمة ، وخلال فترة قصيرة سيتجاوز عدد الفلسطينيين في فلسطين 1948م وفلسطين 1967م عدد اليهود ، وذلك بسبب الزيادة الطبيعية الكبيرة لدى الفلسطينيين0 فمن يقول اولميرت بعد فترة قريبة سيطلب الفلسطينيين ايقاف الدولة المنفصلة ويحبذون أن يكون في فلسطين دولة ثنائية القومية ، ويرى اولميرت لو حدث ذلك في فلسطين المحتلة ، ويعتقد اولميرت لو حدث ذلك سيفصل إسرائيل من المجتمع الدولي وحتى من اليهود خارج إسرائيل 0

    وفي دراسة نشرتها الراية في عددها (7894) تقول  بأن استطلاع الرأي في إسرائيل في أكتوبر 2003م ، بأن 67% من اليهود في فلسطين المحتلة خائفون جداً من الدولة الثنائية القومية ، في حالة عدم ايجاد حل للقضية الفلسطينية 0

    وكذلك تذكر الدراسة السيناريوهات للدولة الإسرائيلية ثنائية القومية التي مولها الصندوق الألماني فريدريتش ايبرت ، السيناريو الأول  يقول أن المسائل الديموغرافية لن يكون لها أهمية في عصر العولمة حيث ستذوب سيادة الدول القومية لصالح العولمة، أما السيناريو الثاني  فقد تحدث عن انشطار إسرائيل إلى اتحاد فيدرالي لجماعات عرقية ودينية مختلفة ، تقيم سلطة مركزية هزيلة ، وهنا سيقوم حكم ذاتي عربي داخل الخط الأخضر ، والسيناريو الثالث  يتحدث عن صعود حزب صهيوني يميني إلى السلطة وبالتالي سيسحب الحقوق من العرب ومن باقي غير اليهود ، ويقمعهم ، عندها ستتحول إسرائيل إلى دولة عنصرية على نمط جنوب أفريقيا في عهد التفرقة العنصرية، أما السيناريو الرابع  وضعه إسرائيل هرئيل ، فلا يزال واضحاً أن الحقيقة مفزعة  دولة إسرائيل تفقد ميزاتها كدولة يهودية ، وتغدو في حقيقة الأمر دولة ثنائية القومية، كمرحلة انتقالية نحو اليوم الذي يحولها فيه التطور الديموغرافي إلى دولة فلسطينية مع أقلية يهودية كبيرة  0

    ويقول ايدي بلانش الباحث في المركز الاستراتيجي للدراسات الدولية في لندن (Daily Star November 22,2003)  بأن المشكلة الديموغرافية الإسرائيلية ليست فقط بسبب هروب اليهود الضخم من فلسطين المحتلة ، ووصل عدد الإسرائيليين الذين يقطنون خارج إسرائيل الآن 760 ألف يهودي ، وكانت هذه الإحصائية لا تتعدى 550 ألف يهودي عام 2000م ، ويضيف بلانش بأن الأسباب التي أدت إلى ذلك هو الانتفاضة والعمليات الاستشهادية وتردي الأحوال الاقتصادية في إسرائيل ، ويضاف إلى ذلك تمكن المتشددين الصهاينة من السيطرة على القرار السياسي في إسرائيل  0

    ويضيف بلانش  إن في التسعينيات من القرن الماضي ، بدأت إسرائيل تستعيد عافيتها للتوازن الديموغرافي ، من خلال هجرة اليهود من الأتحاد السوفيتي السابق بحيث وصل ما يقارب مليون يهودي من الأتحاد السوفيتي السابق ، ولكن الآن اليهود السوفيت يذهبون إلى ألمانيا وليس إسرائيل 0 وكذلك اليهود السوفيت الذين يحملون مؤهلات وعاطلين عن العمل في إسرائيل ، أصبحوا يبحثون عن فرص عمل خارج إسرائيل ، وذلك أيضاً بسبب الانتفاضة التي جعلت إسرائيل لا تعاني من مشاكل أمنية وسياسية فحسب 00 بل وأيضاً من مشاكل اقتصادية  0

    وبسبب ما ذكرنا سلفاً يقول اولميرت  نحن نحتاج لخطوات أحادية سريعة ، لأن العرب سيصبحون في بعض المناطق التي تمت سيطرة إسرائيل عليها ، أكثر من الشعب الإسرائيلي ، وبعد ذلك سيطالب الفلسطينيون في حقهم في التصويت ، ويرى أنه عندما يحدث ذلك ، سيخسر الإسرائيليون كل شيء في فلسطين المحتلة  0

    ولكن تصور اولميرت ، يخالف التصور الذي وضعه الراعي الأمريكي لفلسطين المحتلة ، بحيث ينشأ فيها دولتين إحداهما للعرب والأخرى لليهود ، والتصور الذي ترعاه أمريكا منذ فترة قصيرة صادقت عليه الأمم المتحدة في عام 1948م عندما نشأت دولة إسرائيل ، وأكدت عليه الأمم المتحدة عام 1967م بعد احتلال الأراضي العربية الفلسطينية  0

    وكما ذكرت (Daily Star)  بأن اولميرت يعلم جيداً بأن أمريكا ضد أي حل أحادي إسرائيلي ، لأن التصور الأمريكي يرى أن أي حل لعمل الحدود ما بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية ، يجب أن يأتي من خلال مفاوضات إسرائيلية فلسطينية 0 والطلب الفلسطيني واضح وصريح هو إقامة دولة فلسطينية على جميع الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلتها إسرائيل عام 1967م 0

    وإذا أصبح من الصعب على اليهود إقامة دولة ثنائية القومية ، أو دولتين في فلسطين المحتلة ، فلن يبقى لليهود إلا نظرية إسرائيل الكبرى 00 وطبعاً هذا الحلم الصهيوني يقوم على أن تضم إسرائيل جميع الأراضي العربية في فلسطين ، وعلى أن تطلق على كل فلسطين اسم إسرائيل ، ويشترط هذا التصور على أن يكون جميع أو معظم سكان إسرائيل الكبرى هم من اليهود ، وهذا كما ذكره اولميرت الآن لتصوره الأحادي لإسرائيل  يقوم على وضع حدود جديدة لإسرائيل في أراضي فلسطين 1948، وبعض أراضي فلسطين 1967م ، ويشرط اولميرت في تصوره على أن تكون الحدود الجديدة لإسرائيل تشمل 80% من السكان اليهود ، و 20% من السكان العرب  0 ونرى أن هذا التصور هو ليس بجديد ، ولكنه هو التصور الحقيقي لدولة اليهود العنصرية  0 ولكن ما هو الحل مع السكان العرب ؟ الإجابة  بالطبع كما ذكر بيريز سلفاً أن على الدول العربية تجنيس المواطنين الفلسطينيين الذين لديهم ، وبعد فترة لا تستغرب أن التصور الجديد للحركة الصهيونية ، هو القيام على أمر الدول العربية باستقبال ما تبقى من الشعب الفلسطيني في فلسطين  0 وبهذا ستستطيع الحركة الصهيونية من إقامة حلمها في إسرائيل الكبرى ، وفي الوقت نفسه ستتحاشى الوقوع في نظام الفصل العنصري الذي كان مطبق في جنوب أفريقيا وعارضته جميع دول العالم تقريباً ، إلا إسرائيل طبعاً  0

    طبعاً نحن كعرب وكمسلمين لا نؤمن إلا بحقيقة واحدة ، هي بأن فلسطين كلها من النهر إلى البحر ، ملكاً للشعب الفلسطيني ، ولكن الواقع المعاصر يقدم لنا تصوراً آخر ، وهو يقضي على أن 78% من أرض فلسطين لليهود ، وتحت مسمى إسرائيل ،    و 22% من الأراضي الفلسطينية يفترض أن يُشكل فيها دولة لمن تبقى من العرب الفلسطينيين في فلسطين ، والأغرب من ذلك أن بعض القيادات الفلسطينية قبلوا بالحل الذي يقضي بتسليم 22% من الأرض ، ويدعمهم في هذا القبول جميع القادة العرب تقريباً ، ولكن الصدمة الكبرى للاستسلام العربي هو أن إسرائيل رافضة الحل الذي يقضي باعطاء الفلسطينيون 22% من أرض فلسطين التاريخية لإنشاء وطن قومي لهم0

    ونعتقد ما دمنا نحن نعيش نظرية فوكياما لنشر الليبرالية والرأسمالية في العالم، وذلك سيكون نهاية التاريخ ، والذي سينتهي بنشأة دولة عالمية  ، فالسؤال الذي يطرح نفسه  لماذا لا تفكر القيادات الإسرائيلية بإنشاء دولة ثنائية القومية في إسرائيل ( أي على جميع أرض فلسطين التاريخية ) وخاصةً أن العالم سيتحول إلى قرية عالمية جديدة 0

    وإلى اللقاء دائماً إن شاء اللّه ،،،

      Leave a Reply

      Your email address will not be published. Required fields are marked *